البديل الشيوعي الثوري الحقيقي في المستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات : الثورة الديمقراطيّة الجديدة / الوطنيّة الديمقراطية كجزء من الثورة البرويتاريّة العالميّة مقتطف من مقال - تونس : رغم إنتفاضتها الشعبيّة ، لماذا لم يتغيّر في الأساس وضع الجماهير بل إزداد سوء ؟ -


ناظم الماوي
2018 / 2 / 8 - 00:35     

البديل الشيوعي الثوري الحقيقي في المستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات : الثورة الديمقراطيّة الجديدة / الوطنيّة الديمقراطية كجزء من الثورة البرويتاريّة العالميّة
مقتطف من مقال " تونس : رغم إنتفاضتها الشعبيّة ، لماذا لم يتغيّر في الأساس وضع الجماهير بل إزداد سوء ؟ "

المشكل كما تطرّقنا له يكمن في كون النظام الإمبريالي العالمي بكلّ مكوّناته قد فات أوانه و إن ظلّ سائدا ، لن يفرز سوى الفساد و الخراب للإنسانيّة قاطبة و لكوكب الأرض و الحقيقة الماديّة الموضوعيّة هي أنّه آن أوان تجاوزه و تخطّيه . هذا هو المشكل من وجهة نظر شيوعية ثوريّة أمّا الإصلاحيين فيرون أنّ المشكل يكمن في " الإنتقال الديمقراطي " أو الفساد الإداري و المالي و السياسي إلخ أي في جوانب من الحياة السياسيّة أو الإقتصادية يمكن تعديلها لتحسين سير النظام القائم و هم لا يضعون موضع السؤال الدولة برمّتها و نمط الإنتاج برمّته .
و بالنسبة للمستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات ، المشكل موضوعيّا و حقيقة هو دولة الإستعمار الجديد برمّتها و نمط الإنتاج برمّته كجزء من النظام الرأسمالي – الإمبريالي العالمي الذى تخدمه هذه الدول مثلما تخدمه الدول الرأسمالية – الإمبريالية . و الحلّ المرتأى شيوعيّا ثوريّا قطريّا و عربيّا ( دون الإستهانة بالإختلافات من قطر إلى آخر ) هو الثورة الديمقراطية الجديدة / الوطنيّة الديمقراطيّة بقيادة الطبقة العاملة و حزبها الشيوعي الثوري و الإيديولوجيا الشيوعيّة كجزء من الثورة البروليتارية العالميّة ( و ليس كما شوّهها الوطنيّون الديمقراطيّون بشتّى أصنافهم و تشكيلاتهم و أفرغوها من مضمونها الثوري و صيّروها قوميّة أو ديمقراطيّة برجوازيّة كما شرحنا ذلك في مناسبات سابقة كثيرة ).
و منذ العدد الأوّل من نشريتنا " لا حركة شيوعيّة ثوريّة دون ماويّة ! " في مارس 2011 ، قدّمنا في خطوطه العريضة هذا البديل كما إرتآه و كرّسه ماو تسى تونغ و آخرون من بعده ، في تعارض صارخ مع دعاة " الديمقراطيّة الخالصة " ، الديمقراطية البرجوازيّة الشكلانيّة أو الديمقراطية القديمة و بعد شرحنا في النقطة الأولى من المقال الحامل لعنوان " الديمقراطية القديمة البرجوازية أم الديمقراطية الجديدة الماويّة ؟ " للفرق بين الديمقراطيّات المتعدّدة ( ديمقراطيّة أم ديمقراطيّات ؟ ) و قبل التطرّق للعلاقة بين الثورة الديمقراطية الجديدة و الثورة الوطنيّة الديمقراطيّة ( الثورة الديمقراطية الجديدة / الثورة الوطنيّة الديمقراطيّة ) و لطريق الثورة ( طريق الثورة الديمقراطيّة الجديدة : حرب الشعب أم الإنتفاضة المسلّحة ؟ ) صغنا النقطتين الثانية و الثالثة على النحو التالى :
" الديمقراطية القديمة أم الديمقراطية الجديدة ؟
" إنّ التناقضات المختلفة من حيث طبيعتها لا يمكن أن تحلّ إلاّ بطرق مختلفة طبيعيّا "(ماو تسى تونغ، " فى التناقض" )
كانت الثورات الديمقراطية القديمة ضد الإقطاع، قبل القرن العشرين، ثورات برجوازية تفرز دولا رأسمالية برجوازية.أمّا الثورات الديمقراطية الجديدة فتتعارض تمام التعارض مع الديمقراطية القديمة أي مع الديمقراطية البرجوازية الراسمالية-الإمبريالية بمعنى أنّ نتيجة الثورة الديمقراطية الجديدة الحقّة لن تكون دولة ديمقراطية قديمة برجوازية و مجتمع رأسمالي تسوده البرجوازية و إنّما دولة ديمقراطية جديدة ، دولة ديمقراطية شعبية لطبقات ثورية مناهضة للإمبريالية و البرجوازية الكمبرادورية / البيروقراطية و الإقطاع تقودها البروليتاريا و تمهّد الطريق للثورة الإشتراكية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية .
