الحزب الشيوعي اللبناني: القاعدة بخير لو لم تكن القيادة في أزمة


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 5510 - 2017 / 5 / 3 - 09:34
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

الحزب الشيوعي اللبناني:القاعدة بخير لو لم تكن القيادة مأزومة.
غداة استقالة جورج حاوي من الأمانة العامة، في بداية تسعينات القرن الماضي، عينت اللجنة المركزية هيئة قيادية لمحافظة الجنوب اللبناني مؤلفة من أبناء هذه المنطقة الأعضاء في اللجنة المركزية، إضافة إلى مسؤولي المنطقيات(دوائر حزبية موازية للتوزيع الإداري في الأقضية). ناقشت الهيئة المعينة أوضاع الحزب في الجنوب وأقرت وثيقة للنقاش تولى المكتب السياسي طباعتها وأجاز توزيعها ، لكنه سرعان ما تراجع عن الموافقة عليها، بعد أن نشر أحد الصحافيين في جريدة النهار تعليقاً يصف فيه الوثيقة بأنها أهم ما صدر عن الحزب بعد الحرب الأهلية، ما تسبب بإحراج القيادة من أن تظهر القاعدة أكثر حرصاً منها على وحدة الحزب وأقدر منها على وضع الاصبع على جرح الأزمة المزدوجة، أزمة الحزب وأزمة الوطن.
ننشر هذه الوثيقة الآن لنبين أن أزمة الحزب كانت وما زالت أزمة القيادة التي أفضى انقلابها على قرارات المؤتمر السادس وعلى ما تضمنته الوثيقة الصادرة عنه من نقد لتجربة الحرب الأهلية، إلى استقالة جورج حاوي وإعادة الحزب إلى مرحلة ما قبل المؤتمر، أي إلى تباينات في تحليل أسباب الأزمة وصراعات مدمرة، كان من أبرز تجلياتها عجز القيادة عن تجميع الحزب حول قضية مركزية بعد انهيار مشروع الاشتراكية.
الوثيقة التي أقرتها الهيئة القيادية في الجنوب، في حينه، فضحت عجز القيادة المركزية وبينت أن القاعدة الحزبية يمكن أن تحافظ على تماسكها في ظل قيادة يتسع صدرها لتنوع الأفكار. غير أن القيادة خيبت أمل الأجيال اليسارية، وأمل المؤمنين مع مهدي عامل بأن "الموت في التماثل والاختلاف حياة الزمان"، وأمعنت في شرذمة الحزب وتشتيته.
ننشر الوثيقة الآن، لعلها تشكل مادة نقاش أمام الجيل الجديد من اليساريين، وتساعد على تكوين وعي يساري من شأنه إخراج الحزب واليسار عموماً من الأزمة، والتوصل إلى صياغة برنامج جديد وقضية، على ضوء المتغيرات الجذرية المستجدة بعد انهيار مشروع الاشتراكية، بعيداً عن أجواء التشنج في معالجة أعراض الأزمة وأسبابها التي سادت في العقود الثلاثة الماضية.





















الحزب الشيوعي اللبناني
منطقة الجنوب





وثيقة للنقاش
في سبيل قيام تيار وطني ديمقراطي في الجنوب
يسهم في إعادة بناء الوطن والدّولة






نيسان 1995





لماذا هذه الوثيقة
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة أحداثاً كبيرة على الصعد المحليّة والعربيّة والعالميّة، من إنهيار المعسكر الإشتراكي، وهزيمة حركة التحرر الوطني العربيّة أمام المشروع الإسرائيلي – الإمبريالي، إلى إنفجار الحرب الأهليّة في لبنان، ثمّ إنتهائها منذ سنوات ودخول لبنان مرحلة السلم.
كانت تجربة الشيوعيين في هذه الحقبة غنيّة بالدّروس، كما كانت مشاركتهم فعّالة في أحداثها، إلّا أنّهم تحملوا حصّتهم من آثار الزلازل الكبرى التي أصابت قوى التقدّم والتحرر، فانخرطوا في عملية غنية من النقاش بهدف قراءة التجربة والإستفادة منها، غابوا خلالها، في صورة جزئيّة، عن لعب دورهم في ساحة العمل السياسي.
وها هم اليوم، بعد ان قطعوا شوطاً كبيراً في عمليّة المراجعة النقديّة، يضعون بين أيدي المعنيين بشؤون الوطن والجنوب بعض الخلاصات التي توصلوا إليها، لنقاشها مجدداً على أوسع نطاق، مع كل القوى السياسيّة والنقابيّة والثقافيّة والفعاليات، من أجل تصويبها وتعميقها لما فيه مصلحة شعبنا في إعادة بناء ما تهدم خلال الحرب، وفي تحرير ترابنا المحتل، وفي النهوض بوطننا ومجتمعنا في طريق التقدّم والحريّة.
I. الجنوب: قضيّة وطنيّة:
لم تكن قضيّة الجنوب في يوم من الأيّام قضيّة جغرافيّة لبنانيّة، بل كانت على الدوام قضيّة سياسيّة تختصر كل قضيّة لبنان الوطنيّة، بما هي قضيّة إستقلاله وسيادته، وقضيّة إرتباطه بالأمّة العربيّة، عدا عن كونها قضيّة نظامه السياسي وتطور شعبه وتقدمه...
لقد شكل الجنوب على الدوام نموذجاً للمناطق المحرومة من لبنان والتي عانت من التخلّف وتحكم الإقطاع وإهمال الدّولة وقمعها. كما كان ولا يزال هدفاً مباشراً للأطماع الإسرائيليّة في أرضه ومياهه... وهو سيواجه مخاطر جديدة ناجمة عن مترتبات التسوية.
لقد قدم الجنوب، ولم يبخل في العطاء والتضحية. وتحمل شعبه العدوان منذ عشرات السنوات ولا يزال، وكان رائداً في حمل قضيّة الوطن وسيادته. في الوقت الذي كان شعبه يتلقّى شتى صنوف الإهمال والحرمان.
وإذا كانت محاولات السلطة سابقاً في إهمال قضيّة الجنوب وحصرها ضمن حدوده قد فشلت، فإنّ الجنوب اليوم، بالمخاطر المحتملة عليه، لن يبقى قضية جنوبيّة فحسب، بل سيكون مصيره عنصراً محدداً في مصير الوطن برمّته.
إنّ شيوعيي الجنوب الذين رافقوا حياة شعبهم منذ العشرينات وناضلوا في صفوفه دفاعاً عن قضاياه، وقدموا التضحيات الجسيمة من أجل تحرير أرضه، يتطلّعون إلى اليوم الذي يصبح فيه الجنوب محرراً من الإحتلال الإسرائيلي وأطماعه، وبعيداً عن كل أشكال الحرمان والفقر والإهمال والقمع في ظل دولة ديمقراطيّة عادلة. آملين ان تكون هذه المساهمة في نقاش قضايا الجنوب وهمومه ماضياً وحاضراً بداية حوار وعمل.
II. الجنوب والقضيّة القوميّة:
ارتبط الجنوب، منذ بدايات القرن، بجانبين أساسيين من القضيّة القوميّة هما الوحدة والقضيّة الفلسطينيّة. فعلى صعيد الوحدة جاهد الجنوبيون ضد ما آلت إليه سياسة التجزئة الإستعماريّة التي انعكست عليه إنعكاساً صريحاً وواضحاً. فبعد ان كان فيما مضى ولاية تتجاذبها سلطات عكا ودمشق وبيروت وصيدا، أصبح جزءاً من الكيان اللبناني، لكنه لم يتحول إلى جزء عضوي منه، فجرى تهميشه مثل سائر المناطق النائية، بل أكثر منها، بسبب وجوده شمال فلسطين، اي على تماس مباشر بالخطر التوسعي الإسرائيلي، الذي لم يكن سبباً في إستنهاض طاقات الوطن للدفاع عنه بقدر ما كان ذريعة وحجّة لإهماله ودفعه إلى مزيد من الحرمان على كل صعيد، لا سيما حرمانه من إنتماء وطني حقيقي.
من ناحية أخرى، ارتبطت أجزاء كبيرة من الجنوب اللبناني ارتباطاً وثيقاً بالقضيّة الفلسطينيّة، ولحق أهلها ما لحق بالشّعب الفلسطيني من التشريد والمذابح ومصادرة الأراضي، من القرى السبع ومذبحة حولا وصولاً إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي في العقدي الأخيرين، وإلى السّرقة المنظمة للمياه والسيطرة على مصادرها، والتدمير المستمر للقرى بفعل الإعتداءات اليوميّة حتّى اللحظة الراهنة.
لم يكن غريباً، إذن، لا سيّما بعدما آلت إليه المواجهة العربيّة لإسرائيل، غداة النكسة عام 1967، أن يجد الجنوبيون أنفسهم في تحالف مصيري مع الفلسطينيين، ومع ثورتهم المسلّحة التي غدت تجسد بديلاً استنهاضياً لوضع عربي منهار. وقد عبرت القوى الوطنية اللبنانية عن ذلك بالتفاف جماهيري واسع حول القضية الفلسطينية – الجنوبية تجلى بأشكال شتى، ولم تكن مظاهرة الربع مليون نسمة في استقبال خليل الجمل اول شهيد لبناني مع الثورة الفلسطينية سوى أحد التعبيرات الحقيقية عن هذا التلاحم الموضوعي بين شعبين يواجهان مصيراً مشتركاً.
أمّا شيوعيو الجنوب، الذين كانوا يشكّلون القوة التقدمية الأساسية فقد كانوا أمينين كل الأمانة لمشاعر اهلهم، في الخوف على المصير وعلى الهويّة ولذلك حملوا السلاح دفاعاً عن قراهم، وانخرطوا في صفوف الحرس الشعبي، التنظيم المسلح الذي انشأه الحزب الشيوعي غداة هزيمة 67، ثمّ في صفوف حركة الأنصار بالتعاون مع أحزاب شقيقة أخرى، وقدموا، في هذا السبيل، تضحيات شتى ودماء فكان شهيدهم الأول علي ايوب.
كانت هذه هي الجذور التاريخية للتحالف اللاحق بين القوة الوطنية اللبنانية وقوى الثورة الفلسطينية، وهي تعني ان هذا التحالف لم ينبت من فراغ ولا بقرارات فوقيّة تعسفية، بل نشأ استجابة لدواع موضوعيّة وترجمة لخيارات شعبية. وقد أحيط في بداياته، بإحتضان جماهيري لا مثيل له.
III. الجنوب وسياسة الحرمان:
لم تشكل المخاطر المحدقة بالجنوب والأطماع الإسرائيليّة في أرضه ومياهه حافزاً عند السلطة للإهتمام به، بل على العكس من ذلك، كانت ذريعة لإهماله وللتخلّي الرّسمي عن قضاياه الحياتيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة. الأمر الذي ادّى إلى تردّي أوضاع الجنوبيين وإضطرارهم إلى الهجرة خارج الوطن او إلى احزمة البؤس حول العاصمة سعياً وراء لقمة العيش.
