المادية التاريخية - نقد المفهوم الاورثوذكسي - جورج لارين


سعيد العليمى
2015 / 10 / 6 - 22:58     



بالرغم من أن المادية التاريخية هى بالتأكيد الميراث الفكرى الأكثر أهمية لتعاون ماركس وانجلز، فإن ماركس نفسه لم يستعمل هذا التعبير ولم يقدم تعريفا شكليا ومعالجة منهجية لمضامينها. وكان انجلز هو الذى نحت مصطلحى "المفهوم المادى للتاريخ" (أنظر ضد دوهرنج، مختارات ماركس وانجلز، ص 316) و"المادية التاريخية" (أنظر مقدمة، الاشتراكية: الخيالية والعلمية، مختارات ماركس وانجلز، ص 377) بل حاول حتى تقديم تعريف شكلى لها باعتبارها:
" تلك الرؤية لمجرى التاريخ التى تبحث عن السبب النهائى والقوى المحركة العظمى لكل الأحداث التاريخية الهامة فى التطور الاقتصادى للمجتمع ، وفى تغيرات أنماط الانتاج والتبادل، وفى انقسام المجتمع لطبقات متميزة من جراء ذلك، وفى الصراع بين هذه الطبقات الواحدة ضد الأخرى" ( المقدمة، الاشتراكية: الخيالية والعلمية، مختارات ماركس وانجلز، ص ص 3-382).
وفى الواقع فإن كتاب انجلز ،ضد دوهرنج، الذى طبع ككتاب فى عام 1878 بعلم وموافقة ماركس، يتضمن أول عرض يكتب للمادية التاريخية بعد صياغتها الأولية فى الأيديولوجية الألمانية ومقدمة 1859.

ورغم احتمال أن يكون انجلز قد بالغ في حديثه عن موافقة ماركس علي المضامين التى وردت فى "ضد دوهرنج" والطبيعة المشتركة لوجهات نظرهما النظرية (أنظركارفر، 1983، ص ص 152, 8-125) فقد دللت من قبل على انه لا يمكن للمرء بسهولة أن يفصل أفكار انجلز عن قسم على الأقل من فكر ماركس، والتأثير الذى مارسته أكثر إهتمامات انجلز العلمية والطبيعية قد جرى الاعتراف بها من قبل ماركس نفسه (أنظر جيراتانا، 1975، المجلد الأول، ص 118)
ومع ذلك فإن حقيقة وجود تأكيدات واهتمامات مختلفة يسمح بامكانية تفسيرات مختلفة ويجب أن يوضع هذا فى الاعتبار بعناية عند دراسة الطريقة التى تطورت بها الماركسية بعد وفاة مؤسسيها.
فعلي الرغم من أن لوم انجلز على بناء الماركسية الأرثوذكسية لن يكون مجديا ، فإن كتاباته المتأخرة، خاصة ضد دوهرنج، قد فسرت بطريقة أدت فى آخر الأمر لتطور أرثوذكسية فظة . و كما بين "جيراتانا" ، فإن ضد دوهرنج قد لبى الحاجة إلى تركيبة منهجية وكاملة للإشتراكية وباعتباره كذلك فقد جرى التهليل له من قبل برنشتين، وأدلر، وكاوتسكى وبليخانوف (1975، المجلد الأول، ص ص 53-147). فبالرغم من أن هؤلاء المفكرين قد ذهبوا فى اتجاهات نظرية وسياسية مختلفة، فقد فسروا جميعا ضد دوهرنج باعتباره نظرة عامة للعالم، ودليلا موسوعيا للماركسية المنفصلة عن أصولها النقدية. وما أن تم هذا حتى بات الطريق مفتوحا للتقنين العقائدى للمبادئ التى اتسمت بالأرثوذكسية.
وعند محاولة فهم كيف تطورت المادية التاريخية إلى أرثوذكسية فإن علينا أن نتجنب تطرفين. فمن ناحية ليس من الممكن أن نؤيد وجهة النظر القائلة بأن الماركسية الأرثوذكسية هى مجرد تشويه للفكر الاصلى لماركس، كما يبدو أن "شميدت" (1971) و "فليشر" (1973) يعتقدان، ومن ناحية أخرى لا بد وأن نرفض فكرة أن الماركسية الأرثوذكسية هى ببساطة تطوير أبعد لفكر ماركس كما يذهب "هوفمان" حين يقول:
"معارضة ماركس بالماركسية، أى معارضة التعاليم الأصلية بالتطورات التى تولدت عنها، لا معنى له وغير ذى جدوى مثل محاولة فصل فيضان نهر عن منبعه الفعلى. لأن الماركسية هى نظرية كارل ماركس كما تطورت عبر المائة عام الأخيرة من التاريخ" (هوفمان، 1975، ص 22).
ويخفق كل من التطرفين فى ادراك وجود التوترات فى فكر ماركس- فالأول يمتدح نظرية ماركس باعتبارها مغايرة للماركسية السوفيتية، ببنما يبجل الأخير الماركسية السوفيتية باعتبارها استمرارا لماركس. ومن ثم فإنهما غير قادرين على رؤية أن ظهور الأرثوذكسية متصل بوجود فجوات فى فكر ماركس الذى يسمح بالتأكيدات الأحادية فى اتجاه نوعى واحد. ورغم ذلك لا يمكن للمرء أن يختزل فكر ماركس إلى التاكيدات الأحادية التى يشدد عليها هؤلاء المفسرون.
فى تفسيرنا لظهور الماركسية الأرثوذكسية لا بد لنا أن نضع فى اعتبارنا ليس فقط تفسيرا نوعيا لكتابات انجلز من قبل الجيل الأول من الماركسيين وأنما نضع فى اعتبارنا أيضا حقيقة أن مثل هذا التفسير يمكن أن يجد بعض الدعم لدى ماركس نفسه. ومع ذلك فإن بناء الأرثوذكسية ليس نتيجة بسيطة لخيارات ذهنية. وبالرغم من أننى سوف أركز على الجوانب النظرية للمشكلة وارتباطاتها بعمل ماركس، فمن الضرورى ادراك أن تفسير ماركس وانجلز من قبل الجيل الأول للماركسيين معتمد للغاية على السمات النوعية للمارسات الطبقية التى يشارك ويناضل وفقا لها هؤلاء المفكرون.
وهناك اعتباران هامان فى هذا الصدد: الأول، الظروف التى حددت الاستراتيجية والنشاطات السياسية للحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى- أول حزب ماركسى كبير للطبقة العاملة . ذلك أنه بالنسبة لحركة حديثة النشأة فقد كان أمراً حاسما بالنسبة لها تقوية منظمات الطبقة العاملة وكذلك تأليف النقابات. كذلك كان توسيع نضالاتها الاقتصادية يحظى بالأولوية. وهذا التأكيد على النضالات الاقتصادية كان قد تحول إلى الاعتقاد بأن الرأسمالية سوف تنهار تقريبا بشكل آلى بالانكشاف البسيط لتناقضاتها الاقتصادية الكامنة (أنظر لاكلاو، 1977،ص ص 126 و 7). فى هذا السياق فإن تفسيرا اقتصاديا لماركس أصبح مهيمنا وهو الذى شدد على حتمية عملية "التاريخ الطبيعى" ، التى كان كاوتسكى ممثلها الأساسى.
على أن إنفجار الحرب العالمية الثانية حطم هذه التوقعات وأدى إلى انشقاق واندماج الحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى النهائى ضمن النظام الرأسمالى. كما أشار سلفادورى، فقد كانت هذه النتيجة المفارقة ترجع لحقيقة أن "الاشتراكية الديمقراطية الألمانية كانت تمثل أول حزب عمالى كبير مما جعله مضطرا لأن يتعامل بغير مداورة مع نظام رأسمالى قادته نظريته إلى أن يتوقع نهايته السريعة، وهو النظام الذى انفجر، بدلا من ذلك، نحو الخارج فى إمبريالية حشدت دعما جماهيريا واسعا " (سلفادورى، 1917، ص 19)
أما الاعتبار الثانى الهام فله صلة بالتطور المتتالى للحزب البلشفى بعد ثورة 1917 نحو بيروقراطية شمولية قدت من صخرة واحدة احتكرت تفسير ماركس وانجلز وكانت قادرة خلال الكومنترن حتى على فرض "خطها الرسمى" العقائدى على الأحزاب الأجنبية (أنظر بولانتزاس، 1977، ص ص 24-17 و 33-223) . وهكذا فقد أضيف للنزعة الاقتصادية للأممية الثانية تفسير سوفيتى "رسمى" ثبَت وقنَن المعتقدات الأساسية للمادية التاريخية. ثم اختتمت المرحلة النهائية لهذه العملية الخاصة بتكوين أرثوذكسية، بكتاب ستالين الشهير المطبوع فى عام 1938 ، "المادية الجدلية والتاريخية" (ستالين، 1976)، الذى أصبح ذو نفوذ لحد بعيد والذى مازالت الكتب السوفيتية (أنظر كوسينين وآخرون، 1963 و كوقالسون 1973) وبعض الكتاب الغربيين يكررون ويفسرون الآراء التى وردت فيه (أنظر هوفمان، 1975).
ويمكن وصف العناصر الأساسية للتفسير الارثوذكسى للمادية التاريخية بشكل أفضل بالنظر إلى النطاقات الأربعة للتوتر فى فكر ماركس وانجلز, من أجل توضيح الطريقة التى عوملت بها القضايا الأساسية من قبل الجيل الثانى من النظريين الماركسيين حتى تم تقنينها من قبل ستالين، وكذك الطريقة التى جرى بها توسيع هذه القضايا والدفاع عنها فيما بعد.
ويمكن أن يوجز طابع هذه القضايا الأساسية فى أربع نقاط: الأولى هى اعتبار المادية التاريخية امتدادا أو تطبيقا لمبادئ المادية الجدلية على دراسة المجتمع والتاريخ. والثانية أن الوعى هو انعكاس للواقع المادى، حيث أن ، الوجود، العالم المادى، سابق على ويوجد بشكل مستقل عن الوعى. والثالثة أن القوى المنتجة تتجه إلى التطور عبر التاريخ وهى العامل الأساسى المحدد للتغيرات فى البنية الاقتصادية والتى تحدد بدورها التغيرات فى بقية المجتمع. أما النقطة الرابعة فهى أن التاريخ يتطور من خلال مراحل شاملة وضرورية وفقا للمنطق التقدمى للقوانين شبه الطبيعية التى تقود البشرية بشكل حتمى نحو المجتمع اللاطبقى. مع ذلك من الهام أن نوضح، أنه ليس كل المفكرين الذين عرضوا أو دافعوا عن بعض هذه القضايا الأساسية والذين نتناولهم فى هذا الفصل يوافقون بالضرورة على كل القضايا أو المسائل النوعية التى أثيرت من جانبهم.

