آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة- شيوعية وهمهمات وتاريخ!


عبد الحسين شعبان
2015 / 2 / 21 - 11:23     

آرا خاجادور : الشيوعية المعتّقة
1. شيوعية وهمهمات وتاريخ!
كلّما تعتّق النبيذ في الدنان، استطاب ، والشيوعية لدى آرا خاجادور وعلى مدى أكثر من 70 عاماً قضاها في رحابها، تعتّقت لديه، لدرجة أنه ظلّ مأسوراً إليها، هائماً في حبّها، ولهاناً في عشقها، لا يستلطف حديثاً أو " كيفاً" أو "أنساً" من دونها. إنه الشعور بالامتلاء والانتشاء والزهو، رغم المرارة والألم والجحود الذي تعرّض في سنوات شيخوخته الأخيرة.
كنتُ أطالب آرا خاجادور بكتابة مذكراته، ووعد بذلك، ولا يزال وعده قائماً، وكم أتمنى أن تسنح ظروفه لكي ينجز مشروع المذكرات ليرى النور لما فيه من قيمة واعتبار؟ تلمّست ذلك مؤخراً حينما كنت ألقي محاضرة بدعوة من دار الخبرة عن " أسئلة العنف واللاعنف" ببغداد في 14 كانون الثاني (يناير) 2015 في فندق ميرديان (فلسطين)، حيث استعرضت فاعلية اللاعنف عربياً في تحقيق بعض الأهداف المنشودة وفي الصراع السياسي بشروط معينة، وأشرت إلى وثبة كانون الثاني (يناير) العام 1948، حين استطاعت القوى الشعبية الإطاحة بمعاهدة بورتسموث الاسترقاقية ومقاومة العنف السلطوي باللاعنف الشعبي.
فهد وسعد صالح
واستطردتُ في تحديد ملامح تلك المرحلة التاريخية ردّاً على سؤال من أحد المحامين، وأكمله سؤال من أحد الأدباء حول الفترة القصيرة لحريّة الأحزاب، حين أجاز سعد صالح وزير الداخلية حينها العام 1946 ، خمسة أحزاب سياسية بينها حزبان يساريان، وكان السؤال لماذا لم يجيز سعد صالح "حزب التحرر الوطني" وهو واجهة للحزب الشيوعي بمواصفات اللعبة العلنية آنذاك، وببراعة من قيادة فهد للمزاوجة بين العمل السرّي والعمل العلني؟ وذلك ما ذكرته في كتابي عن " سعد صالح- الضوء والظل: الوسطية والفرصة الضائعة".
وكان جوابي إنه بعد صدور الكتاب، أضاف لي آرا خاجادور معلومة جديدة لم أكن أعرفها من قبل، ولم أعثر عليها في المصادر الكثيرة التي قرأتها، وقد أوردت تلك المعلومة في الطبعة الثانية ، وعلى لسانه، وهي الطبعة الصادرة في بغداد، عن وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية، ومفادها أن الحزب أرسل من يمثله والمقصود حسين الشبيبي إلى سعد صالح يعاتبه على عدم إجازته حزب التحرر الوطني، وكان جواب صالح، أنه لو أجاز حزب التحرر الوطني فستلغى الأحزاب جميعها، ولذلك فهو فضّل إجازة الأحزاب الخمسة لتوفير أرضية مناسبة لحرّية الأحزاب حتى وإنْ اقتصرت على بغداد بالدرجة الأساسية ومراكز الألوية (المحافظات) وبعض مراكز الأقضية الكبيرة، خصوصاً وأنه ألغى الرقابة على الصحافة وبيّض السجون حينها في مدّة استيزاره التي لم تزد على 97 يوماً.
أنقل ذلك لأن ثمة همهمات ندّت من داخل القاعة، وهل آرا خاجادور ما يزال حياً؟ وماذا يعمل؟ وأين هو؟ وكم بلغ من العمر؟ وهل لا يزال شيوعياً؟ وأين التقاه فلان؟ وغير ذلك من الأسئلة التي نزلت عليّ كالمطر خلال المحاضرة وما بعدها، من أصدقاء وحاضرين كثر، وكان جوابي أن آرا خاجادور ما يزال حيّاً يُرزق، وقد احتفل بعيد ميلاده التسعين قبل أشهر، فقد ولد في بغداد في 9 آب (أغسطس) العام 1924 ولعائلة أرمنية ، وكان رئيساً لعمال النفط في العام 1959 وقيادياً بارزاً على صعيد الحركة النقابية العمالية على النطاقين العربي والعالمي، وممثل الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق في اتحاد النقابات العالمي، أيام عزّه.