لقد أخضع الجنوب لأشكال مختلفة من الإنتاج الزراعي، واستبعد من دائرة إستصلاح الأراضي ومد شبكات الري، مما فرض على الجنوبيين الزراعة البعلية، كزراعة التبغ التي امتصّت دماء الجنوبيين وحاصرتهم في مزيد من الحرمان. ولم تكن عناية الدولة في سائر الميادين افضل من عنايتها بالأرض. فالمصانع بقيت حكراً على العاصمة وجوارها، وأهملت بشكل مقصود قضايا التربية والصحّة والبنية التحتية... فالمستشفيات الرّسميّة القليلة العدد بقيت متدنية المستوى والتقديمات، وخضع أطفال الجنوب لحرمان من التّعليم بسبب النظام التربوي الذي يجعل في آخر اهتماماته تشجيع العلم وتأهيل الأساتذة وبناء المدارس التي كانت معظم قرى الجنوب محرومة منها.
ولم يقتصر وضع الجنوب على ما كان يتعرّض له من مخاطر وحرمان وإهمال رسمي. بل شهد أيضاً صراعاً حادّاً بين الإقطاع السياسي الذي توارث الأرض والزّعامة وبين جماهير الجنوب التي لم تر فيه ممثلاً حقيقياً لها ولا مدافعاً عن قضاياها ومصالحها، الأمر الذي كان يفرض على السلطة اللجوء إلى التزوير في الإنتخابات للإبقاء على هذه الزعامات وللمحافظة على سياستها. مما ادخل الجنوب في معادلة جديدة تنحو بإتجاه تحرر الجنوبيين من سلطة الإقطاع السياسي وبإتجاه تكوين قوى جديدة تستمد قوتها من الجماهير وتنال ثقتها وتحمل قضاياها.

لقد راكم الحزب الشيوعي عدداً من النضالات الإجتماعيّة المطلبيّة، في صفوف الفئات المسحوقة بين مزارعي التبغ والعمال، والشبيبة والطلاب والمثقفين والمعلمين، جعلت منه القوة السياسية التقدمية الأولى في الجنوب التي حملت قضية الجنوب اللبناني، بما هي قضية الحرمان والإهمال لبنيته التحتية ولقواه المنتجة، وقضية التخلي الرسمي في الدفاع عنه ضد المخاطر الصهيونية، وقضية البؤس المعمم والفقر والهجرة الدائمة. كما واجه الشيوعيون سياسة التهميش التنموي بما كانو يملكون من إمكانات، فعملوا على رفع مستوى الوعيْ السياسي، وعلى تعزيز أطر العمل الجماعي في التعاونيات والأندية والنقابات، وعلى رفع المستوى الثقافي والمهني. وأحدثوا على هذا الصعيد إنقلاباً فعلياً في التركيب الإجتماعي، حيثُ تخرج بفضلهم مئات من الأطباء والمهندسين، من جامعات البلدينا الإشتراكية، وأمنوا بذلك الصعيد الصحي، فكان مستوصف مركبا باكورة نشاط مناضليهم وهو الذي تحول فيما بعد، بفضل جهود أبناء الجنوب وإنخراط عدد كبير منهم في صفوف النجدة الشعبية اللبنانية، إلى شبكة واسعة الإنتشار من المستوصفات، وإلى مستشفى النبطية الذي تأسس بجهد مئات من المناضلين.
IV. المشروع الوطني للإصلاح الديمقراطي:
لقد أدى تفاقم السياسة الرسمية المستهترة بمصير الجنوب إلى إلتفاف الجنوبيين حول الأحزاب اليساريّة عموماً والحزب الشيوعي بصورة خاصّة دفاعاً عن أرضهم، وسعياً وراء تحقيق مطالبهم في عيش كريم. ترافق ذلك مع بلوغ التناقضات ذروتها، والإهتراء في بنية السلطة السياسية أوجه، فكان برنامج الحركة الوطنية للإصلاح السياسي الإطار الذي تلحقت حوله أوسع الأوساط الشعبية اللبنانية والجنوبية خصوصاً، أملاً في بناء سلطة وطنية تحمي الجنوب وتدافع عنه وترفع عنه الغبن والحرمان المزمنين. وكانت بداية الحرب اللبنانية رداً على هذا النهوض الوطني والحزبي واليساري الذي بلغ القمة خلال عاميْ 75-76.
بعد غياب قائد الحركة الوطنية كمال جنبلاط فقدت هذه الحركة جزءاً كبيراً من تماسكها نظراً للوزن الذي كان يمثله في حياة البلاد عامة، وفي التحالف الوطني خاصّة. الأمر الذي ادى إلى خلل واضح في العلاقة مع الثورة الفلسطينية لصالح الأخيرة، وانعكس ايضاً على طبيعة الصراع في البلاد إذ بدل ان يستمر التناقض بين مشروعين وطني وفاشي نشأت أوهام حول وجود مشروع ثالث هو مشروع السلطة الشرعية وتفشى هذا الوهم إلى اوساط اساسية في الحركة الوطنية وأوسع الفئات الشعبية. وما إن سقط هذا الوهم حتى كانت الحركة الوطنية قد فقدت المقومات المادية لطرح مشروعها كمشروع قابل للتطبيق.
إنّ هذا التردي في أوضاع الحركة الوطنية قد جعل من مشروعها يومذاك لاستلام تنظيم المناطق الوطنية موضوعاً قابلاً للإستفادة والإستخدام من قبل قيادة الثورة الفلسطينية، بما يتفق مع اهدافها باستخدام لبنان ساحة لممارسة نشاطها كقيادة لدولة فلسطينية مفترضة وإلغاء دور الدولة اللبنانية، الأمر الذي ادى في الجنوب الى تحول مؤسسات الثورة الفلسطينية إلى مؤسسات دولة في العديد من الجوانب وبشكل خاص في الجانبين الأمني والعسكري، حيث طغى الجانب النظامي وتحول الجنوب بفعل ذلك إلى ساحة مواجة بين إسرائيل وجيوش تابعة لمنظمة التحرير، تصاعدت معها الإعتداءات الإسرائيليّة على الجنوب حتى بلغت ذروتها في اجتياح العام 78، واستمرت بعده حتى العام 82.
V. أزمة العمل الوطني:
وضع الإجتياح الإسرائيلي الأول حداً لمرحلة النهوض الوطني ودخلت الحركة الوطنية في مرحلة الأزمة بفعل إنسداد أفق مشروع التغيير الذي طرحه البرنامج المرحلي، وبفعل التناقض الموضوعي بين المشروع الفلسطيني والمشروع الوطني اللبناني، لا سيّما في ظل نهج من التجاوزات هدد كل منجزات الحركة الوطنيّة وعلاقاتها الديمقراطية مع جماهيرها في الجنوب، وبفعل إحتدام التناقض الفلسطيني السوري الذي بلغ مداه عام 76.
لم يؤد إنهيار مؤسسات الدولة اللبنانية إلى قيام سلطة وطنية لبنانية، على أساس البرنامج المرحلي، بل إلى إستلام الفلسطينيين زمام الأمور الأمنية، وبقي لأحزاب الحركة الوطنية ان تهتم بقضايا المواطنين الإجتاعية والمطلبية كما إستمرّت سلبيات أخرى تعصف بالعمل الوطني منها:
- إستمرار التحالفات الفوقية، حيث لم تعر القوى الوطنية الإنكفاء الشعبي الإهتمام الكافي بصفته تعبيراً عن تراجع المشروع الوطني، ورد فعل على التجاوزات الفلسطينية، بل رأت فيه وقوعاً في وهم مشروع السلطة ورغبة في عودة شرعيتها.
- ثمّة جانب آخر من السلبية ميز الوضع الوطني اللبناني في الجنوب، يتمثل باستشراء الصراعات والتقاتل خصوصاً بين الشيوعيين وبعض القوى الوطنية من جهة، وبين حركة أمل من جهة ثانية. هذا التقاتل، بالرغم من ان جانباً منه كان إنعكاساً للصراعات العربية والإقليميّة، إلا انه لم يغير من طابعه السلبي بالنسبة للجماهير، ولا من أثره السيء على المناطق الوطنية لأنه تحول إلى صراع مدمّر وشكل من أشكال الحرب الأهلية داخل المناطق الوطنية.
إننا كحزب انتقدنا أنفسنا في مؤتمرنا الخامس حيال أخطائنا وحيال الدور الذي كان ينبغي ان نلعبه سواء في عدم المصارحة الكافية والعلنية حول ضرر تلك الممارسات وآثارها السلبية او في عدم التعبئة الكافية حول المشروع الوطني... وإذا كانت مسؤوليتنا تتحدد يومذاك بحجم دورنا في المناطق الوطنية، الذي لم يكن ذا تأثير أساسي بسبب تشابك الأوضاع الداخلية والإقليميّة وموازين القوى. إلا أنّ الإحتلال الإسرائيلي وتهديده المباشر للبنان، ومخاطر المشروع الأساسي – مشروع بشير الجميل – الذي كان يجمع قواه ويوحد صفوفه جعلا من الإبقاء على التحالفات والمواقف نفسها مسألة مفروضة.
أمام تراجع المشروع السياسي للحركة الوطنية وتحول الجنوب إلى ساحة إقتتال، تفاقمت أزمة العلاقة بين الأحزاب وجماهير الجنوب. غير ان إهتمام الحركة الوطنية بالقضايا الحياتية قد ظل على وتيرته العالية، وبقيَ الشيوعيون وحلفاؤهم في الخندق الأمامي للدفاع عن الحاجات اليومية للمواطنين، وفي ظل هذه المرحلة يعرف الجنوبيون كم هو عدد المستوصفات التي انتشرت في قرى الجنوب ومدنه، لا سيّما مستوصفات النجدة الشعبية اللبنانية التي حمل لواء تشغيلها عشرات المناضلين الوطنيين، كان على رأسهم الشهيد الدكتور حكمت الأمين، ويعرفون ان عشرات المدارس بنيت بأموال التبرعات، وبمساعدات كبيرة من الحركة الوطنية، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من التقديمات الإجتماعية والمساعدات التي كان يشرف على توزيعها لجان شعبية حرصت الأحزاب على تشكيلها من الفاعليات الإجتماعية والنقابية والثقافية.
غير ان هذا النضال الإجتماعي لم يبلغ غايته بسبب إنسداد أفق المشروع السياسي الوطني، وأفق المشروع القومي، مما يعني ان اهل الجنوب عبّروا، بحس سياسي سليم، عن ضرورة إعادة النظر بإمكانية تحقيق المشروع الوطني.
VI. الإجتياح الإسرائيلي عام 82: المقاومة كحركة للتحرير:
شكّل العدوان الإسرائيلي عام 82 ذروة التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان، سعياً وراء تحقيق أهدافه اللبنانيّة المتمثّلة بجعل لبنان الحلقة الثانية من حلقات كامب ديفيد عبر فرض إتفاقيّة ثنائيّة عليه وإقامة حكم في لبنان تابع للكيان الصهيوني.