الجدل والمادية الجدلية
بالرغم من أن لينين يؤكد بثقة أن "ماركس كثيرا ما أطلق على نظرته للعالم اسم "مادية جدلية"، وأن كتاب انجلز "ضد دوهرنج" الذى قرأه ماركس كاملا فى مخطوطته، يعرض تحديدا هذه النظرة للعالم (1972 أ، ص 294)، فإن هذا المصطلح لم يستخدمه لا ماركس ولا انجلز بالفعل. فى الحقيقة فإن " المادية الجدلية" مصطلح نحته بليخانوف فى عام 1894 باعتباره أكثر الأوصاف دقة لفلسفة ماركس بالتعارض مع كل من "المادية الميتافيزيقية" لهولباخ وهلفسيوس و"المثالية الجدلية" لهيجل (بليخانوف، 1972، ص 220 ، ملاحظة). مع ذلك، وبلا شك فإن لينين مصيب حين يرى أن ثمة رابطة بين "ضد دوهرنج" وبين "الماديية الجدلية" متصورة باعتبارها فلسفة عامة تختص بالقوانين الجدلية للحركة الملازمة لكل الموجودات.
فمن ناحية لا يعرض انجلز فقط الجدل باعتباره مبدأ عاما للحركة يمكن أن يطبق على الطبيعة والتاريخ (مقدمة، ضد دوهرنج ، ص 15، من أجل تعريف للجدل أنظر ضد دوهرنج، ص ص 168 و 9) وإنما يسعى أيضا لأن يطور تطبيقه على الطبيعة لأنه مقتنع بأن "الطبيعة هى برهان الجدل" (ضد دوهرنج، ص 33) معترضا بذلك على قول دوهرنج بأنه لا يمكن أن تكون هناك تناقضات فى الأشياء الواقعية. حيث يدلل انجلز على أن ذلك قد يكون صحيحا مادمنا نعتبرها فى حالة سكون ولكن بمجرد أن نعتبر الأشياء فى حالة حركة, تظهر التناقضات: ف"الحركة هى ذاتها تناقض" (ضد دوهرنح، ص 144).
ويسعى انجلز باتباع هذه الفكرة الأساسية لبيان كيف يشتغل الجدل فى التغيرات الميكانيكية للعناصر الفيزيائية وأيضا فى سيرورة الحياة العضوية، وفى التفاعلات الكيميائية والرياضيات (أنظر ضد دوهرنج، ص ص 170-161). وفيما بعد فى كتابه "جدل الطبيعة" يطور انجلز أكثر ويوسع هذه الأفكار بأمثلة أخرى عن الحرارة ، والكهرباء، والاحتكاك، إلى آخره مأخوذة من الفيزياء، وعلم الفلك ، والجيولوجيا، والبيولوجيا، وهكذا دواليك. ومن ناحية أخرى، يسعى انجلز متبعا هيجل، إلى تأسيس وتطوير القوانين العامة للجدل التى جردت من التاريخ والطبيعة والمجتمع ويختزلها فى ثلاثة قوانين:
• قانون تحول الكمية إلى كيفية والعكس بالعكس.
• قانون تداخل المتناقضات.
• قانون نفى النفى.
وهى القوانين التى تطورت جميعا من قبل هيجل بطريقته باعتبارها مجرد قوانين للفكر (جدل الطبيعة، ص 62).
وهكذا ، يتم التعامل مع هذه القوانين باعتبارها مستنبطة من الطبيعة والتاريخ وليست مقحمة عليها كقوانين للفكر.
و مع ذلك لا يبدو أن الاختلاف بكل هذه الأهمية حين ندرك أنه بالنسبة لهيجل لم يكن هناك تمييز دقيق بين التاريخ والطبيعة من جانب والفكر من جانب آخر. إذ كان انتاج الفكر، بالنسبة له، هو عملية انتاج الطبيعة والتاريخ فى آن واحد، بحيث يصبح "جدل الأفكار هو فى نفس الوقت جدل المادة" وفقا لتعبير "كوليتى" (1975،ص 11). صحيح أننا يمكن أن نجد عند ماركس وضعا للجدل باعتباره " قلبا بسيطا" لجدل هيجل (كلمة ختامية، رأس المال، المجلد الأول، ص 29)، ولكن يمكن لنا أن نجد مقاطع أخرى يبدو فيها الاختلاف بين المفهومين أكثر من مجرد عملية قلب (أنظر الفصل الأأول). ومثل هذا التوازن لا وجود له لا فى "ضد دوهرنج" ولا فى "جدل الطبيعة" (أنظر كارفر، 1983، ص ص17-116)، ومن ثم ليس من المدهش أن جيل الماركسيين الذى أخذ "ضد دوهرنج" كتقييم نهائى للماركسية تبنى بل وحاول أن يقنن إلى مدى أبعد صيغة هيجلية عن الجدل باعتباره مبدأ شاملا لكل الموجودات.

وهذا واضح تماما عند بليخانوف، الذى يشكل الجدل لديه ليس فقط فلسفة متميزة للحركة تسمى المادية الجدلية وإنما أيضا منطقا أرقى بالنسبة للمنطق الشكلى . فبالنسبة له يمثل تناقض حركة المادة المبدأ المنطقى للهوية لأن "جسما متحركا يوجد ولا يوجد فى مكان معين فى نفس الوقت (بليخانوف، بدون تاريخ، ص 90). أو هو، بمعنى آخر يتبع قول انجلز بأن الحركة تناقض، ولكن إذا كان الأمر كذلك "فيبدو أننا قد وجدنا أنفسنا مواجهين باحد أمرين: إما أن نعترف ب"القوانين الأساسية للمنطق الشكلى فننكر الحركة، أو ، على النقيض من ذلك، نعترف بالحركة فننكر هذه القوانين" (نفس المصدر ص ص 2-91). وحل اللغز يكمن فى قبول أنه كما أن السكون هو لحظة فقط من الحركة فإن المنطق الشكلى أيضا لحظة خاصة من المنطق الجدلى (ص 94) ومثل هذا الموقف يوضح ويضفى طابعا رسميا على بعض المقترحات الموجودة بالفعل فى "ضد دوهرنج" التى تحبذ الجدل بدلا من المنطق الشكلى من حيث أنه يقدم "نظرة أكثر شمولا للعالم" كما يمثل الصيغة اِلأكثر أهمية للتفكير للعلوم الطبيعية فى الوقت الراهن" (ضد دوهرنج، ص ص 36 و 2-161 و 392). بغض النظر عن هذا فإن بليخانوف يؤكد كثيرا جدا تحول الكم إلى كيف كما يؤكد وجود الطفرات (انقطاعات فى التدرج ) فى تطور كل من المجتمع والطبيعة (بليخانوف، 1972، ص ص 8-77 و 163، بدون تاريخ ص ص 8-35).

يظهر لينين نفس الانبهار بجدل هيجل ويؤكد حتى أن " من المستحيل تماما فهم "راس المال" لكارل ماركس وخاصة فصله الأول بدون درس وفهم متمكن لمنطق هيجل بكامله. وإلى أنه رغم مضى نصف قرن لم يفهم أحد من الماركسيين ماركس" (لينين، 1972 ب، ص 180). لا يهم من ثم أن ماركس لم يترك تحليلا نوعيا للمنهج الجدلى لأنه "ترك منطق "رأس المال وهذا ينبغى أن يستغل لأقصى حد فى هذه المسألة" (لينين، 1972 ب، ص 319). ويفهم لينين بالجدل وحدة المتناقضات التى يجب أن تدرك "فى كل الظواهر وعمليات الطبيعة" (ص 360). ومن ثم فإن جدل المجتمع هو حالة خاصة فقط من الجدل بصفة عامة والذى يمكن أن يوجد أيضا فى الرياضيات، الميكانيكا، الفيزياء، الكيمياء، إلى آخره ، إذ تبين كل العلوم الطبيعية الحركة الجدلية فى الطبيعة، متمثلة فى تحول الفردى إلى كلى، والعرضى إلى ضرورى، والتحولات والتغيرات والارتباطات المتبادلة للتناقضات" (ص 362).

