ليتها لم تكن: لكنها كانت


منذر خدام
الحوار المتمدن - العدد: 5407 - 2017 / 1 / 20 - 16:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

" ليتها لم تكن: لكنها كانت "
طبيب يبكي وأخر يهان في عيادته
منذر خدام
بالإذن من صديقي منذر الأول( منذر مصري) سوف أستعير من مقالة له عنوانها ( ليتها لم تكن) لأنقل لكم مشاهد واقعية من حياة السوريين " لأنها كانت" أي ما يسمى بالثورة، كاشفا سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا لكل السفالات التي يمكن أن تخطر على بال، والتي كانت على ما يبدو من طينة المجتمعات الطرفية المشحونة بايدولوجيا جهادية متطرفة، ساهم النظام بحفظها على مدى سني حكمه الطويلة، بل ونماها بصورة منهجية، وشبه رسمية خلال الأزمة السورية كإحدى وسائل تشجيع مقاتليه على القتال " سيطروا على هذه القرية أو البلدة ولكم ما فيها كغنائم حرب" في استعارة من تاريخ الفتوحات الإسلامية الميمونة. ويبدو أن هذه " الغنيمة " كانت أيضا الحافز لمقاتلي المجموعات المسلحة الجهادية في تطبيق لسلوكيات إسلامية جهادية معروفة في التاريخ، فالسند الشرعي هنا حاضر وبقوة. بهذا الشكل وقع المواطنون السوريون تحت سطوة " الغنيمة " من طرفي الصراع المسلح وصار التعفيش عنوان المعارك الظافرة.
مشهد اليوم يتعلق بطبيب ناجح قضى سنوات طويلة من العمل و " التقتير " على نفسه وعياله حتى استطاع أن يشتري بيتا في مدينة صلنفة: المصيف المعروف في ريف اللاذقية الشرقي. فبينما كنا نحتسي قهوتنا الصباحية في صيدلية أحد الأصدقاء حيث اعتاد مجموعة من الأطباء الاجتماع صباحا بانتظار مجيء الكهرباء لكي يبدؤوا العمل في عياداتهم. وكما هي العادة كنت دائما أحاول زرع الأمل في جواب عن سؤال صار تقليدي: هل من نهاية لمأساة سورية؟!! هل من فرصة لإيقاف هذه الحرب المجنونة، والحفاظ على ما تبقى من سورية وشعبها؟ وفجأة انفجر طبيبنا ببكاء مر لم ينفع معه كل محاولات الحاضرين للتخفيف عنه، وقد شكلت الحالة مفاجأة لي فسألته ما سبب البكاء وهل ثمة ما يستحق كل هذا البكاء؟!! أجاب من بين الدموع إنها الكرامة؟!! لم يعد لنا كرامة في هذا البلد وشرع يسرد قصته، وهي قصة صارت مألوفة لكثرة تكرارها. قال الطبيب بعد سنوات من العمل والتقتير على النفس والعيال استطعت شراء بيت جميل في بلدة صلنفة الشهيرة كمصيف في الريف الشرقي لمدينة اللاذقية، لكي اقضي فيه أشهر الصيف مع العيلة والأولاد حتى يأخذ الرب أمانته فأنا كما يعلم زملائي مصاب بسرطان في الفك. وعندما ذهبت كالعادة إلى البيت في بداية الصيف فوجئت أن شبيحة الدفاع الوطني كانت قد استولت على البيت وسكنت فيه. وبعد تدخلات من هنا وهناك لدى قائد الدفاع الوطني في ذلك الحين( المرحوم جدا اليوم) ودفع ما هو غير معلوم للواسطة وله بالذات وافق أخيرا على إخلاء البيت. كانت فرحتي كبيرة لكنها لم تدم، فعندما ذهبت إلى البيت وجدته على العضم تقريبا، لم يتركوا فيه شيئا يمكن نزعه ويفيدهم. لم يكتفوا بتعفيش فرش البيت بل نزعوا البلاط والأبواب وشرائط الكهرباء، وما لم يستطيعوا نزعه خربوه. لمن سوف أشتكي؟! نصحني الأصدقاء الحريصون بأن أتقبل الوضع وهكذا فعلت، وبدأت من جديد بتجهيز البيت. وما إن صار البيت جاهزا للسكن حتى استولت عليه مجموعة أخرى من مجموعات " الدفاع الوطني" وهددوني بأنهم هذه المرة لن يكتفوا بتعفيش البيت بل وهدمه أيضا على رأسي؟!!. أبكي من قهري وضعف حيلتي. إنهم يدفعونا للهجرة( باعتباري من الأقليات) فأنا لن أهاجر فجذوري عميقة في تراب هذا البلد.
هونت عليه الأمر بقدر المستطاع، وقلت له هناك قصص كثيرة مشابهة، بل ربما أبشع، فأنت على الأقل لم يهاجمك من تفحصه في عيادتك في المستشفى الجامعي ويوسع ضربا بالتعاون مع مرافقته لأنك لم تكذب عليه فتخفي عنه مرضه. هل تعلم يا صديقي أن عدد الأطباء السوريين الذين غادروا سورية طلبا للأمان وللكرامة وأشياء أخرى يفوق عدد الباقين في سورية، ففي ألمانيا وحدها تجاوز عددهم الأربعين ألفاً بحسب بعض المصادر. الباقون يا صديقي وأنت واحد منهم كالقابض على الجمر، ليس لدي من كلمات تواسيك، وأتفهم بصدق قولك " ليتها لم تكن" هذه " الثورة"، لكنها كانت بفعل منطق التاريخ الذي للأسف لا يكترث كثيرا لمعاناتنا. الثورة يا صديقي هي تفجير لكل شيء جميل فينا أحلاما ورغبات وطموحات، أما الثورة المضادة فهي على العكس تفجير لكل السفالات الكامنة فينا، ونحن للأسف لم نعش زمن الثورة إلا لفترة قصيرة.