بهذا المعنى الديمقراطية الجديدة مرحلة إنتقالية من مجتمع المستعمرات الجديدة أو أشباه المستعمرات إلى مجتمع مستقلّ ديمقراطي بقيادة بروليتارية و بتحالف وثيق مع الفلاحين الفقراء كخطوة اولى تليها خطوة ثانية لبناء مجتمع إشتراكي و هذا تيّار من تياّري الثورة البروليتارية العالمية و تياّرها الثاني هو الثورات الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية الإمبريالية. و لشرح الديمقراطية الجديدة كتب ماو عام 1940كتيّبا لم يكن فى منتهى الأهمّية لإنتصار الثورة فى الصين فحسب بل بات ذا مغزى عالمي و أحد أهمّ مساهمات ماو تسى تونغ فى تطوير علم الثورة البروليتارية العالمية ، و منه نقتطف لكم الفقرات التالية الطويلة نسبيّا للضرورات التي ألمحنا إليها فى المقدّمة :
--- " فى هذا العصر إذا نشبت فى أي بلد مستعمر أو شبه مستعمر ثورة موجهة ضد الإمبريالية ، أي ضد البرجوازية العالمية و الرأسمالية العالمية، فهي لا تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البرجوازية العالمية بمفهومها القديم ،بل تنتسب إلى مفهوم جديد، و لا تعدّ جزءا من الثورة العالمية القديمة البرجوازية و الرأسمالية ، بل تعدّ جزءا من الثورة العالمية الجديدة، أي جزءا من الثورة العالمية الإشتراكية البروليتارية. و إنّ مثل هذه المستعمرات و شبه المستعمرات الثورية لم تعد تعتبر فى عداد حليفات الجبهة الرأسمالية العالمية المضادة للثورة ، بل أصبحت حليفات للجبهة الإشتراكية العالمية الثورية." ( من فقرة " الثورة الصينية جزء من الثورة العالمية " ).
--- " إن الجمهورية الديمقراطية الجديدة تختلف عن الجمهورية الرأسمالية من النمط الأوربي الأمريكي القديم والخاضعة لديكتاتورية البرجوازية ، إذ أن هذه الأخيرة هي جمهورية الديمقراطية القديمة التي قد فات أوانها ، و من جهة أخرى فإنها تختلف أيضا عن الجمهورية الإشتراكية من النمط السوفياتي والخاضعة لديكتاتورية البروليتاريا ،فإن مثل هذه الجمهورية الاشتراكية تزدهر في ارض الاتحاد السوفياتي وسوف تعمم في جميع البلدان الراسمالية ، وأكيد أنها ستصبح الشكل السائد لتركيب الدولة والسلطة السياسية في جميع البلدان المتقدمة صناعيا . ولكن مثل هذه الجمهورية ، خلال فترة تاريخية معينة لا تصلح للثورات في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة ، ولذا فلا بد أن يتبنى خلال تلك الفترة التاريخية المعينة شكل ثالث للدولة في ثورات جميع البلدان المستعمرة والشبه المستعمرة . ألا و هو جمهورية الديمقراطية الجديدة . وبما أن هذا الشكل مناسب خلال فترة تاريخية معينة ، فهو شكل انتقالي ، ولكنه ضروري لا بديل له."( من فقرة " سياسة الديمقراطية الجديدة " ).
--- " ان الجمهورية التي يجب إقامتها ...لا بد أن تكون جمهورية للديمقراطية الجديدة سياسيا واقتصاديا على حد سواء . ستكون المصاريف الكبرى والمشاريع الصناعية والكبرى ملكا للجمهورية " إن كافة المشاريع أكانت صينية أم أجنبية والتي تحمل طابعا احتكاريا أو هي أكبر من أن يديرها الأفراد، مثل المصارف والسكك الحديدية والخطوط الجوية يجب ان تشرف عليها الدولة وتديرها ، حتى لا يستطيع الرأسمال الخاص أن يسيطر على وسائل معيشة الشعب ، هذا هو المبدأ الرئيسي لتحديد الرأسمال " ...ففي الجمهورية الديمقراطية الجديدة الخاضعة لقيادة البروليتاريا سيكون القطاع العام ذا طبيعة اشتراكية ، وهو يشكل القوة القائدة في مجموع الاقتصاد القومي بيد ان هذه الجمهورية لا تصادر الأملاك الرأسمالية الخاصة الأخرى ، ولا تحظر تطور الإنتاج الرأسمالي الذي " لا يسطر على وسائل معيشة الشعب " وذلك لأن اقتصاد الصين لا يبرح متخلفا جدا .
وستتخذ هذه الجمهورية بعض التدابير اللازمة من أجل مصادرة أراضي ملاك الأراضي وتوزيعها على الفلاحين الذين لا يملكون أرضا أو يملكون قطعا صغيرة ، تطبق بذلك شعار ... القائل " الأرض لمن يفلحها " وتلغى العلاقات الإقطاعية في المناطق الريفية ، وتحيل ملكية الأرض إلى الفلاحين . أما اقتصاد الفلاحين الأغنياء في المناطق الريفية فوجوده مسموح به . تلك هي سياسة تحقيق المساواة في ملكية الأرض و شعار " الأرض لمن يفلحها " هو الشعار الصحيح الذي يترجم تلك السياسة. وفي هذه المرحلة لن نسعى على العموم الى إقامة الزراعة الاشتراكية . بيد ان أنوعا مختلفة من الاقتصاديات التعاونية التي تكون قد تطورت على أساس " الأرض لمن يفلحها " سوف تحتوي على عناصر اشتراكية " ( من فقرة " إقتصاد الديمقراطية الجديدة " ).
---" أمّا الثقافة الجديدة فهي إنعكاس إيديولوجي للسياسة الجديدة و الإقتصاد الجديد وهي كذلك فى خدمتها." ( من فقرة : ثقافة الديمقراطية الجديدة.) " إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه ثقافة وطنية تعارض الإضطهاد الإمبريالي و تنادي بالمحافظة على كرامة الأمة ... و إستقلالها. هذه الثقافة تخصّ أمتنا ، و تحمل خصائصها الوطنية. و يجب عليها أن ترتبط بالثقافة الإشتراكية و ثقافة الديمقراطية الجديدة لسائر الأمم ، بحيث تتشرّب من بعضها البعض و تتبادل المساعدة لتتطوّر سويّا فى سبيل تشكيل ثقافة جديدة للعالم ...إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه ثقافة علمية تعارض سائر الأفكار الإقطاعية و الخرافية و تنادي بالبحث عن الحقيقة من الوقائع، و بالإلتزام بالحقيقة الموضوعية ، كما تنادى بالوحدة بين النظرية و الممارسة العملية... إنّ ثقافة الديمقراطية الجديدة هذه هي ثقافة جماهيرية وهي بالتالى ديمقراطية . و ينبغى لها أن تخدم الجماهير الكادحة من العمّال و الفلاحين الذين يشكّلون أكثر من 90% من سكّان بلادنا ، و أن تصبح بصورة تدريجية ثقافتهم الخاصّة." ( من فقرة " ثقافة وطنية علمية جماهيرية " ).
