عن نمط الإنتاج و ضرورة تغييره مقتطف من مقال - تونس : رغم إنتفاضتها الشعبيّة ، لماذا لم يتغيّر في الأساس وضع الجماهير بل إزداد سوء ؟ -


ناظم الماوي
2018 / 1 / 14 - 22:22     

عن نمط الإنتاج و ضرورة تغييره
مقتطف من مقال " تونس : رغم إنتفاضتها الشعبيّة ، لماذا لم يتغيّر في الأساس وضع الجماهير بل إزداد سوء ؟ "

كتب ماركس في مقدّمة نقد الاقتصاد السياسي تلخيصا للنتائج العامة لدراسته للإقتصاد السياسي و التي ستغدو من أهمّ مميّزات المنهج المادي التاريخي و بمثابة الخيط الهادى في أبحاثه التالية :
" إنّ الناس ، أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم ، يقيمون فيما بينهم علاقات معيّنة ضروريّة ، مستقلّة عن إرادتهم و تطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معيّنة من تطوّر قواهم المنتجة الماديّة و مجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلّف البناء الاقتصادي للمجتمع أي الأساس الواقعي الذى يقوم عليه بناء فوقيّ حقوقي و سياسي و تطابقه أشكال معيّنة من الوعي الاجتماعي . إنّ أسلوب إنتاج الحياة الماديّة يشترط تفاعل الحياة الاجتماعي و السياسي و الفكري ، بصورة عامة . فليس إدراك الناس هو الذى يعيّن معيشتهم ، بل على العكس من ذلك ، معيشتهم الإجتماعيّة هي التي تعيّن إدراكهم . و عندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة الماديّة درجة معيّنة من تطوّرها ، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع علاقات الملكيّة – و ليست هذه سوى التعبير الحقوقي لتلك – التي كانت غلأى ذلك الحين تتطوّر ضمنها . فبعدما كانت هذه العلاقات أشكالا لتطوّر القوى المنتجة ، تصبح قيودا لهذه القوى . و عندئذ ينفتح عهد الثورة الإجتماعيّة . و مع تغيّر الأساس الاقتصادي يحدث إنقلاب في كلّ البناء الفوقي الهائل ، بهذا الحدّ أو ذاك من السرعة . و عند دراسة هذه الإنقلابات ، ينبغي دائما التمييز بين الإنقلاب المادي لشروط الإنتاج الإقتصاديّة – هذا الإنقلاب الذى يُحدّد بدقّة العلوم الطبيعيّة – و بين الأشكال الحقوقيّة و السياسيّة و الدينيّة و الفنّية و الفلسفيّة ، أو بكلمة مختصرة ، الأشكال الفكريّة التي يدرك فيها الناس هذا النزاع و يكافحون من أجل حلّه . فكما أنّه لا يمكن الحكم على فرد وفقا للفكرة التي لديه عن نفسه ، كذلك لا يمكن الحكم على عهد إنقلاب كهذا ، وفقا لوعيه . بل بالعكس ينبغي تفسير هذا الوعي بتناقضات الحياة الماديّة ، و النزاع القائم بين قوى المجتمع المنتجة و علاقات الإنتاج . إنّ أي تشكيلة إجتماعيّة لا تموت قبل أن تتطوّر جميع القوى المنتجة التي تفسح لها ما يكفى من المجال ؛ و لا تظهر أبدا علاقات إنتاج جديدة أرقى قبل أن تنضج شروط وجودها الماديّة في قلب المجتمع القديم بالذات. و لهذا لا تضع الإنسانيّة أبدا أمامها إلاّ المسائل التي تستطيع حلّها إذ أنذه يتّضح دائما ، عند البحث عن كثب ، أنّ المسألة نفسها لا تبرز إلاّ عندما تكون الشروط الماديّة لحلّها موجودة ، أو ، على ألقلّ ، آخذة في التكوّن . "
( الصفحات 7-8-9 من الطبعة العربيّة من الجزء الثاني ل " مختارات ماركس و إنجلز في أربعة أجزاء " ، دار التقدّم ، موسكو ).
