فنيزويلا : ثورة في الثورة


المناضل-ة
2005 / 11 / 5 - 11:40     

اليوم بات الصراع السياسي الجاري في فنزويلا، بالنسبة لليسار وللحركة المناضلة من اجل عولمة بديلة، النقطة المرجعية الأهم في العالم الراهن. وكان الاستقبال المخصص لتشافيز في اليوم الثاني للمنتدى الاجتماعي العالمي الخامس في بوتو اليغري في يناير ، والذي يناقض استقبال البرازيلي لولا عند الافتتاح، علامة واضحة عن ذلك. بينما تواجه الحركة الكبيرة المناهضة للحرب مصاعب في تحقيق نجاحات سياسية، وبينما تمثل تجارب حكومات اليسار الأخرى بأمريكا اللاتينية مصدر إحباط ، وحتى خيانة، تبدو الثورة البوليفارية بفنزويلا دالة فعلا على بديل.
استغرقت أغلبيتنا، نحن داخل اليسار، وقتا لإدراك حقيقة ما يجري. لذا من المهم الشروع حاليا في دراسة ونقاش السيرورة الفنزويلية، بقصد التمكن أولا من المساهمة على نحو افضل في تطوير الحركة الدولية التضامنية التي يحتاجها الفنزويليون أيما حاجة ويستحقونها. ثم للشروع في فهم هذه السيرورة السياسية المعقدة وبالغة الأصالة والإفادة من دروسها.

طور جديد

اللحظة مختارة جيدا. فالانتصارات الانتخابية للسنة الماضية فتحت طورا جديدا . فتصويت اغلبية 60% لصالح تشافيز خلال الاستفتاء الرامي الى عزله يوم 15 غشت 2004، قلب الأدوار ونزع الشرعية عن الساعين الى إزاحته. شهدت المعارضة البرجوازية، بعد هزائمها خلال محاولة انقلاب ابريل 2002 ، وعرقلة صناعة البترول في 2002-2003 نتيجة التعبئة الشعبية الجماهيرية المذهلة، انقلاب آخر أوراقها الدستورية ضدها. ومذاك توجد تلك المعارضة في حالة تيه عميقة. تحاول قطاعات من المعارضة البرجوازية الفنزويلية المشتتة، بعد تخليها عن المواجهة المباشرة،إيجاد تسويات تتيح لها مواصلة جمع المال، مع قطاعات من الآلة الحكومية. ويوجد موجهوها بواشنطن في بلبلة ولا يعرفون كيف يتيعن عليهم اللعب في الجولة المقبلة. وقد تكرست هزيمتهم اكثر لما تمكن أنصار تشافيز من التحكم بأغلبية الهيئات التنفيذية الإقليمية والبلدية خلال انتخابات أكتوبر 2004.
طبعا لم تزل المخاطر الداخلية والدولية. لكن تراجعها المؤقت يفتح مساحة. بدأ تشافيز ومعاونوه المقربون الحديث عن "طور جديد" و" قفزة إلى أمام" و" ثورة داخل الثورة". وقد التقوا في نوفمبر كافة العمدات والحكام الجدد للشروع في وضع "خريطة استراتيجية جديدة". وشرع تشافيز ذاته يتحدث اكثر فاكثر ليس ضد "النيوليبرالية" وحسب بل ضد الرأسمالية. وبدأ في مطلع هذا العام يتكلم عن ضرورة إعادة إبداع حلول اشتراكية للقرن 21. وصرح أخيرا في ابريل:" انا اشتراكي" و " إننا نسير نحو الاشتراكية".
وبالموازاة بدا التعاطف بالخارج مع الثورة البوليفارية يتزايد بسرعة، لاسيما بأمريكا اللاتينية. وبدأ عدد متنام منا، نحن الملاحظون من خارج، يتبين ان ثمة أمرا ما يجري، وانه يتعين أخذه على محمل جد . علينا طبعا أن نكرس الوقت لمتابعة ودراسة ما يجري. يجب ان نتفادى الخلاصات المتسرعة. لكن بوسعنا الشروع في تحديد بعض الخصائص الأساسية لهذه السيرورة.

