أحبولات الفكر التحليلي، نصوص من كتاب -جدل الوعي العلمي- هشام غصيب


اللجنة الاعلامية للحزب الشيوعي الاردني
2015 / 3 / 9 - 12:06     

يتسم الفكر التحليلي (الفكر الذي لا يدخل الجدل في صميم منهجه والذي يعتمد المنطق الأرسطي والنيوتوني اساساً له) يعجزه البنيوي عن رؤية العلاقات العضوية الحتمية والتناقضية بين الأشياء على صعيدي الطبيعة والمجتمع، ومن ثم عجزه عن رؤية مبدأ تطور الأشياء وتغيرها. لذلك نراه يعمد في تصوره العام الى تفتيت الخبرة الانسانية والعالم المدرك الى كينونات مستقلة منعزلة عن بعضها البعض، لا يؤثر بعضها على بعضها الاخر الا بصورة سطحية عرضية لا تمس الجوهر (على غرار موندات لايبنتز).
والحق أن هذا العجز أولاً يمنح الفكر التحليلي حرية الحركة، ويتيح له الفرصة للتفكير في الأشياء بما ينسجم واحتياجات الطبقات الاجتماعية التي افرزته، من دون تعريض هذه الطبقات الى ما يشير الى حتمية زوالها وانهيارها ومن دون تعريض ذاته الى رؤية ما ينفي اسسه ويقوض اركانها. وهو ثانياً يتيح له فرصة انتقاء ما يحلو له من العلاقات العرضية التي تحقق له في النهاية اغراضه العلمية والاخرى الأيديولوجية. بل انها تتيح له ايضاً فرصة انشاء ما يراه مناسباً من العلاقات التي تحقق له هذه الأغراض.
ومن ذلك، فانه يمكن اعتبار هذه السمة للفكر التحليلي لتشويه الواقع واعادة صوغه بما ينسجم وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحمله بعد أن افرزته، وهذا بالرغم ان هذه السمة تدخل في تركيب البنية اللاشعورية لهذا الفكر.
وتجدر الاشارة، الى ان الفكر التحليلي هو النسق الطبيعي لفكر الطبقة البرجوازية الأوروبية الحديثة، بالنظر الى ماهيتها ومصالحها الاجتماعية والتاريخية. لذلك نراه لا يقتر على عيد فكري معين ولا على عصر معين ولا مستوى فكري معين، وانم هو نسق ايديولوجي عام يتخلل جميع عصور الحقبة الحديثة، ابتداءاً بعصر النهضة الأوروبية وانتهاءاً بعصرنا الحاضر، وجميع مستويات الفكر متضمنةً الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ.
فهو يتبدى في عقلانيي القرن السابع عشر (ديكارت، لايبنتز، بل حتى سبينوزا) لذين حاولوا اشتقاق ماهية الوجود ومكوناته الجوهرية من بضعة مبادئ عقلية عامة، مثلما يتبدى في امبريقيي القرن الثامن عشر ومادييه (لوك، باركلي، هيوم، روسو، ديدرو، هولباخ، كونورسيه) الذين حاولوا اختزال جميع الظاهرات الانسانية اما الى البيانات الحسية الأولية واما الى المكونات المادية النيوتونية. واننا لواجدو هذا النسق الفكري ايضاً في المثالية العقلانية (كانط، فيخته) والمثالية اللاعقلانية (شيلنغ، كيركغور، شوبنهاور، نيتشه، هوسرل، شيلر، هايدغر، ياسبرز، ميرلوبونتي، مارسيل، سارتر) سواءاً بسواء. ولا نعدم وجوده في وضعيي القرن العشرين وامبريقييه ومثالييه اللغويين على اختلاف مشاربهم (ماخ، راسل، مور، فتغنشتاين، شليك، كارناب، ا‘ير، رايل، اوستن، كواين).
وكما اسلفنا، فان هذا النسق الفكري لا يقتصر على الفلسفة، وانما يتخلل ايضاً العلوم الانسانية على اختلاف أنواعها. فنراه يتبدى بجلاء في أقطاب التحليل النفساني (فرويد، يونغ، ادلر) مثلما يتمظهر في اقطاب علم الاجتماع الأكاديمي (كونت، دركهايم، تينيس، فيبر، دلتاي، بارسونس).
ولعل لمفكر البرجوازي الأوروربي الوحيد الذي يستثنى من هذا النسق العام هو الفيلسوف الألماني هيغل، الذي مكنته ظروف عصره وجتمعه الخاصة بالاضافة الى خصوصية المثالية الألمانية من كسر قيود الفكر التحليلي وتخطيه الى رحاب الفكر الجدلي، ذلك الفكر الذي يدخل فيه بصورة منهجية ادراك الطبيعة العضوية الحتمية والتناقضية بين الأشياء، وان كانت مثاليته قد حالت دون رؤية الجدل على حقيقته، أعني في ماديته، وأفقدته توافقه الداخلي ولوثته ببعض عناصر الفكر التحليلي الميكانيكي. اذ يرى كاتب هذه السطور، أن الجدل لا يكتمل ولا يتوافق مع ذاته الا اذا كان مادياً، بمعنى انه يدخل في تناقض مع ذاته على صعيد الفلسفة المثالية، وقل الشيء ذاته عن المادية. فهي تدخل في تناقض مع ذاتها على صعيد الفكر التحليلي، من حيث انها تأخذ طابعاً سكونياً يتعارض مع ذاتها بمعزل عن الجدل. فالعلاقة بين الجدل والمادية هي في حد ذاتها علاقة جدلية جتمية تجعل الواحد يدخل في تركيب جوهر الاخر.