وإذا كان ايلول 1982 قد انتهى بما حققه العدوان من نجاحات وما ألحقه من تدمير البنية التحتيّة للإقتصاد والمؤسسات الصناعيّة والزّراعيّة والماليّة اللبنانيّة، وتعزيز مواقع حزب الكتائب في السّلطة عبر إيصال بشير الجميّل إلى سدة الرئاسة. رأى الحزب انّ المهمّة الأولى التي ينبغي التصدّي لها هي مهمّة طرد الإحتلال الإسرائيلي وأنّ المقاومة المسلّحة للإحتلال ستشكّل الرّكيزة الأساسيّة للمواجهة. وقد تجسّد ذلك بالقرار الذي اتّخذه الشيوعيّون بتأسيس جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة، بتاريخ 16 أيلول 1982. وكان للدور البارز الذي لعبه الحزب في المقاومة نهجاً وممارسة الأثر الكبير في تحويل المقاومة إلى حركة تحرير وحركة شعب بكامله. وبفضل ترجيح شعار النضال ضد الإحتلال الإسرائيلي الذي رفعه الحزب ودعوته كل القوى للتوحّد ضد الإحتلال، شعر أهل الجنوب ان هذه المقاومة هي مقاومة من نوع جديد في مواجهة العدو: مقاومة غير إستعراضيّة، وغير مرتبطة بمؤسسات، وغير فئويّة، وذات هدف واضح هو التّحرير، فالتفّوا حولها واحتضنوها إحتضاناً مشرفاً غير عابئين بحجم التضحيات المادية والبشرية التي تستلزمها. وشكلوا بذلك نموذجاً للشعوب المناضلة من أجل تحرير بلداتها.
بذلك تشكّلت مرحلة جديدة من النّهوض الوطني والجماهيري حول المقاومة في الجنوب استمرّت حتّى منتصف الثمانينات.
VII. المشاريع الطائفيّة والفئويّة:
أكّدت تصريحات الإسرائيليّين وممارساتهم اللاحقة خلال الإحتلال على أهميّة الإنقسامات اللبنانيّة على أسس طائفيّة ومذهبيّة في نجاح المشروع الصهيوني بهدف إقامة كانتونات ذات طابع عنصري يبرر وجود إسرائيل ويؤمّن سيطرتها على المنطقة. وقد عملت منذ لحظة تدخّلها عبر الجنوب على تأجيج هذه الإنقسامات التي بلغت ذروتها بأحداث شرق صيدا وما نجم عنها من تهجير وتدمير.
إنّ القوى السياسيّة التي توهّمت أنّ بإمكانها الإستفادة من الشحن الطائفي والمذهبي وقعت في فخ هذه اللعبة. ولئن كانت الطفرة الطائفيّة قد لعبت دوراً إيجابياً في مواجهة الإحتلال، إلّا أنّها كانت ولا تزال ذا أثر تدميري على الوحدة الوطنيّة وعلى التوازنات الداخليّة، لا سيّما بعد الإنسحاب الإسرائيلي من جزء من الجنوب، حيثُ تحوّلت الأجواء المذهبيّة الطائفيّة وتجلياتها الفئويّة إلى عنصر معرقل لعمليات مقاومة الإحتلال، وإلى بؤرة تقاتل وتناحر، ساد فيها منطق السيطرة الفئويّة، وانتشرت الحروب المدمرة بين أطراف المقاومة، والتصفيات الجسدية، لا سيّما بين أمل وحزب الله، الأمر الذي ترك أثره على حجم التأييد الشعبي للمقاومة.
إستنتاجات:
يستنتج من كل ذلك أنّ النهوض الشعبي والإلتفاف الجماهيري حول الأحزاب في الجنوب كان يرتبط إرتباطاً عضويّاً بالمضمون السياسي لمشروع التغيير وبالممارسة العمليّة المتعلّقة به، وأنّ جماهير الجنوب تميّز بين الخيار الوطني والخيار الفئوي لدى القوى المختلفة.
يؤكّد هذا الإستنتاج انّ جماهير الجنوب التفت حول المشروع الوطني والبرنامج المرحلي للحركة الوطنيّة يوم كان يشكّل خياراً وطنيّاً، ثمّ تراجعت عنه حين تحوّل إلى تكتيك تستخدمه الثورة الفلسطينيّة لتفكيك أجهزة السلطة والإستفراد بإدارة شؤون الجنوب. وكذلك التفت حول مشروع المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة يوم كانت تمثّل خياراً وطنياً ثمّ بدأت تنكفئ عنه حين تحول إلى مشروع سيطرة فئويّة ومضمون أمني.
ويؤكّد هذا الإستنتاج أيضاً ان المزاج الشعبي العام الذي عبر عن اعتراضه على سياسة الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة برفع شعار عودة الشرعيّة الذي تبنّته حركة امل بين عاميْ 78 و 82 عاد يعبّر عن اعتراضه فيما بعد على المشاريع الفئوية البديلة للإستئثار بالجنوب بعدما رأى بوضوح ان هذا الشعار لم يكن يستهدف فعلاً لا عودة الشرعية ولا بسط سلطة الدولة بقدر ما كان يستهدف إقامة سلطات فئويّة، بدليل استقواء فريقي الصراع – امل وحزب الله – بالعامل الفلسطيني إياه الذي عاود إنتشاره وتمدده بدعوة من الطرفين في إقليم التفاح.
خلاصة كل ذلك، يرى الشيوعيون، أنّ الخروج من أزمة العمل السياسي في الجنوب، يستلزم صياغة مشروع سياسي ذي خيار وطني وغير فئوي، مستفيدين من تجربة الحرب وإنهيار المشروع القومي والإشتراكي.
- برنامج الخروج من الأزمة:
كان نضال الحزب الشيوعي ينطلق من الإعتقاد بأنّ هذا العصر هو عصر الإنتقال إلى الإشتراكيّة، وبأنّ التناقض الأساسي والملموس هو ذاك القائم بين رأس المال والعمل، وبأنّ الحل الملموس لهذا التناقض هو الإنقلاب الجذري على آلية النظام الرأسمالي، وتحويله تحويلاً جذرياً وثورياً بإتجاه الإشتراكيّة، نظاماً سياسياً، إقتصادياً وإجتماعياً، فكانت الإشتراكيّة لازمة نستحضرها في كل نقاش وحول أية قضية جزئية، من قضايا توزيع الثروة الوطنية إلى الديمقراطية وحل المشاكل القومية إلى مسائل تتناول الوضع التربوي والصحي وغير ذلك من هموم المواطنين، وكانت تشكّل العصب الحي والنقطة التي تنطلق منها وتعود إليها السجالات الفكريّة والنضالات اليومية، وكانت عامل التماسك الذي يؤمّن للبرنامج الحزبي زخمة ووحدته، وبالتالي تمايزه.



1. البحث عن تجاوز الخيار الرأسمالي:
بعد الإنهيارات في المعسكر الإشتراكي وفي حركة التحرر الوطني العربيّة التي شكّلت الإشتراكيّة احد محاورها الأساسيّة من المحيط إلى الخليج، وبعد إنهيار مشروع الحركة الوطنيّة، بما هو خطوة تفسح في المجال ، في نظر الحزب الشيوعي، امام الإنتقال إلى الإشتراكيّة، وبعد التحولات والتغيرات في بنية لبنان السياسية والإقتصادية بات على الحزب ان يبحث عن برنامج جديد وخطة بديلة، مع إعتقاده الدائم ان الحل الجذري لتناقضات النظام الرأسمالي يكمن في تجاوز الرأسمالية إلى سواها، والمجال هنا مفتوح امام الفكر التقدمي للبحث عن هذا البديل استناداً إلى التراث التقدمي والثوري في العالم.
وإذا كانت الإشتراكية، في صيغتها المحققة قد سقطت فإن ذلك لا يعني الإستسلام للقائلين بأنّ الرأسمالية هي "نهاية التاريخ"، بقدر ما يعني الضرورة النظرية والسياسية لانكباب اهل الفكر وأهل السياسة على البحث النظري والسياسي عن سبل تنقذ البشرية من شرور الجشع الرأسمالي الذي ملأ الدنيا حروباً، وحروباً اهليّة وجوعاً وبؤساً وبطالة، منذ قرنين من الزمن حتّى هذه اللحظة.
إلّا أنّ هذه المهمّة البعيدة المدى هي سيرورة معقدة على صعيدي الفكر والممارسة لا يجدي احزاب التغيير التقدمية ان تنتظر نهايتها، لتستأنف نضالها من جديد، بل من المستحيل على هذه الورشة الفكرية السياسية ان تؤتي ثمارها دون البحث في التناقضات الملموسة والهموم اليومية ومواجهتها واستنباط الحلول الملموسة لها. ومن الأكيد ان هذا البحث الدؤوب هو السبيل الأمثل لإنجاز أشكال من التقدم والتطور التدريجي الذي سيؤول ولا شك إلى تغير نوعي، حالما تنضج الظروف الموضوعيّة وتستكمل النظرية بناءها.
إذا كانت الإشتراكيّة كصيغة محققة، قد أخفقت في جانبها السياسي بفعل نواقصها في مجال الديموقراطيّة وفي حل القضايا القوميّة، كما أخفقت على الصعيد الإقتصادي في مجال إنتاج الثروة وفي عدم تشجيع الحوافز الفردية، إلا انّها تمكنت من تقديم نموذج اكثر عدالة بما لا يقاس من التوزيع الرأسمالي للثروة، وشكلت مثالاً وحافزاً لكل مجتمعات العالم، بما في ذلك الدول ذات الإقتصاد الحر، لتحقيق مستويات من العدالة مستلهمة كلها من التجربة الإشتراكيّة.
فضلاً عن ذلك، وقبل ذلك، يهم الشيوعيين ان يحذروا من حالة الإنهيار المعنوي التي سادت أوساطاً واسعة من المتنورين، ذلك ان سقوط التجربة لا يلغي القيم السامية التي ناضلت الحركة الإشتراكيّة في سبيلها، والتي ألهمت أهل الفكر والعلم والثقافة، إذ ليس من المصادفة أن أعظم مفكري هذا العصر وفنانيه وشعرائه وأدبائه وفلاسفته كانوا منخرطين في الأحزاب الشيوعية أو يستلهمون الماركسية كمنهج للتغيير الثوري.
II. القضايا الملموسة: بناء الدولة:
إنّ الحزب إذ ينطلق في رسم خطّته وبرنامجه النضالي من واقع مجتمعنا اللبناني في بنيته الداخلية وعلاقاته الخارجية يرى انّ المهمّة الراهنة التي تواجه لبنان بعد سنوات الحرب الطويلة هي: تحرير الأرض وتثبيت السلم الأهلي ومعالجة أسباب الأزمة الداخلية، بالإضافة إلى مواجهة الإستحقاقات الإقليميّة.
ولهذا يرى ان مواجهة الإحتلال الإسرائيلي وتحرير الجنوب، وصيانة حقوق لبنان الوطنيّة في مواجهة مسار التسوية يتطلّب وجود دولة موحدة وفعّالة تعبّر عن وحدة المصالح اللبنانيّة في مواجهة هذه المخاطر. كذلك الأمر بالنسبة للسلم الأهلي، حيثُ ان ترسيخه يتطلّب معالجة الاسباب العميقة المولدة للتفجرات السياسية والإجتماعية، وتأتي مسألة إعادة بناء الدولة هنا ايضاً في مقدمة الأولويات بإعتبارها شرطاً ضرورياً لتجاوز حالة التفتت والتفكك التي تخطت السلطة والمؤسسات لتطال المجتمع نفسه.