وتتلقي النزعة الأرثوذكسية دفعة قوية مع بوخارين وستالين لأنهما يطوران ويصنفان ويثبتان المعتقدات الأساسية لما سمى بصفة عامة "المادية الجدلية" منذ هذا الوقت. فالمبادئ الخاصة بالمادية فى هذا المفهوم معنية بالعلاقة بين المادة والفكر، وهو الموضوع الذى سأتناوله فى القسم التالى . لكن من الضرورى أن نشير الآن إلى أن هذا فى حد ذاته تحول عن مفهوم ماركس وانجلز فى أمرين مرتبطين للغاية: الأول، أنه بالنسبة لمؤسسى الماركسية فإن نظرية الوعى كانت جزءا من المادية التاريخية وقد جرى تناولها فى هذا السياق. الثانى، أن مناقشة ماركس وانجلز للوعى لم تكن تطويرا فلسفيا مجردا لموضوع المادة والفكر بصفة عامة.
والجانب الآخر لمفهوم المادية الجدلية هو الجدل. ولكن تصورات انجلز عن جدل الطبيعة، بالاضافة إلى بعض تأكيدات ماركس الخاصة هى التى تقدم قاعدة أرسخ لتجريدات مماثلة. وهكذا تؤسس ية المادية الجدلية كما قننها بوخارين وستالين منذ بداية ميلادها باعتبارها الفلسفة الأثوذكسية للماركسية ؛ المستوى الذى تتم داخله مناقشة الوعى والجدل: وهو مستوى المبادئ والتصنيفات العامة المجردة وليس التحليل العينى لمجتمعات تاريخية.
وفيما يتعلق بالجدل، يميز بوخارين بين طريقتين للنظر فى الطبيعة والمجتمع: وجهة النظر السكونية ووجهة النظر الحركية. الأخيرة منهما فقط هى التي تشكل الموقف "الصحيح" لأنه لا شئ غير قابل للتغير فى العالم ، وهكذا يجب أن يفهم كل شئ فى تطوره من نشأته إلى إضمحلاله. هذه هى وجهة النظر الجدلية (بوخارين، 1965، ص ص4-63) وبالاضافة إلى ذلك يجب ألا تعتبر الظواهر حالات منعزلة وإنما تؤخذ فى علاقاتها المتبادلة. هذان إذن المبدآن الأساسيان اللذان يتطلبهما المنهج الجدلى: "يجب أن تدرس كل الظواهر فى علاقاتها التى لا فكاك منها، وثانيا، أن يدرس كل مجتمع فى شروطه النوعية الخاصة (ص 69) ، وأن يدرس كل شكل إجتماعى فى سيرورة تغيره الداخلية (ص 70)، كما يجب أن تدرس كل المجتمعات فى نموها واختفائها الضرورى (ص70) وهكذا فأساس الحركة بطبيعة الحال ، هو التناقض. ونحن نجد هنا أن فهم بوخارين لهيجل يختزل الجدل إلى عملية من ثلاث مراحل هي: الأطروحة (الوضع الأصلى للتوازن) النقيض (اختلال التوازن)، والتركيب (ائتلاف التناقض) (ص 74) وهى العملية التى يستخدمها لتصنيف نماذج العلاقات بين المجتمع ومحيطه إلى التوازن المستقر، والتوازن غير المستقر ذى مؤشر ايجابى، والتوازن غير مستقر ذى مؤشر سلبى (ص ص6-7). ونحن نجد هنا أن فهم بوخارين لهيجل يختزل الجدل إلى عملية من ثلاث مراحل هي:الأطروحة (الوضع الأصلى للتوازن) النقيض (اختلال التوازن)، والتركيب (ائتلاف التناقض) (ص 74) وهى العملية التى يستخدمها لتصنيف نماذج العلاقات بين المجتمع ومحيطه إلى التوازن المستقر، والتوازن غير المستقر ذى مؤشر ايجابى، والتوازن غير مستقر ذى مؤشر سلبى (ص ص6-7).

ويضيف بوخارين بضعة عناصر أخرى عن تحول الكم إلى كيف وعن التغيرات المفاجئة فى الطبيعة والمجتمع (الذى كان أمرا مهما لدى بليخانوف). ولكن ستالين الذى يضع أخيرا ما أسماه كولاكوفسكى "تعاليم ماركسية كاملة لجيل بأسره "(1978، المجلد الثالث، ص 97) وهو الكتيب ذو النفوذ الضخم "المادية الجدلية والتاريخية" والذى هو بالتأكيد ليس خلاقا لحد بعيد لأن كل ما يحتويه قد قيل قبلا من جانب بليخانوف، وبوخارين ولينين، لكنه قدم بشكل منهجى وتربوى ، الطبعة الأخيرة من الأرثوذكسية. أضف إلى ذلك فإنه النص الذى يكرس الوضعية الثانوية للمادية التاريخية:
ويعرض ستالين المادية الجدلية باعتبارها تركيبا من المادية الفلسفية و المنهج الجدلى. وسوف أتناول المادية فى القسم التالى، الذى يعالج بصفة أساسية نظرية الوعى . أما بالنسبة للجدل، فيرى ستالين أنه النقيض المباشر للميتافيزيقا، وأنه يمتلك أربعة ملامح أساسية. الأول، أن الطبيعة هى كل متكامل وبالتالى "فإن أى ظاهرة يمكن أن تفهم وتفسر إذا ما درست فى ارتباطها المتلازم بالظواهر المحيطة" (ستالين، 1976،ص 837). الثانى، أن الطبيعة هى حالة من الحركة المستمرة حيث تنشأ الأشياء دائما، وتتطور وتنحل، وبالتالى يجب أن ندرس الظواهر من منظور الحركة والتغير (ص838). الثالث، أن التطور فى الطبيعة ليس تراكما تدريجيا للتغيرات الكمية وإنما هو تراكم للتغيرات الكمية ينتقل فجأة إلى تغيرات كيفية جوهرية متخذا "شكل طفرة من حالة على أخرى" (ص 838). الرابع، أن "التناقضات الداخلية كامنة فى كل الأشياء وفى ظواهر الطبيعة، لأن لها جميعا جوانبها السلية والايجابية" (840). والصراع بين هذه التناقضات هو جوهر عملية التطور.
والكتابات السوفيتية تكرر باختلافات طفيفة وتعلق على صياغة ستالين حتى اليوم. وبمكن أن نجد فى الغرب فقط محاولات مستقلة لتبرير جدل الطبيعة دون الإشارة لمبادئ أرثوذكسية معطاة سلفا. فالشيوعيون الفرنسيون يناقشون الموضوع بطريقة غاية فى التجريد وبالأحرى غير حاسمة ولكنهم يقبلون فى النهاية معالجة فلسفية مستقلة لقوانين الجدل بسبب حاجتهم النظرية لتحديد فلسفى لمضامين الجدل (أنظر سيف، 1974ن، كوتن، 1977 وجايجليه، 1977).
بينما يدافع هوفمان فى بريطانيا العظمى عن جدل الطبيعة مدللا على ذلك بأننا إذا قبلنا بوجود جدل إنسانى فإننا ملزمون بأن نقبل جدل الطبيعة لأنه حتى نفهم الجدل الانسانى جدليا، يجب أن نفهم أصوله Genesis . "وأصل الانسان لا يمكن أن يفهم منسوبا إلى طبيعة يعتقد بأنها قادرة فقط على الدوران فى حلقات (هوفمان، 1975،ص 60)، أو بمعنى آخر، فإن الطبيعة الميكانيكية لا يمكن أن تنتج الانسان الجدلى (ص 63)، من ثم مالم تكن المادة تتضمن "الانتاجية والابداع التى تسمى جدل " فإن تطورها التاريخى آنئذ لا يمكن أن يفسر عقلانيا، وإذا كان تطور المادة غير قابل للتفسير، فكذلك أيضا تطور الانسان (ص 61). باختصار، يبدو الجدل بالنسبة للأرثوذكسية كمبدأ شامل للحركة كامن فى كل الموجودات ويمكن أن يقدم كفلسفة عامة باستقلال عن الممارسات الاجتماعية. وتطبيقه على المجتمع هو الذى يولد المادية التاريخية.


الوعى بوصفه انعكاسا
لقد رأينا كيف أن هناك توترا عند ماركس وانجلز بين الوعى الاستباقى والوعى كانعكاس. على أنه بعد وفاة ماركس نشأت كثير من التفسيرات التى تدعى أنها ماركسية، وأخذت تختزل الوعى إلى شروطه الاقتصادية وتنكر عليه أى دور فاعل. وقد حدث هذا بشكل غاية فى السرعة حتى أن انجلز نفسه فى أعوامه الأخيرة شعر بأنه مضطر لأن يواجه هذه النظرات وحاول فى سلسلة من الرسائل الهامة أن يقومها. وهو يعترف صراحة قائلا: "ماركس وأنا مسئولان جزئيا عن حقيقة أن الشباب يضعون أحيانا تأكيدا أكبر على الجانب الاقتصادى بأكثر مما يستحق. فقد كان علينا آنذاك أن نؤكد المبدأ الأساسى ضد خصومنا، الذى أنكروه، ولم يتوفر لدينا الوقت دائما، أو المكان أو الفرصة لأن نعطى العوامل الأخرى ما تستحق من فاعلية (رسالة إلى ج. بلوخ، 22-21 سبتمبر 1980، وإلى بورجيوس، 25 يناير1894، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص ص 443,395) .

قد يبدو مفارقة أن كفاح انجلز المتأخر ضد الاختزالية الاقتصادية يمكن أن يقدم فى نفس الوقت بعض العناصر للنظرة الأرثوذكسية للوعى باعتباره مجرد انعكاس للواقع. ولكن يبدو لى أن هذا هو واقع الحال. فانجلز فى هذه الرسائل مازال يشير للوعى باعتباره ليس انعكاسا فحسب (أنظر المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص ص 401-400 و 434)، وإنما أيضا ، وبصفة أساسية، يعالجه- ليس فى سياق نظرية الممارسة- وإنما فى سياق المجالات أو الحالات المتكونة سلفا والتى تتفاعل سببيا . فمن ناحية يعطى الوعى بعض التأثير السببى ولكن فقط كإنعكاس معطى للعمليات الاقتصادية وليس باعتباره مستبقا ومشاركا فى صلب بناء هذه العمليات. ومن ناحية أخرى فإن مثل هذا التأثير السببى للوعى قليل المغزى بسبب وجوده فى صورة كثرة من القوى العرضية التى تتجه إلى إلغاء ذاتها، وهكذا يتم تأكيد الدور الجوهرى للقوى الاقتصادية. على أن تحليل انجلز للوعى فى سياق مجالات معطاة من الحياة الاجتماعية قد تم التعبير عنه بأفضل شكل، بطبيعة الحال، فى مجاز القاعدة والبناء الفوقى.