قوى الثورة البوليفارية

يمكن القول، مع المخاطرة بتبسيط بالغ، إن السيرورة البوليفارية دلت على توفرها على ثلاث قوى ونقطتي ضعف:
التعبئة . تتمثل القوة الأولى في القدرة الهائلة على تعبئة سكان فنزويلا وقدرة مواجهة التحديات المفروضة عليها. اكتست تلك القدرة أشكالا متباينة خلال السنوات الماضية، بدءا بالكاراكازو عام 1989، لما اكتسح ألوف الفقراء القادمين من أحياء القصدير او" الرانتشو" العاصمة كاراكاس في انتفاضة عفوية ضد جملة إجراءات تقويم لصندوق النقد الدولي . جرى اغتيال عدد مازال مجهولا من المواطنين، الاف على الأرجح، خلال القمع الذي تلا الانتفاضة. ويعتبر تشافيزيون عديدون، وتشافيز ذاته، الكاراكازو بداية ثورتهم. وهذا ارتباط رمزي اكثر مما هو فعلي، لكن أحداث 1989 أبرزت قدرة سكان فنزويلا، لاسيما فقراء المدن، على الفعل لحسابهم الخاص ضد قوى الفوق وذلك دون ظهور جلي لبنيات منظمة او قائدة.
جرت البرهنة على هذه القدرة مرارا خلال السنوات الست الأخيرة من الثورة البوليفارية، لكنها برزت حاليا بجلاء دفاعا عن قائدها غير المنازع فيه هوفو تشافيز. ولا ريب أن أهم الأمثلة وأشدها إذهالا تمثل في انتفاضة 11-13 ابريل 2002 الذي تصدى للانقلاب المنظم من واشنطن و أتاح لتشافيز عودة ظافرة إلى القصر الرئاسي في Miraflores 48 ساعة فقط بعد إجباره على مغادرته.
كما تجلت قدرة التعبئة هذه خلال الاقتراعات الثمانية او التسعة التي جرت خلال السنوات الست ونصف السنة الماضية. يعني هذا انه دون إتيان أي حجة مقنعة على وجود تزوير، حصل تشافيز، الذي تصفه الصحافة الدولية عادة ب"المستبد" و"اليساروي" و" المهيج" و"المظلي السابق" و"المتآمر"، على رقم قياسي من النصر الانتخابي غير مسبوق لدى أي سياسي برجوازي بالعالم. وكان استفتاء العزل في السنة الماضية أشد تعبيرا عن هذا النمط من التعبئة. إذ شارك عشرات ألوف الأشخاص في وحدات المعركة الانتخابية، وفي الدوريات التي قامت بدور مركزي في إعادة إضفاء الشرعية على السيرورة الثورية. وقد عوضت ببساطة في هذه السيرورة الحملة الباهتة التي بدأتها الأحزاب السياسية المساندة تشافيز المتآلفة في كوماندو اياكوشو.
لكن التعبئات كانت في كلتا الحالتين دفاعية بوجه خاص، مبرزة أن أغلبية من سكان فنزويلا متأهبة للنضال، في الشارع عند الضرورة، للدفاع عما تعتبره حكومتها وقائدها وثورتها.