لذلك وبذلك، فان تخطي الفكر التحليلي لم يكتمل بحق، كما أن الحضارة الحديثة لم تصل الى الرؤية العلمية الحقيقية، الا في المادية الجدلية التي قامت على انقاض الهيغيلية. لكن هذه العملية، لم تكن عملية فكرية محضة، وانما كانت عملية اجتماعية معقدة تضمنت الانتقال من موقع طبقي معين الى موقع الطبقة النقيض.
ولكن تجدر الاشارة، الى انه ليس ثمة اجماع بصدد فكرة الارتباط الحتمي بين لمادية ولجدل في اوساط مفكري القرن العشرين وفلاسفته. فهناك من يرى العكس تماماً. اذ يرى بعضهم (الايطاليان غلفانو ديلا فولبي ولوتشيو كوليتي) أن الجدل مثالي في جوهره، ومن ثم ان ادخاله في نطاق المادية يلوثها بالمثالية ويفسدها ويعيدها الى نطاق الهيغيلية (المثالية الموضوعية). وينزع بعضهم الاخر (لوكاتش في شبابه، كورش، كروشي، ميرلوبونتي، سارتر ومدرسة فرانكفورت) الى الاعتقاد بأن العلة لا تكمن في الجدل، وانما تكمن في المادية التي تخنق الجدل وتفسده وتحوله الى مجرد قالب ميكانيكي سكوني.
اما كاتب هذه السطور، فيعارض الفريقين كليهما من حيث انه يرى أن المادية والجدل يغتربان عن نفسيهما في معزل عن بعضهما البعض.

ذكرنا أن الفكر التحليلي، وهو الفكر الذي يتسم ه جانب كبير من ثقافة الحقبة الحديثة، ينزع الى الصمت بصورة منهجية عما يربط الأشياء والموجودات من علائق عضوية ضرورية تنبع من ماهيتها وبنيية الكل الذي يضمها معاً ويتبدى عبرها. وهذه الاحبولة تمكن الفكر التحليلي من دراسة الاشياء بما يضمن الاستفادة العملية منها دون معرفة ماهياتها ومبدأ تطورها وبذور انتفاء وضعها الراهن، كما انها تكسب هذا الفكر طابعاً زائفاً تجعله يبدو واقعياً وعلمياً ومغايراً لجوهره الايديولوجي. فهي اذن تمكنه من تعزيز رؤى ايديووجية معينة في المجتمع ومن تطوير اليات واساليب معينة تعين حاملي هذا الفكر على ضبط الأشياء والموجودات بصورة مؤقتة وجزئية.
ولعل هذا النزوع يتضح اكثر ما يتضح في علم الاقتصاد الأكاديمي الغربي، الذي نراه يصمت بصورة عامة عن الجذور الانسانية الاجتماعة العميقة للعلاقات والموجودات الاقتثصادية، فينظر الى الأخير وكأنها علاقات بين الأشياء الصماء، ومن ثم يشيء هذه العلاقات ويلصق فيها من الفاعلية والحيوية والحرية بمقدار ما يجرد البشر، جماعات وأفراداً، منها. اذ نراه يتكلم عن الأسعار والمال ورأس المال وكأنها اشياء طبيعية قائمة في ذاتها، أعني من دون ربطها عضوياً بالفعاليات البشرية التي تنتجها ومن دون ردها الى عملية الانتاج الاجتماعي في مجمله. ونراه ايضاً يفصل بصورة طبيعية واعتباطية وتعسفية بين الانتاج الاجتماعي من جهة وين التوزيع والاستهلاك من جهة اخرى، الأمر الذ يتيح له الفرصة لقلب الأمور على رأسها والنظر الى البنى الاجتماعية نظرة احادية الجانب (مثلاً: لاحظ كيف يمكن الفكر التحليلي عالم الاجماع المعروف، ماكس فيبر، من ان يتفه مفهوم الطبقة الاجتماعية باعطائه جوهراً استهلاكياً يعتمد مفهوم الدخل الفردي اساسً له، مع ان هذا المفهوم المهم يفقد مغزاه التاريخي بمعزل عن جذوره الضاربةفي عمق اعماق سيرورة الانتاج المادي). بل أن علاقات الانتاج نفسها لا تنجو من النصل البتار للفكر التحليلي. فهي تفقد في منظوره تاريخيتها، فتأخذ طابعاً ازلياً وأبدياً لا ينسجم مع اساسها الانساني الاجتماعي، ومن ثم ييتم التعامل معها وكأنها علاقات طبيعية قائمة بين الأشياء المادية الصصماء.