و أكّد إنجلز في رسالة له إلى يوسف بلوخ :
" وفقا للمفهوم المادي عن التاريخ ، يشكل إنتاج و تجديد إنتاج الحياة الفعليّة العنصر الحاسم ، في آخر المطاف ، في العمليّة التاريخيّة . و أكثر من هذا لم نؤكّد في يوم من الأياّم ، لا ماركس و لا أنا . أمّا إذا شوّه أحدهم هذه الموضوعة بمعنى أنّ العنصر الاقتصادي هو ، على حدّ زعمه العنصر الحاسم الوحيد، فإنّه يحوّل هذا التأكيد إلى جملة مجرّدة ، لا معنى لها ، و لا تدلّ على شيء . إنّ الوضع افقتصادي إنّما هو الأساس ، و لكن مختلف عناصر البناء الفوقي تؤثّر هي أيضا في مجرى النضال التاريخي ، و تحدّد على الأغلب شكله في الكثير من الأحيان ؛ و نقصد بهذه العناصر أشكال النضال الطبقي السياسيّة و نتائجه- النظام السياسي الذى تقيمه الطبقة الظافرة بعد كسب المعركة ، و ما إلى ذلك – و الأشكال الحقوقيّة و حتّى إنعكاس جميع هذه المعارك الفعليّة في عقول المشتركين فيها ، و النظريّات السياسيّة و الحقوقيّة و الفلسفيّة ، و الآراء الدينيّة و تطوّرها اللاحق و صيرورتها نهجا من العقائد. و جميع هذه العناصر تتفاعل ، و في هذا التفاعل تشقّ الحركة افقتصادية لنفسها في آخر المطاف ، بوصفها حركة ضروريّة ، طريقا عبر كثرة لا عدّ لها من الصدف ( أي من الأشياء و الأحداث التي صلتها الداخليّة بعيدة أو عسيرة البرهان إلى حدّ انّه يمكننا إهمالها و إعتبارها غير موجودة ). و إلاّ كان تطبيق النظريّة على أي من المراحل التاريخيّة أسهل من حلّ معادلة بسيطة من المرتبة الأولى .
نحن نصنع تاريخينا بأنفسنا ، و لكنّنا ، أوّلا ، نصنعه في ظلّ مقدّمات و ظروف محدّدة جدّا ، الإقتصاديّة منها هي الحاسمة فىو لكن الظروف السياسيّة و غيرها ، و حتّى التقاليد التي تعششّ في رؤوس الناس ، تلعب هي أيضا دورا معيّنا ، و إن لم يكن الدور الحاسم . "
( الصفحات 171 و 172 من الطبعة العربيّة من الجزء الثاني ل " مختارات ماركس و إنجلز في أربعة أجزاء " ، دار التقدّم ، موسكو ).
هذا هو الأساس المادي الموضوعي لقيام المجتمعات و تطورها و علاقة البنية التحتيّة بالبنية الفوقيّة كما تعلّمنا إيّاه الماديّة التاريخيّة ( و قد طوّر ماو تسى تونغ لاحقا في خضمّ بناء الإشتراكية في الصين الماوية و خوض الثورة الثقافيّة البروليتاريّة الكبرى هذا الجانب من الماركسيّة و قد أبرز بوب أفاكيان " المساهمات الخالدة لماو تسى تونغ " في تطوير علم الشيوعية – كتاب بوب أفاكيان ترجم فصولا منه شادي الشماوي تجدونها بمكتبة الحوار المتمدّن ) و ينسحب هذا الإكتشاف الماركسي العظيم على كافة المجتمعات الإنسانيّة .
