الذكرى المئوية الأولى لثورة 1905: لما أصبحت الثورة ممكنة


المناضل-ة
2005 / 12 / 28 - 10:50     

"نحن بحاجة إلى حرب صغيرة ظافرة " من أجل تعزيز النظام القيصري ووقف تصاعد التحريض، هذا ما أسر به وزير داخلية روسيا لوزيرها في الحرب مشيرا إلى الحرب ضد اليابان التي انخرطت فيها روسيا عام 1904. لكن تلك الحرب سرعان ما أصبحت اكثر الحروب لا شعبية في تاريخ روسيا حتى تلك اللحظة .

كانت تجمعات ومظاهرات وإضرابات عديدة توصل صدى المطالب الديمقراطية والمطالبة بإنهاء تلك" الحرب المدمرة والإجرامية " حيث كانت توحل روسيا المتباهية بتفوقها العسكري.

جرى يوم 17 ديسمبر 1904 طرد أربعة عمال من مصنع بوتيلوف للصناعة الحربية. وإزاء رفض الإدارة إرجاعهم، أضرب العمال يوم 3 يناير 1905. كان مصنع بوتيلوف أكبر مركب صناعي في سان بطرسبورغ، لذا فان 13 ألف عاملا كانت في مواجهة الإدارة. وامتدت الحركة إلى مصانع الجوار: كان 100 ألف مضرب يشلون المنطقة يوم 7 يناير. وفي اليوم التالي تضاعف عددهم. وأصبحت العاصمة محرومة من النقل والكهرباء والجرائد.

الثورة تسير

قام غابون ) رجل دين أورتوذوكسي( ورئيس اتحاد عمال مصانع سان بطروسبورغ ) تعاضدية عمالية تحت سلطة القيصر( بوضع عريضة إلى القيصر نيقولا الثاني جمعت 150 ألف توقيع.

" نحن عمال مدينة سان بطروسبورغ ونساؤنا وأطفالنا وآباؤنا الشيوخ العاجزين جئنا إليك، يا صاحب الجلالة، نطلب العدل والحماية. فمن جراء الاضطهاد والبؤس وصلنا هذه اللحظة الرهيبة حيث الموت أفضل من أن نقاسي لأمد أطول آلاما لا تحتمل"

وتسرد العريضة المطالب التالية: العفو، الحريات المدنية، أجر عادي، منح الأرض للشعب تدريجيا، دعوة مجلس تأسيسي منتخب بالاقتراع العام، جملة إجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية بغية النضال ضد " اضطهاد العمل من طرف الرأسمال وتنتهي كما يلي:" يا صاحب الجلالة ! لا ترفض مساعدة شعبك ! أسقط الجدار الذي يفصلك عن شعبك! أصدر أمرك بتلبية مطالبنا وأقسم بذلك وستجعل روسيا سعيدة وإلا فنحن مستعدون للموت هاهنا"

تكشف هذه العريضة وحدها كل ما في أذهان شعب ناهض من بلبلة. وكما هو شأن القرار المتخذ بتقديمها إلى القيصر، سار ألوف العمال بقيادة غابون صوب ساحة قصر الشتاء حاملين أيقونات ومنشدين ترتيلات. فقام 40 ألفا من جنود القيصر بإطلاق النار على الحشود فسقط 1000 قتيل و2000 جريح .و اصبح هذا اليوم معروفا بالأحد الأحمر.

قمع وتجذر

لكن ردة الفعل كانت فورية. ففي الغد نظم الطلاب حملة لجمع المال لضحايا المذبحة طارقين البيوت بابا بابا، مما جعل الحملة تصبح تحريضا ضد الحكومة. وواصل عمال سان بطرسبورغ إضرابهم . وشنت مراكز صناعية أخرى عديدة الإضراب تضامنا. وحدثت ثورة في الأذهان : غابون نفسه يؤكد للعمال الذين تبعوه أنه " لم يبق ثمة رب ولا قيصر".

في البلد برمته توضع مطالب، من خلال اجتماعات وتشكيل نقابات. و أصبحت حرية الصحافة أمرا واقعا و لم تعد الشرطة تجرأ على التدخل. وفي خضم النشاط النضالي ظهرت منظمة جماهيرية: مجالس مندوبي العمال )السوفييتات(، وهي مجالس لممثلين منتخبين في المنشآت . وفيها تناقش التوجهات العامة للنضال وتتخذ القرارات بشأنها.