إلّا انّ عمليّة إعادة بناء الدولة لا تنفصل عن الأسس التي تقوم عليها والإصلاحات الضروريّة في النظام السياسي اللبناني.
1- التّمييز بين الدولة والسّلطة:
إنّ اوّل شروط قيام الدولة هو تمييزها عن السلطة. فالدولة كيان معنوي، يجسد إرادة العيش الواحد (لا المشترك)، ضمن حدود ثابتة، وفي ظل سيادة وطنيّة. أمّا السلطة فهي جهاز يدير شؤون الدولة ويجري إختياره، في الأنظمة الديمقراطيّة، عن طريق الإنتخاب (السلطة في اميركا تسمّى الإدارة الأميركيّة)، وهي جهاز قابل للتّغيير، لأنّ له من يعارضه ومن يؤيّده. فالدولة تعبير عن مصالح الأمّة بينما لا تعبر السلطة إلا عن مصالح من تمثّله. وعليه، فالدولة ملك للمواطنين بينما السلطة ملك لفئة معيّنة من المواطنين.
إنّ أوّل خطيئة يرتكبها اهل السلطة في بلادنا، وهو تقليد ورثناه منذُ الإستقلال، وها هو يتجدّد بعد الحرب الأهليّة، هي أنّهم يتماهون بالدولة، ويصورون للشعب انّ الدّولة هي السلطة والسلطة هي الدولة، وأنَّ الإعتراض على هذه هو إعتراض على تلك. فيستظلّون بذلك وراء قدسيّة الدولة ليسحبوا هذه القداسة عليهم.

2- الدّولة المطلوبة لمعالجة الأزمة الداخليّة: أية دولة نريد؟
دولة مدنيّة عصريّة
ترفض أن يكون بينها وبين المواطنين اي وسيط. تتحرر من البنية العائليّة – الطائفيّة المتخلّفة التي جعلت من النظام السياسي نظاماً وراثياً للعائلات السياسيّة الحاكمة. دولة مدنيّة بلا دين. اي التي لا يكون الإنتماء الديني شرطاً للإنتماء إليها. مثل هذه الدولة تكون عنصر توحيد للبنانيين بعد ان كان النظام الطائفي سبباً في إنقسام اللبنانيين دولة ومجتمعاً.
دولة ديمقراطيّة
اي دولة القانون، حيث يكون القانون هو الناظم للعلاقة بين المواطنين أنفسهم وبين المواطنين والسلطة. وفي إطار هذه المساواة أمام القانون يتميّز المواطن عن غيره بالكفاءة والأخلاقيّة والإنتاجيّة. ولهذا فالدولة التي ننشدها هي دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص.
والدولة الديمقراطيّة هي الدولة التي تؤمن تمثيلاً صحيحاً للمجتمع اللبناني. وهي التي تحتضن الإختلافات فتكون التعدديّة فيها من ضمن الوحدة. ويضمن فيها إستقلال القضاء والمؤسات وتحترم حقوق الإنسان وحرياته العامة والخاصة في التعبير والنشر والإنتماء والعمل.
دولة ذات سيادة:
على حدودها وداخل حدودها لا ينازعها على هاتين السيادتين احد، لا من الطامعين بأرضها ولا من العاملين على توزيعها وتقاسمها دولاً داخل الدولة. وأخيراً، الدولة التي يطمح اللبنانيون اليوم إلى إعادة بنائها هي دولة حاملة لمشروع تنموي حقيقي، تجعل من أولوياتها تخفيف التفاوت بين المناطق وبين الطبقات الإجتماعيّة وتعيد بناء الإقتصاد وإعمال البلاد بالترافق مع حل المشاكل الإجتماعيّة كمشكلة المهجرين والمعاقين والبطالة والإسكان وإنهيار التعليم الرسمي والخدمات وتدهور مستوى المعيشة للفئات الشعبيّة والوسطى...
إنّها بإختصار دولة الديمقراطيّة السياسيّة والعدالة الإجتماعيّة.
في سبيل قيام مثل هذه الدولة يناضل الشيوعيون من اجل تعديل قانون الإنتخاب وتصحيح قواعد التمثيل الشعبي، على أساس النسبيّة، وجعل لبنان دائرة إنتخابيّة واحدة، وتخفيض سن الإقتراع حتّى سن 18 وإعتماد البطاقة الإنتخابيّة والإقتراع في مكان السّكن.
وفي سبيل هذه الدولة ايضاً يطالب الشيوعيون بتشجيع مؤسسات المجتمع المدني وهيئاته الأهليّة أحزاباً ونقابات وأندية وحركات ثقافيّة، ويعملون على كسر الهيمنة السياسية الرسميّة والحزبيّة التي تمارس عليها.
وفي سبيلها يطالبون بسياسة إقتصاديّة إجتماعيّة عقلانيّة توفّر مناخاً سليماً للوحدة الوطنيّة ولعلاج القضايا والمشاكل الناجمة عن الحرب وعن توحش رأس المال، عن طريق صياغة ميثاق إقتصادي – إجتماعي وإنشاء المجلس الإقتصادي – الإجتماعي.
إنّ هذه المهمّات التي تواجه لبنان هي مسؤوليّة جميع اللبنانيين بكل فئاتهم وقواهم الإجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة... ونحن جزء منهم، ولسنا نرى فيها اية مصالح وأهداف فئويّة، بل على العكس نرى فيها قراءة لحاجات وطننا ومجتمعنا ونعلن إلتزامنا بها. إلا أننا في المقابل لا نرى ان عملية إعادة بناء الدولة تجري وفق الأسس والمعايير السليمة، بل هي تواجه أزمة.
III. أزمة بناء الدولة في لبنان وأثرها على الجنوب:
1- التناقض بين مصلحة الشعب والسلطة:
بعد إن إنهارت الدولة بفعل الحرب والمحاولات الجارية لإعادة بنائها على أسس طائفيّة هشّة تحمل في طياتها بذور حروب جديدة، يبدو بوضوح انّ التناقض الأساسي الذي يعصف بلبنان هو بين مصلحة الشعب اللبناني في بناء دولة مدنيّة عصريّة وبين مصلحة بعض القوى السياسيّة في السلطة وخارجها في العمل الدؤوب على عدم بناء الدولة، او بنائها على أسس لا تضمن إستقرارها وديمومتها.
2- دور العوامل الخارجيّة في بناء الدولة:
لعبت العوامل الخارجيّة الدور الأساسي في قيام الدولة، منذ الإستقلال حتّى إتّفاق الطائف، مما جعل عوامل القوّة الداخليّة في قيامها في الدرجة الثانية من الأهميّة، الأمر الذي جعلها ذات بنية هشّة سرعان ما تنهار عند اول عاصفة، وسرعان ما يستنجد اركانها بعوامل خارجيّة ويستقوون بها، ولا يعيرون الإهتمام الضروري بعمليّة الإنصهار الوطني، الضامن الأساسي والوحيد لقوّة الدولة وثباتها وصمودها في وجه التناقضات الخارجيّة.



3- الطائفيّة: خطر على الوحدة والإستقلال:
لقد شكّل النظام السياسي الطائفي الخطر الأكبر على وحدة البلاد وإستقلالها وسيادتها، بحكم طبيعته المغلبة لعوامل الإنقسام والتفتيت على عوامل الوحدة والإندماج، ولأنّها أتاحت لقادة الطوائف السياسيين زج جماهير الطوائف والصراع السياسي في البلاد في مسار الإرتباط بالخارج.
إنّ الفكر الطائفي بطبيعته لا يعترف بالكيان والدولة إلا بمقدار حصّة (زعماء)الطوائف في السلطة. وهو بطبيعته إذ يعطي الأولويّة للسلطة وللنظام على الوطن والدولة، دائم الإستعداد للإرتباط بالخارج على حساب الوطن وسيادته ومؤسساته..
لقد واجه مفهوم الإنتماء إلى الوطن خطر التجليات المختلفة للفكر الطائفي: فإحدى صيغ هذا الفكر تدمج بين الكيان وبين هيمنة طائفيّة محددة، ولذا تنكفئ إلى حالة دون وطنيّة جاعلة الإنتماء الطائفي إنتماءً قومياً حضارياً، وترتبط بقوى إقليميّة ودوليّة على حساب الإنتماء الوطني. وإحدى الصيغ الأخرى لهذا الفكر الطائفي تتأرجح بين المطالبة بزيادة حصّتها في النظام وإستبدال هيمنة طائفيّة بأخرى. او تسعى لتجاوز الإنتماء الوطني إلى إنتماء اوسع قومي او ديني لاغٍ او مذوب له.
والجنوبيون الذين عانوا، مثل سائر اللبنانيين، من خطر التجليات المختلفة للفكر الطائفي، من الإهمال والحرمان إلى التشريد والإنقسام والتقاتل، هم اكثر اللبنانيين تمسكاً بوحدة وطنهم وبالإنتماء إليه لا سيّما انّ العدو لا يزال يحتل جزءاً من ارضهم ومقاومته وتحرير الأرض يتطلّبان تجاوز التصنيفات الفئويّة والطائفيّة لما تلحقه من ضرر في توحيد المواقف.
إنّ شيوعيي الجنوب يرون انّ مرض الطائفيّة يشكّل الخطر الأكبر على وحدة البلاد وإستقلالها وسيادتها، ويعتبرونه ظاهرة تستدعي مواجهة ذات طابع وطني يشاركهم في ذلك عدد كبير من القوى السياسيّة والشخصيّات النقابيّة والثقافيّة والدينيّة التي تلتقي مع ما طرحه سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين حيث يقول بضرورة قيام "دولة مدنيّة بلا دين، والإلتزام بكل مقتضيات التنوع من منطلق انّ الوحدة السياسيّة للمجتمع هي المواطن وليس الطائفة". هذا التصوير لمفهوم المواطنية بصفتها علاقة مباشرة بين المواطن والوطن، بينه وبين الدولة (لا السلطة) لا يسيء إلى الدين ولا يتناقض معه.
مثل هذا الحل لا ينتقص من كيانات الطوائف بل يحوّل التعدديّة المذهبيّة في لبنان إلى مصدر غنى، بعد ان كانت سبب تنازع وصراعات دفع الوطن والدولة ثمناً لإنفجارها، ويجعل المذاهب جزءاً عضوياً من المجتمع المدني ومؤسساته الأهليّة التي تحافظ على خصوصياتها لا بالإنفصال عن الدولة والإستقلال عنها، بل برفع هيمنة السياسة عليها، ذلك ان ما يميز لبنان ليس تدخل المرجعيات الدينية في شؤون الدولة، وقد يكون ذلك من حقّها في المواطنيّة، بل هو المحاولات الدؤوبة من جانب السياسيين للإستقواء بالكيانات الدينيّة او الطائفية ضد الدولة وسيادتها.
