ملاحظات حول راهنية الماركسية

حسن الصعيب
2017 / 6 / 24 - 13:17     



“كل تحديد سلب”
سبينوزا

في البداية نشير الى أن الأزمة المنسوبة الى الماركسية ،هي بالكاد مرتبطة أساسا،بالحدود التاريخية للماركسية الكلاسيكية،كما صاغها ماركس وانجلز،وطورها فيما بعد كاوتسكي وبليخانوف ولينين وتروتسكي وبوخارين وروزا لكسمبورغ وستالين وماو.فيما تبقى فرادة التحليل الماركسي للمجتمعات الرأسمالية وكذا السعي لإقامة مجتمع إنساني وعادل أو كما عبر عنه ماركس في”البيان الشيوعي”ب”الطيف الشيوعي الذي يرعب أوروبا القديمة”صائبة في عموميتها،لكن تحتاج في الوقت نفسه الى سيرورات جديدة من الكفاح التحرري المستلهم من دروس وتجارب قرن ونصف من الرصيد النضالي للماركسية.
إذن نستطيع التأكيد،على أن ما نرثه عن الماركسية يشكل شرعي وأصيل ،هو التحليل النقدي لأسس الهيمنة الرأسمالية،ثم فكرة”اليوتوبيا” باقامة مجتمع إنساني وعادل حيث تنتفي كل شروط المذلة بكرامة الإنسان والأخرى التي تولد الاستغلال والقهر الاجتماعيين والتمييز بين الجنسين ومختلف الثقافات والحضارات.
إن المرحلة التي تغطي من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن الماضي،رغم التفاوتات الحاصلة هنا وهناك،ورغم الالتماعات الإبداعية لكل من لينين وبوخارين وماو وروزا التي نجحت الى حد ما في تجسيد المثال الماركسي(التركيز على النقد والممارسة الثوريين) كانت جميعها تتقاطع في متصور واحد للمجتمع الشيوعي كمرحلة أخيرة للمجتمع البشري،بالارتكاز على استراتيجية تستمد مضمونها الجوهري من”البيان الشيوعي” هي اليوم محط نقد وتفكيك بالنسبة “لماركسية جديدة”بدأت تتبلور كتيار جدري وثوري ،منذ أن استيقظ العالم على جرائم ستالين ومجازر براغ وبول بوت وغيرها كثير..وعندما اختزلت الديمقراطية في البلدان الاشتراكية سابقا في حصول المواطنين على اكتفائهم الذاتي من الغداء والملبس والسكن والصحة والتعليم،وقزمت الحقوق الفردية والجماعية الى الحد الأدنى أو أقل من ذلك،تحت حجة حماية المجتمع الاشتراكي من التفكك والانحلال وللرد على المؤامرات التي تحيكها الامبريالية ضدها.
إن هذه الاستراتيجية التي تقف اليوم عند حدودها التاريخية ،كانت تحمل على الاعتقاد بحتمية الانتصار التاريخي للطبقة العاملة قي المعمور كله،لكونها الطبقة الكونية التي”تنتج القيمة الزائدة والتي تشكل في أخر المطاف،مجموع القيم التي تنجم عنها كمية الرأسمال النامية بلا انقطاع،والمتراكمة في أيدي الطبقات المالكة”(1) من جهة ومن جهة أخرى ،لكونها الطبقة الثورية الوحيدة حتى النهاية والقادرة على تحرير نفسها بل وكل الطبقات المقهورة في المجتمع.