ويوجد نفس هذا المزيج المتعارض بين النزعة المضادة للاختزالية الاقتصادية وبين الانعكاس عند بليخانوف . فعند مراجعته مجموعة مقالات "لابريولا" (1970) ينتقد بليخانوف نظرية العامل الاقتصادى باعتبارها تجريداً "يمزق أوصال نشاط الانسان الاجتماعى" (بليخانوف أ، ص 15). وهو يجادل بان الماديين الحقيقيين، ينفرون من الزج بالعامل الاقتصادى فى كل مكان. أضف إلى ذلك، أنه حتى السؤال عن أى عامل هو المهيمن فى الحياة الاجتماعية يبدو لهم لا معنى له (ص9) فما نحن بحاجة إليه ليس نظرية لقوى منفصلة تحدد حركة المجتمع بل "نظرة تركيبية للحياة الاجتماعية". فالقانون والأخلاق والدولة وإن كانت تحددها العلاقات الاقتصادية لكن ذلك لايحدث بشكل مباشر أو فوري . وفى الختام يقر بليخانوف بالطابع الاستباقى للوعى: "ليست هناك واقعة تاريخية لا تدين بأصلها للاقتصاد الاجتماعى، لكن ما لا يقل عن ذلك صوابا هو أن نقول بانه ليست هناك واقعة تاريخية لم تسبقها، أو ترافقها، أو تعقبها حالة محددة من الوعى" (ص23).
ومع ذلك يقدم بليخانوف وصفا متسلسلا وبالأحرى ميكانيكيا للقاعدة والبناء الفوقى حيث السبب الأولى لكل الظواهر الاجتماعية هو القوى المنتجة التى تحدد الاقتصاد وهذا بدوره يحدد السياسة وهكذا فى تعاقب زمنى تقريبا ينتهى بأكثر أشكال الوعى تجريدا:
إذا أردنا أن نعبر باختصار شديد عن وجهة النظر التى تبناها ماركس وانجلز فيما يخص العلاقة بين "القاعدة" الشهيرة الآن و "البناء الفوقى" الذى لا يحظى بشهرة أقل فإننا سوف نحصل على شئ كالآتى:
1 - حالة القوى المنتجة.
- 2العلاقات الاقتصادية التي تشترطها هذه القوى
- 3النظام الاجتماعى السياسى الذى تطور استنادا إلى ذلك الأساس الاقتصادى المعطى
- 4 عقلية البشر الذين يعيشون فى المجتمع، والمحددة جزئيا مباشرة بالشروط الاقتصادية الحاصلة، وجزئيا بكامل النظام الاجتماعى السياسى الذى نشأ على هذ الأساس
- 5 الأيديولوجيات المختلفة التى تعكس خصائص هذه العقلية.(بليخانوف، بدون تاريخ، ص70).
لا يدهشنا إذن أن نجد عند بليخانوف أن سيكلوجية البشر تعكس بصفة عامة بنية المجتمع وأن "سيكلوجية المجتمع تكون دائما متوافقة مع نظامه الاقتصادى" (1972، ص1). إذ تظهر هنا مرة أخرى فكرة الانعكاس فى سياق مجاز الأساس- البناء الفوقى.
أما عند كاوتسكى فتأخذ نظرية الوعى تأكيدا اختزاليا واضحا. ولكن أكثر من الاختزالية الاقتصادية، يقدم كاوتسكى مفهوما ماديا (مؤسس إلى حد بعيد على دارون) حيث يصبح الوعى "سلاحا فى الصراع الاجتماعى من أجل الحياة " (1975 أ ، ص 134) . بهذا المعنى فإن البشر ليسوا مختلفين عن الحيوانات حيث أنهم يستخدمون الوعى ليعيشوا ويتكيفوا. وهكذا فإن أشكال الوعى جميعا وخاصة القواعد الأخلاقية ليست اعتباطية، إنها تنشأ من الحاجات الاجتماعية (ص 118) إذ " يتطلب كل شكل اجتماعى، حتى يبقى، قوانين أخلاقية محددة متكيفة معه" (119) و هذا يعنى أن المعايير الأخلاقية تتنوع وتتغير مع المجتمع .و مع ذلك فليست هذه عملية ميكانيكية:
فكما هو الحال مع القوانين الأخلاقية كذلك مع بقية البناء الفوقى الأيديولوجى المعقد الذى يقوم على نمط الانتاج. إذ يمكن للبناء الفوقى أن يفصل نفسه عن أساسه، وخلال فترة معينة، يمكن أن يكون له وجود مستقل (كاوتسكى، 1975 أ، ص 123) ولكن ذلك ليس سببا لافتراض أن الوعى يحدد التطور الاجتماعى. يقبل كاوتسكى , متابعا فى ذلك انجلز, وجود تفاعل متبادل بين الأساس والبناء الفوقى وأنه يمكن للعوامل الأيديولوجية أن تدعم التطور الاقتصادى. ولكن هذا يمكن أن يحدث فقط عندما يعتمد الوعى على الحياة الاجتماعية ويتوافق مع الحاجات الاجتماعية التى تولده (ص 124).
وهذا التفسير الوظيفى للوعى استعاده كوهن (1978)إذ يقول:
تتطلب القاعدة الأبنية الفوقية، وطابع الأخيرة يعتمد على حاجة الأولى. وهكذا، بالرغم من أن القوانين الأخلاقية يمكن أن تفصل نفسها وتبقى لمدة طويلة، إلا أنه كلما يتقدم التطور الاقتصادى أكثر ويخلق حاجات جديدة كلما يقوى التناقض أكثر بين الأخلاقية السائدة وحياة أعضاء المجتمع ، وتتجه الأخلاق على المدى الطويل إلى التغير حتى تكيف نفسها للحاجات الاجتماعية الجديدة . ثم يقرر كاوتسكى عندئذ أن :
المادية التاريخية أنزلت المبادئ الأخلاقية من أعالى السماوات إلى الأرض فقد أصبحنا نعرف أصلها الحيوانى ونرى أن طريقة تطورها فى المجتمع الانسانى مشروطة بتقدم التطور التكنيكى... والمفهوم المادى للتاريخ هو وحده الذى يطيح بالكامل بالنموذج الأخلاقى باعتباره عاملا معياريا للتطور الاجتماعى , كما أنه هو وحده الذى يعلمنا أن نستمد أهدافنا الاجتماعية على وجه الحصر من القاعدة المادية المعطاة (كاوتسكى، 1975 أ،ص ص 4-1).
ولهذا فهو يجادل بقوة ضد برنشتين، الذى يعتقد أن العوامل الأيديولوجية، وخاصة الأخلاقية ، قد حازت فى ظل الرأسمالية ، قدرة اعظم على الفعل المستقل اكثر من ذى قبل (برنشتين، ص 21). وفكرة كاوتسكى هى أن الوعى الانسانى اليوم ليس أقل اعتمادا على نمط الوجود الاجتماعى وأن البشر لا يطرحون على أنفسهم مشاكل يجدون لها حلولا إعتباطية حسب إرادتهم (كاوتسكى، 1975 ب، ص 38) .

ويتلقى تطور الأرثوذكسية مع لينين إسهاما حاسما فيما يتعلق بنظرية الوعى . فقد تبنى لينين منذ كتاباته النظرية الباكرة تفسيرا للقاعدة والبناء الفوقى أكد فيه على الطابع الثانوى والاشتقاقى للأخير وأولوية الأول. وقد عبر عن ذلك من خلال تمييزه الحاد بين العلاقات الاجتماعية المادية والأيديولوجية. فالأولى "تتشكل دون أن تمر بوعى الانسان بينما تمر الأخيرة بوعى الانسان قبل أن تتشكل " (لينين، 1976، ص 318). والعلاقات الاجتماعية المادية فقط هى التى تجعل من الممكن علميا ملاحظة الانتظامات والتكرارات فى المجتمع. (إذ لا تتيح العلاقات الاجتماعية الأيديولوجية دراسة المجتمع دراسة علمية. وهكذا فللمرة الأولى استبعد الوعى بوضوح من (مركز) تكوين العلاقات الاجتماعية المادية وهكذا يصبح مجاز القاعدة- البناء الفوقى هو المعبر عن الأقسام المختلفة للحياة الاجتماعية.
وقد اكتملت هذه النظرات الباكرة بدفاع لينين عن المادية الفلسفية وبصفة خاصة عن نظرية الانعكاس التى وفقا لها توجد الأشياء خارجنا وهى تنعكس كصور فى وعينا ( لينين، 1975 أ، ص 119)، وعلى حد تعبيره، "والمادة هى مقولة فلسفية تشير للواقع الموضوعى الذى أعطى للانسان بواسطة أحاسيسه، والذى ينسخ، ويصور وينعكس بواسطة إحساسنا، بينما يوجد مستقلا عنها" (ص 145) مما يعنى أيضا أن المادة "أولية" وأن "الوعى" ثانوى (ص 3). ومايثير الاهتمام فى مناقشة لينين للمادة والوعى هى أنها مفصولة للمرة الأولى عن المادية التاريخية وموضوعة بشكل واضح فى سياق هذا النظام المعرفى الفلسفى الجديد الذى يسمى "المادية الجدلية" وهو النظام المجرد وغير التاريخى.
وبوخارين وستالين هما اللذان يقننان ويثبتان- فضلا عن جوانب أخرى من الأرثوذكسية- المذهب المتعلق بالوعى كواحد من الموضوعين الأساسيين للمادية الجدلية. يبدأ بوخارين بفكرة أنه كانت هناك أولا مادة غير قادرة على التفكير ثم تطورت المادة عندئذ إلى انسان، قادر على أن يفكر. وهكذا فإن "المادة هى أم الفكر" وليس الفكر هو أم المادة..فالفكر يأتى لاحقا ومن ثم يجب أن يعتبر النتاج، وليس المصدر " (بوخارين، 1965، ص 54) يستنتج بوخارين من ذلك أن المادة توجد دون فكر كموجود موضوعى ومستقل بينما لا يمكن للفكر أن يوجد بدون مادة وأن المجتمع نفسه، لكونه نتاج الطبيعة، مؤسس على الانتاج المادى، وبدون قوى الانتاج المادية لا يمكن أن يوجد وعى اجتماعى:
"فتطور الانتاج المادى" هو الذى يخلق الأساس لنمو مايسمى "الثقافة العقلية" وعلى ذلك ف "الحياة الفكرية للمجتمع هى وظيفة لقوى الانتاج" (ص 61). وهذا لا يعنى بطبيعة الحال، أن الأفكار بلا تأثير ولكن لابد للمرء أن يسأل لم يفكر الناس بطريقة معينة وسوف يجد الاجابة فى الشروط المادية للمجتمع".
ويعدد ستالين بدوره مبادئ المادية الفلسفية الماركسية بشكل مرتب. فأولا: تؤكد المادية أن "العالم فى طبيعته ذاتها مادى" (ستالين، 1976، ص 844). وثانيا: هى تتبنى فكرة أن "المادة، الطبيعة، الوجود، واقع موضوعى يوجد خارج الوعى ومستقل عنه" (ص 845). ونتيجة لهذا، فإن المادة أولية، والوعى ثانوى ومشتق لأنه انعكاس للمادة. وثالثا: تؤكد المادية ان "العالم وقوانينه قابلة تماما للمعرفة" (ص 846) وأن معرفتها صحيحة وحقيقية. ليس هذا صحيحا فقط بالنسبة للطبيعة وإنما أيضا بالنسبة للمجتمع "ومن ثم فإن علم تاريخ المجتمع، بالرغم من كل تعقد ظواهر الحياة الاجتماعية، يمكن أن يصبح علما دقيقا ، كالبيولوجيا" (ص 849). و فى نفس الوقت إذا كانت المادة أولية والوعى ثانوى فإنه (يترتب على ذلك أن الحياة المادية للمجتمع هى أيضا أولية وأن حياته الروحية ثانوية ومشتقة. لكنه يعود فيقرر أن هذا لا يعنى بالطبع أن الأفكار لا مغزى لها أو أنها "لا تؤثر بشكل متبادل على الوجود الاجتماعى" (ص ) فهو مثل بوخارين، يأخذ رأى ماركس الباكر بان النظرية تصبح قوة مادية إذا ما استولت على الجماهير، ولكن نظرية كهذه لا تنبثق إلا نتيجة للمهام المطروحة بواسطة تطور الحياة المادية.