ونمط الإنتاج في المستعمرات و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات نمط إنتاج مشوّه بفعل العلاقات الإمبرياليّة و النظام الإمبريالي العالمي و بقايا أنماط ما قبل الرأسماليّة المتداخلة . و يعنى نمط الإنتاج أو أسلوب الإنتاج و قد كثر هذه الأيّام تداول منوال التنمية و حتّى منوال الإنتاج و لكن ماركسيّا الشائع و الأصحّ هو نمط / أسلوب الإنتاج الذى يعنى مكوّنات ثلاث هي أساسا نمط ملكيّة وسائل الإنتاج ( الأرض و المصانع و الآلات...) و علاقات الإنتاج بين البشر و الطبقات الإجتماعيّة في عمليّة الإنتاج و علاقات توزيع الإنتاج و موقع الطبقات منها . و حينما تبلغ قوى الإنتاج ( أدوات الإنتاج و البشر) تطوّرا معيّنا تظهر حاجة إلى الثورة أي إلى التغيير و قد قال ماو تسى تونغ ملخّصا ذلك بأسلوبه الخاص :
" تمثّل قوى الإنتاج العامل الأكثر ثوريّة ، و يؤدّى تطوّرها بالضرورة إلى الثورة . وتتكوّن قوى الإنتاج من عنصرين هما: الإنسان و أدوات العمل . لكن أدوات العمل هذه من صنع الإنسان . و عندما تطالب أدوات الإنتاج بالثورة ، يكون الناطق بإسمها الإنسان " .
( 11- ماو تسى تونغ ، " خطاب أمام الاجتماع العام الثاني للجنة المركزيّة الثامنة للحزب الشيوعي الصيني " ، مؤلّفات ماو تسى تونغ المختارة ، المجلّد الخامس ، ص 366 ، الطبعة الفرنسيّة )
و حالئذ ، مستفيدين ممّا يعلّمنا إيّاه ماركس و إنجلز و ماو تسى تونغ ، نثير سؤالا مفصليّا نودّ لو يجيب عنه المتمركسون دون لفّ و دوران و هم يزعمون تبنّى الماركسيّة : اليوم ، في العالم بأكمله وفى البلدان العربيّة ، هل بلغ تطوّر قوى الإنتاج حدّا صار معه يطالب بالثورة الشيوعيّة بتيّاريها أم لا ؟
و لئن كانت الإجابة بنعم ، فما الذى تنتظرونه للتخلّى عن الإصلاحيّة و الإلتحاق بصفوف الداعين للثورة ( و نحن على يقين أنّ قادتكم ، على الأقلّ ، جلّهم إن لم يكن كلّهم ، على وعي تام بالقطيعة التي لهم مع علم الشيوعية و النظرة البروليتاريّة للعالم و أنّهم يستخدمون الماركسيّة ستارا يتستّرون به و قناعا لمغالطة النزهاء و النزيهات من المناضلين و المناضلات المتطلّعين لتحرير الإنسانيّة ) ؛ ولئن كانت الإجابة بلا ، فإنّكم تتعمّدون مجانبة الحقائق الدامغة على كوكب الأرض ، من أقصاه إلى أقصاه ، إنّكم تنكرون إنفتاح " عهد الثورة " الإجتماعيّة على حدّ كلمات ماركس في عصر حسب التحديد اللينيني الذى لا يزال صالحا و صحيحا هو عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية ، الإمبرياليّة كمظهر رئيسي سائد فى التناقض الذى توجد فيه راهنا و ربّما لفترة طويلة حتّى بعد إفتكاك السلطة في عدّة بلدان ، في موقع ثانوي أي كطرف غير سائد ، طرف مهيمن عليه من طرفي التناقض . و على سبيل المثال لا الحصر ، ألا تلاحظون تطوّر قوى الإنتاج في الأقطار العربيّة إلى حدّ يخوّل تخطّى نمط الإنتاج السائد و إرساء نمط إنتاج أرقى ؟ ألا تلاحظون كيف تهدر قوى الإنتاج و منها البشر و مؤهّلاته و قدراته و لا أدلّ على ذلك من تهميش الملايين و إستفحال سحق المعطّلين عن العمل و منهم ذوى الكفاءات العليا كخرّيجي الجامعات و هكذا ؟
و لعلّ من القرّاء من أثار بدوره سؤال : من هي " الطبقة الظافرة بعد كسب المعركة " ( كلمات إنجلز ) في ما زعمتم أنّه " ثورة " وهي ليست أكثر من إنتفاضة شعبيّة كما شرحنا فى ما مرّ بنا ؟ و الأسئلة المشابهة أو القريبة من هذه كثيرة و كثيرة جدّا لكن نكتفى بهذا القدر الآن و نسترسل في الخوض في لبّ النقطة موضوع النقاش هنا .