والحق أن علم الاقتصاد الأكاديمي الغربي لا يكتفي بالصمت عن العلاققات العضوية الضرورية التي تربط الموجودات الاقتصادية ببعضها وبخيرها من الموجودات الاجتماعية، وانما اخذ ينزع في نصف القرن الأخير الى عزل المستوى الاقتصادي كلياً عن باقي المستويات الاجتماعية والى اعتباره مستوىً مستقلاً قائماً في ذاته. وعليه، فقد اخذ يميل الى اعتبار مهمته الرئيسية هي ربط الكميات والمفهومات الاقتصادية في بعضها ربطاً رياضياً مقدارياً دقيقاً يمكن حساب ما يشغل بال اصحاب رؤوس الأموال (مثل: اسعار السلع والأرباح) بدقة.. وأخذ يسقط من حسابه معضلة ربط هذه الكميات والمفهومات بالقوى والفاعليات والعلاقات الاجتماعية المؤثرة في التشكيلات الاجتماعية التاريخية، بمعنى انه أخذ يميل الى الاعتقاد بأن هذه المعضلة هي معضلة وهمية نابعة من خطأ جسيم في التصور العام للاقتصاد.
وعلى سبيل المثال فان معضلة ربط الأسعار بقيم السلع (المكافئة لأزمان العمل الضرورية)، أو اشتقاق الأولى من الأخيرة، أو تحول الأخيرة الى الأولى، كانت تعد المعضلة الأولى في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (ادم سميث وديفيد ريكاردو بخاصة). اذ صرفت العديد من الجهود المضنية لمعرفة السر الانساني الاجتماعي للأسعار والأرباح وذلك باشتقاقها من سيرورة الانتاج الاجتماعي بدقة رياضية. ومع انه تم التوصل الى حل مبدأي مض لهذه المعضلة في الستينيات من القرن الماضي الا أن الفكر التحليلي ممثلاً بالاقتصاد الأكاديمي الغربي شاء ان يتجاهله ويتعامى عنه، أولاً لأن هذا الحل تم خاج هذا الفكر، وثانياً لأن هذا الأخير رأى في هذا الحلما يهدد القوى الاجتماعية التي تحمله. ومذاك، والاقتصاد الأكاديمي يطمح الى طمس هذه المعضلة والاكتفاء بعلاقات السطح الظاهرة.
وكم كانت فرحة علماء الاقتصاد الأكاديمي الغربي كبيرة حين بين عالم الاقتصاد (بيرو سرافا) في كتاب نشره عام 1960 بعنوان (انتاج السلع بالسلع) ان معرفة الشروط التكنيكية للانتاج والاجور الحقيقية المدفوعة للمنتجين بدلالة الكميات الطبيعية للسلع تكفي لتحديد معدل الربح بالاضافة الى جميع اسعار الانتاج. اذ ان (سرافا)، بعمله هذا، قد حقق المثل الأعلى الذي كان الاقتصاد الأكاديمي يصبو اليه بكل عزمه. واعتبر انجازه نفياً قاطعاً لمعضلة تحويل قيم السلع الى اسعار ودليلاً كاسحاً على انها معضلة وهمية.
والحق أنه ثمة خلل منطقي كبير في هذا الظن، فلئن كنا قادرين على تحديد كمية معينة تحديداَ كلياً بدلالة كميات اخرى تنتمي الى المستوى ذاته، فليس معنى ذلك ان المستوى المعني برمته مستقل بنيوياً عن غيره من المستويات ولا ان معضلة ربطه بالمستويات الاخرى معضلة وهمية. وعلى سبيل المثال فلئن كنا قادرين على التعبير عن الكميات الثيرمودينامية (الحرارية) بدلالة بعضها بصورة متكاملة ودقيقة، فلس معنى ذلك اننا لسنا في حاجة الى مفهوم الذروة ولا ان الذرات غر موجودة في الطبيعة ولا ان معضلة ربط الثيرموديناميكا بميكانيكا الذرات معضلة وهمية.
هذا مثل واضح على ما يمكن ان يقود اليه الفكر التحليلي على صعيد علم الاقتصاد، وثمة امثلة عديدة مستمدة من مجالات اخرى كالفلسفة وعلم النفس

ما الحاجة الى مفهوم الجدل ذاته في عملية انتاج المعرفة، وبخاصة في علوم الطبيعة؟ الا يشكل مثل هذا المفهوم قيدأ مسبثاً قبلياً A priori على البحث والنظر الى الأمور؟ الا يجدر بنا ان نكتفي بالدراسة العلمية المحض للموضوع قيد الدراسة ونترك منطق البحث نفسه يحدد لنا التصورات والمفهومات اللازمة لفهم الموضوع والنفاذ الى باطنه، من دون فرض اي قيود مسبقة عليه؟ الا يذكرنا مفهوم الجدل بالقيود والتحيزات الميتافيزيقية التي فرضها ارسطو ومن تلاه على الفيزياء والفلك، مكبلاً اياهما ومعطلاً تقدمهما وتطورهما لقرون عديدة؟ فعلى اي اساس اوردنا تعريفاً للجدل؟ على اي اساس اعتبرنا الجدل البنية الجوهرية للتغير والتطور في اي كل مفتوح، كائناً ما كانت طبيعته؟ لقد اعتمد ارسطو ومن تلاه في فرض قيودهم الفلكية (مركزية الأرض وثباتها ودائرية الحركات السماوية) على تصور ميتافيزيقي معين مدعم في جوهره بنظام قيمي وجمالي معين يعكس وضعاً اجتماعياً معيناً أكثر مما يعكس واقعاً طبيعياً، ومدعم في ظاهره بنظرية في الحركة ترتكز على تصور انثروبولوجي ساذج للمادة. فهل ان مفهوم الجدل من طينة هذه القيود ذاتها؟ وبتعبير اخر، مما صغناه، ومما استمده مبدعوه؟
ان الجواب غلى هذه الأسئلة الامبريقية والوضعية يتمثل في النقاط الاتية.