على هذا الأساس يرى الشيوعيون انّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة، بمقدار ما هو ضرورة للنهوض بالوطن وبالدولة بمقدار ما تحول إلى شعار صراعي يضعه المسلمون في وجه المسيحيين فيقابلهم هؤلاء بشعار العلمنة الكاملة وتوحيد قوانين الأحوال الشخصيّة، الأمر الذي جعل هاتين المهمتين الضروريتين لقيام الدولة عقبتين امام حوار ديمقراطي هادئ بين اللبنانيين، وبالتالي حائلين دون بناء دولة مدنيّة، هي دولة القانون والمؤسسات، ولم يعد القصد من طرحهما، في الظروف الملموسة الحالية في لبنان، لا إلغاء الطائفيّة السياسية ولا العلمنة، ولا سيما أنّ القوى التي تطرحهما اليوم غارقة في التعصف الطائفي، وبالتالي إذا كان فاقد الشيء لا يعطيه، فمن الطبيعي ان يدخل هذان الشعاران، على أهميّة كل منهما، في طاحونة حوار الطرشان.
إنّ شيوعيي الجنوب لا يدعون إلى محاربة هذين الشعارين، بل يرون ان تحقيقهما يتم في سياق عمليّة متدرجة تستدعي مجموعة من الخطوات السياسيّة والإجتماعيّة والثقافيّة والتشريعيّة الضروريّة لبناء الدولة المدنيّة الديمقراطيّة.
4- غياب السيادة الوطنيّة على الحدود:
يشكّل الإحتلال الإسرائيلي إعتداءً صارخاً على السيادة الوطنيّة، اي على سيادة الدولة، فضلاً عن كونه يشكّل خطراً داهماً على الكيان اللبناني وعلى مصيره وتطوره. ولهذا يندرج تحرير التراب المحتل في سياق النضال من اجل إعادة السيادة الوطنيّة على الأرض. من هذه الزاوية، ومن موقع المدافع المخلص عن تراب الوطن قدم الحزب اغلى التضحيات من اجل تلخيص شعب الجنوب من براثن الإحتلال، ولا تزال رموزه الكفاحيّة كواكب مضيئة في سماء نضالنا.
إلا انّ الحزب الشيوعي اللبناني في الجنوب يعترف انّ ازمة العمل الحزبي عامّة وأزمته خاصّة قد ضاءلت من دوره في المرحلة الأخيرة من نضال المقاومة، في صورة موازية لتضاؤل حجم التأييد الشعبي لها، الذي يعود في جانب منه إلى التحول في وضع المقاومة بعد بدء المفاوضات من وسيلة وخيار وحيد للتحرير إلى وسيلة وأداة ضغط على العدو يجري وقعها على وقع المفاوضات، كذلك بسبب حجم الخسائر والأضرار التي يلحقها العدو بأهلنا وقرانا نظراً لإستغلاله بعض أنواع العمليات بهدف الإساءة إلى أهلنا وإلى المقاومة معاً، الأمر الذي ينبغي تلافيه لتخفيف العبء عن اهلنا في قرى التماس مع الشريط المحتل.
والحزب إذ يدعو للتمسّك بحق لبنان في إستعادة ارضه ورفض الشروط الإسرائيليّة يرى انّ من حقّ اللبنانيين ممارسة كل أشكال النضال والضغط لتحرير ارضهم بكافّة السبل والوسائل من المقاومة المسلّحة حتّى المفاوضات لتنفيذ القرار 425، وهو يعمل على تجاوز أزمته سعياً لتفعيل دوره في إطار المقاومة.
وفي هذا المجال يقوّم الحزب بصورة إيجابيّة التغيير الجذري في الخطاب السياسي الرسمي الذي انتقل من تخوين المقاومين إلى التنسيق معهم. غير انّ خطاب السلطة هذا ملجوم بكوابح الخوف من ان يتحوّل السلاح، بدوره، إلى سلطة بديلة عن سلطة الدولة. والشيوعيون إذ يقدرون هذه المخاوف يرون انّ الحل هو ان يجري تنسيق بين السلطة السياسيّة وأطراف المقاومة لتنظيم الأعمال العسكريّة يضمن في الوقت نفسه دوراً للجيش في إطار واجبه الوطني للتصدّي للإحتلال وإعتداءاته، وكذلك دوراً للمقاومة في القيام بعملياتها العسكريّة دون موانع وعقبات.
وتندرج في هذا السياق قضيّة التعامل مع اهلنا في الأرض المحتلّة، الذين يحتاجون إلى كل اشكال الدعم وتأمين كل مقومات الصمود لهم للحؤول دون لجوئهم قسراً إلى تطبيع عملي مع إسرائيل، تطبيع يرغمون عليه في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها ويتعرضون خلالها لأبشع انواع القهر المادي والمعنوي والجسدي. وكم من العائلات منهم تشردت وأرغمت على مغادرة ارضها، او فرض عليها الإنقسام إلى شطرين موزعين بين الأرض المحتلة والأرض المحررة، الأمر الذي يملي على الهيئات الرسمية الإهتمام بالمهجرين منهم وتقديم كل أشكال المساعدات والمساعدة للمعتقلين والمحررين من معتقلات العدو، في الخيام او في إسرائيل، من خلال الهيئات التي تمثلهم (هيئات المهجرين، هيئات المعتقلين والأسرى).
5- غياب سيادة الدولة داخل حدودها:
لكن غياب سيادة الدولة في الجنوب لا يقتصر على الأرض المحتلّة فقط. بل إنّ سيادتها داخل الأرض المحررة في الجنوب، ومن لبنان عامّة، معرّضة لإعتداءات فاضحة تمارسها ضدها السلطة الرسميّة بأطرافها وإمتداداتها. مثل هذا الإعتداء من جانب السلطة السياسيّة على الدولة ليس جديداً في تاريخ الجمهوريّة اللبنانيّة، بل إنّه تحول إلى جزء عضوي من تركيبة الكيان وإلى سبب أساسي من أسباب إنفجار الحرب كل عقدين من الزمن.
لقد تواطأت السلطات المتعاقبة في لبنان على التخلّي طوعاً عن سيادة الدولة لصالح هيئات وجهات أخرى، فعملت من حيث تدري او لا تدري على قيام دويلات داخل الدولة لم تكن النسخة الفلسطينيّة بدايتها، بل هي تتويج للنسخ اللبنانية المتجسدة قبل الحرب بالدويلات الطائفية والعائلية التي اقتطعت من سلطة الدولة، وعلى حسابها، جزءاً كبيراً من الصلاحيات في تنظيم شؤون المجتمع او في التوسط بين المواطن والمجتمع. والمتجسّدة خلال الحرب وبعدها بسلطات رديفة على حساب الدولة ايضاً. واليوم تمارسها قوى في السلطة الراهنة على غرار ممارسات الطوائف قبل الحرب، لا بل أضافت صنوفاً جديدة إلى إنتهاك سيادة الدولة والقوانين حيث غدت تجارة النفوذ جزءاً من أصول التجاذب السياسي والصراعات الداخلية في ظل دولة منقوصة السيادة بعد ان كان كذلك في ظل غياب الدولة.
وتندرج في هذا الإطار ممارسات اهل الحكم في تحميل العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا، وهي ضرورة وطنيّة وإستراتيجيّة في كل المجالات، اعباء وتبعات، بإمكان اللبنانيين معالجتها بقواهم الذاتية.
السلطة تنتهك سيادة الدولة:
العدوان على سيادة الدولة هو ذاك الذي تمارسه السلطة السياسيّة من خلال بدعة الترويكا التي الغت عملياً الدستور ومبدأ فصل السلطات.
ليس خافياً على أحد من اللبنانيين تسرب قيم الحرب إلى مرحلة السلم، من التسلط والفئويّة والإستئثار في معركة التعيينات الإداريّة لا سيما بعد حلقتها الأولى، حيث حشر في دوائر الدولة عدد من الأفراد الذين لا مأخذ عليهم في ولائهم الحزبي. وإذا كان من حق السلطة التنفيذية وحدها ان تختار من تراه مناسباً وقادراً على تنفيذ خطتها على اساس الكفاءة، إلا انّ ذلك ليس من حق السلطات الأخرى في اجهزة الدولة. ومن الضروري في هذا المجال المطالبة بإستقلال الأجهزة الإداريّة والعسكريّة والقضائيّة عن السلطة السياسيّة بحيث يترك لهذه الأجهزة أن تختار أو، على الأقل، أن تقترح من بين أفضل كفاءاتها من ترشحهم لسلّم الترقي الوظيفي.
ليس خافياً على احد ان جزءاً من مؤسسات الدولة، وهي بالضرورة، وإستناداً إلى الدستور، وإلى كون الدولة كياناً معنوياً تهم جميع المواطنين، قد تم توزيعه على ممثلي قوى الأمر الواقع داخل السلطة، حيث لم تعد هذه المؤسسات محسوبة على أجهزة الدولة بمقدار ما جرى التعامل معها وتصنيفها في خانة قوى الأمر الواقع، وباتت تتعامل مع المواطنين لا بصفتها العامّة، بل بصفتها الفئويّة. تلك كانت حال مجلس الجنوب الذي لا ينتظر التوجيهات من السلطة التنفيذية التي يخضع لها في سلم التسلسل الإداري بل من القيادات الحزبية التي يتبع لها عملياً موظفوه وإداريوه، وقد استفحل الأمر اكثر فأكثر حين تحوّلت المرجعية إلى مجموعة من المسؤولين الحزبيين في القرى، حيث بات واحدهم اكثر نفوذاً في مجلس الجنوب، من رئيس مجلس الوزراء نفسه. فضلاً عن نشوء جهاز من السماسرة يحيط بمجلس الجنوب ويحدد له طرق الإنفاق ومجاريها ومصباتها.
إنّ الحزب الشيوعي اللبناني في الجنوب ينتقد ذلك من باب الدفاع عن سيادة الدولة والقانون وحقوق المواطنين، لأنّ الذي يجري في مجلس الجنوب لا ينتقص من هذه السيادة بل يهدد، بممارساته الفئوية، الديمقراطية بما هي ركن اساسي من اركان قيام الدولة. ذلك انّ سياسة الإستئثار بمقاليد الأمور ليست سوى إسفين يدق في بناء الاستقرار الاجتماعي والأمني والسياسي في الجنوب.
والشيوعيون ينظرون بإيجابية إلى حجم المشاريع في البنية التحتية التي تحققت بأموال الخزينة اللبنانية، وأمكن من خلالها إقتطاع حصص اكبر من حجم الإنفاق العام في ميزانية الدولة لصالح المناطق المحرومة، ومنها الجنوب، فتحسنت اوضاع الطرقات وتأمنت مياه الشفة لعشرات القرى في قضاءي صور والنبطية ومنطقة الزهراني.