هناك القليل جدا مما هو جدير بالذكر فى النصوص السوفيتية اللاحقة، التى تكرر فى الغالب الأعم ستالين ولينين (أنظر على سبيل المثال كيله وكوفالسون، 1973، ص ص 64-60). لكن ما يثير الاهتمام أكثر إنما هو دفاع هوفمان عن نظرية الانعكاس. فهو يبدأ بالطبع مثل أى بطل جيد للأرثوذكسية، بافتراض التماسك النظرى المطلق والتطابق الكلى الكامل بين نظرات ماركس وانجلز ولينين. ويذهب هوفمان، ولديه، بعض الأسباب، إلى أن لينين لم يتردد فى دعمه للنظرية فى دفاتره الفلسفية. لكنه بعد ذلك يدافع عن نظرية الانعكاس استنادا لأسس متنوعة. الأول، أننا إذا لم نقبل بنظرية الانعكاس فإن علاقتنا بالعالم لن تكون قابلة لأن تعقل، إذ سوف يصبح من المستحيل أن نعرف أن هناك أى تطابق بين فكرنا والعالم الخارجى (هوفمان، 1975، ص 73). الثانى، أن الأخذ بفكرة الانعكاس لا يترتب عليه القول بسلبية الوعى، لأن الانعكاس عملية فعالة. فحتى حين يستخدم لينين مصطلحات مثل "نسخ" ، "تصوير" و "انعكاس" فإنه يشير "للنشاطات العملية فى الادراك الانسانى" (ص 81). الثالث، ان ماركس وانجلز لم يرفضا أبدا المادية الفلسفية لعصر التنوير وإنما بنيا على أساسها (ص 83). الرابع، والأهم، هو أن نظرية الانعكاس حاسمة لفهم تمييز ماركس بين الحقيقة والمظهر والذى يجعلنا نتقبل "أن أحدهما هو إنعكاس مضلل للآخر" (ص 93 ) . الخامس، إن الممارسة الانسانية ممكنة فقط بسبب أن الأفكار تعكس بالفعل العالم الواقعى (ص 103). وسوف أقدم تحليلا نقديا لهذه الجدالات فى الفصل الثالث.


أولوية القوى المـنـتـجـة
ينشأ عن بعض الصياغات الأولى فى مقدمة 1859 وفى ضد دوهرنج اتجاه للتمييز بين مستويين من التناقضات: أحدهما أساسى وبنيوى ولا صلة له بالممارسة الانسانية الواعية، والآخر، محدد بواسطة المستوى الأول ومشتق منه، ويتضمن النشاطات العملية. المستوى الأول هو الذى يخص التناقض بين قوى وعلاقات الانتاج. والثانى يتطابق عادة مع الصراعات الطبقية. ويؤكد انجلز فى حديثه عن المستوى الأول أن :
"هذا التناقض بين القوى المنتجة وأنماط الانتاج ليس تناقضا تولد فى ذهن الانسان ، مثل التناقض بين الخطيئة الأصلية والعدالة الإلهية. بل يوجد، فى الواقع ، بشكل موضوعى، خارجنا، باستقلال عن إرادة وأفعال حتي أولئك الذين أحدثوه" (ضد دوهرنج، ص 317) ويتضح الطابع الثانوى للتكوينات الطبقية حين يضيف انجلز أن الاشتراكية هى انعكاس نموذجى للتناقض بين القوى المتجة وأنماط الانتاج. خاصة فى أذهان "الطبقة التى تعانى مباشرة فى ظلها" (نفس المصدر، ص 318). ولا يعنى ذلك أن هذين النوعين من التناقضات مختلفان كليا ومنفصلان , فالواقع أن انجلز عند تحليله يبين الطابع الاجتماعى للانتاج والطابع الخاص للملكية وهذا بدوره يعلن عن نفسه كتناقض بين البروليتاريا والبورجوازية (ص 32).

مازال التناقض البنيوى أولى والتناقض الطبقى مشتق منه. وماهو أكثر، أنه داخل هذا التناقض الأولى فإن القوى المنتجة هى التى لها الأولوية، وهى التى تؤلف المظهر الديناميكى. وتظل هذه الأولوية قائمة حتى حين لا يكون هناك تناقض مع علاقات الانتاج. يجيب بليخانوف على سؤال لم يدخل البشر فى علاقات اجتماعية معينة بان هذا نتاج ل "حالة القوى المتجة" التى لا تعتمد على الارادة الانسانية (بدون تاريخ، ص 84) ويصف بليخانوف هذه العلاقة بأنها سببية: ف "حالة معينة للقوى المنتجة هى سبب علاقات الانتاج المعطاة" (ص 5) ضمن قوى الانتاج فإن وسائل الانتاج، خاصة تطبيقات العمل، تلعب الدور الأهم . وهكذا فهو يستطيع أن يؤكد بان "وجود الأسترالى المتوحش يعتمد بالكامل على عصا الصيد لديه" (بليخانوف، 1972).
ويقترح بليخانوف تفسيرا وظيفيا للأبنية الفوقية السياسية والأيديولوجية. فهى تكون بالحالة التى هى عليها لأنها تيسر مزيدا من تطور القوى المنتجة. ولكنها تصبح فى آخر الأمر عقبة أمام هذا التطور (163) وهذا ما ينعكس فى وعى الناس للصراع الطبقى:
يدافع بعض أعضاء المجتمع عن النظام القديم: وهؤلاء هم أنصار الجمود بينما هناك آخرون- لايقدم لهم النظام القديم ميزة- يناصرون التقدم، إذ تتغير سيكولوجيتهم فى اتجاه علاقات الانتاج التى سوف تحل فى الوقت المناسب محل العلاقات الاقتصادية القديمة التى أصبحت الآن عتيقة (ص 169).
ويتبنى كاوتسكى بدوره فكرة أن "التقدم التكنيكى هو الذى يشكل تطور البشرية بكامله" (1975 أ، ص 81). فما يميز البشر عن الحيوانات ليس الوعى ولا صنع الأدوات، بل التقدم التكنيكى. فالمجتمع الانسانى يتطور ويدخل البشر فى علاقات اجتماعية متعددة من أجل جعل الجهاز التكنيكى شغالا. و لا تصبح العلاقات الاجتماعية عقبة أمام تطور الجهاز التكنيكى إلا بصورة مؤقتة ولفترات قصيرة. ذلك أن مثل هذه العلاقات يتم إزالتها عاجلا أم آجلا بواسطة الثورات الداخلية (ص ص 9-81). ويرقى هذا التقييم إلى أن يكون تفسيرا وظيفيا للعلاقات الاجتماعية والأبنية الفوقية السياسية. ومع ذلك فإن كاوتسكى يظل هنا أكثر حذرا من أى ماركسى أرثوذكسى آخر لأنه لا يقبل فكرة أن التطور التكنيكى هو الذى يحدد علاقات الانتاج الاجتماعية والنظام السياسي. وهو يعرض تلك الفكرة على النحو التالي:
يفسر المفهوم المادى للتاريخ فى العديد من الأماكن كما لو أن تكنيكا معينا من شأنه أن ينتج نمطا معينا للانتاج وحتى شكلا اجتماعيا وسياسيا معينا. وحيث أن هذا لا يحدث، لأننا نجد نفس الأدوات فى شروط اجتماعية مختلفة، فقد قيل أن المفهوم المادى للتاريخ زائف وأن العلاقات الاجتماعية ليست محددة فقط من جانب التكنيك. وهو اعتراض صائب، ولكنه لا يتعلق بالمفهوم المادى للتاريخ وإنما بكاريكاتيره الذى يخلط التكنيك بنمط الانتاج (كاوتسكى، 1975 أ، ص 109).
فنفس الجهاز التكنيكى يتلائم مع أنماط مختلفة للانتاج و للتقسيمات الطبقية، وهو امر يمكن تعليله بالاختلافات فى البيئة الطبيعية والاجتماعية. وهكذا يمكن القول بأن كاوتسكى يتبنى حتمية تكنولوجية لكنها مقيدة.
ويعيد بوخارين أيضا تأكيد أن أى بحث فى المجتمع أى فى شروط نموه وأشكاله ومضمونه، إلخ، يجب أن يبدأ بتحليل للقوى المنتجة، أو للأسس التكنيكية للمجتمع (1965، ص 120) فالقوى المنتجة بالنسبة لبوخارين هى نتاج عملية "الأيض Metabolism" بين المجتمع والطبيعة. وهى تحدد المرحلة التى أحرزت فى التطور الاجتماعى (ص 115). ويرفض بوخارين فكرة أن الطبيعة أو النمو السكانى أو العرق هى عناصر أكثر أولية من القوى المنتجة ويصف علاقات الانتاج بأنها امتداد لنظام التكنولوجيا (ص 142). والأبنية الفوقية تتأسس أيضا مباشرة أو غير مباشرة (خلال البنية الطبقية )على المرحلة التى جرى بلوغها بواسطة قوى الانتاج الاجتماعية (ص 155). والخلاصة ، أن الكلية الاجتماعية فى كل عناصرها تعتمد على وتشتق من التكنولوجيا. إذ ينشأ التغير الاجتماعى من التناقض بين قوى وعلاقات الانتاج الذى يحدد ويتخذ شكل الصراع الطبقى. لكن التشديد يجرى على الأولوية النظرية والتاريخية للأولى حيث نجد أن "تطور القوى المنتجة يضع البشر فى مواقف متعارضة كلية، وأن الصراع بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج يجد تعبيره فى الصراع بين البشر، وبين الطبقات" (ص 254).
ويصادق ستالين عل افكار بوخارين ولكنه ينسب دورا أعظم لمفهوم نمط الانتاج. وهو يبدأ مثل بوخارين بإنكار أن العوامل الجغرافية أو السكانية يمكن أن تحدد طابع النظام الاجتماعى ويصرح بأن القوى الرئيسية التى تحدد ملامح المجتمع هي نمط الانتاج (ستالين، 1976، ص 856) ونمط الانتاج يشمل قوىالانتاج وعلاقات الانتاج، وكل منهما أساسيان بنفس القدر للانتاج. وتاريخ التطور الاجتماعى هو تاريخ تطور أنماط الانتاج التى تعقب الواحدة منها الأخرى. ومع ذلك فإن أولوية القوى المنتجة داخل نمط الانتاج مؤكدة بجلاء. فكل تغيرات وتطورات الانتاج تبدأ دائما بتغيرات وتطورات فى القوى المنتجة، وفى المحل الأول، بتغير وتطور أدوات الانتاج. وإذن فقوى الانتاج هى العنصر الأكثر حركية وثورية فى الانتاج. إذ تتغير قوى الانتاج فى المجتمع وتتطور أولا، وبعدئذ، واعتمادا على هذه التغيرات وبالتوافق معها، تتغير علاقات الانتاج بين البشر، أى علاقاتهم الاقتصادية (ستالين، 1976، ص 859).
يمكن لعلاقات الانتاج أن تعوق تطور قوى الانتاج أو تسرع من ذلك التطور ولكن فى المدى الطويل يجب أن تتطابق مع مستوى تطور قوى الانتاج. والافتقار للتطابق هو أساس الثورة الاجتماعية. وهنا يميز ستالين بين وضعين. الأول، هو نشوء قوى الانتاج الجديدة وعلاقات الانتاج المتوافقة معها داخل النظام القديم فى شكل عفوى، باستقلال عن إرادة البشر (ص 869) . الثانى ، بعد نضوج قوى الانتاج حيث تصبح علاقات الإنتاج بمثابة قيد عليها. فهنا ينشأ وضع جديد يتم فيه إزالة هذه الإعاقات ومؤيديها (الطبقات الحاكمة) بالفعل الواعى للطبقات الجديدة ، بواسطة الأفعال القسرية لهذه الطبقات، أي بواسطة الثورة" (ص 871) .
ومرة أخرى، نشأت أفضل وأكثر المحاولات أصالة لتبرير الحتمية التكنولوجية في الغرب وعلى الأخص في العالم الأنجلوساكسوني. و لعله من قبيل المصادفة أن المحاولات الثلاث الأكثر أهمية قد طبعت بشكل مستقل و فى وقت واحد فى 1978. وهى أعمال: شو، وماك مورترى، وكوهن.
ووفقا لشو فإن القوى المنتجة هى المجددة على المدى الطويل للتغير التاريخى. ولكن تأثيرها ليس آليا. إنه ضرورى ولكنه يستمر كعامل ضغط ينبغى أن يصبح جوهريا قبل أن يحدث تغيبرات أساسية. أضف إلى ذلك، أن التغير فى علاقات الانتاج، يتحدد غالبا، من حيث طبيعته ومن حيث توقيته باعتبارات البناء الفوقى- أى المستويات الأيديولوجية التى يصبح فيها البشر واعين بالتناقضات وبحسمها. لكن هذه العوامل تمارس تأثيرها " فقط بسبب عوامل الضغط الأكثر أساسية لقوى الانتاج" (شو، 1978، ص 58). فقوى الانتاج متأثرة بالتأكيد بعلاقات الانتاج، ولكن هذا لا يعنى أنها محددة بها. فبالنسبة لشو "يتيح التحليل الطبقى لماركس أن يضيق الهوة بين الطابع "الضرورى" لعلاقات الانتاج وبين الأحداث "العارضة" للتاريخ... ولكنه ، يسمح بالكاد بتفسير علمى أو تنبؤ تام (ص ص 2-71). وهكذا فللصراع الطبقى دور تفسيرى ثانوى ولا يمكن أن يتساوى مع التناقض بين قوى وعلاقات الانتاج التى يمكن لها وحدها أن تعلل الوقائع الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.