و عليه ، واهمون هم أولئك الذين يتصوّرون إمكانية وجود مجتمع رأسمالي ديمقراطي برجوازي على غرار ما يوجد فى أوروبا ، فى المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات فى حين أنّ هذه الإمكانية منعدمة تاريخيا وواقعيّا.و القوى القومية و "اليسارية" المرتكبة لإنحراف قومجي ،الداعية للتحرّر الوطني رئيسيا و المتناسية للطابع الديمقراطي أو المقلّصة من أهمّيته مشدّدة على مواجهة العدوّ الإمبريالي غاضة الطرف عن البرجوازية الكمبرادورية/البيروقراطية ( و متحالفين معها أحيانا) و الإقطاع على خطإ واضح و جلي ؛ و القوى "اليسارية" التي تشدّد التشديد كلّه على الطابع الديمقراطي بمعنى الحرّيات السياسية حصريا تقريبا مخطئة هي الأخرى لتقليصها لمضمون الثورة التي تتطلبها المرحلة فى المستعمرات الجديدة وأشباه المستعمرات و طبيعتها و إستهتارها بالجبال الرواسي الثلاثة ألا وهي الإمبريالية و البرجوازية الكمبرادورية و الإقطاع.
الديمقراطية الجديدة تطوير لعلم الثورة البروليتارية العالمية أم تحريف له ؟
رغم محاولات الحركة الشيوعية العالمية و الأممية الشيوعية بقيادة البلاشفة الذين كانوا على رأس جماهير الشعب فى إنجاز ثورة أكتوبر المجيدة ،أن تطوّر خطّا متكاملا للثورة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات ،فإنّ لينين أقرّ بمحدودية تلك الجهود و بالحاجة الأكيدة لتطوير طرق جديدة و عدم إتباع طريق أكتوبر.و قد صرّح فى تقرير فى المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق فى 22 نوفمبر 1919 ، بالآتى :
" أنتم تمثلون منظمات شيوعية و أحزابا شيوعية تنتسب لمختلف شعوب الشرق . و ينبغى لى أن أقول إنه إذا كان قد تيسر للبلاشفة الروس إحداث صدع فى الإمبريالية القديمة ، إذا كان قد تيسر لهم القيام بمهمة فى منتهى العسر وإن تكن فى منتهى النبل هي مهمة إحداث طرق جديدة للثورة ، ففى إنتظاركم أنتم ممثلى جماهير الكادحين فى الشرق مهمة أعظم و أكثر جدة ...
و فى هذا الحقل تواجهكم مهمة لم تواجه الشيوعيين فى العالم كله من قبل : ينبغى لكم أن تستندوا فى الميدانين النظري و العملي إلى التعاليم الشيوعية العامة و أن تأخذوا بعين الإعتبار الظروف الخاصة غير الموجودة فى البلدان الأوروبية كي يصبح بإمكانكم تطبيق هذه التعاليم فى الميدانين النظري و العملي فى ظروف يؤلف فيها الفلاحون الجمهور الرئيسي و تطرح فيها مهمة النضال لا ضد رأس المال ، بل ضد بقايا القرون الوسطى . وهذه مهمة عسيرة ذات طابع خاص ، غير أنها مهمة تعطى أطيب الثمرات ، إذ تجذب إلى النضال تلك الجماهير التى لم يسبق لها أن إشتركت فى النضال ، و تتيح لكم من الجهة الأخرى الإرتباط أوثق إرتباط بالأممية الثالثة بفضل تنظيم الخلايا الشيوعية فى الشرق ... هذه هي القضايا التى لا تجدون حلولا لها فى أي كتاب من كتب الشيوعية ، و لكنكم تجدون حلولها فى النضال العام الذى بدأته روسيا . لا بد لكم من وضع هذه القضية و من حلها بخبرتكم الخاصة ..."
و بفضل التجارب العملية و النظرية، السلبية منها و الإيجابية، المراكمة وإستجابة لمتطلبات واقع المستعمرات الجديدة و اشباه المستعمرات ، طوّر ماوتسى تونغ ضمن مساهماته العديدة فى تطوير علم الثورة البروليتارية العالمية و الماركسية فى مكوناتها الثلاثة ، طرقا جديدة للثورة بداية مع ثورة الديمقراطية الجديدة ثم الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى لمواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا.