مارست الحركة العمالية مفعول جذب على الفلاحين الذين انخرطوا بدورهم في النضال في حركة واسعة في ربيع 1905 لم تكن اقتصادية وحسب بل سياسية أيضا. وفي الأقاليم غير الروسية رفعت انتفاضات مطلب الاستقلال .عندها أدى تركيب الإضرابات العمالية بالمدن مع حركة الفلاحين بالقرى إلى زعزعة أصلب دعائم القيصرية وآخرها: الجيش الذي كان موضع اعتراض بفعل حربه القذرة. وكانت أشهر حركات العصيان العسكري تلك تمرد مدرعة الأمير بوتمكين Potemkineالتي انطلقت في شهر يونيو .

إصلاحات أم ثورة ؟

بقصد مواجهة الفوضى، أعلن القيصر في غشت عن إحداث مجلس تمثيلي. كما وقع السلم مع اليابان لأنه اصبح عاجزا عن تأمين الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب. كان حسابه وهميا، فالشعب لم يعد مستعدا لقبول عظم ُيلقى إليه. وكما حدس ذلك إلى هذا الحد أو ذاك كان إعلان تلك الدوما)البرلمان( يوم 7 يناير آخر حاجز يحمي الملكية المطلقة. فبمجرد رفعه سيكون النظام نفسه موضع اتهام. هكذا كان مناخ الأمل الثوري ورفض الاوتوقراطية الذي يفسر الإضراب العام في أكتوبر .

وفعلا بلغت الحركة ذروتها خلال خريف 1905. فقد أضرب زهاء مليون شخص في أكتوبر. "تسقط الملكية القيصرية! تعيش الجمهورية الديمقراطية! عاش العصيان المسلح!" تلك كانت الشعارات عبر روسيا حيث عشرات مجالس العمال )السوفييتات) التي تقوم أكثر فأكثر بدور حكومة ثورية مؤقتة.

وبات عدد متزايد من العمال يرى أن نتيجة الثورة وقف على النضال المسلح.

الثورة المضادة سائرة

يوم 17 أكتوبر أصدر القيصر " بيان الحريات" يعلن فيه إقرار الحريات الفردية والعامة والاقتراع العام وإشراك البلد في السلطة التشريعية. وفي الغد نزل إلى شوارع سان بطرسبرغ طوفان من الرايات الحمراء يستقبل النبأ. لكن ذلك البيان كان مرفقا أيضا بعزم أشد على إعادة استتباب النظام. هكذا بدأت موجة مفاوضات ووعود لتهدئة الأجواء مرفقة بقمع كلما كان ذلك غير كاف: جرى في أماكن عدة حركات التمرد وإعدام القادة الثوريين، وجرى تنظيم حملات عقابية: تدمير قرى، ومشاهد جلد جماعي، وعمليات إعدام بلا محاكمة … كان قصد الطبقة السائدة بث التفرقة والترهيب في الحركة بعد أن خاب أمل توقفها بفعل الإنهاك . وانتصبت القوى الأكثر محافظة ونظمت مظاهرات وطنية مضادة ترفع الأيقونات الدينية والأعلام ثلاثية الألوان. وشكل اليهود هدفها المفضل كما في عهد القيصر قبل بضعة اشهر بقصد محاولة حرف الاستياء الشعبي . وتكاثرت المذابح مخلفة عشرات ألوف القتلى بتواطؤ سلبي بالأقل من الحكومة.

أعطى هذا المناخ تبريرا للقيصر ليعيد العمل بالأحكام العرفية. و جرى في مستهل ديسمبر اعتقال مندوبي سوفييت سان بطرسبرغ الـ267 وتم حل السوفييت. وحدثت انتفاضة في موسكو حيث قاوم 8000 عامل مسلح طيلة 9 أيام حكومة القيصر. لكن القوات النظامية تغلبت عليهم. لقد كانت الثورة مكونة من تيارات بالغة الاختلاف على نحو يستعصي معه الصمود أمام الحكومة القيصرية.