إنّ شيوعيي الجنوب لا يترددون في الإشارة إلى هذه المنجزات، وإن كان لهم ملاحظات جوهرية على الإجراءات الإداريّة والمالية في تنفيذها، كما لا يترددون، إحتراماً منهم للمقام الذي يمثّله نواب الجنوب في البرلمان اللبناني ورئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء، وكلاهما من الجنوب، من تشكيل وفود او المشاركة في اخرى لتنسيق المطالب مع الجهات الرسمية، شرط الا تتحول هذه العلاقة بين مؤسسات السلطة ومؤسسات المجتمع المدني، ممثلة بهيئاته واللجان الشعبية إلى سبيل لتعزيز الإنتهازية، وتشجيع الإستزلام، وتشويه القيم السياسية والأخلاقية. وهم يلاحظون، في هذا المجال، انّ من أشكال انتهاك الديمقراطية والفصل بين السلطات جعل المطالب المحقة للمواطنين منوطاً تحقيقها بأشخاص لا بمؤسسات، بل بردائف غير رسمية للمؤسسات الرسمية، وهي ردائف من خارج أجهزة الدولة وتمارس سلطتها على المواطنين وعلى اجهزة الدولة، على الوزارات والدوائر الحكوميّة كلها من دون إستثناء، وعلى كل المؤسسات الخاصة الكبيرة منها والصغيرة، من البنوك حتى الحوانيت، مروراً بالمعامل والمصانع والمزارع.
كما يلاحظون ايضاً انّ قوى السلطة تعمل، مستفيدة من موقعها الرسمي، على (المضاربة) على مؤسسات المجتمع الأهلي، فتنافسها على تشكيل هيئات مماثلة وتستأثر بالمساعدات الحكومية، ملغية بذلك المسافة الضرورية بين اجهزة الدولة والهيئات الشعبية، والإستقلال النسبي اللازم لكل منها.
إنّ موقف الشيوعيين في الجنوب نابع من إقتناعهم بأنّ هذا المنطق لا يبني الدولة ولا يعزز سيادتها، بل هو تكرار فج للعبة السياسية التقليدية في لبنان بأدوات متجددة، ولا سبيل للخروج من هذا الإنتهاك الفاضح لدروس الماضي إلا بتضافر الجهود من اجل بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، وبالفصل الحاسم بين الدولة ككيان وطني عام والسلطة كتعبير عن مصالح فئات من الشعب.
6- غياب الديمقراطية:
لا شك انّ منجزات كبيرة تحققت على صعيد بسط سلطة الدولة في الجنوب، ساهم في ذلك مساهمة فعّالة إنتشار الجيش اللبناني وإستعادة قواه جزءاً كبيراً من مهامها، الأمر الذي أمّن جوّاً كبيراً من الإستقرار، في المناطق المحررة، ومن الهدوء الأمني بعيداً عن محاور المواجهة مع جيش الإحتلال وعملائه.
إنّ الوضع الذي آلت إليه المؤسسات العسكرية بفعل سياسات السلطة، وبفعل الحرب من تفكك وشرذمة يؤكد الاستنتاج بأنّ لا حياة للجيش خارج وحدة الدولة والوطن، وخارج مصالح الشعب اللبناني، ولا شك انّ التغييرات الإيجابية التي طرأت على بنية الجيش اللبناني، وتصديه للإعتداءات الإسرائيليّة، وسلوكه وعلاقته الجيدة مع المواطنين قد ساعدت على إعادة الثقة به من قبل جماهير الجنوب وإعتباره جزءاً منهم وحاجة ماسة لهم، بعد ان كان وجوده قبل الحرب محاطاً بالحذر والسلبية.
لقد كان لإنتشار الجيش اللبناني الأثر الكبير في تأمين اجواء صالحة لترسيخ نوع من العلاقات وأجواء الهدوء، إلّا انّ عقبات ثلاث لا تزال تحول دون قيام علاقات ديمقراطية بين القوى السياسية المختلفة في الجنوب.
1- لا يزال منطق الحرب، وبعض ظروفها، مستمراً في جزء من مناطق الجنوب، وما يزال سلاح آخر غير السلاح الشرعي منتشراً بين ايدي المواطنين كونه سلاحاً للمقاومة. إنّ هذا السلاح رغم ضرورته، ورغم ندرة الحوادث الأمنية، لا يزال يفرض جواً معنوياً في صفوف عامة الناس لا يدعو إلى الطمأنينة الكاملة كون العلاقات بين القوى السياسية لا تزال مشوبة بمنطق الحرب والإستئثار ذاته الذي ولّد حروباً ومعارك عديدة. ولئن كانت قد انتهت الصدامات المسلحة، فإنّ الإختلاف على صغار القضايا في القرى من شأنه ان يؤدي إلى توتير الأجواء، وشحن النفوس والإحتقان الذي تشعله أيّة شرارة. مما يخلق في قرى الجنوب ظروفاً غير مؤاتية لتوحيد المواقف والإرتقاء من الإنقسامات إلى اجواء الإنصهار التي يتطلبها تثبيت السلم الأهلي في لبنان.
يعتقد شيوعيو الجنوب انّ الحرب اللبنانية كانت غنية بالدروس، ومنها بشكل خاص انّه لا سبيل إلى تجاوز الحالة الإنقسامية في القرى على اساس الولاءات العائلية المتداخلة مع الولاءات الحزبية والسياسية إلا بإتباع نهج تضامني بين كل القوى والفاعليات، على صعيد كل قرية، او قضاء، او محافظة وفي الجنوب عامّة في إطار من التفاعل والتعاون على اسس ديمقراطية لما فيه المصلحة العامة، وعلى رأسها بسط سيادة الدولة والقانون. ولاشك انّ الشيوعيين في الجنوب سيلعبون هذا الدور التوحيدي في كل الميادين.
2- تضاءل دور الأحزاب ذات الطابع الوطني، وغلب، بديلاً منها دور الأحزاب الطائفية والمذهبية في كل مكان من لبنان، ومنها الجنوب، الأمر الذي افقد الجنوب أحد أهم تقاليده في نبذ الطائفية، والذي جعل الإقليّات السياسية، والدينية فيه بصورة خاصّة، تشكو من غياب الديمقراطية التي تنطوي، في احد مضامينها، على سيادة رأي الأكثرية، تماماً كما تنطوي على ضرورة إحترام رأيْ الأقليات وأخذه بالإعتبار في كل ما يتناول الشأن العام.
إنّ شيوعيي الجنوب يرون أنفسهم مطالبين بالنضال لإستعادة تقاليد الجنوب اللاطائفيّة التي ظلت سائدة قبل إندلاع الحرب وفي ظل سيطرة الأحزاب التقدمية اللبنانية، حيث لم يشهد الجنوب ايّة حوادث طائفيّة. وعلى الشيوعيين ان يبعثوا هذا الوجه المشرق من تاريخ منطقتهم وذلك بوقوفهم الموقف المبدئي المتعاون مع جميع القوى العلمانية ومع كل المتضررين من هيمنة الطائفية والمذهبية، عاملين على رفع مستوى الوعيْ الوطني في صفوف الأوساط الشعبية التي وقعت، هي بدورها، ضحية الشحن الطائفي وإثارة الغرائز الطائفية.
كما انّ عليهم ان يناضلوا من اجل تعميم قيم التسامح الديني والأخلاقي في مواجهة قيم التعصب المذهبي، كما انّ عليهم ان يواجهوا دور المال والخدمات في عملية إستقطاب تنشر قيم الإنتهازية والوصولية، وهي قيم امينة على المصالح الفردية الخاصة لكنها تشكل خطراً على التضامن الإجتماعي المطلوب في مرحلة السلم الأهلي. وبذلك يسهم الشيوعيون في إعادة الإعتبار للقيم الأخلاقيّة في السياسة التي تحوّلت في اللاوعي العام إلى مرادف للا أخلاق.
3- أهم ما تتجسّد فيه الديمقراطية هو المجتمع المدني، وهو معيار من معايير التنمية والتقدم والرقي الإنساني. فيه وعبر مؤسساته كالأحزاب والنقابات والجمعيات، يمارس المواطن حقّه في المشاركة والمراقبة والمحاسبة، ويتعرف من خلال الممارسة إلى أصول الديمقراطية. كذلك يتعرف المجتمع عبر هذه المؤسسات إلى ممثليه الحقيقيين ويراقب مسارهم بصورة تدريجية.
إنّ العلاقة بين المجتمع المدني والديمقراطية علاقة عضوية، لا بل سببية. والمجتمع المدني هو الضمانة لتفعيل النظام الديمقراطي وصيانته وتطوير آلياته. ففيه يقوم الحوار وتترسخ العلاقات والروابط الإجتماعية، وفي مؤسساته تنتج البرامج والمشاريع.
أ- الأحزاب والسلطة في علاقة دائمة من الرفض المتبادل. هكذا كانت الحال قبل الحرب وخلالها. ومع بداية السلم الأهلي بات من الضروري ان تعيد الأحزاب قراءة تجربتها قراءة نقدية، والشيوعيون قطعوا، في هذا المجال شوطاً كبيراً، وأن تعيد السلطة السياسية النظر بعلاقتها بالأحزاب بإتجاه المزيد من الديمقراطية، اي الإعتراف بها كقوى ذات فاعلية وتمثيل شعبي، وبإتجاه تحفيزها على العمل العلني وتشجيع قيامها والنظر إليها كحاجة لإعادة العافية إلى الحياة السياسية اللبنانية، خاصة وأنّ غياب الأحزاب أغرق الوطن في دوامة المذهبية والإنقسامات، وبإتجاه سن التشريعات التي تحول دون قيام احزاب مذهبية أو دينية، والتي تنظم الإنتخابات النيابية والمحلية على اساس لوائح وبرامج تكون الأحزاب جزءاً عضوياً منها.
ب- أمّا النقابات فقد كانت، فيما مضى، مطية للعمل الحزبي تتقرر سياساتها وبرامجها داخل القيادات الحزبية لا في هيئاتها التمثيلية، الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر بهذه الآلية من العمل النقابي، من جانب العاملين في هذا الحقل من اجل تعزيز دور النقابات وتوسيع دائرة تمثيلها لتشمل اوسع اوساط العاملين في حقول الإنتاج الزراعية والصناعية والتجارية، ومن أجل صياغة البرامج النقابية من جانب الهيئات المنتخبة في صورة مستقلة عن البرامج الحزبية، وبهذا تنتظم العلاقة الديمقراطيّة بين النقابات والأحزاب.
أمّا العلاقة مع السلطة السياسية فهي كتلك القائمة بين الأحزاب والسلطة. والسلطة هي صاحبة المسؤولية الأولى في إستمرار هذه العلاقة متوترة، لأنّ الحق المشروع والواجب الطبيعي المفروض على النقابات هو الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة في مواجهة ميل رأس المال الطبيعي إلى مراكمة الربح على سحاب قوة عمل العمال. وعليه فالسلطة مطالبة بإعطاء العمال والنقابات حقوقهم وحصتهم من الإنتاج على الأقل قياساً على معدلات التضخم وأرقام مؤشرات الغلاء التي تنظمها السلطة. ولن تنتظم هذه العلاقة بين السلطة والنقابات إلا ضمن تشكيل المجلس الإقتصادي-الإجتماعي الذي يجسد إعترافاً من ارباب العمل بحق العمال لا في حصتهم العادلة من الإنتاج بل في حقهم المشروع في المشاركة في إتخاذ القرار، وفي رسم السياسة الإقتصادية، وإعترافاً من جانب الطبقة العاملة بأنّ واجبها لا ينحصر فحسب في ممارسة الضغط على السلطة وأرباب العمل من اجل تحسين شروط العمل والأجور والخدمات، بل يتعداه إلى البحث مع خصومهم الطبقيين في الطرق الآيلة إلى زيادة الإنتاج الوطني.