ويكاد يكون آرا خاجادور وعزيز محمد الأمين العام السابق للحزب من أقدم الشيوعيين العراقيين الأحياء، علماً بأنه عمل في الهيئات القيادية للحزب لنحو ثلاثة عقود من الزمان، وبعدها نحيّ بسبب اختلافات سياسية وتنظيمية، واعتبرته إدارة الحزب، بأنه وضع نفسه خارج الحزب، حسب التوصيف الرسمي الشائع، وهو ما يوازي طرده.
قلت إن آرا خاجادور أضاف لي تلك المعلومة المهمة، وكان قد سمعها من فهد (يوسف سلمان يوسف) ورفاقه في السجن مباشرة وهم الرفاق الذين أعدموا في 14 شباط (فبراير) العام 1949 حيث أعدم مع فهد وزكي محمد بسيم وحسين محمد الشبيبي، كما أعدم في اليوم نفسه يهودا صدّيق.، واعتبرتُ إضافة آرا خاجادور وإضاءته مهمّة، وهو ما دعاني للبحث والتدقيق، عسى أن أصل إلى معلومة جديدة أو معطيات أخرى لم يرد لها ذكر في الكتاب، وذلك خلال قراءتي الجديدة لموسوعة "مديرية التحقيقات الجنائية" التي صدرت في العام 1949 وما بعدْ، وقد تم نشرها مؤخراً عن مكتبة النهضة العربية في بغداد، حين اكتشفت إن الحزب أرسل عبد السلام الناصري إلى منزل سعد صالح للاستفسار عن خبر وصل إلى الحزب عن تحبيذه تأليف جبهة موحدة مع حزب التحرر الوطني أو مع الحزب الشيوعي، وكان رأي سعد صالح، إن الوقت لم يحن لذلك، وإن الشيوعية غير مرغوبة في العراق، وهو الرأي الذي ينسجم مع ما نقله آرا خاجادور.
نبض السنين
إن صدور كتاب خاجادور الموسوم " نبض السنين " الذي قدّم له رفيقه د. عبد الحميد برتو يفتح الشهيّة للقراء وخاصة للشيوعيين والمنشغلين بهموم اليسار بشكل عام للتعرف على زوايا خفيّة من تاريخ الحركة الشيوعية وصراعاتها آن الأوان لوضعها في مكانها الصحيح كجزء من المراجعة والنقد الذاتي وتحديد المسؤوليات الفردية والجماعية، فلم يعد الحديث عن الأمجاد وحده كافياً دون تشخيص العيوب والمثالب والأخطاء.
إن كتاب خاجادور وما ورد فيه من أسرار ومعلومات تجعلنا نلحّ أكثر لإنجاز مشروع المذكرات الموعودة، وأرجو أن لا يخيب أملنا في رؤيتها، وهو ما طالبت به أيضاً عزيز محمد الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي 1964-1993، وكان ولا يزال كثيرون ينتظرون مذكرات عزيز محمد، التي يحجم عن كتابتها أو حتى روايتها بادعاء أنه ليس زعيماً أو قائداً، بل هو مسؤول لمهمة إدارة الحزب للفترة المذكورة، كما أنه ليس كاتباً لينتظر الجميع مذكراته.
وباستثناء إطلالة محدودة في مجلة الوسط اللندنية في العام 1992 فإن الكثير من الأسرار والمعلومات ظلّت حبيسة صدره وغائبة عن الجمهور، علماً بأن تلك النتف السريعة لم تشفي الغليل، بقدر ما أثارت أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة أو إضاءات مهمة لتاريخ عويص، بل إنها في الكثير من الأحيان ، وبسبب ابتسارها على معلومات عمومية، عقّدت الإشكالات المطروحة، وهو ما عرضت جزءًا منه في تقريضي لكتاب شوكت خزندار " الحزب الشيوعي- رؤية من الداخل" وكتابي عن عامر عبدالله – " النار ومرارة الأمل"، لاسيّما وأن ما نشر مؤخراً من مقابلات ونصوص لا ترتقي إلى مسؤولية الأمين العام لحزب من أهم الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية لنحو ثلاثة عقود من الزمان، ناهيكم عن التداخلات التي حصلت عليها، ومحاولات تطويعها وتوظيفها.