هذا الاعتقاد بالدور الثوري والتاريخي للطبقة العاملة ،ظل ملازما ل”الماركسية الكلاسيكية”،وحتى التيارات الماركسية اللاحقة،رغم الأزمات التي مرت منها والتي كانت تهدد”بخراب النظرية”(2)”بدء بثورات 1848والحرب الفرنسية-الألمانية(1870)وكممونة باريس(1871)،التي عاصرها ماركس وأنجلزوفرضت عليهما تعديل واجدات تحويل في الأفكار والتقديرات السياسية المتضمنة في “البيان الشيوعي”المحرر سنة 1847، وحل الأممية الأولى بمبادرة من ماركس،وانقسام الحركة الشيوعية الى فشل انتفاضة 1905بروسياابان عهد لينين،واندلاع الحروب الإمبريالية والاستعمارية،ثم المجازر التي تعرض لها الشيوعيين بأوروبا في عهدي النازية والفاشية وانشقاق الحركة الشيوعية (1961-1970 )والثورة الثقافية بالصين،وأزمة1968..حتى مرحلة اكتمال الدورة الكونية الكبرى(1890-1990) بتفكك الاتحاد السوفياتي سابقا وأوروبا الشرقية وتحول الصين الى رأسمالية الدولة.
إن نجاح أول ثورة اشتراكية في العالم بالاتحاد السوفياتي سابق(أكتوير 1917)،بقدر ما جسدت الحلم المؤجل لماركس،في استيلاء الطبقة العاملة بقيادة حزبها البروليتاري على السلطة ،وأبانت عن قدرات هائلة على مستوى التنظيم والانضباط والكفاح حتى تفكيك جهاز الدولة البرجوازي –القيصري،بقدر ما عبرت في نفس الوقت عن تكريس “تقليد ماركسي”(3) ما انفك يطبع بتأثيره القوي والجارف ،مختلف الحركات الشيوعية في مختلف بقاع العالم،مفسحا في المجال،لسيادة نزوع مثماتل مع قرارات ومواقف”المركز الاشتراكي الأول” والذي عرف تألقه وأجه خلا سنوات(1931-1945).
كما أن “التقليد االأورتودوكسي” المعمم على أوروبا تحت قيادة “كاوتسكي”والذي تم تمريره من خلال التأويل السابق للماركسية الكلاسيكية وخصوصا لما تعزز بالاجتهادات الجديدة التي أدخلها بليخانوف…والدمار الذي خلفه هذا التقليد المتبنى من طرف ستالين رغم المجهودات البطولية لكن المشتتة للينين وبوخارين..هذا التقليد الذي طبع تاريخ الأممية الثانية والثالثة ،وحكم بمبادئه في التنظيم والممارسة “الأحزاب الشيوعية في العالم”(4) كان له تأثير قوي فيما آلت إليه التجارب الاشتراكية.
إن كل الاستراتيجية المتبناة من طرف “الماركسية الكلاسيكية”القائمة على قاعدة الهزيمة الوشيكة للرأسمالية والانتصار التاريخي والحتمي للطبقة العاملة،لتعبر اليوم بكل وضوح عن حدودها التاريخية.
ففي ضوء المعطيات الراهنة ،استطاعت الرأسمالية التكيف مع أزماتها، من خلال تطوير وسائل استمرارها في الحياة،بحيث دفعت بالثورة الالكترونية والمعلوماتية الى أقصى مدى،كما طرأ تحول كبير على مستوى تركيبة الطبقة العاملة،التي لم تعد تعتمد على العمل اليدوي كما حلل وضعيتها ماركس في كتابه الرائع “الرأسمال”أو أنجلز في كتابه القيم “الطبقة العاملة في انجلترا”،بل غدت اليوم أقسامها الأكثر عصرية متخصصة في العمل الذهني ، المرتبطة أساسا بالتكنولوجية الالكترونية والمعلوماتية ، مما أدى الى بروز اقتصاد للمعرفة،دون أن يؤدي ذلك الى زوال “قانون القيمة”الذي يحكم النظام الرأسمالي ككل .
عند ولوج عتبة القرن المقبل ،ستصبح قاعدة” الطبقة العاملة الكلاسيكية” في البلدان المسيطر عليها ،مع نقل جميع الآفات البيئية،وأنماط الاستغلال الأكثر بشاعة مما حدت في القرن التاسع عشر التي وصفها الكاتب الفرنسي ،بشكل مأساوي،في كتابه التحفة”لو جيرمينال”.