و في البلدان الرأسماليّة – الإمبرياليّة نمط/ أسلوب الإنتاج السائد هو الرأسماليّة أمّا بقيّة العالم فالسائد فيه هو الرأسماليّة البيروقراطيّة / الكمبرادوريّة و شبه الإقطاعيّة عامة إن لم تكن ما قبل راسماليّة من صنف الإقطاعية أو العبوديّة باشكال متباينة في أماكن معيّنة . ومن أهمّ ما يميّز المجتمعات المستعمرة و المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات أنّ إقتصادها مشوّه و غير متكامل و غير مندمج و موجّه لتلبية حاجيات السوق الإمبرياليّة العالمية ، لا حاجيات الشعب ؛ أنّ البلد واقع تحت الهيمنة الإمبرياليّة و خاضع إلى إملاءات أجهزة النظام الإمبريالي العالمي الماليّة منها و التجاريّة و إلى هيكلة و إعادة هيكلة المؤسسات و القطاعات حسب ما يفيد المهيمنين على ذلك النظام و عملائهم ؛ أنّ الرأسماليّة التي تتطوّر هناك هي رأسماليّة بيروقراطيّة / كمبرادوريّة و ليست وطنيّة و الصناعات الثقيلة و صناعة وسائل الإنتاج إمّا ضامرة أو تقريبا منعدمة ؛ أنّ الفلاحة تعانى من تخلّف كبير و هي موجّهة إلى السوق الإمبرياليّة العالميّة و ليس إلى تلبية حاجيات الشعب و الإكتفاء الذاتي الغذائي ؛ و أنّ التفاوت بين الجهات تفاوت صارخ ...
و في تقديرنا و تقدير الشيوعيين الحقيقيين عبر العالم أنّ النظام الرأسمالي – الإمبريالي العالمي برمّته قد فات أوانه و في عصر الإمبرياليّة و الثورة الإشتراكيّة ، حان الوقت لتجاوزه بواسطة الثورة البروليتاريّة العالميّة بإتّجاه بناء عالم آخر ، عالم شيوعي ضروري و ممكن و مرغوب فيه . و نتوجّه مباشرة للمتمركسين راغبين منهم الإجابة دون لفّ و دوران مرّة أخرى ، على سؤال يحمل شقّين ، هل تقرّون بالحقيقة الموضوعيّة بأنّه ينبغي النضال من أجل تخطّى النظام الرأسمالي- الإمبرياليّ العالمي بدوله الإمبرياليّة و مستعمراته و مستعمراته الجديدة و أشباه مستعمراته و أنماط الإنتاج السائدة فيه إذ فات أوانهم ، أم لا ؟ و هل تعترفون بحقيقة موضوعيّة أخرى هي أنّ العالم يصرخ من أجل الثورة الشيوعيّة لتخطّى عصر الإمبرياليّة و بكلّ تبعات ذلك ، أم لا ؟ و نحن على يقين من أنّ محرّفي الماركسيّة سيلفّون و يدورون لتجنّب الجواب الصريح ذلك أنّ الإصلاحيين ينكرون جوهريّا هذه الحقائق ومن الفنون التي يتقنونها فنّ الخداع والمخاتلة.
و من وجهة النظر الماركسيّة ، ما لم تنتقل ملكيّة وسائل الإنتاج من طبقة إلى أخرى و ما لم تتغيّر مواقع الطبقات في الإنتاج و توزيع الإنتاج و ما لم تقع الإطاحة بالدولة القديمة و إقامة دولة جديدة تخدم مصالح الطبقات السائدة الجديدة ، ليس بوسعنا الحديث عن ثورة بمعنى التغيير الجذري في التشكيلة الإقتصاديّة الاجتماعية و في الطبقة او الطبقات السائدة التي تضع الدولة الجديدة كجهاز قمع طبقي في خدمتها مقابل إضطهادها لأعدائها الطبقيين .
