تعذيب الشيوعيين أي حدتو بالسجن الحربي في 1953- 1954 ومحاكمتهم عسكريا بتهمة تشكيل جبهة وطنية لإعادة الحياة البرلمانية


أحمد القصير
2014 / 11 / 30 - 00:49     

تعذيب الشيوعيين بالسجن الحربي خلال 1953-1954 بتهمة تشكيل حدتو "جبهة وطنية" مع الوفد لإعادة الحياة النيابية


أشكال تعذيب مرعبة:
نتناول هنا التعذيب الذي تعرض له أعضاء منظمة حدتو بالسجن الحربي خلال فترة امتدت من نوفمبر1953 إلى فبراير1954. وكان مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 قرر محاكمة عدد من قادة حدتو وكوادرها أمام محكمة الثورة. بل أصدر أيضا قرارات القبض والاعتقال. كما قام بتكليف جهاز المخابرات بتولى القضية. وكانت التهمة هي تشكيل "الجبهة الوطنية الديمقراطية". وهي جبهة شكلتها حدتو في عام 1953 وضمت إليها بعض أعضاء حزب الوفد والحزب الاشتراكي. وكان من أهداف هذه الجبهة "إعادة الحياة النيابية فورا". وقد أوردنا نص الميثاق الوطني لتلك الجبهة في موضوع آخر عنوانه "ثورة 23 يوليو1952 تحالف وصراع بين حدتو و عبدالناصر". لكن البيانات التي وزعتها الجبهة بعد بدء نشاطها جاء بها مطالب وأهداف أكثر من التي نص عليها ذلك البرنامج. وعلى سبيل المثال جاء في أحد بيانات الجبهة والتي قدمت المخابرات نسخا منها إلى محكمة الثورة ما يلي:
"تكتل حزب الوفد والحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في جبهة وطنية ديمقراطية تكافح من أجل:
"1- رفض الأحلاف العسكرية بجميع أنواعها وصورها كالدفاع المشترك في الشرق الأوسط والضمان الجماعي العربي وذلك تدعيما للسلام العالمي وعدم جرنا إلى حرب ثالثة.
"2- رفض المفاوضات وتنظيم الكفاح المسلح لطرد الاستعمار.
"3- إعادة دستور 1923 والحياة النيابية فورا واجراء انتخابات حرة وعودة الجيش إلى ثكناته.
"4- إلغاء الأحكام العرفية وكافة القوانين المقيدة للحريات والإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين وإلغاء جميع أنواع التجسس على المواطنين.
"5- توحيد كفاح الشعبين المصري والسوداني لطرد الاستعمار الانجلو أمريكي والاعتراف بحق تقرير المصير للسودانيين بعد طرد الاستعمار.
"6- حماية الصناعات الوطنية من هجوم رؤوس الأموال الأمريكية ومقاومة مشروع النقطة الرابعة.
"7- التحرر من سيطرة الاستعمار على سوق القطن المصري.
"8- الاعتراف للعمال الصناعيين والزراعيين بحقهم في تكوين نقاباتهم واتحاداتهم العامة بعيدا عن تدخل البوليس السياسي.
"9- تقرير حق المصريين جميعا في التعليم في جميع المراحل مجانا."
هذه هي الأهداف التي أعلنتها الجبهة في بياناتها. وبسببها قرر مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 التنكيل بمنظمة حدتو والذين تحالفوا معها وتقديمهم إلى محكمة الثورة.
تعذيب وتهديد بالشنق:
تولت المخابرات العامة مسئولية هذه القضية. لكن المباحث العامة شاركت في بعض النواحي. وقد اشترك في الإشراف على القضية أربعة ضباط من المخابرات قام البعض منهم بإلقاء القبض على المتهمين. والضباط الأربعة هم: ابراهيم بغدادي، أحمد محمود، محي الدين أبوالعز وكمال رفعت. وأصبحوا فيما بعد من كبار رجال الدولة باستثناء أحمد محمود الذي توفى مبكرا. والجدير بالذكر أن هذا الشخص شارك بشكل مباشر في تهديد المعتقلين وتعذيبهم.