دروس 1905 بالنسبة للثوريين

لم يكن بروسيا في مطلع 1905 غير بضعة ألوف من الثوريين متجمعين منذ أمد قصير في نفس الحزب. وستقوم ثورة 1905 بتوضيح وامتحان التصورات المختلفة داخل منظمتهم، بين المناشفة والبلاشفة : إن كان الاثنان يعتقدان في البداية ، بحسب النظرية الماركسية الأرتدوكسية، أن مستوى تطور روسيا لن يؤدي في مرحلة أولى سوى إلى ثورة ديمقراطية ، فإن المناشفة استنتجوا من الأمر أن الليبراليين)البرجوازية الناشئة( هم من سيضطلعون بالقيادة ) كما كان الأمر في الثورتين الفرنسية والإنجليزية( ، بينما يؤكد البلاشفة أن بإمكان الطبقة العاملة ، دون غيرها، النهوض بتلك المهمة بتحالف مع الفلاحين.

فرص يتعين ألا تفوت

قبيل أحداث 1905 بادر الليبراليون إلى حملة من أجل دمقرطة البلد. ودفع المناشفة السكان إلى المشاركة بها.

في يناير 1905 عندما انبثقت الأحداث الشعبية ارتأى أولئك الليبراليون أنفسهم أن الثورة مستحيلة لان الشعب تنقصه التربية. ومن جهتهم كان البلاشفة والمناشفة ، في مرحلة أولى ، معارضين للنهوض: كيف يمكن دعم مظاهرة تبدو طوافا دينيا وتظاهرة سياسية لتسليم القيصر عريضة مطالب بأسلوب مبجل؟ لكن بينما انضم المناشفة، تحت الضغط الشعبي، إلى الحركة لم يكن البلاشفة سوى بضع عشرات في مظاهرة سان بطرسبورغ يوم الأحد الأحمر. وطيلة شهور حارب لينين عصبوية المناضلين إزاء الأحداث وما اكتسته من أشكال. في الواقع لم يقم الثوريون سوى بدور ضئيل جدا في الأشهر الأولى من عام 1905.

وجب انتظار الخريف لتتطور من خلال السوفييتات تحالف بين الاشتراكيين والعالم العمالي المضرب.

إعطاء قيادة

قال ميليوكوف قائد الحزب الليبرالي، حزب الكاديت، آنذاك إن" ربطت الطبقة العاملة مصيرها بمصير الحزب الاشتراكي-الديمقراطي )الثوريين( لدرجة أنه لم يبق لحزب الكاديث أي منفذ إليها" وكان ما يمثله ذلك الوضع من خطر على الليبراليين يجرهم إلى تلقي وعود الدمقرطة التي أطلقها القيصر في غشت بشكل إيجابي ضدا على الشعور الشعبي العام. وبدأ المناشفة يرون فيها خطرا : يجب تفادي إفزاع الليبراليين وإقصائهم من هذه المعركة . على هذا النحو بدأ بين قادة التكتلين نقاش أساسي: هل يجب بلوغ مستوى حمل السلاح؟ بحسب بليخانوف والمناشفة لم يكن الوضع يسمح بذلك. فبوجه القمع الحكومي يبدو من العبث السعي إلى المواجهة. ليس ثمة غير خطوة لبلوغ الخلاصة التي استنتجوها لاحقا: يدلل فشل المحاولة الثورية صلاحية سياسة المراحل) وبالتالي سياسة الإصلاحية( . أما لينين والبلاشفة فكانوا يرون أن تطور الثورة يفضي حتما إلى صراع مسلح بين حكومة القيصر والعمال و.لذلك أيدوا انتفاضة موسكو. و استنتجوا من هزيمة الثورة نقصا في الإعداد والتنسيق والتنظيم. ما كان ينقص الثورة " هو من جهة الصلابة وعزم الجماهير التي كانت مصابة كثيرا ا بمرض الثقة، ومن جهة أخرى منظمة للعمال الاشتراكيين الديمقراطيين كفيلة بالاضطلاع بقيادة الحركة وتصدر جيش الثوريين وشن الهجوم على السلطات الحكومية "

كان درس تلك السنة الخارقة بالنسبة للقادة الثوريين : بنظر لينين سيؤدي التطور العام للرأسمالية إلى سد الثغرتين. وسيدلل 1917 على صحة رأيه.

Vanina Giudicelli

موقع إنترنت لحزب العمال الاشتراكي POS بلجيكا
تعريب جريدة المناضل-ة
بيبليوغرافيا :

لينين : رسائل من بعيد
فرانسوا غزافييه كوكان : الثورة الروسية المفوتة , éditions complexes
مارسيل ليبمان اللينينة في ظل لينين – بالعربية دار الحصاد




تعليقات الفيسبوك