الصراع المغلوط في العقل اليساري


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 5603 - 2017 / 8 / 6 - 12:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     



إلى رشيد الخميسي
شهد اليسار في بداية التسعينات من القرن الماضي ثلاثة انهيارات. على الصعيد العالمي انهارت تجربة الاشتراكية المحققة وتفككت المنظومة الاشتراكية والجمهوريات السوفياتية وفقدت الأحزاب الشيوعية سندها الدولي. على الصعيد العربي، انهارت حركة التحرر الوطني العربية التي قادتها "الأنظمة التقدمية" لعقود من الزمن. وفي لبنان سقطت تجربة الحزب الشيوعي، إذ تضافرت على عزله أحزاب حركة التحرر العربية وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية.
قيل الكثير في نقد التجربة وفي تحليل أسباب سقوطها وفي تعداد مآثرها وإنجازاتها وأخطائها. أفضت مشاركتي في الكتابة عنها إلى ثلاث خلاصات. الأولى أن اليسار حاجة للبشرية في مواجهة الأخطار التي تهددها، والثانية أن حاجة اليسار إلى الماركسية تتطلب منه، بعد سقوط التجربة، أن يعيد قراءتها، بل أن يقرأها مجدداً بحسب رأي البعض، بغير العين السوفياتية. والثالثة هي أن أهمية النقد تكمن في قدرته على الإجابة على السؤال اللينيني: ما العمل؟ ما العمل لإعادة الاعتبار لليسار ولإعادة بنائه؟ وقد حاولت أن أركّز كتاباتي بحثاً عن هذا الجواب.
الخطأ الذي بنى عليه اليسار كل عمارته النضاليه هو اعتقاده "أن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية". من هذا الاعتقاد تناسلت وتحدرت كل الأخطاء التفصيلية. في هذه العبارة فكرة ماركسية يعبر عنها مصطلح "الاشتراكية"، وفكرة ستالينية سوفياتية تحدد ميزة هذا العصر بأنه "عصر الانتقال" إلى الاشتراكية، وتحدد على ضوئها طبيعة الصراع والمهمات النضالية باعتبارها مهمات لا تحتمل التأجيل، والسبب هو أن العصر هو "عصر الانتقال". خشية اليسار من أن يصاب المصطلح الماركسي بشظايا النقد جعله يتمسك بالعبارة كلها، مع ما يحمله هذا التمسك من حنين إلى ماض جميل ومن عناد لا يفسره غير الجمود العقائدي.
سقطت هذه الفرضية مع سقوط التجربة المحققة، غير أن فكرة الاشتراكية لم تسقط، فهي تنطوي على توق إلى العدالة الاجتماعية، وهي مطلب قديم في التاريخ، بل سقط التصور السوفياتي للاشتراكية، الذي تجسد في ملكية الدولة وسائل الانتاج أو في السوفخوزات والكولخوزات والسوفياتات، وبات على الاشتراكيين البحث عن تصور جديد. بانتظار ذلك، صار عليهم أن يعيدوا صياغة برامجهم ويعيدوا تحديد أولوياتهم.
نكاد لا نعثر على جديد في برامج اليسار، الذي أصر على عدم الاعتراف بأي خطأ في النظرية أو في الممارسة، وأعاد أسباب السقوط إلى مؤامرات خارجية. المفكرون اليساريون، حتى المجددون منهم وناقدو التجربة السوفياتية، كرروا المفاهيم ذاتها والمعادلات نفسها في الصراع، من دون تغيير. نقرأ لجلبير أشقر نصّاً نقلته هدى شغراني على صفحتها يقول فيه :
ليفرض اليسار نفسه كبديل حقيقي عليه:"أن يكون #أولا وفياً حقاً لكامل القيم التقدّمية واليسارية [يعني] أن يكون أولاً وفياً بشكل كامل وبلا تجزئة للديموقراطية، بما في ذلك نقد كافة الأنظمة الدكتاتورية، حتى تلك التي تقف في مواجهة الإمبريالية الأميركية أو الصهيونية، اذ كفانا سكوتاً عن الدكتاتورية بحجة الوطنية، وبالمقابل سكوتاً عن التبعية للإمبريالية بحجة الديموقراطية. وبالتالي أن يكون اليسار، #ثانياً، جذرياً في تصدّيه للإمبريالية والصهيونية، وفي نضاله من أجل فك التبعية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وقادراً على إعادة رفع راية التوحيد القومي العربي بعد سقوطها في العقود الأخيرة، وأن يكون كذلك مدافعاً بصرامة عن حقوق الأقليات القومية والإثنية الموجودة في المنطقة العربية. وأن يكون، #ثالثاً، وفياً لمعركة تحرر النساء –وأشدّد هنا على تعبير «تحرّر» (بالقوى الذاتية أولاً) بتمايزه عن «تحرير»– وكذلك وفياً للنضال من أجل العلمانية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، وهي شرطٌ أساسيٌ لا ديموقراطية حقيقية بدون توفّره. وأن يقف، #رابعاً، في طليعة النضال ضد الاستغلال، ومن أجل مصالح الجماهير الكادحة الآنية في تحسين شروط عيشها، ومصالحها المستقبلية في تحقيق المساواة الاجتماعية. إن الوفاء لهذه الأبعاد مجتمعةً بلا إنقاص ولا إغفال تحت شتى الحجج «المرحلية»، هو الشرط الذي بدونه لا مجال لليسار ليبني نفسه بديلاً عن الأوضاع القائمة".