تعرض المتهمون للتعذيب منذ لحظة دخولهم السجن الحربي. لكنه تصاعد في 16 ديسمبر، أي في اليوم التالي مباشرة ليوم 15 ديسمبر1953 الذي تم فيه القبض على قضية جديدة ضمت عددا من أعضاء حدتو. وكنت من بين الذين تم القبض عليهم في ذلك اليوم بمسكني في حي الظاهر بالقاهرة، وكان يقيم معي الزميل محمد خليل قاسم متخفيا عن أعين البوليس. وكان هو المسؤول عن مجلة حدتو الحزبية التي تصدر سرا. كما قام بعد ذلك خلال فترة سجنه بالواحات بتأليف رواية "الشمندورة" عن النوبة. تم القبض علينا معا وزميل ثالث سوداني. وفي ذلك اليوم تم أيضا القبض على الزميل فتحى داوود. ووجدوا معه رسالة مهربة من السجن الحربي مرسلة من حميدو، أي محمد شطا. لذلك تصاعدت بدءا من اليوم التالي 16 ديسمبر1953 جرعات التعذيب عقابا وانتقاما. وتم ضرب المعتقلين بشكل همجي. كما تم ضرب الحراس أيضا بسبب الشك بأن أحدهم قام بتهريب الرسالة إلى خارج السجن. وحاولت إدارة السجن معرفة الطريقة التي تم بها تهريب الرسالة. وتم استكتاب محمد شطا ولم يثبت أن الرسالة بخط يده. فقد كتبها بيده اليسرى. ولم يصل التحقيق الذي أجروه إلى معرفة طريقة تهريب تلك الرسالة.
تستند المعلومات عن التعذيب إلى ما كتبه بعض الذين تم تعذيبهم وإلى ما جاء في محاضر تحقيق النيابة العسكرية، وإلى ما دار في جلسات محاكمة بعض المتهمين. وسوف نستند على وجه التحديد إلى أقوال د. شريف حتاتة أمام النيابة العسكرية علاوة على دفاع كل من محمد شطا وزكي مراد وناعومي كانيل أمام محكمة اللواء فؤاد الدجوي العسكرية. وقد تعرضوا جميعا للتعذيب باستثناء ناعومي كانيل التي حملت بعد إسلامها اسم ماجدة عبدالحليم والشهيرة باسم ميمي. وكانت محبوسة في سجن مصر. وقد احتج هؤلاء أثناء تحقيق النيابة معهم وأثناء جلسات المحاكمة على التعذيب البشع الذي تعرض له المتهمون. وفي سياق ذلك أشاروا بوجه خاص إلى ما تعرض له الشاعر كمال عبدالحليم عضو لجنة حدتو المركزية والمسؤول عن مكتب الأدباء والفنانين من جرعات مكثفة من التعذيب أدت إلى اختلال في قواه العقلية. فقد أصيب حسبما قال هو شخصيا باختلاط في الحواس وجرت معالجته بالصدمات الكهربائية في المستشفي العسكري أثناء اعتقاله. وأشار كمال عبدالحليم نفسه إلى ذلك في إحدى قصائده. وتحتوي المقدمة الطويلة التي كتبها لتلك القصيدة على معلومات عما أصابه من اختلاط في الحواس لم ترد في المراجع المتاحة.
مجلس قيادة ثورة يوليو1952 يأمر بالاعتقال وتقديم القضية إلى محكمة الثورة:
في بداية شهر نوفمبر1953 اتخذ مجلس قيادة ثورة 23 يوليو1952 قرارا بمحاكمة بعض قادة حدتو وكوادرها أمام محكمة الثورة. وهي محكمة تشكلت في أعقاب ثورة يوليو وقامت بمحاكمة بعض الشخصيات التي تنتمي إلى فترة ما قبل الثورة. وفي يوم3 نوفمبر1953 تم بناء على قرار من مجلس قيادة الثورة أيضا القبض على عدد من أعضاء حدتو وحزب الوفد والحزب الاشتراكي بتهمة تشكيل "الجبهه الوطنية الديمقراطية" بهدف إسقاط الحكومة. وكان عدد الذين شملهم هذا الأمر21 شخصا من بينهم أربع سيدات تم حبسهن في سجن مصر. وتم حبس الرجال بالسجن الحربي. وكانت التهمة هي تشكيل جبهة لقلب نظام الحكم. وضمت قائمة المقبوض عليهم: شريف حتاتة، ابوبكر حمدي سيف النصر، سعد كامل، ألبير آرييه، حليم طوسون، أحمد فخري نجيب، أنور مقار فلتس، محمد فؤاد منير، عثمان غالب طلبة، الضابط مصطفى كمال صدقي، عبدالرحيم صدقي، ابراهيم فاروق حافظ، وابراهيم يونس وآخرين. والسيدات هن: ناعومي كانيل، وماري روزنتال، وسميرة الصاوي والراقصة الشهيرة تحية كاريوكا.