غير ان سياسة السلطة لا تبشر بإمكانية تصويب العلاقة مع النقابات، فهي بدل ان تخطو خطوة في هذا الإتجاه إبتعدت خطوات إلى الوراء في محاولة مفضوحة لتدمير الأطر النقابية وإستعدائها وتحطيم هيكلياتها، ولا تؤشر قرارات وزارة العمل على تشخيصها الصحيح لنواقص العمل النقابي بقدر ما تدل على سياسة ثأرية تسعى إلى إستبدال مواقع النفوذ بمواقع أخرى من غير معايير واضحة سوى تسلط السياسة على النقابات وتنصيب نقابيين من خارج العمل النقابي، بل من خارج القيم النقابية والديمقراطية تماماً كما حصل في معركة الوزارة مع نقابة مزارعي التبغ في الجنوب. فإذا كانت ذريعة الوزارة في حل النقابة الأولى مستندة إلى إدّعاء لا شرعيتها القانونية،ـ وهذا مخالف للواقع، فالنقابة التي (عيّنت) مكانها تفتقد إلى ابسط قواعد الشرعية النقابية والديمقراطية.
إنّ الشيوعيين مطالبون بإعادة النظر بسياساتهم النقابية بإتجاه إعطاء المزيد من الإستقلالية للنقابيين الحزبيين داخل اطرهم النقابية بما يضمن توفير مزيد من الديمقراطية في علاقاتهم مع قواعدهم النقابية وفي صياغة برامجهم، كما أنّهم مطالبون بالدفاع عن هذه الأطر ضد مخاطر التسلط السياسي الذي يمارسه اهل الحكم حفاظاً على التراث النقابي العريق الذي بناه العمال بتضحيات غالية وجهود مضنية، وضد مخاطر العمل النقابي الفوقي وذلك عبر توسيع القاعدة النقابية وجعل النقابات اكثر تمثيلاً.
ج- أمّا الأندية والجمعيات فقد كانت تفتقر إلى الديمقراطية، هي ايضاً، لأنّها كانت تخضع لإستقطابات سياسية حادة، الأمر الذي أوصلها إلى مأزقها خلال الحرب، ففقدت فاعليتها ودورها بفعل تسلط السياسة عليها. وحين إستفاقت هذه المؤسسات من غمرة الحرب وجدت نفسها مطالبة باستعادة دور ريادي لها، لكنّها اصطدمت هذه المرّة، بمحاولات من قوى السلطة لمصادرة دورها او لقمعها، كما حصل مع هيئات ثقافية عدّة او لممارسة الضغط عليها بهدف إلحاقها بقوى السلطة، يضاف إلى ذلك إستمرار التنافس الفئوي الحزبي الضيق داخل اطر هذه الهيئات.
وقد تضاعفت أزمة الديمقراطية في هذا المجال في ظل إقدام السلطة على إنشاء هيئات اهلية تابعة لها الأمر الذي يفقد هذا الحيز من المجتمع المدني صفته الطبيعية اي كونه مجموعة هيئات غير حكومية.
إنّ الشيوعيين يعتبرون تسلط السياسة على المؤسسات الثقافية والمثقفين مرضاً خطيراً ينبغي علاجه بمزيد من الإستقلالية داخل هذه الهيئات عن الأطر السياسية الرسمية والحزبية، بحيث تطلق الديمقراطية على مصراعيها داخل الهيئات الأهلية لإختيار قيادتها ورسم برامجها، بما يشجّع هذا القطاع على التطور، لأنّ تطوّره في هذا المنحى، هو وحده الكفيل في تعزيز الديمقراطية في المجتمع وفي بناء الدولة وكل منحى آخر مخالف لهذا يعتبر إنتهاكاً لأسس بناء الدولة العصرية التي ينشدها المواطنون.
د- الفساد الإداري:
إنّ جانباً من أزمة الدولة اللبنانية هو تفشي الفساد في صفوف الإدارة من خلال الروتين والمحسوبيات والرشاوى والمركزية وغير ذلك. غير ان هذا الفساد هو نتيجة لفساد اكبر يحميه ويبرره. ولئن كان حل هذه المسألة ينبغي ان يبدأ في إصلاح النظام السياسي اولاً، إلا أنّ الإدارة بحاجة إلى تطوير يتناسب مع معطيات العلم والتقنية والبرمجة.
هـ - الإنتخابات الديمقراطية:
بعد سنوات الحرب التي تعطلت فيها ممارسة حق الإنتخاب على كل المستويات تعود الحياة إلى عمليات التمثيل من المجلس النيابي إلى البلديات والمخاتير إلى الهيئات النقابية والمهنية إلى النوادي والجمعيات.
إنّ الإنتخابات بإعتبارها وسيلة بيد الناس لتفعيل دورهم في شؤون البلد، ولإدارة شؤونهم المحلية عبر إختيارهم لممثليهم او محاسبتهم، ينبغي ان تتجسد فيها القيم الديمقراطية بالكامل، وتتحرر من القيود والضواغط التي تفرغها من مضمونها.
إنّ القوانين التي تجري عليها الإنتخابات النيابية والبلدية والمحلية قوانين غير ديمقراطية. لأنّ هذه القوانين بإستنادها إلى الاساس الطائفي تفرق بين اللبنانيين، وتضعف الإنصهار الوطني، وتحول دون الإختيار الديمقراطي لممثلي الشعب في كافة المؤسسات التمثيلية. لهذا يدعو الشيوعيون إلى توسيع القاعدة التمثيلية لمؤسسات الحكم وذلك بتعديل قانون الإنتخابات النيابية على قاعدة إلغاء الطائفية منه، وإعتبار لبنان دائرة واحدة وإعتماد النسبية، وتخفيض سن الإقتراع إلى 18 سنة وإعتماد البطاقة الإنتخابية والإقتراع في مكان السكن.
كما يدعون إلى إعادة الإعتبار للهيئات التمثيلية في المناطق والأقضية والقرى والعمل على تنظيم الإنتخابات البلدية والإختيارية ورفض مبدأ التعيين لما لذلك من دور في تعزيز الديمقراطية وفي مشاركة الشعب في إدارة شؤونه المحلية وتعزيز اللامركزية الإدارية.


7- غياب خطّة تنمية شاملة:
إنّ المخاطر المحدقة بالإقتصاد اللبناني، سواء بسبب ما آل إليه هذا الإقتصاد خلال سنوات الحرب ام بسبب التحديات الإضافية التي يحملها التطبيع الإقتصادية العربي – الإسرائيلي المحتمل، تضع اللبنانيين امام ضرورة تحقيق جملة من المهمات المترابطة في مجال الإعمار والنهوض الإقتصادي ومعالجة الأزمة الإجتماعية ... إلخ.
إنّ المعالجات الجارية حتّى الآن تشير إلى سيادة نهج المعالجات المجزأة من خلال رفض الربط بين المستويات الإقتصادية والإجتماعية والإعمارية والسياسية، ورفض اي دور فعلي للدولة، الأمر الذي يخفي مفهوماً متخلفاً للتنمية، ويؤدي مرّة اخرى إلى نمو رأسمالي تابع ومشوّه سوف يعمق الفروقات بين المناطق وبين فئات الشعب، ويحمل الفئات الشعبية اعباء لا طاقة لها على تحملها. الأمر الذي سيعرض البلاد مجدداً إلى توترات وخضات إجتماعية حادّة.
القضايا النضالية المطلبية
إنّ جماهير الجنوب، جزء من جماهير الشعب اللبناني التي تعاني من غياب الدولة وطغيان الطائفية على الحياة العامة، ومن تسلط السلطة على اجهزة الدولة وعلى الديمقراطية، ومن تشويه التمثيل الشعبي، كما يعانون من الخلل في السياسات الإقتصادية – الإجتماعية، ومن تدني الأجر وزيادة الضرائب والرسوم...إلخ وعليه فإنّ برنامج نضالهم هو جزء من برنامج وطني يسعى لإصلاح النظام السياسي على أسس ديمقراطية للنهوض بالوطن من شرور الحرب ودمارها والانقسام والتخلف إلى مستوى راقٍ يستحقه بين دول العالم.
إنّ الجنوب الذي عانى طويلاً من سياسة الإهمال والتهميش، وكان نموذجاً للمناطق المحرومة والمتخلفة والتي عانت الفقر والبؤس والهجرة، يجد نفسه اليوم امام جملة من الحاجات الإقتصادية والإجتماعيّة والإعماريّة الضروريّة للعيش الكريم.
فالزراعة التي تشكّل المصدر الرئيس للعيش في الجنوب تعاني من مشاكل كثيرة ومعقدة بسبب الإهمال التاريخي، وما تركته الإعتداءات الإسرائيليّة من آثار سلبية على الإنتاج الزراعي وعلى تسويقه، الأمر الذي يلقي بأعبائه على وضع الجنوبيين في مختلف مناحي الحياة. ولا تشير السياسة الرسمية الراهنة إلى تفادي هذا الإهمال بسبب إغفالها لدور القطاع الزراعي فيما يطرح من مشاريع لإعادة الإعمار ولإستنهاض الإقتصاد اللبناني.

إنّ تشجيع الزراعة في الجنوب وتطويرها لا ينعكس إيجاباً على الجنوبيين فقط. بل ينعكس على مجمل الوضع الإقتصادي في البلاد. ذلك أنّ نسبة إنتاج الجنوب تفوق الـ 80% من الإنتاج الوطني في مجاليْ الحمضيات والتبغ مثلاً عدا عن المجالات الأخرى. وهذا يتطلّب العمل على إزالة كل معوقات الزراعة والصعوبات والأعباء التي تعانيها، بدءاً بمشاريع إستصلاح الأراضي والري خصوصاً مشروع ري الليطاني على منسوب 800 م، وقيام التعاونيات الزراعية ودعمه مادياً ومعنوياً، إلى تقديم القروض الميسّرة والمعونات إلى المزارعين، وفتح مجالات التصريف الخارجي وحماية الإنتاج المحلّي من المنافسة، وصولاً إلى الإهتمام بالأبحاث الزراعيّة وتقديم الإرشادات إلى المزارعين.
إنّ إهمال الدولة وتقصيرها في الجنوب لا يقتصر على الزراعة، بل تشكل الصناعة أيضاً نموذجاً للسياسات الإقتصادية غير المتوازنة، حيث بقيت أطراف الوطن خارج دائرة التصنيع الذي بقي حكراً على العاصمة وضواحيها. إنّ تطوير الصناعة في الجنوب، خصوصاً التصنيع الزراعي، من شأنه ان يطوّر قطاعيْ الصناعة والزراعة معاً، ويعزز من تمسّك الجنوبيين بأرضهم، ويسهم في نهضة الجنوب وتأمين فرص العمل لآلاف الشباب الذين يبحثون عن مورد رزق. وفي هذا السياق تندرج إعادة تشغيل مصفاة الزهراني كمهمة ملحة لما تدرّه من ارباح الخزينة العامة ومن تشغيل ليد عاملة.