كانت أشكال التعبئة الأشد هجوما، عندما تتحرك الجماهير لا للدفاع عما لديها بل لخلق ما تريد، اقل بروزا ومحدودة لكنها ربما كانت أهم على المدى الطويل. يمكن ذكر العديد منها: إطلاق لجان الأرض، ولجان الصحة ومجالس الماء المحدثة من طرف جماعات سكان حضرية بأحياء القصدير من اجل مساندة وحتى" تسيير" بعض البرامج الاجتماعية الحكومية (أو المهمات" كما تسمى) ومحاولات(عادة ما يحبطها الموظفون المحليون) لإحداث مجالس تخطيط محلية بهدف وضع وتطبيق الموازنات المحلية وخطط الاستثمار، وخلق اكثر من 40 ألف تعاونية حضرية وقروية من كل نوع(أغلبها في حال مشروع اكثر من حال تحقيقِ) استجابة لنداء الحكومة من اجل التنمية الداخلية (أي المندمجة والمكتفية ذاتيا) والمحاولات الناشئة، والهشة، لممارسة رقابة عمالية في بعض المصانع والمنشآت.
وكان اكثر الأمثلة طموحا محاولة بعض عمال المنشأة البترولية للدولة PDVSA تحويل الدفاع عن أهم مورد اقتصادي بالبلد الى رقابة شعبية، جرى ذلك خلال إغلاق صناعة البترول في 2002-2003 ، في مصفاة Puerto de la Cruz مثلا. لكن هذه المحاولة لم تعمر بعد حل تلك الأزمة. هذا ما يضفي مشروعية على النقاش حول موضوع الجدول الزمني الدقيق والتكتيكات التي أفضت إلى الإجراءات المتخذة وبالتالي حول موضوع التوجه الاقتصادي الحقيقي لفنزويلا وثورتها البوليفارية .لكن اجراءات رمزية هامة جاءت في قطاعات اقل حساسية مثل مصنع الورق Venepal المفلس ، اذ صادرته الحكومة في بداية السنة و أعادت تشغيله تحت اسم d’Invepal وبرقابة عمالية وكذا Compaٌيa Nacional de Vلlvulas الأصغر حيث يقوم العمال بحملة من اجل حل مماثل. ويلاحظ بداية رقابة عمالية وتسيير مشترك في منشآت اكبر بكثير مثل الشركة الوطنية للألمنيوم Alcasa رغم أن طابع هذه المحاولات وحجمها الحقيقي لا يظهران بعد بوضوح.
تطور تشافيز. ثاني قوى السيرورة السياسية الجارية في فنزويلا هي ما يبديه تشافيز وفريق معاونيه الأقربين من قدرة في ما يخص تطور توجههم. وقد ُكتب الكثير حول هذا الموضوع وثمة المزيد يمكن كتابته. نكتفي هنا بالإشارة إلى انه جرى على نحو جدي بخس قدر تشافيز سواء على الصعيد الإيديولوجي او العملي من طرف معارضيه الفنزويليين والإمبرياليين ومن طرف اغلبنا باليسار على حد سواء. يمكن القول إن حكومة تشافيز في فنزويلا قامت الى حد ما بما لم تتجرا أبدا حكومة حزب العمال علىالقيام به ولا عزمت عليه في البرازيل، أي مواجهة الإمبريالية والشروع في قطيعة فعلية مع الأولويات النيوليبرالية.