ويلخص ماك مورترى بدوره بوضوح ومنهجية معتقدات الحتمية التكنولوجية. فقوى الانتاج "هى الأسس المادية للوجود والتعبير الانسانى (ماك مورترى، 1978، ص 70) فهى التى ترفع البشر فوق الحيوان "، و" تجيب على وتشكل موضوعات الاحتياجات الانسانية" و "تحقق وتوسع نطاق القدرات الانسانية". وهى أيضا التى "تصنع الحدود، وفى النهاية تدمر، النظام الاقتصادى . كما أنها، تزود البنية الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية بمضمونها". أضف إلى ذلك، أنها "تؤلف الجوهر الأساسى لكل المعرفة الانسانية"، وتتغلب على الندرة على نحو تقدمى وتحرر البشر من الصراع من أجل الحياة. كما أن قوى الانتاج تقلل "العمل الضرورى" فهى "القوى المحركة والمحدد النهائى للتاريخ الانسانى، "التكنولوجيا هى، بكلمة، العناية الإلهية الماركسيانية" (ص ص 1-70).
أما ماك مورترى فهو- مثل شو- يمنح الصراع الطبقى دورا تابعا وإن كان هاما. ومع ذلك فهو يمضى أبعد من أغلب المؤلفين فى تأكيد أن الصراع الطبقى بالنسبة لماركس "ذو طابع سياسى" أى ينتمى للبنية الفوقية (ص 116). وهكذا فإن ما يتسم به من تبعية ومن أهمية انما تستمد من الصفات التى أضفاها ماركس على البنى الفوقية: وهى أنها تؤثر على الأساس الاقتصادى بسبب وبقدر ماهى محددة به.

وأما كوهن فقد قدم إلى حد بعيد أشد الدفاعات تأثيرا عن الماركسية "التكنولوجية التقليدية". فهو يريد أن يدعم الأولوية التفسيرية للقوى المنتجة، التى تعنى أن "طبيعة مجموعة ما من علاقات الانتاج تفسر تطور القوى المنتجة التى تتضمنها" (كوهن، 1978، ص 138). وهو يربط هذه الأطروحة ب" أطروحة التطور، التى تؤكد أن قوى الانتاج تتجه للتطور عبر التاريخ" (ص134). و تستتبع أطروحة الأولوية هذه أن التغيرات فى قوى الانتاج تحدث تغيرات فى علاقات الانتاج. ولكن التغيرات فى قوى الانتاج ليست فى الأغلب محددة بعلاقات الانتاج. وإذا كانت قوى الانتاج تتجه إلى التطور فإن ذلك بسبب أن البشر عقلانيين ويتجهون بشكل طبيعى لممارسة ذكاءهم من أجل التغلب على الوضع التاريخى للندرة (ص 152).
ومن ناحية أخرى، فإنه من الحقيقى أيضا أن علاقات الانتاج تعزز تطور القوى المنتجة. والطريقة الوحيدة للتوفيق بين هذا القول وبين أطروحة الأولوية إنما تكون بواسطة أدوات التحليل الوظيفى. حيث توجد البنية الاقتصادية على نحو ما توجد عليه وتكتسب طابعها الخاص بسبب أنها وظيفية بالنسبة لتطور القوى المنتجة (كوهن، 1978، ص 165) أو أن "القوى المنتجة تختار البنى وفقا لقدرتها على تعزيز التطور " (ص 162). وبينما لا ينكر كوهن أن "التغيرات التاريخية الكبرى تحدث بواسطة الصراع الطبقى (1983 أ، ص 121) فإنه ينكر أن يكون الصراع بين الطبقات هو المفسر الأساسى للتغير الاجتماعى. ذلك أن فعالية الصراع الطبقى تعتمد فى النهاية على طابع قوى الانتاج (1978، ص ص 9-148). وهكذا فإن أولوية القوى المنتجة لا تغنى عن الفعل الانسانى، بل على النقيض من ذلك فهى تشتغل من خلال وساطة البشر، مما يعني أن مثل هذه الأفعال لا يمكن أن تذهب على المدى الطويل ضد تطور قوى الانتاج.أو بمعنى آخر، فإن وجود بنية اجتماعية لا يقضى على الممارسة الانسانية وإنما يحددها (أنظر كوهن، 1974، ص 92).


الضرورة التاريخيــة
قدم مفهوم التاريخ , من بين كل نطاقات التوتر فى فكر ماركس وانجلز, العناصر الأكثر مغزى بالنسبة لتطور الأرثوذكسية. فتأثير المقاطع التي يشير فيها ماركس لتطور المجتمع الانسانى باعتباره عملية مماثلة للتاريخ الطبيعى أى خاضعة لقوانين التطور التي لاراد لها ,لا يمكن أن يقلل من قدره. إذ هنا تجد الأرثوذكسية الضمانتين المؤكدتين االلتين يبدو أنها تتطلبهما لبقائها: الأولى هى، التاكيد بأنه بواسطة اكتشاف قوانين التاريخ فإنها تملك المفتاح العلمى لفهم المجتمعات وتطورها، الثانية، هى التأكيد على أن سيرورة التاريخ تقود بشكل حتمى إلى الشيوعية. ومع ذلك كانت هناك حاجة منذ البداية الأولى للتوفيق بين حتمية القوانين الطبيعية والممارسة الانسانية. وقد جاهد انجلز فى سنواته الأخيرة مع هذه المشكلة بقدر مافعل مع مشكلة العلاقة بين الأساس والبناء الفوقى. و ليس من الغريب، أنه اقترح حلولا مشابهة جدا لكليهما، اعتمدت بشدة على هيجل. فقد صادق انجلز بالفعل فى ضد دوهرنج على فكرة هيجل بأن الحرية هى ادراك الضرورة (ضد دوهرنج، ص 136) ولكنه فى كتابه لودفيج فيورباخ ، وفى عدة رسائل حول البنية الفوقية يتوسع فى تناول المشكلة.
إذ يقر إنجلز , بالرغم من ادراك تقارب التاريخ الانسانى مع التاريخ الطبيعى , بوجود اختلاف أساسى بينهما:
ففى الطبيعة "هناك فقط وسائط عمياء لاواعية" بينما فى التاريخ الانسانى " يتمتع الفاعلون جميعا بالوعى، فهم كبشر يتصرفون بترو أو بعاطفة، ويعملون باتجاه غايات محددة ".لكن إنجلز ,على أية حال، يصر على أن هذا التمييز "لا يمكن أن يغير حقيقة أن مجرى التاريخ محكوم بواسطة قوانين عامة داخلية" (لودفيج فيورباخ، الأعمال المختارة لماركس وانجلز، ص 612) والحل الذى يقترحه هو نفسه للتوفيق بين تأثير البنى الفوقية وبين التأثيرالسببي المحدد , في النهاية, للاقتصاد: هو أن هناك ارادات غاية فى الكثرة وأهداف مرغوبة يتنازع الواحد منها مع الآخر حتى ليبدو على السطح وكأن المصادفة تسود. إذ نادرا ما تتطابق النتائج النهائية لتنازع الأفعال مع الغايات المتوخاة . "ولكن بينما تسود المصادفة على السطح فإنها بالفعل محكومة دائما بقوانين داخلية، خفية . والمسألة هى اكتشاف هذه القوانين فحسب" (ص 612). بمعنى آخر، تؤكد الضرورة ذاتها من خلال الطابع العرضى للأفعال الانسانية.