وتجدر الإشارة إلى أن تلك االقائمة ضمت أعضاء من أحزاب أخرى بجانب أعضاء حدتو. فمن حزب الوفد نجد أبوبكر حمدي سيف النصر. وتم بعد ذلك ضم وفديين آخرين للقضية من بينهم حنفي الشريف. وقد اعتقل في يناير1953 وأفرج عنه ثم أعيد اعتقاله في أغسطس. وضمت القائمة من الحزب الاشتراكي ابراهيم فاروق حافظ وابراهيم يونس. ومن الحزب الوطني أحمد فخري نجيب، وهو مدير مكتب فتحي رضوان رئيس الحزب الوطني. ولم يكن فتحي رضوان معارضا بل على العكس من ذلك.
في أعقاب عملية القبض والحبس بالسجن الحربي تم ضم كمال عبدالحليم وأحمد الرفاعي إلى تلك القضية وجرى نقل كل منهما من مكان اعتقاله إلى السجن الحربي. وكان قد تم اعتقالهما تباعا في الشهور الأولى من عام1953. كما تم ضم محمد شطا وجرى نقله من سجن مصر إلى السجن الحربي. وكان قد ألقي القبض عليه في 24 أكتوبر1953. وتم أيضا ضم أحمد طه ومحمد خليل قاسم. وهما من الذين تم القبض عليهم في حملة 15 ديسمبر. أما فتحي داوود الذي ضبطت معه الرسالة التي أرسلها إليه محمد شطا سرا من السجن الحربي فقد تم ضمه إلى قضية ضمت 44 عضوا في حدتو كان المتهم الأول فيها سيد سليمان رفاعي الذي كان سكرتيرا لحدتو. وبالنسبة لي شخصيا تم ضمي إلى قضية ثالثة كان بين المتهمين فيها رفعت السعيد وعدد من الزملاء السودانيين وبعض الوفديين. وينبغي توضيح أن عام 1953 كان أكثر الأعوام التي شهدت تقديم أعداد كبيرة من رفاق حدتو إلى المحاكمة في عدة قضايا. وجرت محاكمتهم في1954و1955. وصدرت ضد معظمهم أحكام قاسية.
تعرض رفاق حدتو في قضية الجبهة بالسجن الحربي لعمليات تنكيل وتعذيب كان من بين أهدافها انتزاع اعترافات تبرر المحاكمة أمام محكمة الثورة وإصدار أحكام بالإعدام. وشمل التعذيب الضرب الدائم وتقييد الأرجل واليدين بالحديد من الخلف، والتهديد بالقتل والشنق سرا. لكن تطورات الأحداث أدت في بداية مارس1954 إلى تحويل القضية من محكمة الثورة إلى محكمة عسكرية خاصة.
ولم يكن هذا التحويل بعيد الصلة عن التطورات السياسية في ذلك الحين. ففي اليوم التالي لتخلي محكمة الثورة عن القضية أصدر مجلس قيادة الثورة قرارت 5 مارس الشهيرة ذات التوجه الديمقراطي. فقد نصت على:
1- اتخاذ اجراءات فورية لانتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور على أن تنعقد في يوليو1954.
2- إلغاء الرقابة على الصحف.
3- إلغاء الأحكام العرفية قبل انتخابات الجمعية التأسيسية.
صدرت هذه القرارات نتيجة أزمة سياسية أعقبت استقالة محمد نجيب من رئاسة الجمهورية علاوة على ضغط من سلاح الفرسان الذي كان ضباط حدتو لهم نفوذ سياسي بداخله. وقد أدت استقالة نجيب إلى قيام مظاهرات صاخبة تطالب بعودته. وبلغت تلك المظاهرات ذروتها يوم 26 فبراير1954 بميدان عابدين. في هذا السياق أصدر مجلس قيادة الثورة قرارات 5 مارس ذات الطابع الديمقراطي. وعلاوة على ذلك اتخذ مجلس الثورة في 25 مارس تحت ضغط من سلاح الفرسان قرارات أخرى نصت على:
1- عودة محمد نجيب للرئاسة.
2- يشكل خالد محي الدين حكومة انتقالية لمدة 6 شهور.
3- تقوم الحكومة الانتقالية بإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية لتضع دستورا دائما.
وقد تضمنت القرارات بندين آخرين لم يطالب بهما سلاح الفرسان. وهما حل مجلس قيادة الثورة وعودة أعضاء هذا المجلس إلى وحداتهم العسكرية. لكن بعد أيام معدودة قام المجلس نفسه في نهاية الشهر بإلغاء قرارات 5 مارس و25 مارس. وانتهي شهر الأحلام الديمقراطية. واستقال خالد محي الدين من مجلس قيادة الثورة.