و عندما رصدنا تغييب المتمركسين لهذه الأسس الماديّة التاريخيّة بما هي تطبيق للماديّة الجدليّة على المجتمع و التاريخ ، تولّينا لفت النظر إلى المسألة و شدّدنا حتّى أكثر على إيلائها الأهمّية اللازمة في مقالنا " لنكن واقعيّين : الدول العربيّة رجعيّة متحالفة مع الإمبرياليّة تسحق الجماهير الشعبيّة لذا وجبت الإطاحة بها و تشييد دول جديدة يكون هدفها الأسمى الشيوعيّة و تحرير الإنسانيّة على النطاق العالمي " ( العدد 32 من " لا حركة شيوعيّة ثوريّة دون ماويّة ! " ) فكتبنا ، بعد شرح لاواقعيّة إصلاح دول الإستعمار الجديد :
" تغيير نمط الإنتاج واجب !
فى مقال " الإنتخابات و أوهام الديمقراطية البرجوازية : تصوّروا فوز الجبهة الشعبية فى الإنتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2014 " ( العدد 22 من " لا حركة شيوعية ثورية دون ماويّة ! "- مكتبة الحوار المتمدّن و الموقع الفرعي لناظم الماوي هناك ) تحديدا نقطة " التحريفية و الإصلاحية و علاقة البنية التحتية بالبنية الفوقيّة " ، كتبنا :
" معلوم ماركسيّا و ماديّا جدليّا أن واقع الناس هو الذى يحدّد أفكارهم و أنّ البنية التحتيّة تحدّد البنية الفوقيّة ومن الإضافات الخالدة لماو تسى تونغ هو تشديده على مدى العلاقة الجدلية للبنيتين و تأثير البنية الفوقية فى البنية التحتيّة لا سيما فى المجتمع الإشتراكي لعوامل ليس هنا مجال تفصيلها . و قد رصدنا فى دراستنا للتحريفية و الإصلاحية و الخطوط الإيديولوجية و السياسية للمتمركسين تشويههم الفظّ للعلاقة الصحيحة بين البنية التحتيّة والبنية الفوقيّة حيث يفصلون بينهما و كأنّ – كما رأينا – الدولة والديمقراطية و القوانين و ما إلى ذلك من البنية الفوقيّة لدولة الإستعمار الجديد لا تعكس و لا تخدم القاعدة الإقتصادية الإجتماعية للمجتمع من علاقات الإنتاج و علاقات التوزيع و الملكية .
يتخيّل الإصلاحيّون أنّهم عند بلوغهم المشاركة فى أجهزة دولة الإستعمار الجديد سيكون بوسعهم تحقيق برامجهم إن مسّت من المصالح الأساسية للطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية دون معارضة شديدة من الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية و بقيّة أجهزة الدولة و على رأسها الجيش . يتخيّلون ذلك و يوهمون الجماهير الشعبيّة و المناضلات و المناضلين بإمكانيّة إنجاز المهام الوطنيّة و الديمقراطية للثورة الوطنية الديمقراطية فى إطار دولة الإستعمار الجديد و علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكية القائمة .
ليس المسك بالسلطة السياسيّة أو بجزء منها وحده هو الذى يخوّل تثوير مجتمع و بنيته التحتيّة والفوقيّة ، بل هناك حاجة أكيدة إلى إمتلاك دولة و عاموها الفقري جيش ثوري من طراز جديد يفرضات فرضا على الطبقات الرجعية و بالقوّة أحيانا التغيير الثوري المرجوّ فى البنيتين . تستطيع أن تكون ماسكا بسلطة الحكومة أو السلطة التشريعية ( مثلما حصل فى أندونيسيا فى أواسط الستينات ، مع الحزب الشيوعي هناك ) لكنّك لا تمسك بسلطة الدولة برمّتها فالسلطة السياسية تنبع من فوّهة البندقيّة و إن كان غيرك يمسك بالبندقية و أنت لا تملك بندقية – جيشا – فعليك السلام الذى ترجم تاريخيّا فى أندونيسيا بمجازر لمئات الآلاف من الشيوعيين و غيرهم الثوريين على أيدى سوهرتو والجيش الذى قاد الإنقلاب .
الإصلاحات و البرامج الإصلاحيّة و القوى الإصلاحية لا تعالج المشكل المتمثّل على وجه الضبط فى دولة الإستعمار الجديد و البنية التحتية و الفوقية للمجتمع الذى يحتاج ثورة لا إصلاحات ، ولا تنشأ دولة جديدة ثوريّة تقودها الطبقات الثوريّة و على رأسها البروليتاريا و هدفها الأسمى الشيوعية على النطاق العالمي ؛ أقصى ما تفعله هو إدخال تغييرات بسيطة فى هذا المجال أو ذاك أمّا البنية التحتيّة الإقتصادية الإجتماعية الأساسية التى تعيد إنتاج المجتمع بالإستعانة بالدولة و بقيّة البنية الفوقيّة فلن تشهد تغييرا راديكاليّا بل ستظلّ هي هي .