ثمة طبعا بعض اوجه شعبوية يسارية ونزعة وطنية عسكرية ومحض براغماتية بموازاة الكثير من الخطابة المتوقدة. لكن لا شيء من ذلك قد يمحي المضمون التكتيكي الذكي والكفاءة التربوية او الاقتناع العميق التي تميز بجلاء متنام كل يوم قيادة تشافيز. يمكن تلخيص هذا الاقتناع في أربع مبادئ أساسية:
السيادة: يجب ان تستعيد فنزويلا وأمريكا اللاتينية كامل تحكمهما بمواردهما، وترابهما وعملية اتخاذ القرار
الديمقراطية بالمشاركة: السبيل الوحيد لاستئصال الفقر هو إعطاء السلطة للفقراء.
اقتصاد جديد: يتعذر تحقيق النموذج الاقتصادي الضروري في ظل الرأسمالية.
الأممية : ليست ثمة حلول وطنية محض.
خلال الأشهر الأخيرة من "الطور الجديد" من الثورة البوليفارية، جرى التعبير عن هذه العناصر مجتمعة بتعابير التزام اشتراكي شخصي يزداد صراحة كل يوم. أكيد أمر يثلج صدور الكثيرين منا. يصعب تذكر متى سمعنا لآخر مرة رئيس دولة يقول في اجتماع دولي كبير إنه يتعين علينا استخلاص دروس النقاش بين ستالين وتروتسكي وانه شخصيا يناصر تروتسكي.
طبعا يجب ألا ننساق. فقد يمتدح تشافيز لا حقا في نفس الخطاب بوتين وشيراك والقذافي واية الله الخميني، ويهب الى نجدة لولا عندما كانت الحكومة البرازيلية عرضة لتنديد صاخب من نصف المشاركين في الدورة الأخيرة للمنتدى الاجتماعي العالمي ببورتو اليغري . قد يعبر ذلك عن درجة من الدبلوماسية. لكنه يعبر أيضا عن نوع من " منظور معسكراتي" campisme يقسم العالم بين أنصار البيت الأبيض وبين المفترض انهم ضده( بمعنى او بآخر) . كما أن ثمة تناقضات عديدة بين هذه المبادئ الجذرية وواقع الحال كما سنرى لاحقا.
مع ذلك يبقى اننا لم نشهد، منذ الثورة الكوبية وحتى قبلها، قادة عملية ثورية يعبرون بوضوح عن اقتناعاتهم الاشتراكية مبرزين بجلاء عزمهم على تطبيقها.
البترول. ثمة على نحو طبيعي عامل آخر أساسي يساعد السيرورة الفنزويلية، عامل ضعيف العلاقة بقدرة تشافيز او شعب فنزويلا على الابداع: انه البترول. ليست فنزويلا خامس كبار المنتجين والممون الرئيس بالبنزين المستهلك في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية وحسب، بل ُيقدر ان لديها اكبر احتياطات العالم اذا اعتبر بترول انقصاف l’Orénoque. لم تصنف شركات البترول سابقا هذا الأخير ضمن فئة البترول بل اعتبرته زفتا،أي نوعا من الصخور النفطية بقصد خفض الضرائب الواجبة عليها. بيد ان تكنولوجيا التصفية الحديثة تسهل تحويل هذا الخام بالغ الثقل الى وقود عالي الجودة. ادت ثروة فنزويلا النفطية الى توترات اقتصادية واجتماعية عميقة بهذا البلد. لكن الامر يفضي، مع أسعار عالمية مرتفعة، إلى سيرورة ثورية ذات قوة اقتصادية غير مسبوقة.