بعد تخلي محكمة الثورة عن القضية وتحويلها إلى محكمة عسكرية جرى نقل المتهمين من السجن الحربي يومي 16 و17 مارس 1954. وقد شعرنا بدرجة من الاطمئنان على هؤلاء الرفاق عندما استقبلناهم بسجن مصر. وكان محبوسا به عدد كبير من أبناء حدتو. لكن على الرغم من محاكمتهم أمام محكمة عسكرية وليس محكمة الثورة فقد صدرت ضدهم أحكام بأقصى العقوبات. فقد صدر حكم بالأشغال الشاقة مدته عشر سنوات ضد كل من محمد شطا وشريف حتاتة وحليم طوسون. وحكم بالأشغال الشاقة لمدة ثماني سنوات ضد كل من زكي مراد ومحمد خليل قاسم وألبير آرييه وناعومي كانيل. وتراوحت الأحكام الباقية ما بين خمس سنوات وسنتين. وصدر الحكم بخمس سنوات ضد كل من أحمد طه، سعد كامل، ماري روزنتال، وعثمان غالب طلبه. وصدر حكم بمدة عامين على الوفدي أبوبكر حمدي سيف النصر.
حول قرار محكمة الثورة تحويل القضية إلى محكمة عسكرية:
جاء في محضر تحقيق النيابة العسكرية مع الرفيق شريف حتاتة بالسجن الحربي يوم 6 نوفمبر1953 أنه رفض الإجابة على أسئلة النيابة احتجاجا على التحقيق معه بواسطة النيابة العسكرية. وجاء في ذلك المحضر ما يلي: "مثل شريف حتاته بتاريخ 6/11/1953 أمام النيابة بالسجن الحربي فسأل وكيل النيابة عما إذا كان يمثل أمام النيابة العسكرية فأجاب بالإيجاب وأوضح للمتهم أنه قبض عليه بناء على أمر من مجلس قيادة الثورة، فقال شريف حتاته: أنا أقول إن اجراءات القبض والتفتيش والإجراءات العسكرية التي تتم بعد القبض والتفتيش لا تعطي ضمانات للمتهم. وعلى هذا فهو ممتنع عن الإجابة في التحقيق ويحتفظ بحقه في الإجابة وقت المحاكمة، وأنه يرى أن الغرض من هذه الإجراءات هو القضاء على المقاومة التي يبذلها الوطنيين ضد سياسة التهادن مع الاستعمار وضد سياسة المفاوضات وضد سياسة منع استئناف الكفاح المسلح في القنال، لأن الضمان الوحيد للشعب في كفاحه ضد المستعمر هو أن يكون متمتعا بكامل حريته. وأضاف أنه مهما يكن مصيره فلن يتنازل عن معارضته لسياسة تؤدي بالشعب إلى الوقوع أكثر فأكثر في قبضة الاستعمار وإلى الإلقاء به في حرب سيموت فيها الملايين من أبنائه وأطفاله، فسأله المحقق وهل عرف التهمة الموجهة إليه حتى يمتنع عن التحقيق، فقال ليس من الضروري أن يعرف التهمة ويكفيه أن يحضر رجال البوليس السياسي والمخابرات بالحجرة المحبوس فيها بالسجن الحربي ويهددوه بالشنق سرا وتوجيه تهمة الاشتراك في مؤامرة لإحداث انقلاب".
وبعد محاورة النيابة مع شريف حتاتة حول مواقفه السياسية جاء في نهاية المحضر في ذلك اليوم ما يلي: "وذكر شريف حتاته في نهاية التحقيق أنه موضوع في السجن الحربي في غرفة انفرادية لمدة 24 ساعة في اليوم دون فسحة بالحديد الخلفي... وطلب أن يمكن من الفسحة ومن الاستحمام وأن يرفع الحديد الخلفي".
بعد أن أحالت محكمة الثورة في بداية مارس 1954 القضية للنائب العام للتصرف فيها هي والقضايا المرتبطة بها قامت النيابة بالتحقيق مرة أخرى مع شريف حتاتة. وجاء في المحضر ما يلي: "ولما كان قد ورد إلى النائب العام خطاب من رئيس محكمة الثورة مؤرخ 4/3/1954 يحيط فيه أن محكمة الثورة قد قررت إحالة القضية رقم 1519 سنة 1953 والقضايا المرتبطة بها والتي كان مقررا تقديمها إلى محكمة الثورة إلى النيابة العامة والتصرف فيها وإحالتها إلى المحكمة العسكرية والخطاب موقع من قائد الجناح رئيس محكمة الثورة فقد قامت النيابة بإعادة سؤال الدكتور شريف عبدالله حتاتة، وسألته عما إذا كان لا زال مصرا على موقفه من الامتناع عن التحقيق ومقاطعة النيابة العسكرية فقال إنه يرغب في الإدلاء ببعض أقوال جديدة".