و ما الذى يحصل عندما يسعى الإصلاحيّون إلى التدخّل فى جوهر علاقات الإنتاج و التوزيع و الملكيّة ؟ تاريخيّا حصل أمران إثنان : أولهما تراجع الإصلاحيين عن مشاريعهم " الطموحة أكثر من اللازم " تحت الضغط المحلّي و الدولي و تأقلمهم مع المصالح الأساسيةّ لدولة الإستعمار الجديد فيظلّون فى الحكم لفترة تطول أو تقصر حسب الظروف فى خدمة الطبقات الرجعيّة و الإمبريالية العالمية ( أفريقيا الجنوبيّة بعد الأبرتايد ) و ثانيهما ، يستبعدون من الحكم بمؤامرات متنوّعة ( نيكارغوا و ما جدّ قبل سنوات عديدة من إستبعاد الجبهة الساندينية من الحكم قبل أن تعود إليه مؤخّرا بعد الكثير و الكثير من التنازلات على الكثير و الكثير من المستويات) أو يسحقون بالقوّة سحقا ( الشيلي و تجربة آلندى والحزبين الإشتراكي و الشيوعي هناك فى سبعينات القرن العشرين ) ...
إنّ من لم يدرك عمق الحقيقة التالية التى لخّصها ماو تسى تونغ و ينطلق منها فى نضاله ، لن يكون ثوريّا حقّا :
" إنّ الإستيلاء على السلطة بواسطة القوة المسلّحة و حسم الأمر عن طريق الحرب ، هو المهمة المركزية للثورة و شكلها الأسمى . و هذا المبدأ الماركسي اللينيني المتعلّق بالثورة صالح بصورة مطلقة ، للصين و لغيرها من الأٌقطار على حدّ سواء ."
( " قضايا الحرب و الإستراتيجيا " ( 6 نوفمبر - تشرين الثاني - 1938) ، المؤلفات المختارة ، المجلّد الثاني)
و نضيف إلى ذلك أنّ تغيير نمط الإنتاج واجب لأجل التمكنّ من خدمة مصالح أوسع الجماهير الشعبيّة و التقدّم نحو تحرير الإنسانيّة من كافة ألوان الإضطهاد و الإستغلال الجندري و الطبقي والقومي . يجب تغيير ملكيّة وسائل الإنتاج وموقع الطبقات فى الإنتاج و فى توزيع الإنتاج ، آخذين بعين النظر الظروف الملموسة و الوضع المباشر لكلّ بلد تحصل فيه الثورة الحقيقيّة . يجب إنشاء إقتصاد مندمج مخطّط يقطع مع الإمبريالية و يلبّى حاجيات الشعب و التقدّم بالثورة البروليتارية العالمية و تتحكّم فيه الطبقات الشعبيّة و فى مقدّمتها البروليتاريا و حزبها الشيوعي . و يكون هذا طبعا عقب - أو فى خضمّ سيرورة حرب الشعب الطويلة الأمد - الإطاحة بالدول القديمة و إنشاء دول جديدة ( و لا يتعلّق الأمر هنا بتجاهل التطلّعات القوميّة لدولة موحدّة وإنّما هنا يجرى الحديث عن دول قديمة و دول جديدة ) هدفها الأسمى تحقيق الشيوعية على النطاق العالمي.
و إن لم يقع تغيير نمط الإنتاج و العلاقات الإجتماعية و مجمل البنية التحتيّة ، ستقع إعادة إنتاج القاعدة الإقتصادية و العلاقات الإجتماعية و البنية الفوقيّة و منها الدول الرجعيّة المدعومة إمبرياليّا و بالتالى تستمرّ عذابات الجماهير الشعبية و إستغلالها و إضطهادها مهما كانت مساحيق الإصلاح الموضوعة على وجه دول الإستعمار الجديد .