ان المعرفة تراكمية ومترابطة مع بعضها في جوهرها وطبعها، ومعنى ذلك ان انتاج المعرفة في لحظة ما لا يتم في معزل عن ماضي المعرفة، اي عن التراث المعرفي. فمنتج المعرقة (رجل العلم) لا ينطلق من فراغ ولا يبدأ من الصفر في بحثه ودراسته. كما انه لا يبدأ من الموضوع ذاته في عيانيته الحسية. انه يبدأ من اطر معرفية ومفهومات واراء ومعتقدات وبيانات موروثة بوصفها مادة خاماً للمعرفة، ويمارس نشاطه المعرفي عليها وفق انساق واسس واساليب معينة (موروثة ايضاً)، منتجاً بذلك مزيداً من المعرفة لا يتعامل مع الموضوع في حيانيته الحسية بصورة مباشرة، وانما يتفاعل معه على الصعيدين النظري والعملي عبر الموروث المعرفي، عبر المادة الخام الموروثة للمعرفة. وبتعبير اخر، فان منتج المعرفة يتعامل عملياً مع الموضوع عبر جملة من الرصدات والتجارب هي في واقع الحال انشطة وعمليات بشرية تمثل اسئلة معينة يستنطق الباحث بها الموضوع، وهذه الأسئلة تنبع وتستمد معناها وفاعليتها من الموروث المعرفي. لذلك، فانه من الخطأ الظن بأن الباحث الموضوعي يستطيع ان يكتفي بالتفاعل المباشر مع موضوعه وأن يترك منطق البحث نفسه يحدد له التصورات والمفهومات اللازمة لفهم الموضوع والنفاذ الى باطنه. ومن الخطأ ايضاً الظن بأنه يشتق معرفته بصورة مباشرة من تنظيم البيانات المستمدة من موضوعه ومن تصنيفها وتحليلها، من دون اللجوء الى مبادئ ومفهومات ومعتقدات مسبقة وموروثة. بل انه يشتق معرفته بصورة مباشرة من تنظيم البيانات المستمدة من موضوعه ومن تصنيفها وتحليلها، من دون اللجوء الى مبادئ ومفهومات ومعتقدات مسبقة وموروثة. بل انه يشتق المعرفة بالضرورة عبر ممارسة النشاط الهادف بصدد الموروث المعرفي والتفاعل مع الموضوع عبر هذا الموروث، هكذا تنتج المعرفة.
فنحن لا نواجه الموضوع، عند دراسته وجهاً لوجه وفي عريه. كما ان فعلنا المعرفي لا يقتصر على خزن البيانات وتصنيفها وفق اساليب تحليلية أزلية نابعة من جوهر ثابت للعقل مماثل لجوهر الموضوع، كما يظن كثير من الامبريقيين والوضعيين. كلا! بل اننا نرى الموضوع ونتفاعل معه ونفكر فيه عبر الموروث المعرفي. وبطبيعة الحال، فاننا نفعل ذلك بكيفية نابعة من طبيعة اهدافنا وماهية وجودنا الاجتماعي.
ونحن نعتقد ان مفهوم الجدل يشكل جزءاً من الموروث المعرفي، وبخاصة في علوم الاجتماع والتاريخ، ومن ثم انه من العبث والسذاجة اهماله وممارسة البحث والدراسة بمعزل عنه.