و إثر وفاة القائد البروليتاري الصيني العظيم و إنقلاب التحريفيين فى الصين معيدين تركيز الرأسمالية هناك ، نظّم هجوم سافر على ماو تسى تونغ و مساهماته التى أثبت التاريخ صحّتها ، من طرف الإمبريالية العالمية و الرجعية و التحريفيين الصينيين و كذلك الخوجيين عبر العالم .و إنبري الشيوعيون الثوريون الماويون حقّا للدفاع عن إرث ماو تسى تونغ الذى هو إرث البروليتاريا الثورية العالمية و خاضوا جملة من الصراعات على شتى الأصعدة أدّت ضمن ما أدّت إليه إلى تشكيل الحركة الأممية الثورية سنة 1984 من عدّة أحزاب و منظمات من جميع قارات الكوكب أصدرت بيانا عالميا فى تلك السنة منه نقتطف لكم بضعة فقرات متصلة بالموضوع الذى نحن بصدده وبدروس متعلّقة بهذا النوع من الثورات :

" و لا تزال النظرية التى بلورها ماو تسى تونغ خلال السنوات الطويلة للحرب الثورية فى الصين تمثل المرجع الأساسي لصياغة الإستراتيجيا و التكتيك الثوريين فى البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة أو المستعمرات الجديدة . فى هذه البلدان تمثل الإمبريالية الأجنبية و كذلك البرجوازية البيروقراطية "والكمبرادورية " و الإقطاعيون- بإعتبار الطبقتين الأخيرتين طبقات تابعة و مرتبطة بقوة بالإمبريالية- مرمى الثورة (هدفها ). و تعبر الثورة فى هذه البلدان مرحلتين : ثورة أولى هي الثورة الديمقراطية الجديدة التى تؤدي مباشرة فيما بعد إلى ثورة ثانية هي الثورة الإشتراكية . و طبيعة و هدف و مهام المرحلة الأولى من الثورة تخوّل للبروليتاريا وتقتضى منها إقامة جبهة واسعة متحدة تجمع كل الطبقات و الشرائح الإجتماعية التي يمكن كسبها لمساندة برنامج الديمقراطية الجديدة .و مع ذلك ، فإن البروليتاريا تسعى إلى بناء هذه الجبهة المتحدة بما يتفق مع مبدأ تطوير و دعم قواها الذاتية المستقلة وهو ما يستتبع مثلا أنه على البروليتاريا أن تكون لها قواتها المسلحة الخاصة متى حتمت الظروف ذلك و أنه عليها أن تفرض دورها القيادي تجاه قطاعات الجماهير الثورية خاصة تجاه الفلاحين الفقراء. و يتخذ هذا التحالف كمحور أساسي له تحالف العمال مع الفلاحين كما يجب أن تحتل الثورة الزراعية ( أي النضال ضد الإستغلال شبه الإقطاعي فى الريف و / أو شعار " الأرض لمن يفلحها " ) مكانة مركزية فى برنامج الديمقراطية الجديدة ...
و من أجل تتويج ثورة الديمقراطية الجديدة، يترتب على البروليتاريا أن تحافظ على دورها المستقل و أن تكون قادرة على فرض دورها القائد فى النضال الثوري وهو ما تقوم به عن طريق حزبها الماركسي - اللينيني- الماوي . و قد بينت التجربة التاريخية مرارا و تكرارا أنه حتى إذا ما إشتركت فئة من البرجوازية الوطنية فى الحركة الثورية فإنها لا تريد (ولا تستطيع ) قيادة ثورة الديمقراطية الجديدة و من البداهة إذا ألآ توصلها إلى نهايتها. كما بينت التجربة التاريخية أن "جبهة معادية للإمبريالية " ( أو " جبهة ثورية " أخرى من هذا القبيل ) لا يقودها حزب ماركسي- لينيني- ماوي لا تؤدى إلى نتيجة حتى إذا ما كانت هذه الجبهة ( أو بعض القوى المكوّنة لها ) تتبنى خطا " ماركسيا " معينا أو بالأحرى ماركسيا كاذبا . و بالرغم من أن هذه التشكيلات الثورية قد قادت أحيانا معاركا بطولية بل و سدّدت ضربات قوية للإمبريالية ، فإنها أظهرت أنها عاجزة على المستوى الإيديولوجي و التنظيمي ،عن الصمود أمام التأثيرات الإمبريالية و البرجوازية. و حتى فى الأماكن التى تمكّنت فيها هذه العناصر من إفتكاك السلطة ، فإنها بقيت عاجزة عن تحقيق تغيير ثوري كامل للمجتمع فإنتهت جميعا ، إن عاجلا أم آجلا ، بأن قلبتها الإمبريالية أو أن تحولت هي نفسها إلى نظام رجعي جديد يعمل اليد فى اليد مع الإمبرياليين .
و يمكن للحزب الشيوعي فى الوضعيات التى تمارس فيها الطبقات المسيطرة ديكتاتورية عنيفة أو فاشية أن يستغل التناقضات التى يخلقها هذا الوضع بما يدعم الثورة الديمقراطية الجديدة و أن يعقد إتفاقات أو تحالفات مؤقتة مع عناصر من طبقات أخرى . و لكن هذه المبادرات لا يمكن لها أن تنجح إلا إذا واصل الحزب المحافظة على دوره القيادي و إستعمل هذه التحالفات فى النطاق المحدّد بمهمته الشاملة و الرئيسية و المتمثلة فى إنجاح الثورة ، دون أن يحوّل النضال ضد الديكتاتورية إلى مرحلة إستراتيجية للثورة بما أن محتوى النضال المعادي للفاشية ليس إلا محتوى الثورة الديمقراطية الجديدة .
ويتعين على الحزب الماركسي - اللينيني- الماوي لا فقط أن يسلّح البروليتاريا و الجماهير الثورية بوسائل فهم طبيعة المهمّة الموكولة للإنجاز مباشرة ( إنجاح الثورة الديمقراطية الجديدة ) و الدور و المصالح المتناقضة لممثلى مختلف الطبقات (الصديقة أو العدوّة ) و لكن أيضا أن يفهمهم ضرورة تحضير الإنتقال إلى الثورة الإشتراكية وواقع أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى الشيوعية على مستوى العالم .
ينطلق الماركسيون - اللينينيون- الماويون من مبدإ أن على الحزب أن يقود الحرب الثورية بما يجعلها حرب جماهير حقيقية . و يجب عليهم حتى خلال الظروف العسيرة التى تفرضها الحرب أن يعملوا على تربية واسعة للجماهير و مساعدتها على بلوغ مستوى أرقى نظريا و إيديولوجيا و من أجل ذلك يتوجب تأمين نشر و تطوير صحافة شيوعية منتظمة الصدور و العمل على أن تدخل الثورة الميادين الثقافية .