يعتقد الإصلاحيّون ( المتمركسون منهم و غيرهم ) أنّه يمكن إنجاز المعجزات دون المساس بالبنية التحتيّة الإقتصادية و الإجتماعية و نمط الإنتاج . و لا يفـتأ الواقع يسفّه أضغاث أحلامهم . كم حكومة و كم تيّارا شارك فى حكم دولة الإستعمار الجديد بالمغرب و لم يلمسوا الخيارات الجوهرية للقاعدة الإقتصادية و نمط الإنتاج أصلا و لم يتوصّلوا لطبيعتهم و إتفاقهم على عدم النيل من نمط الإنتاج إلاّ إلى النجاح فى خدمة الطبقات الحاكمة الرجعيّة المحلّية المتحالفة مع الإمبريالية و طعن الشعب فى الظهر .
و الشيء نفسه يمكن أن يقال عن ما جرى فى تونس تحت حكم بن علي كخليفة لبورقيبة و بعده تحت حكم حزب النهضة على رأس الترويكا أو حكم حزب نداء تونس بتحالف مع حزب النهضة . و كذلك هو الأمر فى مصر ، بعد السادات ، زمن مبارك أو إثره مع حكم الإخوان أو تاليا حكم السيسي ...
لقد ساهمت قوى " يسارية " و " يمينية " ، " إشتراكية " و "ديمقراطية " و " ليبراليّة " و" إخوانية " ... فى تلميع صورة دول الإستعمار الجديد و تبييض وجهها و إعادة هيكلتها و إنقاذها من أزماتها و لم تغيّر التشكيلة الإقتصادية – الإجتماعية تغييرا جوهريّا . قدّمت هذه القوى هذه الفئة أو تلك من الطبقات الحاكمة ، إلى سدّة الحكم أو ضاعفت إمتيازاتها أو قلّصت منها أو شرّطتها فى تسيير شؤون الدولة . و كان مآل جماهير الطبقات الشعبيّة تقريبا ذاته فموقعها لم يتبدّل فى علاقة بملكيّة وسائل الإنتاج و بموقعها فى الإنتاج و موقعها فى توزيع الإنتاج و فى علاقة بإبعادها عن تسيير الدولة التى هي دولة أعدائها و التحكّم فى مسار المجتمع الذى تتمتّع به الطبقات الحاكمة المتحالفة مع الإمبريالية العالمية لا تهمّ فى ذلك الخلفيّة الإجتماعية لمنفّذى سياسات الدولة المعادية لمصالح الشعب .
و يقينا أن عفويّة الجماهير ، فى غياب الدعاية و التحريض و التنظيم الشيوعيين و نشر الوعي الشيوعي ، تؤدّى الكرّة تلو الكرّة إلى السقوط تحت جناح الطبقات الحاكمة ؛ وأنّ المطلبيّة الإصلاحيّة تسمح للطبقات الحاكمة بالتآمر و الإستمرار فى الحكم و لنمط الإنتاج بإعادة إنتاج نفسه و بإعادة إنتاج البنية الفوقيّة المناسبة له . سيقتضى كسر الدائرة الجهنّمية بالنسبة للجماهير و التى تدرّ الثروات على الطبقات الحاكمة و حلفائها لا الإصلاحيّة بل الشيوعية الماويّة الثوريّة كيما تنجز حقّا ثورة حقيقيّة تنشأ دولا جديدة هدفها الأسمى الشيوعية على الصعيد العالمي و تغيّر نمط الإنتاج بمكوّناته تلبية لمصالح الجماهير الشعبيّة و التقدّم على الطريق المؤدّية إلى تلك الغاية الأسمى ، فى إرتباط جدلي بين الثورة فى جزء ما من العالم والثورة البروليتارية العالمية و كجزء لا يتجزّأ منها ."
( إنتهى المقتطف من مقال " لنكن واقعيّين : الدول العربيّة رجعيّة متحالفة مع الإمبرياليّة تسحق الجماهير الشعبيّة لذا وجبت الإطاحة بها و تشييد دول جديدة يكون هدفها الأسمى الشيوعيّة و تحرير الإنسانيّة على النطاق العالمي ." )



تعليقات الفيسبوك