لقد دلت التطورات الفلسفية والعلمية على انه ثمة مبادئ ومفهومات عامة شاملة لا يشتقها الانسان من خبرته ولا من حواسه بصورة مباشرة، وانما تشكل مبادئ ومفهومات مسبقة وقبلية A’ priori (اي تسبق الخبرة) من حيث انها تمثل شروطاً اساسية للتفكير وانتاج المعرفة بصدد حقل معين من حقول الوجود. وعلى سبيل المثال:، فان الفلاسفة يعتبرون المنطق الأرسطي شرطاً جوهرياً من شروط التفكير التحليلي (لاالجدلي) في حد ذاته. والمنطق الأرسطي، كما يعلم بعضنا، يتكون من ثلاثة مبادئ هي: مبدأ التماثل (ان الشيء هو ذاته)، ومبدأ التناقض (ان الشيء ليس نقيض ذاته)، ومبدأ الوسط المستثنى (ان الشيء هو اما هذا واما ذاك) فان كثيراً من الفلاسفة يعتبرون مبدأ العلية Causality principle شرطاً جوهرياً من شروط انتاج المعرفة بصدد الوجود. وتتدرج هذه المبادئ والمفهومات حتى نصل الى اقلها عموميةً واضيقها تطبيقاً. بذلك، فان الموروث المعرفي هو ابعد ما يكون عن التجانس. فهو يضم الشروط الجوهرية للتفكير في حد ذاته، وهي ارسخ مبادئ هذا الموروث وأكثرها شمولاً وعموميةً وأفقرها مضموناً. وهو يضم ايضاً شروط انتاج المعرفة بصدد الموضوع، وهي اغنى من الشروط الأولى مضموناً، لكنها اقل رسوخاً وشمولاً. ثم نصل الى المبادئ العامة في الفيزياء، والتي تربط بصورة عامة بين حالة نظام مادي وبين ظروفه المادية الداخلية والأخرى الخارجية (مثلاً، قوانين نيوتن في الحركة، قوانين الثيرموديناميكا، قوانين داروين في تطور الكائنات الحية، قوانين ماكسويل في الكهرمغناطيسية، قوانين ماركس في تطور المجتمعات البشرية، قوانين اينشتاين في النسبية العامة، قوانين شرودنغر وهايزنبرغ وديراك في ميكانيكا الكنتم،، قوانين فاينمان وشفنغر وتوماناغا في الالكتروديناميكا الكنتمية، وما الى ذلك) بعد ذلك، نتدرج الى القوانين الفيزيائية الخاصة التي لا تنطبق الا تحت ظروف مادية خاصة (مثلاً، قوانين غاليليو في السقوط الحر، قوانين كبلر في الحركة الكوكبية، قانون فيرما في الحركة الضوئية، قانون موبرتي في الميكانيكا، قانون بولتسمان في انتقال حشد من الجسيمات المجهرية، قوانين بويل وشارل وغليوساك في الغازات، قوانين كولم وايرستيد وامبير وفاراداي في الكهربائية والمغناطيسية، قوانين كيرشوف في الدارات الكهربائية، قوانين فين وبلانك في ثيرموديناميكا الأجسام السوداء، قوانين بالمر وليمان وريدبرغ في الأطياف الكهرومغناطيسية، قوانين انتقال الالكترونات في الأجسام الصلبة، قوانين نشوء النجوم وازدهارها واندثارها، وما الى ذلك).
والسؤال هو: اين يقع مفهوم الجدل وقوانينه في هذه المنظومة المتشابكة والمتشعبة؟ هل ان الجدل هو نوع من المنطق العلوي الذي يتخطى اطار المنطق الأرسطي؟ يعني، هل هل هو شرط من شروط نوع علوي من التفكير في حد ذاته؟ ام، هل ينتمي الى عالم العلم؟ وهل يشكل جزء من المبادئ العلمية، ام ان ادراكه يشكل شرطاً من شروط كون المنهجية المتبعة علمية؟ يعني هل هو واحد من ضمانات اتسام منهجيات المعرفة بسمة العلمية؟ وهل هو بنية اساسية من بنى الوجود من حيث كونه وجوداً، وفي شتى اصنافه وفروعه؟ ام انه يخص مستوى معين فقط من مستويات الوجود؟ هل يخص مثلاً عالم الانسان والوعي دون سواه، ام انه ينطبق بالكيفية ذاتها على الطبيعة؟ هل هو مرتبط بالضرورة بالفكر وعالم الفكر، ام انه ينتمي في الأساس الى لوجود حتى في مراحل ما قبل الفكر؟

مادية الموروث المعرفي وتاريخيته
اتضح لدينا أن الممارسة المعرفية لا تتم في فراغ ولا تبدأ من الصفر ولا تقع بصورة مباشرة على موضوع المعرفة في عريه، وانما تقع في المقام الأول على الموروث المعرفي ولا تقع على موضوع المعرفة الا عبر هذا الموروث. ثم اننا اعتبرنا مفهوم الجدل جزءاً حيوياً من هذا الموروث، الأمر الذي يوحي بأن هذا المفهوم لا يكتسب مغزاه الحقيقي ولا معناه الفعال في الحياة الانسانية الا في ضوء هذا الموروث وديناميته. بل يمكن استباق بنود بحثنا بالقول أن الجدل لا يتبدى بكل فاعليته وحيويته وضرورته للمعرفة الا بوصفه منطقاً ومنهج تفكير وبحث. لكنه لا يتبدى بهذه الصفة الا في ضوء الموروث المعرفي وتشابك عناصره وترابطها معاً. من ذلك تبرز أهمية النظر في هذا الموروث ودراسته بعمق وتفصيل اذا اردنا فهم مفوم الجدل، ومن ثم فهم ظاهرتي العلم والانسان.