المذكرات، وخصوصاً، إذا كانت صادقة وأمينة ومنزّهة من الغرض والهوى، يمكن أن تكون مرجعاً لدارسي التاريخ والباحثين عن الحقيقة، وخصوصاً تاريخنا الشيوعي غير المدوّن وغير المدروس من زاوية نقدية وبقراءة ارتجاعية. وبغضّ النظر عن العنصر الذاتي في كل مذكرات أو ذكريات، وخصوصاً فيما يتعلّق بدور الشخص وصراعاته وأمزجته وارتياحاته ومواقفه، فإن العنصر الموضوعي والعام منها يعكس نظرة كانت سائدة أو قراءة جديدة لتلك النظرة، ولهذا الموقف أو ذاك، ناهيكم عن مقاربة الصورة ومدى انطباقها مع الواقع أو ما نشأ من تصوّرات وتقديرات عنه، وأحياناً ما تتكوّن بعض التقديرات، بناء على معطيات غير دقيقة أو معلومات غير وافية أو تحت ضغط عوامل مختلفة وتأثيرات غير صحيحة أو حتى آراء شخصية استناداً إلى المعرفة ودرجة الثقافة السائدة وغير ذلك من العوامل، ولذلك يأتي بعضها مجانباً للحقيقة، التي تغيب أحياناً تحت ركام الصراعات والارتياحات.
ولو عدنا لتاريخنا البعيد نسبياً والقريب منه، سنرى كم من التشويهات لحقت بالفرق المتصارعة كل بالآخر: راية الشغيلة والقاعدة في الخمسينيات، الحزب وقيادة داود الصائغ " المبدأ" عشية التقدّم بإجازة الحزب العام 1960، القيادة المركزية واللجنة المركزية العام 1967-1969 وما بعده، القيادة المهيمنة والمنبر والجماعات المعارضة في الثمانينيات وما بعدها.
وقبل مناقشة وتقريض كتاب خاجادور، لا بدّ من إطلالة سريعة على الثمانينيات من القرن الماضي، حيث انفجرت أزمة الحزب على نحو شديد.
أسئلة الثمانينات
عرفت الثمانينيات جدلاً محتدماً وصاحبه نقداً شديداً، إذ لا جدال دون نقد، وفي رحم الأول يولد الثاني، ويظلاّن متلازمان. وكانت العديد من المواضيع محط جدل ونقاش وحوار واختلاف واجتهاد ومنها:
لماذا فشلت الجبهة الوطنية في العراق؟
وهل من الضروري التحوّل إلى المعارضة انتهاج سبيل الكفاح المسلح؟
وهل إدارة الحزب جادة في سلوك هذا السبيل أم إنها تركب الموجة لامتصاص النقمة؟
وهل نحتاج إلى جبهة أو جبهات جديدة؟
ومن هو المسؤول عن أخطاء جبهة العام 1973؟
ولماذا لم يتم الاستماع إلى نبض القاعدة الحزبية؟ وهل كان التراجع منظّماً؟
وكيف السبيل لاستعادة دور الحزب؟
وهل يمكن إعادة العمل في الداخل في ظل ظروف الإرهاب والبطش؟
وكيف يمكن إعاشة العدد الكبير من رفاق الحزب وأصدقائه؟
وهل يمكن توفير غطاء سياسي في ظل الأوضاع القاسية لرفاق الحزب وأصدقائه؟
وما هو الموقف السليم من الحرب العراقية- الإيرانية، خصوصاً عندما انتقلت إلى الأراضي العراقية؟
وما هو موقف الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية من النظام الدكتاتوري ومن الموقف من الحرب؟
وهل مجاراة الموقف الإيراني لمجرد المجاملة وتسهيل مرورنا أم إن هناك ضغوطاً أبعد من ذلك خصوصاً عبر الحركة الكردية؟ وكيف ستؤثر تلك المواقف على القضية الوطنية؟
وأخيراً ما هو الموقف من الحوار مع النظام الذي تردد في العام 1982 وعاد إلى الواجهة بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية؟
هذه وغيرها إضافة إلى أمور وقضايا داخلية ومشكلات عمل يومي ومسلكي واجهت الرفاق وسيأتي ذكرها في هذا التقريض. ولم تكن الاجابات موحدة حولها، فقد كانت القاعدة الحزبية في واد، وعموم إدارات الحزب في واد آخر، مثلما كان الصراع بين الإدارات ذاتها، فبعض أعضاء المكتب السياسي كان لهم رأي ، ومنظمة بيروت والإعلام لها رأي آخر، كما أن اللجنة القيادية في الداخل لها رأي والاتجاه المؤثر في الخارج له رأي آخر، مثلما كان للجنة إقليم كردستان وجهة نظر، وفي الوقت نفسه للحزب وجهة نظر أخرى، لدرجة أن الحزب الذي عقد الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد) في الشام أواخر العام 1980 بدا وكأنه حزبان، فبعد أسبوعين عقدت لجنة الداخل جبهة أخرى، حملت اسم " الجبهة الوطنية الديمقراطية" المعروف باسم " جود"، وصدر بيانان متناقضان بخصوص احتلال الفاو وهكذا.
يتبع



تعليقات الفيسبوك