سمير أمين : - الثورة الثقافية أولا -


محمد بوجنال
2016 / 4 / 24 - 22:11     

يرى العديد من المفكرين الماركسيين اليوم ما للثقافة أو "الثورة الثقافية" من أهمية ذات الأولوية في إنجاز مشروع التغيير في العالم العربي. وقد رأينا في عدد سابق من هذه الجريدة، موقف عبد الله العروي الذي قلنا أنه دعا إلى ضرورة إعطاء الأولوية للحراك الثقافي. وفي نفس هذا الاتجاه نورد موقف المفكر الماوي سمير أمين الذي نادى بأهمية الانتلجنسيا الثورية بالعالم العربي أو قل إنجاز " الثورة الثقافية أولا " لإمكان إنجاز مشروع التغيير في العالم العربي. إنها الفئة التي يجب أن تحظى بالأولوية لما للثقافة من أسبقية في عالمنا العربي. ويرى سمير أمين أن القول بالانتلجنسيا لقيادة " الثورة الثقافية " هو وضع يميز المحيط ( العالم الثالث) الذي منه العالم العربي؛ بمعنى أن وضعها هذا يختلف عن وضع مثيلتها انتلجنسيا المركز(الغرب) نظرا لاختلاف الشروط التي مكنت المركز من احتضانها وترويض توجهاتها وهي شروط جعلت المركز ذاك يتوفر على قدرة حل قضايا ومشاكل مجتمعاته بالشكل الذي لم يصبح فيه ذلك من مهام انتلجنسيته. هكذا، فانتلجنسيا العالم العربي مطالبة بتقديم رؤية جديدة لقضايا ومشاكل وأفق مجتمعاتها العربية أو قل العمل على بناء البديل الذي تكون له قدرة إنجاز التغيير.
ودعوة سمير أمين لإنجاز " الثورة الثقافية أولا " ينبني على إعجابه الكبير بالتجربة الماوية في الصين لما توفرت عليه من إيجابيات في إنجاز الثورة الصينية. وقد تبين له أهمية وأولوية " الثورة الثقافية " تلك بفعل ما أسفرت عنه مختلف أبحاثه من نتائج تثبت ضرورة أولويتها في عالمنا العربي. لذلك اعتبر ويعتبر أن الماركسية،في شكلها المنتشر في العالم العربي، لا تعدو كونها ماركسية سوقية وخشبية تعاني من ضعف فهم دلالة الماركسية بفعل خلطها بين المنهج والنظرية حيث أن الأول ،في نظره، هو أساسها الذي يتحدد في كونه مجموعة مبادئ تجد لها التحديد الفعلي في شكل نمط الإنتاج وهو تحديد غير مرتبط بمفهوم الإطلاقية والعلاقات الميكانيكية بقدر ما أنه مرتبط بزمن البنية المجتمعية؛ أما الثانية، النظرية،، فهي ليست أجوبة إطلاقية بقدر ما أنها جملة نتائج مستنتجة من بنية مجتمعية فعلية. فهذا الخلط، إضافة إلى نمذجة ماركسية المركز، أفرز الانفصال عن واقع المجتمع العربي حيث انتشار الماركسية العربية الخشبية والجامدة التي،في مقابلها، دعا سمير أمين إلى " الثورة الثقافية أولا " كبديل دافع عنه مستندا إلى المادية التاريخية. إنه البديل الذي يمتلك الشرعية والمشروعية في عالنا العربي دون سواه من النماذج المنسوخة؛ لذلك نادى في أكثر من مؤلف من مؤلفاته بضرورة اعتماد " الثورة الثقافية أولا " التي هي أساس بناء الماركسية العربية تاليا وبالتالي تثوير الحراك. فالتغيير العربي مرتبط بإنجاز هذا الشيما؛ فلا مجتمع عربي فعال بدون " ثورة ثقافية أولا "؛ إنها أساس ما يسميه ب"الثورة الشعبية الوطنية " وهي ثورة يجب أن تضم كل القوى الوطنية، بما فيها الملتزمة في العالم، التي أصبح يفرض عليها التكتل وإغناء الشعار الماركسي العالمي بتفعيله جدليا مع الوضع الراهن والمتوحش للمركز من شعار:" يا عمال العالم، اتحدوا " إلى شعار: " يا عمال العالم، ويا شعوبه المضطهدة، اتحدوا ". وهكذا يكون سمير أمين وفيا لمشروعه الداعي إلى إعادة بناء الماركسية في المركز والمحيط على السواء، مؤاخذا على ماركسية المركز إغراقها في الذاتية أو قل في ثقافتها الغربية المتمركزة على الذات وهو ما جعلها ، في رأيه، ماركسية مشوهة. وبنفس المقاربة يؤاخذ على الماركسية العربية تبعيتها لماركسية المركز وبالتالي معاناتها من الأبوية والطائفية والتقديس والانحرافية التي تتمثل في القول بالسيطرة المطلقة للبنية الاقتصادية على مختلف باقي المستويات، وانحرافها كذلك المتمثل في تبنيها فكرة فلسفة المركز أو قل اعتباره الذي يجب الاقتضاء به. فهذه الماركسية، في نظره، سواء المنتمية للمركز أو المنتمية للعالم العربي ليست سوى مجموعة مسلمات وقواعد وأجهزة مفاهيمية اكتسبت صفة الإطلاقية والتقديس التي تتناقض وفلسفة المادية التاريخية.
يظهر من خلال ما تم طرحه، أهمية أولوية الثقافة بالنسبة لسمير أمين لحصول تجديد الماركسية في عالمنا العربي من جهة، وتحقيق التغيير من جهة ثانية. وهذا ما افتقر إليه الربيع العربي في نظره، فكان الفشل النتيجة التي لا مفر منها. والقاعدة تقول:" لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية ". لذا، دعا إلى ضرورة بناء نظرية للثقافة، نظرية تتميز بثوريتها على مستوى مكوناتها التي حددها في كتابه: "نحو نظرية للثقافة "؛ فتفسير التاريخ، في نظره، يقتضي بناء نظرية تستند أساسا إلى منهج المادية التاريخية إذ لا شئ ولا موضوع يعلو فوق مادية التاريخ؛ وبلغة أكثر دقة، فبناء نظرية للثقافة تدافع عن أولويتها، خاصة في عالمنا العربي، يقتضي ربطها بما سماه ب" نمط الإنتاج الخراجي " الذي انتشر في مختلف مناطق العالم السابق على النمط الإنتاجي الرأسمالي سواء في أروبا أو آسيا أو افريقيا أو أمريكا. كما أنه، وفي نفس السياق، دعا إلى ضرورة التخلص من مركزية المركز الذي طالما تلذذ، وما زال، بذاتيته. إنها مهمة الانتلجنسيا إذ لا وعي بمكونات وأيديولوجيا المركز بدون انتشار الثقافة باعتبارها الآلية الكفيلة بممارسة النقد البناء لهيمنة المركز على العالم العربي. وتباعا لذلك، لا بد كذلك من نقد مركزية المركز لكن هذه المرة كما تتبناها الثقافة العربية الخشبية نفسها التي ترى فيها، متجاهلة واقعها العربي، النموذج الكفيل بتوفير كل الأجوبة والحلول لقضايا عالمنا العربي. فبدون تلك الممارسة نبقى ضحية ما يسميه البعض ب"الاستشراق المعكوس" النقيض لأولوية وثورية الثقافة. وبطبيعة الحال، التأسيس ل" الثورة الثقافية"، كما هو وارد في كتابه السابق الذكر خاصة، يتطلب توفير شروط تحقيقها بما في ذلك العمل على تفعيل أدوار الانتلجنسيا الثورية العربية باعتبارها القوى المؤهلة حاليا لقيادة والتأسيس ل" الثورة الثقافية " التي بدونها يؤجل دوما أي حراك عربي. وقد علمنا التاريخ أن الثورات التي عرفتها مختلف مناطق العالم يكون السبق فيها والتهيئ لها من طرف الانتلجنسيا الثورية، فتصبح بذلك " الثورة الاجتماعية " ممكنة؛ وكلما غابت الانتلجنسيا الثورية وبالتالي " الثورة الثقافية "، كلما غابت، وباللزوم، " الثورة الاجتماعية " وهو الحاصل لحد الساعة في عالمنا العربي.



تعليقات الفيسبوك