بينما ،تتحول قاعدة الطبقة العاملة،في أوروبا وأمريكا واليابان ،الى طبقة عصرية مرتبطة أشد الارتباط باقتصاد المعرفة،وعلى الصعيد الدولي ستتضخم الى حد مهول قاعدة “الجيش الاحتياطي للعمل”كما كان يسميها ماركس،الشئ الذي سيعطي اندفاعات قوية لمختلق الاديولوجيات غير عقلانية ،كما نلاحظ اليوم انتشار تيارات الإسلام السياسي والفاشية والعنصرية،الملازمتين للحروب الامبريالية والصهيونية والرجعية ،مما ينذر بأزمات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة في التاريخ.
إن هذا التحول النوعي في واقع الطبقة العاملة على الصعيد العالمي ،الى جانب الآثار المدمرة للرأسمالية على البيئة والمرأة والخدمات العمومية (التعليم والصحة والماء والنقل والسكن والأمن والثقافة والرياضة)من خلال تجريب الأسلحة النووية،وتلويثها بالتجارب الصناعية التي تقضي تدريجيا عما تبقى من الغطاء الغابوي والنباتي ،وخلق سوق موحدة للنفايات ،أي حق شرائها من طرف المجتمعات المتضررة ،وتنميط الوعي الثقافي من خلال وسائل الإعلام السمع-البصرية الأكثر تقدما في خداع العقول والتلاعب بها وخبتا في آن واحد ،التي تنقل بالصورة والخبر المؤولين بشكل مسبق ،ما يقدم المصالح الكبرى للرأسمالية والامبريالية والصهيونية والرجعية،والمتاجرة في المخدرات والأطفال وأجنة النساء الحوامل،والأعضاء البشرية..وتكريس نظام السخرة لفئات واسعة من المجتمع ،ومحو ثقافات الشعوب الأصيلة وتجاهل الخصوصيات الاثنو-ثقافية لعدد من المناطق ،وفرض نموذج واحد للتنمية خاضع للعلاقات الرأسمالية الطفيلية،على مقاس الشركات المتعددة الجنسية ،ومن قبل المؤسسات النقدية والمالية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التعاون الأوروبي،وتسخير المنظمات الدولية ،كمنظمة الأمم المتحدة لتطبيق سياساتها التجويعية على الشعوب المقهورة .
كل هذه الحقائق الجديدة أضحت ،تفرض منذ الآن التفكير في وضع استراتيجية متعددة وموقعيه ،لاتنبطق فقط من قاعدة تحالف”العمال والفلاحين”بل أيضا من مجموع الطبقات والفئات الشعبية الواسعة التي تعيش من “العمل الهش” والمقصية تماما من وسائل العيش والثقافة،ومن الثقافات الأصيلة المهمشة لعقود من الزمن ،الى جاني القطاع الواسع من النساء ،الذي يقوم بالأعمال الشاقة في المجتمع ،ويتم التنكر لعمله في البيت ،باعتباره يجسد عنصرا هاما في التراكم الرأسمالي الطفيلي.
لا يكتسب لهذه الاستراتيجية النجاح الا يقدر ما تعكس ملامح خصوصية لاتتعارض بالمطلق مع الكونية والعكس صحيح.
وكخلاصة لاستئناف النقاش من جديد حول المأمول من ماركسية جديدة ومتجددة، نرى ضرورة الارتكاز على العناصر التالية:
1-إن قانون صراع الطبقات ما يزال يتحكم في الدينامية الاجتماعية والسياسية لمختلف الأنظمة والمجتمعات قاطبة ،ولو أن تطوير مضامينه وأدواته تستدعيها بقوة التحولات الجارية.
2-إن إخفاق “الاشتراكية الفعلية”أصبح يستدعي بشكل ملح تقييما نقديا شاملا ،لا يتصيد الأخطاء البسيطة والهفوات،وإنما ينفد الى جوهر المشروع الذي ترتكز عليه الماركسية،ويقوم بتفعيل العناصر الأكثر حيوية والأكثر راهنية مع دمجها بعناصر جديدة تتطلع نحو غد أفضل.