وأول ما ينبغي الاشارة اليه بصدد الموروث المعرفي هو أنه في جوهره مادي وتاريخي. فهو تاريخي من حيث انه لا يعرف الثبات في اي ركن من أركانه وفي أي عنصر من عناصره، وانما هو في نمو وتطور مطردين، يتطور بتطور الحضارة البشرية والمجتمع البشري. لكن من الخطأ الظن بأنه يتطور من تلقاء ذاته، وكأن هذا الموروث كائن علوي مثالي ينبض حياة في ذاته، ويسير التاريخ والمجتمع من عل (كما هو الحال مع الروح المطلق الذي يتكلم عنه هيغل). فليس هناك روح أو حياة معينة كامنة فيه تدفعه الى الحركة والتطور وتلهب التوترات والتناقضات القائمة بين عناصره حياةً وعنفواناً. انه بنية اجتماعية تكتسب تاريخيتها من كونها نتاجاً بشرياً. شأنها في ذلك شأن اي نتاج بشري اخر. فليس لهذا الموروث موضوعية خاصة منفصلة عن المجتمع البشري، وليس له وجود مستقل عن عالم المادة والانسان، وانما ينبع منهما، أو من تفاعلهما معاً، يؤثر فيهما ويتأثر بهما. فوجوده ينبع لا من ذاته ولا من عالم مثالي غيبي يقع خارج اطار المكان والزمان والتاريخ، انه ينبع من الانسان في تفاعله مع ذاته ومع الطبيعة. بذلك فان هذا الموروث (الذي هو في الأساس نتاج جهد بشري ماض) يتغير بفعل الجهد البشري الاجتماعي الراهن. انه يتبدل ويتطور كنتيجة لجهد ونشاط يمارسها الأفراد والجماعات البشرية تحت ظروف اجتماعية معينة. فهذا الموروث لا يكتسب حياة ولا فاعلية اجتماعية ولا فاعلية طبيعية (بمعنى أن الحياة لا تدب فيهوأنه لا يدخل في تفاعل مع كل من المجتمع والطبيعة) الا عبر فعل الأفراد والجماعات البشرية، والذي يتم استجابةً لحاجات بشرية معينة. ذلك ان مادية وجوده وموضوعيته لا تضمنان حيويته وفاعليته بمعزل عن فعل البشر بلحمهم ودمهم.
وبطبيعة الحال، فان العلاقة بين الأفراد والجماعات البشرية من جهة وبين الموروث المعرفي من جهة اخرى هي علاقة تبادلية (جدلية)، بمعنى أن هذا الموروث يدخل في تشكيل الأفراد والجماعات مثلما تساهم الأخيرة في تغييره وتطويره وتوسيعه. ولكن ينبغي هنا التوكيد على أن الموروث المعرفي ليس هو العامل الوحيد الذي يدخل في بناء الذات العارفة (الأفراد والجماعات)، ولا هو بالعامل الأساسي الحاسم في ذلك، وانما هو واحد من عدة عوامل تدخل في تشكيل الوعي الاجتماعي للأفراد والجماعات. ونحن نؤكد ذلك خلافاً لما يظنه كثير من الفلاسفة المثاليين، الذين يرون أن الموروث المعرفي أو عناصر منه هي المسؤولة في المقام الأول عن تشكيل الذات وتحديد الوعي. ويتمظهر هذا الظن في كثير من الأحيان في الاعتقاد بأن الأيديولوجيا (العقائدية) أو الاعتقاد المعلن هو المحدد الرئيسي لسلوك الأفراد والجماعات البشرية لكونه محدد جوهرها التاريخي، ومن ثم بأن الوعي هو الذي يحدد الوجود، لا العكس.
أما نحن، فنرى أن تطور الفلسفة والعلوم يدعم وجهة النظر التي تقول أن الوجود هو الذي يحدد الوعي، وأن الممارسة العملية للأفراد والجماعات والعلاقات العملية التي تربطهم ببعضهم ضمن أطر اجتماعية موروثة ومحددة هي التي تشكل الوعي. والحق أن هذه القوى والعلاقات قادرة على فعل ذلك لأن الوعي في جوهره مادي وتاريخي. فهي لا تشكل الوعي بوصفه بناءاً مثالياً روحياً محضاً، وانما تكشله بوصفه بنية مادية اجتماعية، أعني بوصفه قوة مادية اجتماعية تؤثر في البنى الاجتماعية الأخرى وتتأثر بها. ثم ان هذا الوعي المتشكل اجتماعياً يجابه الموروث المعرفي باستمرار عبر المؤسسات والأطر الاجتماعية التي يكمن ويخزن فيها (العائلة، المؤسسة التعليمية، المؤسسة الثقافية، المؤسسة السياسية، المؤسسة الاعلامية، المؤسسة الدينية، مؤسسات الانتاج المادي، وما الى ذلك). فهو اذاً يجابه هذا الموروث، مؤثراً فيه ومتأثراً به، فيطور ذاته وهذا الموروث بالاضافة الى موضوعات الممارسة العملية والمعرفة كلتيهما في ان واحد. فالوعي (وعي الأفراد والجماعات والطبقات الاجتماعية) اذاً هو حلقة الوصل بين الروحي (الذهني) وبين المادي، بين علاقات الانتاج الروحي وقواه، وبين علاقات الانتاج المادي وقواه. انه مصدر طاقة التغيير الاجتماعي والوسط الذي ينتقل فيه كل من الموروثين المعرفي والمادي من حالة الكمون potentiality الى حالة الوجود والفعل Actuality. وهذا هو معنى القول بأن البشر (الأفراد والجماعات والطبقات الاجتماعية) هو الذين يصنعون التاريخ، لكنهم يصنعونه تحت ظروف موضوعية موروثة مستقلة عن وعيهم وارادتهم. لكنه لا يكتسب حياةً وفاعلية الا عبر وعي البشر وارادتهم. لكنه لا يكتسب حياةً وفاعلية الا عبر وعي البشر، ومن ثم عبر ممارستيهم النظرية والعملية في المجتمع. بذلك يتغير هذا الموروث ويتطور ويتبدل. فالفعل المستمر للذات العارفة والممارسة صوبه يجعله بصورة عامة في توتر وهيجان مستمرين يقودان باستمرار الى تغييره على جميع المستويات، بما في ذلك مستوى قدس اقداسه (قوانين المنطق وشروط المعرفة). فكونه من صنع البشر في المجتمع يحتم عليه ان يكون تاريخياً ومادياً في جوهره.