لا نعثر في النص على أي جديد، حتى"الوفاء" للديمقراطية ليس جديدا على برامج اليسار، فهي غالباً ما كانت تصنف نفسها في عداد القوى الديمقراطية، والحزب الشيوعي اللبناني وضع لبرنامجه المرحلي في المؤتمر الثالث عام 1973 عنوان، في سبيل حكم وطني ديمقراطي يفسح في المجال أمام الانتقال إلى الاشتراكية. والنقاط الثلاث الأخرى هي تكرار لشعارات قديمة، منها التصدي للامبريالية والصهيونية، وفك التبعية، والوحدة القومية، وحقوق الأقليات، وحقوق المرأة، والعلمنة، والنضال ضد الاستغلال والدفاع عن مصالح الجماهير الكادحة.
كتب شربل شربل على صفحته الفيسبوكية، في 5-8-2017، نصاً عن الإشارات الكهربائية يقول فيه: "لست أدري متى أبرمت أوّل صفقة ، عندنا، لوضع إشارات كهربائيّة، ولكنّني أذكر جيّدًا أنّ هذه الإشارات كانت، غالبًا، الضحيّة الأُولى من ضحايا التظاهرات الغاضبة، التي تعمل فيها تحطيمًا وكأنّها رمز للقمع، ولا تخصّ إلّا الأمبرياليّة العالميّة". انتبهنا، بعد فوات الأوان إلى أن الغضب اليساري لم يكن يصوب، حسب ظنه، على المكان الخطأ، يوم كان يجعل الإشارات الكهربائية "ضحيته الأولى"، فقد كان همه تحطيم الدولة البرجوازية ببنيتها التحتية والفوقية من أجل إقامة الدولة الاشتراكية، تحقيقاً لفرضية "عصر الانتقال". كان يصوب على الدولة وأجهزتها لأن الدولة، إن لم تكن اشتراكية، فهي عميلة للامبريالية والاستعمار والصهيونية. وقد تساهل اليسار الماركسي فوقف موقف الداعم "للأنظمة التقدمية" والمتحالف معها، فقط لأنها تعلن العداء اللفظي لمعسكر الامبريالية، فيما هي تغازله في الواقع من تحت الطاولة، وتعلن المواجهة اللفظية للمشروع الصهيوني من غير أن تعد العدة للمواجهة. وقد أسفر هذا النهج عن ترسيخ أنظمة معادية للديمقراطية في الجمهوريات الوراثية، فضلاً عما هو موجود لدى ملوك العائلات المالكة وسلاطينها وأمرائها. وقد بلغت خطورة ذلك ذروتها حين تبدلت وجهة الدعم اليساري "للأنظمة التقدمية" من دعم لها في مواجهة "الامبريالية والصهيونية" إلى دعم لها في مواجهة المطالبة الشعبية بالديمقراطية والحرية ودولة القانون، ولاسيما بعد وقوع الحزب الشيوعي اللبناني خصوصاً واليسار التقليدي عموماً في فخ الخيارات المغلوطة، فخ المفاضلة بين استبداد واستبداد، أو بين أصولية دينية سنية وأخرى شيعية، أو بين نفوذ إيراني وآخر سعودي. وقد كان المنزلق للوقوع في هذا الفخ هو التذرع بمواجهة الامبريالية والصهيونية لتبرير التحالف مع أنظمة الاستبداد وأحزابه.
هذا التطور الخطير في موقف اليسار التقليدي بات موضوع سجال على كل صعيد، ولا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يلتقي أصدقاء افتراضيون من مشارب سياسية وفكرية متعددة، ومن بينهم يساريون في جبهة الممانعة وآخرون معارضون لها. غير أن اللافت في أمر هذا السجال هو أنه كلما وجه أحدهم نقداً لتدخل حزب الله أو النظام الإيراني في سوريا، يهب يساريون للدفاع عن هذا التدخل. آخر هذه الجولات السجالية حصلت حين اخترت أن أنشر مقطعا من مقالة لأحمد عياش هذا نصها:
"أوساط شيعية ذات صلة بالحزب بدأت تعرب عن خشيتها من أن الامين العام للحزب نصرالله أمام تحدي مواجهة جمهوره الذي قدم آلاف الضحايا في الحرب السورية، والتي على ما يبدو ستنتهي الى خيبة أمل كبرى بدأت تلوح في الافق".