تحدث شريف حتاتة عن التعذيب. وجاء في محضر التحقيق أنه تعرض "في فترة وجوده بالسجن الحربي لمعاملة أقل ما يقال عنها أنها شاذة إذ وضع بالسجن الانفرادي المطلق لمدة أربعة أشهر محروما من جميع وسائل تمضية الوقت مثل القراءة والكتابة وقراءة الصحف كما منع من الزيارة ومن أي وسيلة للاتصال بعائلته أو بمحام وضرب عدة مرات ضربا مبرحا، وكبل بالحديد الخلفي والحديد في الأرجل وهدده ضابط المخابرات أحمد محمود بالشنق وبالاعتداء الجنسي وبالانتقام من عائلته إن لم يدل بالأقوال التي يريدها".
وجاء في نهاية هذا التحقيق المطول ما يلي: "ثم قال إنه يريد أن يقول إن أساليب التعذيب التي اتبعت مع المتهمين في هذه القضية قد أدت إلى إصابة أحد الزملاء وهو الأستاذ محمد كمال عبدالحليم باختلال في قواه العقلية وعولج من هذه الحالة بالصدمات الكهربائية في المستشفى العسكري. هذا بالإضافة إلى إصابة بقية المتهمين بدرجات متفاوتة بحالات عصبية وجسمانية قد يحملونها معهم طيلة العمر".
من أقوال محمد شطا أمام محكمة الدجوي العسكرية:
أوضحنا من قبل أن محمد شطا تم القبض عليه يوم 24 أكتوبر1953. ونشير هنا إلى أنه نقابي من عمال النسيج. وكان في أربعينات القرن العشرين وتحديدا خلال السنوات 1945-1946 من زعماء منطقة شبرا الخيمة العمالية. كما كان عضوا في اللجنة المركزية لمنظمة حدتو منذ عام1947. وتم اتهامه في هذه القضية بأنه المسئول التنظيمي للجبهة الوطنية الديمقراطية وبأنه أيضا المسئول التنطيمي للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني – حدتو. كما تم اتهامه بالتحضير لاستخدام بالونات في توزيع منشورات.
تعرض شطا للتعذيب بالسجن الحربي خلال الفترة ما بين نوفمبر1953وفبراير1954. وشملت عملية التعذيب الضرب والتهديد بالقتل والشنق وتقييد القدمين بالحديد وتقييد اليدين من الخلف. تلك هي أشكال التعذيب التي تعرض لها الجميع باستثناء المتهمين الذين ينتمون إلى حزب الوفد، وعلى رأسهم حنفي الشريف وأبوبكر حمدي سيف النصر. فلم يتم تعذيب هؤلاء. وكان من دوافع التعذيب الوحشي انتزاع اعترافات تبرر إعدامهم. وكانوا أبطالا ولم يهابوا الموت.
كتب محمد شطا دفاعا مطولا يتكون من 39 صفحة بخط صغير تمكن من إلقاء بعض صفحاته أمام المحكمة. وتم تهريبها من سجن مصر. وهذه الصفحات مكتوبة على ورق أرز خفيف. وقد حصلت على صفحات الدفاع كاملة عام1992 من أرشيف مجموعة روما التابعة لحدتو في باريس. كما حصلت أيضا على دفاع زكي مراد ودفاع ناعومي كانيل ويشمل سردا لوقائع محاكمتها خلال ثلاث جلسات.
تحدث شطا في دفاعه عن التعذيب الذي تعرض له هو ورفاقه. وقال على سبيل المثال: "لقد تعرضت بوجه خاص لحملة وحشية من التعذيب المستمر بدأت من لحظة دخولي باب السجن الحربي. لقد فتشوا ملابسي بطريقة استفزازية وعروني من جميع ملابسي ما عدا الكلسون وفي عز الشتاء وبرده القارس وذلك في جو من الشتائم، واجبروني على الجري حافيا في القشلاق حاملا حذائي في إحدى يدي وثيابي في يدي الأخرى. ثم أدخلوني العنبر حيث غلوا قدمي ويدي بسلاسل الحديد من الخلف وأدخلوني الزنزانة وسط أقذع أنواع الشتائم والتهديدات والإنذار بالقتل والشنق والاعتداء الجنسي في حالة عدم اعترافي بما يملى علي وتنفيذ كل ما يريدونه". وأضاف "كنت أذهب للتحقيق حافيا شبه عاري ومجبر على الجري ورجلي ويدي في الحديد من الخلف".