خلافاً لما يظنه ارسطوطاليس في كتابه (الميتافيزيقيا) من أن البهجة واللذة الفطريتين في الانسان هما اللتان تدفعانه الى المعرفة، فاننا نرى أن الانتاج المادي البشري، انتاج وسائل بقاء الحياة واستمرارها، يحتاج، بحكم ماهيته، الى الرمز والمعرفة. من ثم، فان الانسان في الأساس ينتج الموروث المعرفي استجابةً لمقتضيات الانتاج المادي ومتطلباته، بل أنه ينتجه في الأساس عبر عملية الانتاج المادي ذاتها. فالموروث المعرفي اذاً مادي في اساسه من حيث انه متجذر في صميم القاعدة الاقتصادية (علاقات الانتاج المادي). لكنه، مع تطور الحياة الاجتماعية ومع تشعب وسائل الانتاج الروحي ومنظومة تقسيم العمل الاجتماعي، ينفصل الموروث المعرفي عن الموروث المادي انفصالاً نسبياً ويستقل استقلالاً نسبياً، فيكتسب دينامية خاصة به ويتبع خط تطور مميزاً ومتميزاً. كذلك، فان تطور المجتمع بالمعنى المذكور أعلاه يولد لدى الأفراد والجماعات والطبقات الاجتماعية حاجات مادية وأخرى روحية تغدو في دورها حافزاً ومصدراً لتطور المعرفة وسبباً يحدو الانسان الى انتاجها. فالحق أن الأهداف والحوافز والرغبات الانسانية المثالية والنبيلة لا تلد مع النشوء البيلوجي للانسان، وهي لا تشكل فطرة او غريزة ثابتة في قلب الانسان بوصفه كائناً ميتافيزيقياً او بيولوجياً، وانما تنتج اجتماعياً وتاريخياً، وتتبلور في مراحل متقدمة من التاريخ الانساني. فهي ليست سبباً في بحث الانسان عن المعرفة، وانما هي نتيجةً لذلك.


العلم بوصفه سيرورة اجتماعية
من الأوراق الملفتة للنظر في اهمية موضوعها، وغزارة معلوماتها التاريخية، والتي قدمت الى المؤتمر الفلسفي العربي الثاني (الجامعة الأردنية 13-16-12 1987)، ورقة اعدها الدكتور احمد الربعي من جامعة الكويت، وهي بعنوان (محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الاسلامي وتطوره) وهي أقرب الى تاريخ العلم منها الى الفلسفة، لكنها بالتأكيد، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفلسفة العربية، عبر اتباطها الوثيق بالموقف من التراث، والذي يشكل محور الفلسفة العربية المعاصرة. وتتضح، منهجية البحث في الورقة المعنية وهموم الباحث النظرية، وتصوره لنمط التفسير المطلوب من الأسئلة التي يستهل بها بحثه. اذ يقول: (ما هي الجذور العميقة لنشأة ظاهرة العلم العربي الاسلامي، وأين تكمن هذه الجذور في البناء الاقتصادي الاجتماعي والسياسي للحضارة العربية الاسلامية في لحظة تجليها التاريخي في عصر النهضة في القرنين التاسع والعاشر للميلاد؟ وهل كان نشوء العلم وقيام المؤسسات العلمية من مراكز ترجمة ومؤسسات تعليمية، ومراصد فلكية، ومستشفيات، ودوائر علمية، تعبيراً عن طور حضاري لا فكاك منه يعكس ما وصلت اليه الحضارة العربية الاسلامية في ذلك الوقت، ام انه مجرد ظاهؤرة ثانوية او هامشية لا تتعدى ترجمة علوم الأوائل وتكرارها وشرحها من دون تمثلها والمساهمة في تراكم المسألة المعرفية على الصعيدين النظري والعملي؟ هل كان المشتغلون في علوم الفلك والطب والرياضة والكيمياء وغيرها لا يتعدون دوائر علمية وفلسفية معزولة وليست ذات تأثير، وان الغلبة كانت دائماً للعلوم الدينية لا الفلسفية، النقلية لا العقلية، ام ان هؤلاء العلماء قد ادوا دوراً عملياً الى جانب دورهم النظري، وساهموا في دفع عجلة التقدم الحضاري؟)