ويكرر بليخانوف نفس الحجة تقريبا كلمة بكلمة. إذ يتبع البشر غاياتهم الشخصية ولكن نتائج أعمالهم عادة ماتكون غير متوقعة أو مقصودة وهكذا "فمن مملكة الحرية فإننا ندخل مملكة الضرورة (بليخانوف، 1972، ص 108) فالعملية التى تجرى باتفاق مع قوانين معينة هى عملية ضرورية. وهكذا، إذا ما اكتشفت هذه القوانين، فإن النشاط الانسانى يكتسب معنى جديدا لأنه يمكن الآن اتباع هذه القوانين بشكل واع. وهكذا تمر الحرية من خلال الضرورة. وقد أراد الاشتراكيون الخياليون وكذلك الماديون الفرنسيون أن يكتشفوا القوانين التى تحكم التاريخ، ولكنهم بدأوا من الطبيعة الانسانية وهكذا أصبحوا قدريين بمعنى أن "الطريق الذى تسير فيه البشرية كان مرسوما مسبقا فى خيالهم" (ص 239). وعلى النقيض من ذلك , بدأ ماركس من الطرف المعاكس, بدراسة الفعل الانتاجى للانسان على الطبيعة الخارجية متجنبا بذلك القوانين الثابتة فوق التاريخية للتطور ومؤكدا على تغيرية العلاقات الاجتماعية. ومع ذلك، فبمجرد أن توجد العلاقات الفعلية للبشر فى عملية الانتاج تنشا نتائج محددة تنبع من تلك العلاقات وهكذا تتوافق بهذا المعنى الحركة الاجتماعية مع القانون (ص 239). ويجيب بليخانوف على نقد ستامل الذي يري أنه ليس هناك معنى فى محاولة تسريع عملية ضرورية بشكل واع ,بأنه:
" لا يمكن للمطامح الانسانية إلا أن تكون عاملا لحركة التاريخ. ولكن البشر يصنعون تاريخهم بطريقة دون أخرى بسبب ضرورة نوعية سبق وأن تناولناها آنفا. فإذا ما وجدت تلك الضرورة، وجدت كأثر لها، تلك المطامح الانسانية التى هى عنصر حتمى للتطور الاجتماعى (فمطامح البشر لا تستبعد الضرورة، وإنماهى نفسها تتحدد بها (بليخانوف، بدون تاريخ، ص 85).

لكنه كاوتسكى الذى يؤكد بحتمية أكثر من أى أحد آخرعلي أن مفهوم ماركس عن التاريخ حتموى ومؤسس على اكتشاف قوانين ثابتة شاملة. إذ يتعامل العلم فقط مع العلاقات الطبيعية والضرورية وهكذا فإن الفضيلة العظمى لماركس وانجلز أنهما أظهرا أن الوقائع التاريخية تنتمى إلى مجال الضرورة الطبيعية، رافعين التاريخ هكذا إلى مرتبة العلم (أنظر كاوتسكى، 1975، ص ص 26-7). ويجيب كاوتسكي علي تساؤل ماركس في "رأس المال": هل يمكن للمجتمع أن يقصر ويقلل من آلام ولادة تطوره الضروري (رأس المال، المجلد الأول، ص 20) ؟ قائلا: نعم، ولكن فقط بافتراض الضرورة. ومعنى ذلك أن كاوتسكى لا يستطيع أن يكتشف أى عامل مخفف للحتمية (1975 ب، ص 8-27).

وكما أشار كورش، لا يشكل التاريخ الانسانى بالنسبة لكاوتسكى فى كليته شيئا سوى تطبيق للقوانين الطبيعية (1973، ص 36). ففى مؤلفه عن المادية التاريخية يريد بوضوح أن يكتشف ما إذا كان تطور المجتمع مرتبط ارتباطا وثيقا (بتطور) الأنواع النباتية والحيوانية للحد الذى يؤلف فيه تاريخ البشرية حالة خاصة من تاريخ الكائنات الحية، بقوانينها الأصلية، وإن ظل على علاقة متماسكة مع القوانين العامة للطبيعة الحية (كاوتسكى، 1927، المجلد الثانى، ص 630، مأخوذ من كورش، 1973، ص 38).
لذلك نراه يميز بين قسمين مختلفين من المادية التاريخية. الأول هو الفلسفة العامة للمادية التاريخية التى تعنى بالقوانين العامة, والثانى يتضمن المبادئ التي تحكم التاريخ حتى عصرنا الراهن (كاوتسكى،1927، المجلد الثانى، ص 615، في: كورش، 1973، ص 18). ولا يهم هنا إذا ما تغيرت المبادئ السالفة لأن المفهوم الماركسى عن التاريخ مؤسس على القوانين العامة . والنتيجة الواضحة لهذا الموقف هى حتمية العملية التاريخية. ويمضي كاوتسكي قائلا أن مثل هذا الكلام لا ينطوي على نزعة قدرية لأن المستقبل ليس مضمونا من قوة أعلى. ولكن المستقبل يكون:
مؤكدا وحتميا بمعنى أنه من الحتمى أن يحسن المخترعون من التكنيك، وأن يؤدي جشع الرأسماليين إلى تثوير الحياة الاقتصادية... وأنه من الحتمى أن يطمح العمال المأجورون لساعات عمل أقصر ولأجور أعلى، وأن ينظموا أنفسهم ويناضلوا ضد طبقة الرأسماليين وضد سلطة الدولة الخاصة بهم ومن الضروري أن يطمحوا إلي امتلاك السلطة السياسية و إلغاء الهيمنة الرأسمالية. فالاشتراكية حتمية لأن الصراع الطبقى وانتصار البروليتاريا حتمي (كاوتسكى، 1975 أ،ص 137).
ومع كل الأهمية التى أولاها لينين للممارسة السياسية والصراعات الطبقية فى تحقيق الاشتراكية فإن كتاباته النظرية الباكرة حتموية تماما- ليس بمعنى أن الاشتراكية ضرورية التحقق حتي بدون ممارسة سياسية واعية, وإنما بمعنى أن الأفعال الانسانية ذاتها تحكمها الضرورة (لينين، 1976 أ، ص 334) ويكرر لينين مرة أخرى أن التطور الاجتماعى ينبغى أن يعامل كعملية من التاريخ الطبيعى محكومة بقوانين مستقلة عن مقاصد الانسان. فهذه القوانين هى التى تحدد الارادة الانسانية والوعى. ومع ذلك فبعض صياغاته غير موفقة من حيث أنها توحى بأن ضرورة الاشتراكية تؤكد نفسها بغض النظر عن الارادة الانسانية. وهكذا يؤكد على سبيل المثال أنه "إذا ما تمت البرهنة على ضرورة النظام الراهن للأشياء، فإن ذلك يكفى تماما للبرهنة فى نفس الوقت على ضرورة نظام آخر من المحتم أن ينمو من النظام القائم بغض النظر عما إذا كان البشر يؤمنون به ام لا، بل و بغض النظر عما إذا كانوا واعين به أم لا" (لينين، 1975، ص 340). وبخلاف ذلك، يقدم لينين فكرة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، التى لم يستخدمها بليخانوف أو كاوتسكى فى تقييماتهم, والتى أصبحت ذات نفوذ بشكل متزايد فى الأزمنة الراهنة. وتستخدم معظم الكتب السوفيتية هذا التعبير لتشير لمراحل تاريخية معينة فى تطور المجتمع التى يجب على كل الأمم أن تمر بها. ويحددها لينين ببساطة باعتبارها "المجموع الكلى لعلاقات الانتاج المعطاة" (لينين،1976 أ، ص 320). وقد ذهب سيرنى مؤخرا إلي أن هذا هو المفهوم الأساسى للمادية التاريخية الذى استبعدته الأممية الثانية، والذى أعاد تقديمه لينين، متبعا ماركس (سيرنى،1971). ولكن يبدو من المشكوك فيه أن هذه الفكرة يمكن أن تسبب اختلافا كبيرا فى عملية بناء الأرثوذكسية (لتفنيد آراء سيرنى، أنظر تيكسيه، 1971).

ويصادق بوخارين بدوره على حل انجلز لمشكلة الضرورة والارادة الانسانية ويدعم فكرة الضرورة التاريخية: " المجتمع وتطوره خاضعان للقانون الطبيعى ككل شئ آخر فى الكون" (بوخارين، 1965، ص 46) مما يجعل من الممكن للعلماء الاجتماعيين أن يتنبأوا بمجرى التاريخ، ربما ليس بعد بالدقة المطلوبة لتعيين وقت ظهور الظواهر ولكن بالتاكيد بدرجة من الدقة التى تمكن من التحقق من اتجاهها (ص 49). وهو، مثل بليخانوف، يدافع عن الحتمية ضد نقد ستاملر ويدافع عن أنه "سوف تاتى الاشتراكية بطريقة حتمية لأنه من الحتمى أن البشر، أو طبقات محددة من البشر، سوف تنهض لتحقيقها" (ص 51) وهكذا لا يجب أن نخلط الحتمية مع القدرية.