احتج شطا اثناء التحقيق على التعذيب ورفض التوقيع على المحضر. وقال في هذا الصدد: "من أول لحظة حقق فيها معي كانت الفلكة آلة التعذيب موجودة في حجرة وكيل النيابة أثناء التحقيق وفي ظل وجود عبدالرحمن عشوب ضابط البوليس السياسي".
لقد أدى التعذيب وقسوته إلى اعتراف البعض. ومن بينهم اثنين من الأطباء.
تناول شطا هذا الأمر في مذكرة دفاعه أمام المحكمة العسكرية قائلا: "ونظرة عابرة للمعترفين تثبت أن كل اعترافاتهم لا قيمة لها قانونا ولا يمكن أن تتخذ شبه قرينة ضدي. فإن فؤاد منير لم ينطق بما يسمونه اعترافات إلا بعد تعذيب متواصل دام ثلاثة أيام كان فيها مقيدا بالحديد من اليدين والرجلين. وعثمان غالب لم يدل بما ِأدلى به إلا بعد 20 يوما من التعذيب المستمر وهو مريض بالسل". وقال شطا أيضا إن "كل المعترفين لم يدلوا بأقوالهم الكاذبة إلا تحت تأثير السلاسل الحديدية وضرب السونكي والحبس الانفرادي والضرب المبرح". ثم قال إن التعذيب لم يقتصر على هؤلاء. فقد تعرض له جميع المتهمين ووصفهم بالأبطال. وقال "إن أحد هؤلاء الأبطال هو كمال عبدالحليم الذي عذب حتى أصيب بالجنون وتقرير طبيب المستشفى العسكري يثبت ذلك".
تهديد زكي مراد أيضا بالشنق:
المعلومات الواردة هنا مستمدة من مذكرة تتكون من 12 صفحة أعدها زكي مراد للدفاع عن نفسه في محكمة الدجوي العسكرية. وجاء فيها أنه تم القبض عليه يوم 26 نوفمبر1953 ليلا. وتم حبسه مباشرة بالسجن الحربي فجر27 نوفمبر في غرفة مظلمة. كما قال إنه تعرض بدءا من16 ديسمبر1953 إلى "تعذيب ودق الحديد في الأرجل والأيدي". كما أضاف: "دعيت مرة أخرى إلى التحقيق. ولكن هذه المرة لم أجد إلا أحد رجال المخابرات وهو أحمد محمود الذي أخذ يلح على أن أقول شئ ويغريني مرة بالإفراج ويهدد مرة ثانية بالتعذيب. ولما وجد مني استهتارا بحبال المشنقة التي يلوح بها- حبال محكمة الثورة المزعومة- أعادني إلى الزنزانة المظلمة. وهكذا قضينا قرابة شهر في زنزانة مظلمة لا نقرأ . لا نكتب. ولا نتكلم. ولا حتى نبتسم".
التحقيق مع ناعومي كانيل التي حملت اسم ماجدة عبدالحليم وشهرتها ميمي ومحاكمتها:
نستند هنا إلى محضر تحقيق النيابة معها وإلى تقرير عن المحاكمة ودفاعها عن نفسها. وبه أشارة إلى مرافعة المحامين. وقد تم تهريب ذلك التقرير من عنبر النساء بسجن مصر. وحصلت عليه من أرشيف مجموعة روما هو ومذكرة دفاع كل من محمد شطا وزكي مراد. جاء في محضر التحقيق مع ناعومي التي تحمل أيضا اسم ماجدة عبدالحليم والشهيرة بميمي ما يلي:
"انتقل وكيل أول نيابة أمن الدولة الأستاذ علي نور الدين إلى سجن مصر في صباح يوم السبت 7 نوفمبر سنة 1953 ومعه اليوزباشى أحمد محمود من المخابرات الحربية واليوزباشى محمود يونس من إدارة المباحث العامة كما حضر التحقيق الأستاذ أحمد فؤاد سري رئيس نيابة أمن الدولة وذلك لسؤال ناعومي كانيل وماري روزنتال."
وفيما يتعلق بناعومي قرأنا ما يلي في محضر التحقيق:
"وعندما وجه إليها المحقق اتهام الاشتراك في منظمة شيوعية هي حدتو تدعو إلى قلب نظام الحكم بالقوة أجابت بأن الشئ الوحيد الذي يمكنها أن تقوله إنها تريد الخير للشعب المصري بأن يحقق حياة ديمقراطية حرة بدون معتقلات أو سجون ومن غير قضايا ومن غير مهزلة محكمة الثورة ومن غير أحكام عرفية. كما أنها تريد حياة برلمانية ودستور وحياة كريمة للشعب تقوم على أساس حرية الرأي لكي يتمكن كل فرد من أن يقول ما يشاء سواء في الصحف أو غير الصحف".