فى البلدان المستعمرة و شبه المستعمرة ( أو المستعمرات الجديدة )، تمثّل الإنحراف الرئيسي فى الفترة الأخيرة ( و لا تزال) فى الميل إلى عدم الإعتراف أو إنكار هذا التوجه الأساسي للحركة الثورية فى مثل هذه البلدان : الميل إلى إنكار الدور القيادي للبروليتاريا و للحزب الماركسي -اللينيني- الماوي و إلى رفض أو تشويش إنتهازي لنظرية حرب الشعب و إلى التخلى عن بناء جبهة متحدة على أساس تحالف العمال و الفلاحين تقودها البروليتاريا .
و قد تجلى هذا الإنحراف التحريفي فى الماضي فى شكل "يساري " أو فى شكل يميني مفضوح . و لطالما نادى التحريفيون الجدد ب " الإنتقال السلمي للإشتراكية " (و خصوصا إلى حدود الماضى القريب ) و سعوا إلى دعم القيادة البرجوازية فى نضالات التحرر الوطني و لكن هذه التحريفية اليمينية التى لا تخفى سياستها الإستسلامية ، كانت دائما ما تجد صداها فى شكل آخر للتحريفية تتقاطع معها اليوم أكثر فأكثر : نوع من التحريفية المسلحة " اليسارية " تدعو لها فيمن يدعو لها ، من حين لآخر القيادة الكوبية و تؤدى إلى سحب الجماهير بعيدا عن النضال المسلح و التى تدافع عن فكرة دمج كل مراحل الثورة و عدم القيام إلا بثورة واحدة، ثورة إشتراكية مزعومة. و تؤدى هذه السياسة عمليا إلى محاولة دفع البروليتاريا إلى أفق محدود جدا و إلى إنكار واقع أن على الطبقة العاملة أن تقود الفلاحين و قوى أخرى وأن تسعى بذلك إلى تصفية كاملة للإمبريالية و للعلاقات الإقتصادية و الإجتماعية المتخلفة و المشوّهة التى يتمّعش منها رأس المال الأجنبي و التى يجتهد فى تدعيمها . و يمثل هذا الشكل من التحريفية اليوم واحدة من الوسائل الرئيسية التى يستعملها الإمبرياليون الإشتراكيون للإندساس فى نضالات التحرر الوطني و مراقبتها .
ويجب على الماركسيين- اللينينيين - الماويين ، حتى يمكّنوا تطور الحركة الثورية فى المستعمرات و أشباه المستعمرات ( أو المستعمرات الجديدة ) من إتخاذ توجه صحيح ، أن يواصلوا تكثيف النضال ضد كلّ أشكال التحريفية و الدفاع عن مساهمات ماو بإعتبارها أساسا نظريا ضروريا من أجل تحليل عميق للظروف الملموسة و بلورة خط سياسي مناسب فى مختلف البلدان من هذا النوع . ( من فقرة " المهام فى المستعمرات و أشباه المستعمرات ( أو المستعمرات الجديدة ) ")
و عقب أقلّ من عقد من النضال النظري و العملي و تطوير منظّمات و أحزاب و حرب الشعب فى عدّة بلدان لا سيما فى البيرو فى ثمانينات القرن العشرين ، خطت الحركة الأممية الثورية خطوة نوعية أخرى بتبنّيها للماركسية-اللينينية-الماوية و إعتبارها الماوية مرحلة ثالثة جديدة و أرقى فى علم الثورة البروليتارية العالمية .وهي تفسّر مساهمات ماو تسى تونغ فى " لتحي الماركسية – اللينينية - الماوية " سنة 1993خطّت الأسطر التالية بشأن الثورة الديمقراطية الجديدة :
" و تمكّن ماوتسي تونغ من حلّ مسألة كيفية إنجاز الثورة في بلد تهيمن عليه الإمبريالية . فالطريق الأساسي الذي رسمه للثـورة الصينيــــــة يمثــــل مساهمة لا تقدر بثمن فى نظرية وممارسة الثورة وهي مرشد لتحرير الشعوب التى تضطهدها الإمبريالية. و هذا الطريق يعنى حرب الشعب و محاصرة الأرياف للمدن ويقوم على الكفــــــاح المسلح كشكل أساسي للنضــال وعلى الجيش الذى يقوده الحزب كشكل أساسي لتنظيم الجماهير وإستنهاض الفلاحين وخاصة الفقراء منهم و على الإصلاح الزراعي و بناء جبهة موحدة بقيادة الحزب الشيوعي وذلك قصد القيــام بثـورة الديمقراطية الجديدة ضد الامبريالية والإقطاع والبرجوازية البيروقراطيــــــة و تركيز ديكتاتورية الطبقات الثورية تحت قيادة البروليتاريا كتمهيـــد ضروري للثورة الإشتراكية التي يجب أن تتلو مباشرة إنتصار المرحلة الاولى من الثـورة . وقدم ماو الأطروحة المتمثلة في " الأسلحة السحرية الثلاثة " : الحزب والجيش والجبهة المتحدة " كأدوات لا بد منها لإنجاز الثــــورة فى كل بلـــــد طبقا للظروف و طريق الثورة الخاصين . "
و بناء على ما تقدّم نستشفّ أنّ الديمقراطية الجديدة ليست تحريفا و تشويها لعلم الثورة البروليتارية العالمية و إنّما هي تطوير خلاّق قائم على دراسات وتجارب عملية فى الصين طوال عقود من الحرب الأهلية و على حقيقة أثبت تاريخ الصراع الطبقي فى الصين و غيرها من البلدان صحّها و انّ مدعي إتباع طريق أكتوبر – الإنتفاضة المسلحة المتبوعة بحرب أهلية و ليس حرب الشعب و محاصرة الريف للمدن- يطرحون طريقا خاطئا لن يقدر الشعب إذا ما إنتهجه أن يحقّق التحرّر الديمقراطي الجديد و التمهيد للثورة الإشتراكية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية و فى تحالف مع التيار الآخر للثورات البروليتارية ، تيار الثورات الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية –الإمبريالية. و كلّ القوى الشرعوية و الإصلاحية " الديمقراطية " من الطراز القديم التي تسعى إلى العمل فى إطار دولة الإستعمار الجديد لن تستطيع أبدا ان تنجز الثورة الديمقراطية الجديدة التي تستدعى القضاء على هذه الدولة لبناء دولة الديمقراطية الجديدة عوضا عنها و على أنقاضها."