ويكرر ستالين بايجاز نفس الأفكار عن القوانين العلمية للتاريخ وحاجة المممارسة البروليتارية لأن تؤسس نفسها على "قوانين تطور المجتمع" (1976، ص 848). و وفقا لهذه القوانين فإن تاريخ تطور المجتمع هو قبل كل شئ "تاريخ أنماط الانتاج التى يعقب كل منهاالآخر عبر الزمن"(ص 858). ووفقا لهذا المبدأ هناك خمس أنماط من علاقات الانتاج معروفة فى التاريخ: المشاعى البدائى ، العبودى، الاقطاعى، الرأسمالى والاشتراكى (862). ومما يمكن ملاحظته هنا أن ستالين قد حذف نمط الانتاج الآسيوى. ومن المحتمل كما أشار كولاكوفسكى أن هذا يرتبط بحقيقة أن مثل هذا المفهوم يجعل من الصعب تقبل فكرة نموذج موحد لتطور كل البشرية كما أنه يثير بعض الشكوك حول أولوية القوى المنتجة وحول فكرة التقدم المحتوم (كولاكوفسكى، 1978، المجلد الأول، ص 350). ومهما يكن من شئ، فمن الملاحظ أن معظم الكتب السوفيتية منذ ذلك الوقت أصرت على تبني مخطط تاريخى شامل وأحادى يقترن بفكرة لينين عن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. فقد جرى التاكيد فى"أسس الماركسية اللينينية" على سبيل المثال، على أن كل الشعوب تمر بما هو بصفة أساسية طريق واحد. . . إذ ينطلق تطور المجتمع عبر تشكيلات اقتصادية اجتماعية تحل الواحدة منها محل الأخرى, وفقا لقوانين محددة. أضف إلى ذلك أن أمة تعيش فى أوضاع تشكيلة أكثر تقدما تبين للأمم الأخرى مستقبلها ,تماما كما تبين الأخيرة لتلك الأمة ماضيها (كوسينين وآخرون، 1963، ص 125).
وعلى أية حال، يجادل كثير من المدافعين عن الأرثوذكسية، بأنه لا يجب أن نخلط الحتمية مع القدرية. فالحتمية لا تحول مجرى التاريخ دون المشاركة الانسانية وإنما هى على النقيض، كما يجزم كوهن، مؤسسة على مايصمم البشر على فعله وفقا لطبيعتهم العقلانية (1978،ص17، ملاحظة). لذلك ليس هناك تناقض بين أولوية قوى الانتاج وحقيقة أن "التغيرات التاريخية الكبرى تنتج عن الصراع الطبقى" (1983 أ، ص 121). وذلك على النقيض من النزعة القدرية التى تحول الانسان إلى دمية " فجدل التاريخ هو أن البشر يغيرون الظروف تحت ضغط الظروف ذاتها" (كيليه وكوقالسون، 1973، ص 37). وبالرغم من أن هناك "تعاقب لا يرتد من مرحلة باكرة إلى مرحلة لاحقة"، فإن الحركة ذاتها تحدد أهدافا عملية للبشر حتى "تصبح معرفة قوانين التطور ذاتها قوة فى هذا التطور" (كورنفورث، 1977، ص ص 30-27). وأخيرا يجادل هوفمان بأن الحتمية ليست نفيا للحرية وإنما بالأحرى الشرط المسبق للحرية إذ "بدون فهم للضرورة أى فهم ما هو ضرورى، فإن الفعالية تكون مستحيلة. فبدون نشاط قصدى كيف يمكن أن نكون أحرارا" (1975، ص 149). وهكذا بالنسبة لهوفمان لا يمكن أن تكون الحرية مفارقة للضرورة، وإنما، حتمية القوانين الخارجية لابد وأن تصبح حتمية ذاتية واعية، حتى أنه بصيغة- مطلقة، فإن الحرية والضرورة متطابقان" (ص 152).

لقد رأينا فى الفصل الأول فيما يتعلق بمفهوم التاريخ أنه كان هناك عند ماركس توتر فى تقييم نتائج الاستعمار بالنسبة لتطور البلدان المتخلفة غير الأوربية. هذا واحد من المجالات القليلة التى لم يثبت فيها تطور الأرثوذكسية أنه واضح ومتسق كليا حتى النهاية. فقد تابع معظم النظريين فى البداية النتائج التى استخلصت من تحليلات ماركس عن الهند وبصفة عامة دافعوا عن فكرة أن توسع الرأسمالية من المراكز الأوربية للمناطق المتخلفة كان كفيلا بزيادة قوى الانتاج وفى نهاية الأمر كان من شأنه أن يعزز تطورها الصناعى. وبالرغم من أن نظريات الأمبريالية التى ظهرت فى العقدين الأولين من القرن العشرين لم تكن معنية بصفة خاصة بتحليل آثار الإمبريالية على البلدان التابعة، تتبنى روزا لوكسمبورج فكرة أن "المرحلة الإمبريالية من التراكم الرأسمالى تتضمن تنافسا عالميا تشمل التصنيع وتحريرا رأسماليا للمناطق النائية غير (الأوربية) حيث حقق رأس المال سابقا فائض قيمته (لوكسمبرج، 1951، ص 419). ويجادل لينين بدوره فى نظرية عن الإمبريالية بأن:
"تصدير رأس المال يؤثر ويعجل إلى حد بعيد من تطور الرأسمالية فى البلدان التى يصدر إليها. بينما، قد يعيق إلى مدى معين التطور فى البلدان المصدرة له، وهو يفعل ذلك فقط بتوسيع وتعميق التطور الأبعد للرأسمالية عبر العالم (لينين، 1975،ص 76).

وقد كان لينين باتخاذ هذا الموقف متسقا فحسب مع تحليل تطور الرأسمالية فى روسيا، الذى قام به قبل سبعة عشر عاما (1974). فقد ذهب لينين إلى أن روسيا بلد متخلف ملئ بكثير من البنى التقليدية المرنة إلى حد بعيد وأن البورجوازية القومية ضعيفة نسبيا ومعتمدة على الاستثمار الأجنبى ومع ذلك، فهو يجادل بقوة ضد الشعبيين (النارودنيك)، ويدافع عن أن الرأسمالية ليست فقط تقدمية بصفة عامة وإنما تتطور بسرعة بالفعل فى روسيا. ويرى أن التخلف ، والاعتماد على رأس المال الأجنبى والمنافسة بواسطة بضائع صناعية أوربية عالية الجودة يمكن أن يبطئ لا أن يعيق التطور الرأسمالى. وهكذا يكرر مع ماركس أن المنتجين فى روسيا "لا يعانون فقط من تطور الرأسمالية وإنما أيضا من عدم اكتمال هذا التطور" (لينين، 1974،ص 607). على ذلك، فإن فكرة لينين عام 1916 بأن التصدير الإمبريالى لرأس المال يمكن فقط أن يعجل التطور الرأسمالى فى البلدان التابعة يثبت فقط ويعمم تحليل 1899 الخاص بروسيا.

وعلى أية حال، فإن مؤلف لينين عن الامبريالية، يحتوى، كما أشار وارين، على بذور وجهة النظر المعاكسة، بالرغم من الإعلان الشكلى عن تقدمية النتائج التى تحدثها الإمبريالية. ذلك أن قوة الدفع الأساسية لفكرته حول أن الرأسمالية الاحتكارية طفيلية ومتفسخة وراكدة مقارنة بالرأسمالية التنافسية- كانت متجهة لإعطاء الانطباع بان العلاقة بين البلدان الإمبريالية والمستعمرات وشبه المستعمرات هى مجرد علاقة نهب. ونتيجة لذلك، تم اختزال النظرة التقليدية التى ترى أن الامبريالية سوف تصنع العالم غير الرأسمالى، إلى مجرد عبارة شكلية داخل النصوص المقدسة. بينما أصبحت الامبريالية تعتبر بشكل متزايد العقبة الكبرى فى وجه التصنيع فى العالم الثالث (وارين، 1980، ص ص 3-82).
ومع ذلك أيدت الوثائق الرسمية للأممية الثالثة المذهب التقليدى لوقت طويل. إذ أقرت موضوعة لينين حول المسألة القومية والاستعمارية التى صاغها خلال المؤتمر الثانى فى 1920 والتى تنص على أنه "يجب على كل الأحزاب الشيوعية أن تساعد حركة التحرر الديمقراطية البورجوازية فى هذه البلدان"(آدلر، 1983، ص 79)، ذلك أن هذه العبارة توحى ضمنيا بأن النتاج الطبيعى للإمبريالية فى الأمم المتخلفة كان خلق بورجوازية قومية ديناميكية لابد وأن تقود تحرير بلدانها.
على أن المؤتمر السادس للأممية الشيوعية فى 1928 انقلب على هذا الموقف (أنظر يالما، 1978، ص 897، وارن، 1980، ص ص 9-10، وسوتكليف، 1972، ص 184) وأكد بوضوح أن الامبريالية كانت عقبة فى وجه التطور الصناعى والقوى المنتجة. وتحول الموقف من تاكيد الدعم لحركات التحرر الديمقراطية البورجوازية إلى التأكيد- فى سياق اخفاق الثورة الصينية- بأن "البورجوازية القومية قد ذهبت بشكل قاطع للجانب المضاد للثورة بجعل نفسها حليفا لأمراء الإقطاع والإمبرياليين" وعلى عكس ماذهبت إليه مقالات ماركس حول الهند أصبحت " سياسات الامبريالية البريطانية تعوق تطور الهند الصناعى وتحتم افقارا متزايدا لجماهير الفلاحين" (أجوستى، 1976، المجلد الثانى، ص ص 3-942) ثم تغير تقييم دور البورجوازية القومية عدة مرات فى المؤتمرات اللاحقة للكومنترن وللحزب الشيوعى السوفيتى، اعتمادا على الأحداث الدولية ومصالح الاتحاد السوفيتى. ولكن تقييم تبعات الإمبريالية بالنسبة للعالم الثالث تبقى هى نفسها منذ 1928 حيث اعتبرت الامبريالية عقبة فى وجه تطور قوى الانتاج وأنها تعوق عملية التصنيع.

* يمثل هذا المقال الفصل الثانى من كتاب جورج لارين اعادة بناء المادية التاريخية وعنوانه التفسير الاورثوذكسي



تعليقات الفيسبوك