وجاء في محضر التحقيق أيضا:
"وعندما سألها المحقق ألا ترين أن الحكومة الحالية تعمل على طرد الاستعمار، أجابت أن ما تراه حاليا أن هناك استعمار في القنال وأن هناك مفاوضات مثلما كان في العهود السابقة، ولو كانت الحكومة جادة في طرد الاستعمار لكانت أول الأشخاص التي تناصر الحكومة وتؤيدها بشرط أن تتوافر الحريات وترفع الأحكام العرفية".
تكشف هذه التحقيقات عن شخصية ناعومي وموقفها السياسي. وهو موقف يعبر عن مواقف حدتو المنظمة التي تنتمي إليها. ولم تكن المرة الأولى التي تواجه ناعومي السجن. فقد عرفته أيضا في عهد الملك فاروق. فقد سبق القبض عليها يوم26 أبريل1949. وصدر ضدها حكم في 7 أبريل 1951 بالحبس ثلاث سنوات. وأفرج عنها بعد انتهاء مدة العقوبة في 26 أبريل1952. وصدر قرار بإبعادها من مصر وغادرت فعلا. لكنها عادت سرا. وزاولت نشاطها في حدتو وقبض عليها في 3 نوفمبر1953. وأصدرت محكمة الدجوي العسكرية حكما ضدها بالسجن مدته ثماني سنوات. وبعد أن أنهت مدة الحكم تم إبعادها إلى الخارج.
حملت هذه القضية، أي قضية الجبهة، رقم 264 عسكرية عليا عام 1954. وترأس المحكمة اللواء فؤاد الدجوي. وجرت المحاكمة سرا وعلى انفراد. أي تم محاكمة كل متهم في القضية على انفراد بعيدا عن بقية المتهمين. واستغرقت محاكمة ناعومي ثلاث جلسات في 25 يوليو و26 يوليو و 18 يوليو1954.
سماع الشهود بالجلسة الأولى:
بدأت الجلسة بسماع شهادة د. فؤاد منير: وهو طبيب من اسكندرية كان متهما في القضية. قال إنه لا يعلم شيئا عن ميمي سوى أنها زوجة كمال عبدالحليم عضو اللجنة المركزية. ثم قال إن ميمي حاولت التأثير على ريمون لكي يسحب اعترافاته. وتلى ذلك شهادة ريمون خرستوف. وقال ردا على سؤال اللواء فؤاد الدجوي رئيس المحكمة إن ميمي طلبت منه سحب اعترافه لأنه غير مشرف وخاطئ ولا يجب اتخاذه. فقال له الدجوي: ولما رفضت شتمتك صحيح يا ريمون وقالتلك إخص عليك؟ هنا طلب المحامي عادل أمين شهادة أحد المتهمين وهو الزميل سعد الدين كامل كشاهد نفي. لكن المحكمة رفضت.
الجلسة الثانية:
بالإضافة إلى الأقوال العادية شن المدعي العام هجوما على ميمي بصفتها أجنبية، وحاول التشكيك في إسلامها وأنها تستغله لمصلحتها بالنسبة للمحاكمة. وأضاف أنها تتستر وراءه بالنسبة للشيوعية. كما هاجمها في حياتها الخاصة والعامة. وطلب بترها نهائيا من المجتمع. وكان المدعي قد بدأ مرافعته بثناء مفتعل قائلا: إنني لو كنت ماركسيا لقدرت ناعومي ونضالها وموقفها أثناء التحقيق. ثم أضاف: والله كنت هأقدرك أشد التقدير.
لكنه أنهى المرافعة مطالبا ببترها.
هنا وجه الدجوي كلامه إلى ناعومي وسألها: عندك كلام؟
وجاء رد ناعومي: نعم. نعم يا أفندم.
الدجوي: تفضلي.
قالت ناعومي: كنت أتوقع أن أسمع هذا الكلام الذي قاله المدعي العام. وأنا لا أخفي عنكم أصلي الأجنبي.. ووجهي يدل على ذلك. وكذلك لهجتي. ولكن المهم أنني مصرية ولدت بالاسكندرية بحي محرم بك.. ولدت وكبرت بالاسكندرية، ووالدتي مدفونة في الأرض المصرية. ثم تزوجت مصريا. وهو الأستاذ محمد كمال عبدالحليم. وبدون شك إن هذا الزواج قد عزز ارتباطي بالشعب المصري. ثم أسلمت. ولكني لم أفعل ذلك لكي التمس منكم رحمة. إن اسلامي مسألة خاصة بي وحدي. وأنتم أنفسكم تقولون "الدين لله والوطن للجميع"... أنا أعرف الشعب المصري وأحبه وأحب كل تقاليده.. أحب المقاهي وصوت الراديو العالي الذي يملأ الليالي. هذه هي الوطنية الحقيقية، الحب العميق للشعب ولكل ما يخص الشعب.