ومكامن ضعفها

بيد انه لا معنى لهذا كله إذا لم نسع إلى فهم كيف تمتزج مكامن قوة التجربة الفنزويلية هذه مع مكامن ضعفها الجلية، او ربما وجب قول، ما يتعين عليها مواجهته من تحديات.
نقص التنظيم . ربما يتمثل اكثر مكامن الضعف جدية في شدة ضعف الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية اليسارية.
قد يبدو ضعف الحركات الاجتماعية مفارقة في سيرورة مطبوعة الى هذا الحد بالتعبئات الجماهيرية. لكن ليس في فنزويلا ما يقارن بحركة معدومي الأرض MST البرازيلية، او بحركات الأهالي في ايكواتور او بوليفيا، او حركة المعطلين بيكتروس piqueteros الأرجنتينيين أيا كان ما تشهده العديد من تلك الحركات من أزمة تنظيمية أو آفاق سياسية.
أسباب هذا الوضع معقدة. ربما يكمن أحد عناصر التفسير في أن النقابات أو الحركات الاجتماعية كانت، لما وجدت في فنزويلا ، مرتبطة إلى حد بعيد بحركة "العمل الديمقراطي" . كانت هذه حزبا سياسيا فاسدا جدا يدعي انه" اشتراكي-ديمقراطي"، وكان في طليعة منفذي السياسات النيوليبرالية بفنزويلا خلال سنوات 1980 و1990 .ويوجد مذاك في مركز معارضة الطبقة السائدة لتشافيز.
لكن أيا كانت الأسباب، يؤدي غياب حركات اجتماعية قوية ومستقلة إلى ثلاث عواقب سلبية. أولا، يعني ذلك ان أشكال التنظيم التي تظهر في أطوار التعبئة المتتالية تجنح إلى اكتساء طابع عابر. الحلقات البوليفارية زالت الى حد بعيد. وجرى جزئيا تحويل قدراتها نحو "المهمات" ونحو لجان الصحة والأرض والماء التي رافقتها. وأفضت على الصعيد السياسي الى وحدات المعارك الانتخابية UBE والى دوريات patrouilles حملة الاستفتاء. وجرى تشجيع هذه الأخيرة على التحول الى وحدات معركة التنمية الداخلية من اجل مساندة مشاريع التعاونيات المندمجة. وبينما يتزايد توتر العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، يجري تشجيع الجماعات ومتحدات العمال على تخصيص قليل من طاقتهم لتشكيل ميليشيات شعبية محلية.
قد تكون هذه الأهداف المختلفة مشروعة تماما، لكن عدم ثبات أشكال التنظيم يصعب كثيرا تطور أفاق متماسكة او برامج مطلبية موحدة بمختلف القطاعات.
ثانيا، يفضي ذلك الى تساؤلات جدية حول استقلال هكذا منظمات جماهيرية. يميل غياب حركات وطنية قوية ذات مطالب خاصة الى التسبب في تبعية حادة إزاء مبادرات صادرة من المركز، ومن قطاعات جهاز الدولة، وغالبا من تشافيز ذاته. وهذه العلاقة المباشرة، المركزية على نحو مطلق، بين الزعيم والجماهير لها مظهر شعبوية، فعلية جزئيا في شكلها بالأقل، لكن ليس في جوهرها.
يتمثل الاستثناء الوحيد من هذه الظاهرة، وهو في طوره البدائي، في الاتحاد النقابي الجديد، الاتحاد الوطني للعمال الذي نجح في السنوات الأخيرة الى حد ما في شغر المساحة الفارغة نتيجة انهيار بيروقراطية مركزية عمال فنزويلا اثر دورها المشين في الانقلاب الفاشل وفي عرقلة إنتاج البترول عام 2002.

ثالثا تكمن أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل من الاتحاد الوطني للعمال استثناء في كونه الحركة الاجتماعية الوحيدة المتضمنة، قاعدة وقيادة، لتيار وازن من الثوريين المنظمين على نحو مستقل، انه الاختيار اليساري الثوري OIR . وهو تجمع في طور التشكل يضم ثوريين ماركسيين يتحدر أغلبهم، لا كلهم، من التقليد الموريني للتروتسكية.(1) .
لا شك أن الأحزاب السياسية الرئيسة المساندة للثورة البوليفارية هي بالذات مكمن ضعفها الأكبر. يمكن لأصغرها، الوطن للجميع PPT ، و Podemos ، والحزب الشيوعي، والوحدة الشعبية الفنزويلية، ان تقدم لها بعض الكادر القيم، لكنها، بما هي أحزاب سياسية، أي كمنظم جماعي لأنشطة سياسية ومزود بأفكار سياسية، عديمة الفعالية. أما اكبر الأحزاب التشافيزية، حركة الجمهورية الخامسة MVR، فليست حزبا سياسيا حقيقيا، إذ لم تعقد أبدا أي مؤتمر وليس لديها حياة داخلية جديرة بالذكر ويعوزها شكل سياسي وإيديولوجي محدد. انها خليط مجموعات، وزمر ومصالح، العديد منها حقيقي لكن أخرى محض انتخابية او انتهازية.
لا شك ان تشافيز وفريقه مدركون لهذه الحدود. لكن ليس جليا كيف يمكنهم إعادة بناء حزب حقيقي مناضل اذا اعتبرنا المادة المتوافرة لهم. وإذا فعلوا ذلك سيكون لقدرتهم على دمج اصوات"نقدية بناءة" مثل الاختيار اليساري الثوري oir ، أهمية حاسمة.

