التغيير من فوق والتغيير من الاسفل- حول التعديل القانوني الانتخابي الجديد في العراق!


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 5603 - 2017 / 8 / 6 - 23:31
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

اثار تمرير قانون انتخابات المحافظات بصيغة معدلة لنظام سانت ليغو سخطا واسعا في بعض الاوساط بكونه قانونا مجحفا، القانون سن لصالح الاحزاب الكبيرة، وهي الاحزاب الاسلامية - الشيعية تحديدا، لكونه لا يتيح للاحزاب الصغيرة المنافسة، و"يسعى الى احتكار السلطة وتأبيدها، ومصادرة حق المواطنين في اختيار من يمثلهم في تلك المجالس، واغلاق الطريق على مساعي التغيير وابعاد الوجوه الفاشلة والفاسدة ومحاسبتها. والتقدم بخطوات جادة نحو الاصلاح المرتجى"، كما جاء في في بيان اصدره الحزب الشيوعي العراقي في يوم الثالث من شهر اب الجاري. كذلك وردت ردود افعال مشابهة في المقالات الصحافية لعدد من الكتاب مثل عدنان حسين، بان "تلك التعديلات هي تأكيد على الاستئثار بالسلطة، وعدم وجود الرغبة بالتعددية السياسية او المشاركة الفعلية في إدارة البلاد، وانه جاء لتعويق مشروع التغيير والإصلاح الذي صار مطلباً شعبياً، وانه سيرسخ هيمنة زعماء الاحزاب المتنفذة وتقوية أدواتهم في السلطة وتغييب إرادة الناخبين وإضعاف الاستماع لمطالبهم وتطلعاتهم".
من المؤكد ان التلاعب بالقوانين، وتغييرها، وتضييقها لصالح الاحزاب الحاكمة، هو دليل على استئثار تلك الاحزاب بالسلطة، وسعيها لتقليص حيز المنافسة مع اية احزاب اخرى، حيث ان الموقع البرلماني بالنسبة لاعضاء هذه الاحزاب، هو ليس ممارسة دور تمثيلي او خدمي لمجموعة ناخبين في منطقة او في احياء بعينها، بل انه مكانة وفرصة للاثراء والقوة للفرد ولاسرته، وللاستئثار والحصول على ملايين الدولارات ان لم نقل المليارات، من جراء تبوء تلك المواقع الرسمية في البرلمان والحكومة.
الا ان المشكلة لا تكمن في قيام الاحزاب المؤتلفة في البرلمان على اجراء التعديل القانوني الجديد المسمى بسانت ليغو 1.9 لصالحها. فمن المؤكد ان هذه الاحزاب التي ولدت لتحتكر السلطة تحت شعار "ما ننطيها" تسعى بكل الطرق الى الابقاء على سلطتها، وستسن القوانين بما يؤمن لها ادامة سلطتها، بعيدا عن المشاركة الحرة، وبالخداع والتزييف والتلاعب بالقوانين البرجوازية ذاتها، التي تبنتها. ان المشكلة تكمن في ايهام الجماهير بان هنالك عملية انتخابية حقيقية -حتى بالمعنى البرجوازي للكلمة-، وان ما يجري الان، هو تلاعب جديد في القوانين!
اكدنا منذ عام 2004 ولحد الان، ومرارا وتكرارا بان لا عملية الانتخابات هي حرة، ولا تعبر عن الاختيار الحر للجماهير. وان بعضا من جماهير الناخبين جرى سوقهم وخاصة في الاوساط الشعبية الشيعية لتصوت في الانتخابات لصالح الاحزاب الشيعية باعتبارها واجب "ديني مقدس" وفتوى من المرجعية، والذي لم تقنعه تلك الفتوى، تم شراء ارادته، وخاصة من الفقراء والمعدمين والارامل ببطانية او بحجاب، او ببطاقة هاتف جوال، او حتى بسلة طعام. اضافة الى استخدام اساليب الترويع والتخويف من قبيل حرق مقرات الاحزاب المشاركة في الانتخابات، كما جرى لمقرات القائمة الوطنية العراقية بزعامة اياد علاوي علاوي ومقر الحزب الشيوعي العراقي في الناصرية في منتصف الشهر الاخير من عام 2005 من قبل عناصر من مؤيدي قائمة الائتلاف الموحد 555.
ان نسيان هذه الحقائق انما يعني ايهام الناس، مرة اخرى واخرى بان هنالك انتخابات طبيعية تجري كما تجري مثلا في دول اوربية اخرى. انه مشاركة في نشر الاوهام والكذب على الجماهير وتزييف وعيها بحقيقة هذه الانتخابات. وهو تعزيز لمشاريع تلك الاحزاب "الكبيرة" المهيمنة على السلطة، والاسهام بادامتها في السلطة عبر المشاركة في الانتخابات ذاتها، وكأنها انتخابات مستوفية لشروط حرة وصحيحة لمشاركة الجماهير فيها.
لقد توصلت الجماهير بنفسها في اعوام 2008 و2009، و2014 الى حقيقة هذه الانتخابات، وتظاهرت في الشوارع وهي تهتف "قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية"! وصار هنالك عزوف واسع وواضح عن المشاركة في الانتخابات، وقد تدنت نسبة المشاركة فيها نظرا لفقدان امل الجمهور بحدوث اي تغيير، والنقمة على الاحزاب التي تدير السلطة. وقلنا مرارا وتكرارا بوجوب مقاطعة تلك الانتخابات وعدم المشاركة فيها، مع احزاب عاقدة العزم مقدما على انهم "ما ينطوها"! فلم هذا العبث "الانتخابي" اساسا ومن اوله!؟.
لقد قلنا مرارا وتكرارا بعدم تعليق الامال على تلك الانتخابات بل إفشالها بوصفها مخططاً لكسر إرادة الجماهير. وعلى الجماهير ان لا تشارك فيها ولا تكون شريكا مع تلك الاحزاب الديكتاتورية اساسا، وان تقاطعها، وان تحبط هذا السيناريو بمجمله، واخراج السلطة من ايديهم. ان تنظيم الجماهير في اماكن العمل وفي اماكن السكن وفي الاحياء والجامعات، هو الطريق الوحيد لفرض ارادة الجماهير من الاسفل على السلطة. فاحداث تغيير او اصلاح، لا يجري ولن يجري من فوق ان لم يكن هنالك ضغط حقيقي من الاسفل. ففي الوقت الذي تناقش فيه التعديلات القانونية، تتظاهر الجماهير في قضاء الزبير غربي البصرة، امام بوابة منطقة البرجسية النفطية للمطالبة بتخصيص درجات وظيفية .ويحتشد المتظاهرون امام مبنى الادارة المحلية بقضاء الوركاء منددين بتردي الخدمات وتفشي الفساد الاداري .ويتظاهر مواطنون في بغداد لنفس الاهداف...وهكذا.
لذا، ليست هنالك من خيبة امل في التعديل القانوني الذي جاء به البرلمان، لانه لم يكن هنالك املا اساسا في "عمليتهم السياسية" اولا وفي المقام الاول -ان لم يكن المرء قد اشترى اكاذيب وخداع تلك الاحزاب-. وكان حري باولئك الذين خاب املهم على الاقل تذكرو المثل الصيني: ان خدعتني في المرة الاولى فالعتب عليك، اما ان تخدعني في المرة الثانية فالعتب عليّ.



تعليقات الفيسبوك