والحق ان هذه الأسئلة والتساؤلات، تنطوي عن تصورات محددة لطبيعة العلم وخصوصيته الاجتماعية، وعلاقاته البنيوية مع غيره من النشاطات والممارسات الحضارية، فمن الواضح ان الدكتور الربعي بأسألته هذه لا ينظر الى العلم على انه مجموعة من المعلومات الثابتة والأزلية والتي تتسرب من خارج المجتمع البشري، الى عقول النخبة. كما انهلا ينظر اليه على انه ممارسة ذهنية محض يمارسها فرد من الأفراد المميزين في ابراجهم العاجية خارج اطار المؤسسات والتيارات الاجتماعية المتلاطمة. لكنه يتصور العلم على انه سيرورة اجتماعية معقدة، تستلزم توافر جميع الظروف المادية والاجتماعية المتطورة، وبصورة ادق، فانه يشير الى ان العلم هو ممارسة اجتماعية متطورة، تمارسها فئات اجتماعية متخصصة ضمن اطر مؤسسية تضمن وجودها قوة اجتماعية معينة، وذلك تلبيةً لحاجات اجتماعية معينة. فالذات المحركة للانتاج العملي (الذات المنتجة) ليست هي فرد في حد ذاته، وفي معزل عن حركة المجتمع، بقدر ما هي العشيرة العلمية المتشكلة تاريخياً والفاعلة ضمن اطر مؤسسية لتقسيم العمل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعملية الانتاج المادي (القاعدة الاقتصادية). فالعشيرة العلمية تجدد ذاتها (تعيد انتاج ذاتها) وتتدرب على استعمال أدوات المعرفة، وتكون على اتصال مستمر مع كل من هذه الأدوات والموروث المعرفي وتطور الأخير باستعمال هذه الأدوات ابداعياً عبر مؤسسات معنية، تبنيها العشيرة العلمية بالتعاون مع غيرها من الفئات بموارد مادية تملكها قوة اجتماعية معينة. وبطبيعة الحال، فان هذه القوى، تخصص قدراً من مواردها لهذا الغرض وتوجهه وفق تصورها لاحتياجاتها الاجتماعية المتنوعة، من هذه الاحتياجات قد تكون متناقضة مع بعضها. وعلى سبيل المثال، قد تتناقض حاجة القوى الاجتماعية السائدة الى المعرفة العلمية، مع حاجاتها الأيديولوجية، فتلجأ من ثم الى ربط المؤسسات العلمية والفئات العلمية فيها بالمؤسسات الأيديولوجية ربطأ محكما يحد من نمو المعرفة العلمية ومن مدى علميتها. وفي احيان اخرى، فقد تتناقض حاجة قوى اجتماعية صاعدة مع الحاجات الأيديولوجية للقوى الاجتماعية المهيمنة، فيدخل رجال العلم والفلاسفة الممثلون للقوى الصاعدة مع الفئات الأيديولوجية المهيمنة في صراع مرير قد ينتهي اما بتدهور العلم وانضوائه تحت راية الأيديولوجيا، واما بانتصاره وتحرر المؤسسات العلمية من هيمنة الأيديولوجيا السائدة وحوزها على استقلالها الذاتي الضروري من أجل تحقق اهدافها.
وكمثال على الامكانة الأولى نذكر الحضارة الاغريقية (ايونا وأثينا) والحضارة الهلنستية (الاسكندرية) والحضارة العربية الاسلامية حيث هزم العلم وما لازمه من عقلانية فلسفية أمام الايديولوجيا اللاهوتية اللاعقلانية.
وكمثال على الامكانية الثانية نذكر الحضارة الأوروبية الحديثة، حيث انتصر العلم الطبيعي على الأيديولوجيا اللاهوتية، بعد نضال طويل راحت ضحيته بعض عمالقة العلم الحديث (برونو وسيرفيتيوس) وتم على حساب اذلال مؤسس مؤسس العم الحديث (غاليليو غاليلي). ونعني بانتصار العلم هنا، تحقيق الاستقلال الذاتي لمؤسساته وللممارسات الواقعة ضمن اطار هذه المؤسسات، واحتلال العلم مركزاً محورياً في الثقافة الحديثة، واكتسابه ديمومة اجتماعية متميزة.
ويعود السبب في هذا التمييز للحضارة الحديثة من حيث العلاقة بالعلم الى خصوصية نمط الانتاج المسيطر فيها، وهو نمط الانتاج الرأسمالي. ذلك أن انماط الانتاج التي سادت في الحضارات الأخرى المذكورة أعلاه لم تستطع ان تتحمل وجود المعرفة العلمية بين ثناياها الا ضمن حدود حضارية وزمنية ضيقة، بحكم جوهرها الانتاجي، وطبيعة الأيديولوجيات السائدة فيها. اما في حال نمط الانتاج الرأسمالي، فان العلم الطبيعي بوصفه سيرورة اجتماعية متنامية شكل شرطاً جوهرياً من شروط عملية الانتاج المادي ذاتها، بمعنى أنه شكل قوة اساسية من قوى الانتاج.

يتبع...



تعليقات الفيسبوك