3-إن تطور العلوم الطبيعية تختلف عن تطبيقاتها من زاوية إخضاعها للتنمية الذاتية للرأسمال،مما يفقدها طابع الحياد،فليس صدفة أن تصبح الوضعية الجديدة المنطقية والرياضية هي الايدولوجية التي تعبر بامتياز عن “نزعة “تقديسية للعلم،بحيث أصبح اليوم بمثابة دين العصر الجديد.
4-إن إخفاق “إيديولوجية التقدم” المنسوبة الى فلسفة الأنوار،فرض العودة الى مسألة “الديني” أو البعد الروحي في الإنسان،كما تطور بالتوازي علم الأنتربولوجية الدينية أو علم”الأديان المقارن”
5-إن الثورة المعلوماتية التي تكتسح العالم كله،قد فرضت نموذجين في التواصل:الأول هو المسيطر حاليا بسبب احتكارها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية،التي توظفها في إطار مشروع أوسع،أي تدمير الثقافات الشعبية الأصيلة ،باعتبارها تقاوم الأشكال الجديدة للاستغلال،وتبليد مخيلة الشعوب وفرض نموذج أوحد للقيم الليبرالية،على مقاس النظم الليبرالية-المتوحشة.
أما النموذج الثاني هو الذي يتبنى عقلا تواصليا ،يستند الى قواعد ومعايير لادعاء الحقيقة والصلاحية والصدق ،أي نقد المركزية الثقافية الأوروبية والأمريكية ،وهو ما تعبر عنه نظرية الفعل التواصلي ليور غن هابر ماس سليل المدرسة النقدية الألمانية
غير أن هذا التصور الجديد للتواصل الذي انطلق قويا في الثمانينيات،أصبح اليوم محط انتقاد ،بسبب نقده فقط الطابع المتوحش للرأسمالية ،وتبنيه لبديل تاريخي لا يخرج عن المنظور الكينزي ،الذي يقر بضرورة التوازن الاجتماعي داخل المجتمع،وبأن تلعب الدولة الدور المحرك لتطوير الديمقراطية ،وبتجديد النخب ،وبعدم تفويت الخدمات العمومية الى الرأسمال الخاص والطفيلي .
واستفادة من نظرية هابر ماس ،انخرط عدد كبير من الماركسيين في عملية دمج هذه النظرية في تصوراتهم ،دون التماهي معها بخصوص رؤيتها السياسية لمستقبل البشرية(5)
الهوامش:
(1)ف.أنجلز:”الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية”(الصفحة57)
(2)ETIENNE BALIBAR « la philosophie de Marx «
الفصل الأول”الماركسية أو فلسفة ماركس”الصفحة4:صادفت الأزمة تحول العصر بالنسبة لكل فكرا لقرن التاسع عشر:
انه فشل ثورات 1948،يكفي قراءة “بيان الحزب الشيوعي”(المحررسنة1947)لفهم أن ماركس شاطر الاعتقاد بأزمة عامة وشيكة للرأسمالية والتي ستكون فرصة للبروليتاريا التي ستقود كل الطبقات المسودة في كافة بلدان أوروبا،لتبني ديمقراطية جذرية تؤدي في أقرب الآجال الى إلغاء الطبقات ثم الى الشيوعية. لقوة وحماس انتفاضات”ربيع الشعوب”و”الجمهورية الشعبية”لم تكن تظهر له سوى كتنفيذ لهذا البرنامج.
(3)أول من أبدع اسم”الماركسية اللينينية” هو ستالين سنة 1937،للتعبير عن الاكتمال النهائي للفلسفة الماركسية في عهد لينين وتقديمها كعلم يعبر عن جميع قوانين التاريخ والمجتمع البشريين الآن وفي المستقيل.
(4)لويس ألتو سير: l’avenir dure longtemps
الصفحة:525.

(5)جاك بيده :ALTER MARXISME
Un autre marxisme pour un autre monde
حسن الصعيب



تعليقات الفيسبوك