تعليقات كثيرة على هذا النص، من بينها هذا التعليق لصديق يساري مغربي هو رشيد الخميسي، يهمني أن أنقله بنصه الحرفي:

"هناك حلقة ما ضائعة دكتور .تجعل من فهم هذا الواقع مستعصيا وذا صعوبة كبيرة . لماذا هذا الموقف العدائي من حزب الله ؟ لماذا هذا الموقف المحابي للقوى الظلامية التكفيرية ؟
الجواب طبعا في السياسة فلاعلاقة لهذين الموقفين بالتصور النظري او الموقف الإيديولوجي من الدين وإلا لكان الموقف منهما معا متساويا . وفي السياسة أن حزب الله ضد المشروع الأمريكي الصهيوني الخليجي في حين موقف الظلاميين التكفيريين ومستوى الدعم الذي يتلقوه من داعمي المشروع الأمريكي الصهيوني الخليجي الرجعي لم يعد يحتاج دليلا ولا جدالا . فهل يصطف الشيوعيون والماركسيون والوطنيون مع المشروع الامبريالي ؟ أية ماركسية هاته تجعل من قطر مثلا قائدة لتطلعات الشعوب العربية نحو الديمقراطية ؟ أية ماركسية هاته تجعل من السعودية وقوى 14 من آذار التي تدور في فلكها طليعة النضال نحو الديمقراطية ؟
فليقنعونا بأهمية الدور القطري والسعودي في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية ، وأنا مستعد لمعاداة المشروع الإيراني والذي لا يتدخل لا في بناء الدولة ولا في هدمها كل تدخله في بناء عناصر قوة وصمود من قرر الصمود ومقاومة التدخل الامبريالي الصهيوني والرجعي الخليجي في بلاده .
نريد بناء الدولة الديمقراطية الحرة التي لا يتدخل فيها إيراني ولا سعودي ولا أمريكي ولافرنسي . ولبناء هذه الدولة نحتاج لرجال آحرار قرارهم بيدهم وطنيون وطنهم في قلبهم وعقلهم . وليس دمى تحركها مخابرات تحركها مخابرات تحركها مخابرات .
تحياتي لك دكتور مع عميق الود وصادق الاحترام"
بهذه اللغة المهذبة والواضحة يلتقي اليساري المغربي مع يساريين لبنانيين في خندق واحد في مواجهة "المشروع الأميركي الصهيوني الخليجي الرجعي". الموضوع شائك ومعقد وهو يشكل مادة البحث الذي أعده للنشر قريباً بعنوان "أحزاب الله" وأعني بها الأحزاب الشمولية، القومية والدينية واليسارية. لكنني أتوقف عند فكرة واحدة تتعلق بالخيارات المغلوطة التي ابتلي بها العقل اليساري، وذلك لأنه، على ما أظن، لم يقرأ تجربة الانهيارات الكبرى بعين نقدية، بل استمر يحلل الأوضاع المحلية والعالمية مستخدماً المصطلحات النضالية ذاتها التي كانت سائدة في مرحلة النهوض اليساري في العالم قبل تفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية.
الخطر الصهيوني ليس موضع شك، ولا مخاطر التوحش الرأسمالي. غير أن تجربة قرن من الزمن في عالمنا العربي أثبتت أن الخطر الأكبر المضمر الذي كان يتخفى خلف الصراع مع الامبريالية والصهيونية هو المتمثل بالاستبداد، استبداد الأنظمة الحاكمة والأحزاب المعارضة على السواء. هذا الخطر بالتحديد هو الذي هدد ويهدد الوحدة الوطنية في كل بلد عربي، وهل الذي وضع شعوب الأمة أمام واحد من خيارين، القبول بدوام الاستبداد وإلا فالبديل هو الحرب الأهلية. من لبنان إلى الجزائر، ومن اليمن إلى سوريا والعراق. الحروب الأهلية في هذه البلدان هي من صنع الأحزاب المحلية. أما الصهيونية فهي مستفيدة من غير شك، وكذلك الامبريالية، بل الامبرياليات، لكنها ليست هي السبب في اندلاع الحروب الأهلية بل أنظمة الاستبداد وأحزابه هي السبب.
الخطأ الذي يرتكبه بعض أهل اليسار هو أنهم يقعون في فخ الاختيار بين طرفين، الفرق بينهما "كالفرق بين الذئب والضبع" إن استخدمنا تعبير جبران خليل جبران حين كان يقارن بين الاستبداد الشرقي والاستبداد الغربي. الذريعة اليسارية واضحة: مع الحلف الإيراني السوري الشيعي، ضد السعودي الخليجي السني، بدعوى أن الحلف الأول يقف في مواجهة الصهيونية والامبريالية. مع أنهما حلفان يتنافسان على ترسيخ أنظمة الاستبداد وعلى قمع الشعوب المطالبة بالحرية.
آن الأوان أن يعيد اليسار قراءة التجربة على ضوء الانهيارات. آن له أن يزيل غشاوة الذرائع لتنقشع الحقيقة أمامه: مع الانهيارات، انهارت الفرضية السوفياتية القائلة إن ميزة هذا العصر هي أنه عصر الانتقال إلى الاشتراكية، وبات على اليساري أن يساهم في بناء وطنه بتحصينه ضد الاستبداد والحرب الأهلية.