الدولة. تتفاعل كل هذه المصاعب، وتمثل جزئيا انعكاسا، مع المشكل الآخر الكبير، او التحدي، الذي تواجهه الثورة البوليفارية، أي علاقتها بالدولة. هذا لأن ما نشهد في فنزويلا هو مفارقة ثورة، او بالأحرى مفارقة سيرورة ثورية ليست قادرة بعد على القيام بقطيعة حاسمة مع جهاز الدولة البرجوازية.
كانت ثمة قطيعات وعمليات إعادة تنظيم جزئية. بل إن انتخاب تشافيز ذاته عام 1998 أفقد النخبة التقليدية الفنزويلية أغلبية مناصب القيادة التي استفادت منها أمدا طويلا بقيادتها للدولة كأنها اقطاعة خاصة. وعام 2000 أتاح وضع جمعية تأسيسية لدستور جديد إعادة صياغة قواعد اللعب على نحو هام. وقد حطمت الانتفاضة الشعبية التي أحبطت انقلاب ابريل 2002، مع ما صاحبها من تمرد الضباط الشباب والجنود، العمود الفقري للمقاومة الظاهرة داخل جهاز الدولة، لاسيما في أعلى مستويات القوات المسلحة.
لكن لاشك ان ثمة استمرارا لمقاومة باطنية في قطاع القوات المسلحة والشرطة والعدل. وتدل الأحداث الأخيرة، مثل اغتيال المدعي العام Danilo Andreson ، أو اختطاف قائد حرب الغوار الكولومبي Rodrigo Granda من قبل عسكر فنزويليين عاملين لصالح كولومبيا، وما يبدو من شلل في محاولات تقديمهم للعدالة، أن الأمور بعيدة عن سير دون اهتزازات كما تريد الحكومة.
لكن المشكل الحقيقي أساسي اكثر: تحاول الثورة البوليفارية تطبيق برنامجها للتغيير الجذري بينما الآلة الإدارية برمتها، التشريعية والقضائية لجهاز الدولة البرجوازي القديم، قائمة ومعها القسم الأعظم من ملاكه. لم تكن ثمة، بحصر المعنى، ثورة، و ليس الأمر غير سيرورة ثورية لاتزال سجينة الدولة البرجوازية.
من الخطأ اعتبار الأمر إفلاسا سياسيا. يدرك تشافيز وفريقه جيدا هذا المشكل. ويتمثل الانشغال المركزي لـ" خريطتهم الاستراتيجية الجديدة" في رسم طريق من اجل بناء اقتصاد جديد ودولة جديدة داخل المؤسسات القائمة جزئيا و بالالتفاف عليها جزئيا.
انهم يعتقدون، سواء كانوا على خطأ او على صواب، ان حالة ميزان القوى الدولي كما الإقليمي، تجعل انتحارا أي لإقدام على قطيعة صريحة مع الإطار الذي ينظر اليه كتجسيد "للشرعية"، كما سيجري حتما تأويل هجوم مباشر على الملكية الخاصة.
يتعلق الأمر هنا طبعا بمازق لا ينحصر في فنزويلا وحدها. هل يمكن إيجاد آليات تنظيم الجماهير والمشاركة الشعبية الكفيلين بخلق شرعيات جديدة لمؤسسات من طراز جديد. على هذا الصعيد فنزويلا اهل لتفتح لنا الطريق جميعا.


ستويارت بيبر
انبركور (مجلة الاممية الرابعة)عدد … مايو –يونيو 2005
تعريب جريدة المناضل-ة.




صدر المقال معربا -ضمن ملف عن الثورة في فنيزويلا - في جريدة المناضل-ة عدد: 8 يوليوز 2005




--------------------------------------------------------------------------------

المورينية :تعبير مشتق من الاسم الحركي للتروتسكوي الأرجنتيني المسمى مورينو Nahuel Moreno ، مؤسس حزب العمال الاشتراكي والحركة من اجل الاشتراكية بالأرجنتين وكذا "التكتل البلشفي" داخل الأممية الرابعة ، والذي انفصل عنها عام 1979 بفعل خلافات حول تقييم الثورة الساندينية بنكاراغوا. بعد وفاة مورينو انفجرت الحركة من اجل الاشتراكية MAS الأرجنتينية والتيار العالمي الذي بنته الى عدة قطع شهدت تطورات متباينة.




تعليقات الفيسبوك