إنّ تطوير قطاعيْ الصناعة والزراعة في الجنوب يشكّل بالنسبة للبنان ضرورة وطنيّة لما يؤمّنه من حماية حقيقيّة للإقتصاد اللبناني، توازي أهميتها حماية الحدود، فيما نتوقّعه من مخاطر محدقة على ضوء التطبيع المحتمل مع إسرائيل.
إنّ الجنوبيين مثل كل اللبنانيين يعانون من التدمير الجنوني للبيئة، وهم بحاجة اكثر من غيرهم إلى تشجير المساحات الواسعة من ارض الجنوب لحماية الطبيعة وتجميلها، وجعل منطقة الجنوب منطقة سياحية على مستوى مناطق لبنان السياحية الأخرى. وفي هذا السياق تندرج ضرورة الإهتمام بالآثار وحمايتها والتنقيب عنها، والجنوب في هذا المجال يشكّل معلماً مهماً.
بيد ان تقصير الدولة تجاه الجنوب وسكّانه لا يقتصر على ذلك وحده. بل يتجلّى ايضاً على صعيد البنية التحتية والخدمات كافّة:
فالبنية التحتيّة، بصورة عامّة، في حالة مزرية في جميع المناطق تقريباً، والمحاولات التي جرت لتحسين الطرقات بقيت محصورة على الخطوط الرئيسيّة وبقيت معظم الطرقات الداخليّة في القرى دون تأهيل، ناهيك عن غياب الطرقات الزراعية الحيوية بالنسبة للمزارعين. اما الكهرباء، فلا يزال الحرمان منها في اغلب الأوقات. والهاتف الرسمي لم يصل بعد إلى القرى. أمّا مياه الشفة التي وصلت حديثاً إلى عشرات القرى بقيت مجاريها دون تأهيل.
ويفتقد الجنوب لأبسط مقومات العناية الصحيّة المتوجب على الدولة تأمينها. حتّى المؤسسات الصحيّة الحكوميّة القائمة لا تتوفّر في اكثريتها الشروط اللازمة التي تفي بتلبية معالجة الحالات الطارئية، ولا نقول بتأمين سائر أشكال المعالجات الطبية. ناهيك عن النقص الفادح في وجود الوحدات الصحية في قرى التماس مع العدو التي هي بأمس الحاجة إليها نظراً للإعتدائات الإسرائيليّة اليوميّة.
إنّ الجنوبيين مثل كل اللبنانيين بحاجة إلى الإهتمام بقضايا المواطن الصحيّة وتأمين الضمان بالبطاقة الصحيّة لكل مواطن، تنفيذاً لما اقترحه وزارة الصحّة، وتعزيز القطاع العام في هذا المجال من خلال تقديم الدعم اللازم للمستشفيات الحكوميّة لإنقاذ المواطن من تجارة الإستشفاء.
أمّا أزمة التّعليم الرّسمي في لبنان فتبرز بكل حدّتها في الجنوب. فالمدارس التي أنشأها الجنوبيون بفعل التبرعات والمساعدات التي جمعوها، لا تزال تشكو من نقص التجهيزات، والنقص في المعلمين وحالات التسرب المدرسي والتأخر بنسب عالية. إنّ المخاطر التي تحملها هذه الحالة على الأجيال الطالعة وتأهيلها ومستقبلها، تتطلب الإسراع بالإهتمام بالتعليم الرسمي وتعزيزه من خلال فرض إلزامية التعليم ومجانيته وتعميمه، إلى إعادة تأهيل المعلمين وتوزيعهم بشكل عادل على جميع المدارس، والتعجيل بتنفيذ مشروع تجميع المدارس.
وفي هذا المجال يندرج تعزيز فروع الجامعة اللبنانيّة من خلال إستقلاليّة الجامعة وإبعاد التدخلات السياسية عنها وإعطاء الدور المطلوب لمجلس الجامعة وإيجاد التنظيم القانوني اللازم للعمل النقابي الطلابي.
والجنوبيون بحاجة، فوق كل ذلك، وقبل كل ذلك إلى تحرير تراب الجنوب الوطني من الإحتلال الإسرائلي بكافة السبل والوسائل وبكل أساليب النضال توصلاً إلى تنفيذ القرار 425 وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها.
وهم معنيون في صورة مباشرة بما سيترتب على عمليّة السلم من مستلزمات ويرون مصلحتهم الفعليّة في مقاومة كل مظاهر التطبيع، لأنّ إسرائيل ارغمت على التراجع عن مشروع إسرائيل الكبرى جغرافياً، لا تزال تسعى، ووراءها قوى الإمبرياليّة العالميّة، إلى تحقيق إسرائيل الكبرى اقتصادياً وعسكرياً، وبالتالي فإنّ مخاطر من نوع جديد باتت تهدد ليس فقط ارضنا وسيادة الدولة عليها، بل تهدد ايضاً السيادة على الثروات الطبيعيّة، لا سيما المياه، وعلى الموارد الإقتصاديّة التي تحتاج إلى سياسة حمائيّة، وعلى الكيان برمّته، لأنّ الطبيعة التوسعيّة العدوانية ستتخذ في المستقبل، اشكالاً جديدة.
هذه القائمة من الحاجات هي في صميم نضال الشيوعيينن دفاعاً عن قضايا شعبهم وعن العدالة الإجتماعيّة كشرط أساسي من شروط قيام الدولة على انّ دورهم في ذلك لا يقوم على التّحريض ولا على التّبشير، بل الإنخراط العضوي في صفوف اهلهم وفي مشاكلهم وفي تحمّل قسطهم من المسؤوليّة في عمليّة الإنصهار الوطني داخل كل حي ومؤسسة، وفي تقديم المثال الصالح في التضحية والتفاني من أجل العمل العام والنشاط الجماعي في اللجان الشعبيّة والأندية والجمعيّات، بين الطلاب والعمال والشبيبة والنساء، في حملات التطوع والإنخراط في المبادرات وإطلاقها لإعادة الوحدة الوطنية إلى قرى مزّقها الحرب، وإلى وطن دمّره غياب الدولة عن رعاية بنيه.
إنّ مجمل هذه الأهداف والمهمّات ليست أهدافاً فئويّة حزبيّة بل نراها تتوافق مع مصالح وطموحات فئات واسعة من شعبنا في الجنوب. ونرى انّ اداءنا العملي والسياسي سوف ينطلق من اجل تعميم القناعة بضرورة تحقيقها والمشاركة مع الفئات الإجتماعيّة المعنيّة بتحقيقها.
وإذ ننطلق في ذلك من فهم جديد للعمل السياسي، نرى انّ الممارسة السياسيّة متلازمة مع الأخلاق بعيداً عن أيّة اهداف فئويّة ضيّقة وفي إطار من الديمقراطيّة الكاملة.
وإذا كانت هذه الأهداف واسعة وتطال اوسع الفئات فإنّ مما لا شكّ فيه ان فئة حزبيّة واحدة لا تستطيع ان تعمل على تحقيقها وهذا يقتضي تضافر جهود جميع الشرفاء والوطنيين وذوي الإرادات الخيرة على تحقيقها. وفي هذا المجال يدعو الشيوعيون في الجنوب إلى أوسع حوار ولقاء حول هذه المطالب والقضايا ويدعون إلى قيام إئتلاف جنوبي او تيار ديمقراطي جنوبي يضع نصب عينيه تحرير الجنوب ومواجهة مطامع إسرائيل وإعادة بناء الدولة على اسس سليمة وتحقيق مطالب الجنوب والجنوبيين في العيش الكريم. والحزب إذ يدرك الواقع المتراجع الذي وصلت إليه التحالفات الوطنيّة الراهنة، يرى انّ سبب ذلك يعود إلى التحولات التي طرأت على بنى الأحزاب وسياساتها وأدوارها بسبب الحرب ونتائجها، وبسبب الأوضاع السياسيّة الناشئة. كما يعود إلى تحول في نظرة الحزب إلى تحالفاته ونتائج التجربة السابقة وآفاق المستقبل.
إنّ انطلاق الشيوعيين من نهج مستقل لا يعني الإنعزال والتقوقع، بل يعني انّهم لا ينظرون إلى تحالفاتهم من تصنيفات مسبقة، بل استناداً إلى التوافق على القضايا الملموسة، وعلى مصالح الجماهير وفي طليعتها عمليّة بناء الدولة على أسس عصريّة.
خاتمة:
إنّ شيوعيي الجنوب الذين رافقوا حياة شعبهم منذ العشرينات قد صقلتهم التجربة وبلورت مواقفهم قيم حزبهم وتقاليده العريقة في الدفاع عن قضايا الجماهير، فبرز من بين صفوفهم خيرة محترمة من ابناء الجنوب ذات موقع مرموق في نفوس مواطنيهم، يتميّز أفرادها بالكفاءة والنزاهة والإستقامة والتمسّك بالقيم الأخلاقيّة والإجتماعيّة، وهم يشكّلون، جيلاً بعد جيل، خميرة كفاحيّة رائدة من شأنها، أن تعيد للحزب عافيته، وأن تعيد إلتفاف الشيوعيين حول حزبهم ليعيدوا بناء ما تهدم بفعل الحرب داخل الحزب وداخل الوطن. إلّا أنّهم مطالبون، من داخل التنظيم ومن خارجه، بمسؤوليّة إعادة البناء المزدوجة هذه والخروج من حالة الإنكفاء التي فرضتها ظروف العمل الحزبي وظروف الحرب، ومطالبون بالمساهمة في عمليّة الإستنهاض الوطني وفي إحياء تراث الحركة الوطنيّة اللبنانيّة المشرق والإستفادة من اخطائها وثغراتها ونواقصها، فالحملة على العمل الحزبي لا يقوم بها أناس بريئون من الحزبيّة، وإنهيار الأحزاب التقدميّة لم يؤدِ إلى قيام البدائل الفضلى، بل إلى تردّي العمل الحزبي والسياسي إلى دركه الأسفل، وكم أنّ شعبنا بحاجة إلى إعادة الإعتبار للعمل الحزبي، وإلى إطار صالح لتجميع القوى الوطنيّة والديمقراطيّة في الجنوب، وإلى بلورة تيار ديمقراطي يضم في صفوفه الوطنيين والحزبيين والفعاليات النقابيّة والإقتصاديّة والسياسيّة في كل قرية ومؤسسة من ذوي المصلحة في إعادة بناء الدولة على أسس حديثة، ومن أكثر كفاءة من الشيوعيين للقيام بهذه المهمّة، ومن أصلب منهم عوداً وأعرق تاريخاً وأنظف كفّاً، ومن أولى منهم برعاية مستقبل حزبهم وشعبهم؟
لا همّ للشيوعيين بعد اليوم إلا مصالح الجماهير والإرتباط بقضاياهم اليوميّة او البعيدة المدى، بصرف النظر عن ولاءاتهم وإستقطاباتهم وتجاذباتهم، وهذا ما سيشكّل الأساس والمعيار في علاقات الحزب السياسيّة والتحالفيّة. وهم، في سعيهم لتحقيق هذا الهدف يمدون يدهم، بصدق، للتعاون والتنسيق مع جميع القوى الحريصة على مصالح المواطنين، حول مختلف القضايا في جو من الحوار الديمقراطي، وبذلك فحسب يؤكّدون وفاءهم للقيم والمعتقلون وسائر المناضلين في صفوف شعبهم.