( إنتهى المقتطف من مقال " الديمقراطية القديمة البرجوازية أم الديمقراطية الجديدة الماويّة ؟ " )
و قد درس الرفاق و الرفيقات في إيران الوضع العالمي و إستخدموا المقولات المطوّرة من قبل ماو تسى تونغ بشأن الثورة الديمقراطية الجديدة و طبّقوها على الواقع الملموس و صاغوا برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي- اللينيني – الماوي ) الذى ترجمه شادي الشماوي وهو متوفّر بالعربيّة بمكتبة الحوار المتمدّن على الأنترنت . و من المهمّ للغاية دراسة ذلك البرنامج و إمعان النظر فيه لأنّه برنامج شيوعي ثوري مفصّل نسبيّا و فائدته عظيمة في تجاوز المقولات العامة و ممّا جاء فيه بخصوص التغييرات الثوريّة الضروريّة في الاقتصاد ( إلى جانب التغييرات الثورية في الحقول الأخرى ) كيما يغدو إقتصادا في خدمة الجماهير الشعبيّة و الثورة البروليتاريّة العالميّة :
" فى المجال الإقتصادي :
مع إنتصار الثورة الديمقراطية الجديدة ، ستقع مصادرة كل الرساميل الكبرى الخاصة و رساميل الدولة الإحتكارية و الرساميل الإمبريالية و كلّ البنوك و المؤسسات الصناعية و التجارية الكبرى و تصبح ملكا للدولة الثورية . و جميع الإتفاقيات الإضطهادية التى عقدت مع الإمبرياليين و المؤسسات المالية العالمية و كافة ديون البلاد إلى الإمبرياليين سيجرى إلغاؤها ؛ و نظام الملكية شبه الإقطاعي سيلغي بواسطة توزيع الأرض على الفلاحين الذين لا يملكون أرضا و على الفلاحين الفقراء .
و إثر مصادرة الدولة للرساميل الإحتكارية الكبرى ، سيكون الجزء الأساسي من الإقتصاد الرأسمالي الإيراني قد تمّ التخلّص منه ما سيضمن تحكّم البروليتاريا فى شرايين الإقتصاد الوطني . و سيخلق تركيز وسائل إنتاج هائلة وإستراتيجية بيد الدولة و الدور القيادي للدولة فى مجمل إقتصاد البلاد الأسس الإقتصادية و الأرضية المناسبة لتقدّم الثورة الإشتراكية و البناء الإشتراكي . و لا يعنى وضع حدّ للهيمنة الإمبريالية و تحطيم الرأسمالية البيروقراطية أنّ الرأسمال يغيّر مالكيه من دولة رجعية إلى دولة ثوريّة . المهمّة الأساسية هي تحطيم علاقات الإنتاج الرجعية و التثوير الصريح لهذه العلاقات و للهيكلة الإقتصادية للبلاد .
و الهدف المباشر لإقتصاد الديمقراطية الجديدة هو خدمة إستقلال البلاد عن الرأسمال و الأسواق الإمبريالية . ففى الصناعة الوحيدة الإنتاج و الإقتصاد التابع فى إيران ، تلعب الصناعة النفطية دورا حيويّا . و بالتالي للسياسة التى تتوخّاها الدولة فى علاقة بالنفط و العلاقات النفطية مع العالم الإمبريالي ، دور حيوي فى تركيز توجّه المجتمع و فى مصيره . فى الصناعة النفطية ، كلّ شيء ، من قروض رأس المال إلى التطوّر التقني ،و من تدريب التقنيين إلى تجديد الآلات ، و من إقتسام السوق إلى تسعير المنتوجات ، يقع تحت سيطرة و نفوذ الدول الإمبريالية الإحتكارية العالمية . و كلّ دولة تحاول أن تقبض على " الكنز المسموم " و تجتهد فى سبيل" إقتسامه بعدل" أو تطالب بأسعار أعلى فى التبادل فى السوق العالمي ستضع نفسها فى الواقع تحت قبضة الإحتكار و السيطرة الإمبرياليين . إنّ قطع العلاقة النفطية مع السوق العالمي خطوة جوهرية ستتخذ مباشرة إثر إنتصار الثورة من أجل القطع مع علاقات الهيمنة الإمبريالية . و سيقضى هذا على إرتباط الحاجيات الأساسية للشعب بتوريد الرأسمال الأجنبي و بتموّجات أسعار النفط فى السوق العالمية . و رغم أنّه سيكون من الضروري الحفاظ على بعض المبادلات مع الخارج ، تكفّ العلاقات مع الإقتصاد العالمي عن أن تكون هي القوّة المحرّكة لإقتصاد البلاد .
و سيعنى جعل الإقتصاد مستقلاّ عن الإقتصاد الإمبريالي أنّ الصناعات المرتبطة بالخارج لن تستمرّ ، و الغذاء لن يورّد و زراعة منتوجات غير أساسية و كمالية و توسّع الصناعات الريفية ( مثل حياكة الزرابي ) المعدّة للتصدير إلى الأسواق العالمية سيوضع لها حدّ ؛ وعامة سيتمّ التخلّص من الإستراتيجيا الكمبرادورية ل " الإنتاج القائم على الإمتياز النسبي " و " الموجّه للتصدير " .
مهمّة صعبة ومعقّدة هي مهمّة تغيير مجتمع مندمج فى الإنتاج الإمبريالي و فى شبكة توزيعه و مرتبط بالمصادر الأجنبية و السوق العالمية و الحُقن الإمبريالية . إلغاء الدخل النفطي و التصدّى للضغوط الإقتصادية و السياسية ( و حتى العسكرية ) من قبل الإمبرياليين سيزيد الصعوبات تعقيدا . لكن إلغاء الدخل النفطي ، إلى جانب إجراءات ثورية أخرى ، فى حدّ ذاته ، سيوجد فرصا حقيقية لإعادة بناء إقتصاد البلاد . و سيمنع إعادة إحياء الفلاحة ، عبر الثورة الزراعية ، الإنهيار الإقتصادي للبلاد و سيسفر بسرعة عن إزدهار قوى الإنتاج ، موجدا دعما هاما لتطوير الصناعة . و التأكيد على سياسة عدم التعويل على الدخل النفطي و الإستثمارات الأجنبية و معالجة المشاكل الإقتصادية سيرتهن برسم مخطّط صحيح و بالتعبئة الإيديولوجية و السياسية للجماهير . دون التعويل على الجماهير، لا يمكن تنظيم القطيعة مع الإمبريالية.
و ستطبّق السياسات الإقتصادية بأسلوب ديمقراطي و ليس بيروقراطي لإستنهاض الجماهير و بتكريس القيادة المركزية و الإدارة اللامركزية و تنظيم قوّة عمل هائلة من الناس فى مجموعات تعاون متبادل . و نتيجة ذلك سيُطلق العنان لمبادرة الجماهير و حماسها .
و ستستدعى عدم إمكانية الحصول على التقنية الأجنبية العالية فى البداية ، وجوب إستعمال وسائل تقنية دنيا و متوسّطة لدفع الإنتاج ، و تدريجيّا ستعدّ الأرضية لتشكيل قاعدة صناعية للتعويل على الذات . فى بعض فروع الصناعة سيتمّ إتّخاذ خطوات تراجع . خطّ الإنتاج و كذلك نوع المنتوج و حجم إنتاج بعض المصانع يجب تغييرها . و يمكن أن تقسّم بعض المزارع الكبرى . و تلك القطاعات التى تتطلّب نشاطاتها مواصلة و تعزيز التعويل على العالم الإمبريالي سيجرى غلقها . و ستجرى عملية إعادة تنظيم المصانع على نحو يجعلها تعمل دون إرتباط بالأجنبي و تنتج لأجل حاجيات الإنتاج و الإستهلاك الداخليين للبلاد. و سيتمّ التشديد أساسا على زراعة منتوجات توفّر قاعدة الغذاء و الحاجيات الأساسية للشعب أو المواد الأولية الضرورية للصناعة .
و ستقضى مصادرة جميع الأراضي التابعة للملاكين العقاريين ( الدولة و الخواص و المؤسسات الدينية الإقطاعية ) و توزيعها على الفلاحين الفقراء و الذين لا يملكون أرضا ، على العلاقات شبه الإقطاعية . و ستطبّق الدولة شعار " الأرض لمن يفلحها " و ستحوّل الأرض إلى ملكية خاصة للفلاحين . و فى نفس الوقت ستشجّع تشكيل تعاونيات إنتاج : توزيع و أشكال جماعية لإمتلاك الأرض قى الريف و تدفع نحوها و تنهض بها . و هكذا ستُعزّز العناصر الإشتراكية وتوسّع فى الإقتصاد الفلاحي .
و لن تصادر الدولة الرساميل الصغري و المتوسّطة لأنّه لفترة زمنية ستمكّن من النهوض بدور إيجابي فى إيجاد مواطن شغل و تشجيع الإنتاج الضروري لإقتصاد البلاد و لمعاش الشعب و لتوسيع التبادل بين المدن و الريف . لكن هذه الرساميل تلعب كذلك دورا سلبيّا فى كلّ من الإقتصاد ومعاش الناس لأنّه ، مثل أي رأسمال ، يبحث عن الربح . و جزء من ثمار شغل العمّال يذهب إلى جيب الرأسماليين كربح و يصبح هذا دافعا لدى الرأسماليين لتوسيع رأسمالهم و الإنخراط فى المزيد من الإستغلال . و من هنا ، تحدّد الدولة مدى نشاط هذه الرساميل و تعدّل آفاقها داخل إطار المخطّط الإقتصادي العام للبلاد ، دافعة إيّاها نحو بعض القطاعات غير الإستراتيجية حيث ليست قادرة على التحكّم فى وسائل عيش الشعب و الخدمات الأساسية فى البلاد . وفى الوقت نفسه، بإمتصاصها التدريجي لهذه القطاعات إلى إقتصاد الدولة، ستحوّلها الدولة بطرق مختلفة و تجعلها مؤسسات تابعة للملكية الإشتراكية للدولة .
و التواجد الواسع النطاق لوحدات الإنتاج الصغيرة و الفردية فى شتى قطاعات إقتصاد البلاد ، لا سيما فى الفلاحة ، مشكل يواجه البروليتاريا إثر إفتكاكها للسلطة . و الإنتاج الفلاحي الصغير متناقض مع نظام الملكية العامة الإشتراكي و البنية الفوقية لدكتاتورية البروليتاريا ، و لا يمكن السماح له بالمواصلة طويلا . و الإنتاج الريفي و أيضا المديني على قاعدة الملكية الخاصّة أرض خصبة للتطوّر الرأسمالي . سرعان ما ستفرز ملكية الأرض الفردية للفلاحين سيرورة إستقطاب فى صفوف الفلاحين و ستمهّد الأرضية للفقراء ليصبحوا أشدّ فقرا و للأغنياء ليصبحوا أشدّ غنى.
فى سبيل الحيلولة دون بلوغ هذا الوضع ، الحلّ الوحيد هو تشجيع الملكية الإشتراكية . يجب تدريجيّا تحويل الملكية الفردية للفلاحين و إنتاجهم إلى ملكية جماعية إشتراكية ، دون إستعمال أية قوّة لإفتكاك الملكية سواء الصغيرة أم الكبيرة ، من الأسفل إلى الأغلى و من الملكية الجماعية للدولة إلى ملكية الدولة ، إستنادا إلى التطوّر التدريجي لقوى الإنتاج و الوعي الإشتراكي للناس . و تعبّر هذه السيرورة عن التناقض بين علاقات الإنتاج و قوى الإنتاج فى ظروف جديدة . و مردّ انّ الأمر كذلك هو أنّ علاقات الإنتاج الجديدة ستسفر عن تغييرات جبارة و ستحرّر أهمّ مكوّن من مكوّنات قوى الإنتاج ، الناس . و حلّ هذا التناقض و تطوّره المستقبلي ممكن بصفة أساسية بواسطة الصراع الطبقي .
و سيتّخذ الصراع الطبقي بين البروليتاريا و البرجوازية ( بما فى ذلك الصراع بين الفلاحين الفقراء و الأغنياء ) من خلال كامل هذه السيرورة شكل تقليص و مناهضة التقليص ( لتحديد الرأسمالية أم لا ) و التغيير و مناهضة التغيير ( لتغيير الملكية الخاصة إلى ملكية جماعية أم لا ) وهو الشكل المحوري للنضال فى ظلّ الديمقراطية الجديدة . و الإنتصار فى هذا الصراع هو شرط الإنتقال إلى الإشتراكية .
نموذج التطوّر الإقتصادي للدولة الجديدة مغاير نوعيّا لنموذج التطوّر الذى يفرضه الإمبرياليون على الإقتصاد الإيراني . الإقتصاد الجديد إقتصاد مخطّط ، معوّل على ذاته ، مكتف ذاتيّا و يتطوّر بصفة متوازنة و هدفه توفير الحاجيات الأساسية للجماهير و يثمر تحسّنا مطّردا فى حياتها . فى هذا الإقتصاد لا يحتلّ الربح موقع الصدارة . و التطوّر اقتصادي مرتبط تماما بإلغاء العلاقات الطبقية و الإجتماعية الإستغلالية و الإضطهادية .
و على عكس نموذج التطوّر الإمبريالي ، لن تمتصّ الصناعة لبّ الإنتاج الفلاحي ، و لن تنهب المناطق الوسطى و المدينية و الريف و المناطق النائية . ستصبح الفلاحة قاعدة الإقتصاد و الصناعة عامل قائد ، و ستتوسّع و تتطوّر خدمة للفلاحة . و سيكون للفلاحة دور جوهريّ فى التطوّر الإقتصادي للبلاد بما هي موفّرة لوسائل العيش و المواد الأولية الصناعية للصناعات الخفيفة ، و سوق للإنتاج الصناعي ، مصدر جوهري لقوّة العمل فى القطاعات الأخرى من إقتصاد البلاد و مصدر لدخل المجتمع بأسره . و فى نفس الوقت ، سيوفّر تطوّر الصناعة الأدوات المتقدّمة لمختلف قطاعات الإقتصاد ، رافعا من إنتاجية العمل و الإنتاج الإجتماعي . و على هذا الأساس ، سيرسم مخطّط للإقتصاد الوطني معطيا الأولوية للفلاحة و الصناعة الخفيفة ثم الصناعة الثقيلة . و ستستعمل أشكال من الصناعة و التقنية التى يمكنها توظيف قدرات المناطق الريفية إلى أقصى حدّ و تقليص الإختلافات بين المدن والأرياف. و لا يستبعد هذا النموذج تطوّر الصناعة و التمدين بيد أنّه سيمنع مركزة الصناعة حول المدن الكبرى و سيحدّد توسيع المدن و سيمنح مزيدا من التسهيلات للمدن الصغرى و المتوسّطة . و فى التخطيط ، ستعطى الأولوية للتطوّر المكتفي ذاتيّا نسبيّا لمختلف الجهات بمعنى تطوير صناعة و فلاحة مترابطين ؛ و سيمنع تخصيص جهات معيّنة فى إنتاج بالذات .
سيُرسم هذا النموذج من التطوّر الإقتصادي الجديد و يكرّس على ضوء صيانة البيئة . و سيأخذ بعين النظر موقع الصناعات ونوع الموارد والتقنيات المستعملة ، و صحّة الجماهير و صيانة البيئة . و سيُمنع تحطيم الموارد الطبيعية و تبذيرها مثل الغابات و الأنهار . و ستبذل جهود لإعادة إصلاح تلك التى قد دُمّرت .
فقط بإتباع هذا النموذج من التطوّر الإقتصادي يمكن تغيير الشكل القديم من التطوّر الإقتصادي لأجل التخلّص من التشويه و العلاقات المفكّكة و اللامتساوية بين الصناعة و الفلاحة ، و المدينة و الريف ، و مختلف مناطق البلاد و المجالات الإقتصادية المتخلّفة و المتقدّمة ، لتجاوز الدمار الناجم عن الحرب الأهلية وتنظيم قطيعة عميقة و شاملة مع الإقتصاد الإمبريالي العالمي و التبعيّة للإمبريالية . و التعويل على الذات و سيخوّل حتى التطوّر اللامركزي للدولة الثورية أن تقاوم الضغوط الإمبريالية و أن تواجه بأفضل صورة ممكنة الغزو و الإحتلال الإمبرياليين و أن تخدم على أفضل الثورة العالمية . "
( " طبيعة الثورة و آفاقها " ، " برنامج الحزب الشيوعي الإيراني ( الماركسي – اللينيني – الماوي 2000 " ، تعريب شادي الشماوي ، مكتبة الحوار المتمدّن )



تعليقات الفيسبوك