واصلت دفاعها قائلة: أريد أن أقول لكم إن اليوزباشي أحمد محمود قال لي في مبنى ادارة المباحث العامة فجر يوم 3 نوفمبر1953 تفضلي. ثم اقترح علي أن أساعد نفسي وأن أساعدهم، أي المخابرات. ولو أنني قبلت التعاون لكان لي مركزا كما قال لي. ولم يثر وقتئذ اطلاقا مشكلة أجنبية أو يهودية. ولكنني اخترت الطريق الثاني. وهو الطريق السليم في اعتقادي، وهو طريق العذاب والسجن والحكم، ولكن في سبيل خدمة الشعب. ولما اخترت هذا الطريق أثار المدعي العام موضوع الأجنبية واليهودية. فهو إذن سلاح يستعملونه متى يشاءون ولا يستعملوه متى يشاءون أيضا. ولكني أعلم تماما غدا سيعلم الشعب المصري من كانوا أصدقاءه الحقيقيين ومن هم أعداءه. وأستطيع أن أعرض على أي واحد من حضراتكم أن يذهب إلى عنبر النساء بسجن مصر ويسأل أي سجينة من الستمائة الموجودات هناك ما رأيها في ماجدة أو في ميمي. اعتقد إن الرد سيدلك على أني لا احتقر الشعب ولست بعيدة عنه. بل بالعكس فأنا جزء لا يتجزأ منه. وأنني لست ضيفة كما قال المدعي العام. وكل المسائل مثل الإفراج عن المعتقلين وغير ذلك من المسائل تمسني تماما باعتباري سيدة مصرية وزوجة وأم في المستقبل.
وجه اللواء الدجوي رئيس المحكمة إليها الكلام قائلا: مطلوب أن تردي على مسائل أخرى ذكرها المدعي؟ فقالت أرجوك يا أفندم لما أكمل الدفاع لأن الرد بيقطع أفكاري. ثم قامت بالرد على المدعي بخصوص هنري كورييل. فقالت لم يسبق لي أن تعرفت بهذا السيد، ولكني سمعت عنه أنه مواطن مخلص ضحى بكل شئ في سبيل القضية الوطنية، وفي سبيل الشعب المصري، وأنه قد أبعد من الأراضي المصرية إبعادا غير قانوني إذ سحبت منه جنسيته المصرية في1950، ورفع قضية أمام مجلس الدولة ولا تزال القضية منظورة، إن المدعي والشهود يقولون أني على صلة بهنري كورييل. وهنا أسألكم هل ورد اسم هنري كورييل في المضبوطات التي قيل أنها ضبطت لدي؟
في النهاية قالت أريد أن أسجل مرة أخرى احتجاجي على تقديمي للمجلس العسكري ومحاكمتي محاكمة سرية انفرادية. فقال لها رئيس المحكمة تفضلي. هنا عبرت عن رفضها لهذه المحكمة. واحتجت أيضا على تعذيب المعتقلين بالسجن الحربي بوجه عام وعلى تعذيب كمال عبدالحليم بوجه خاص مما أدى إلى جنونه. كما طلبت من هيئة المجلس ضم أوراق التحقيق الذي أجرته نيابة أمن الدولة بخصوص التعذيب.
الجلسة الأخيرة يوم 28 يوليو 1954:
فتحت الجلسة وطلبت ميمي أن تسجل كلمة. وقالت أريد أن أسجل معارضتي للمعاهدة الجديدة مع بريطانيا التي لا تمثل الشعب لأن فيها قيود وشروط مثل رجوع الجيوش البريطانية في حالة الاعتداء على تركيا. هنا زأر الدجوي قائلا "هذا كلام فارغ. مش هنسجل الكلام الفارغ ده. متسجلش". ولم يمكنها من مواصلة تسجيل احتجاجها.
بعد ذلك ترافع عادل أمين المحامي ردا على النقاط التي أثارها المدعي العام. وفي آخر مرافعته قال إن ناعومي وجميع المتهمين في هذه القضية يعلنون دائما أنهم ضد أي اتفاق مع الانجليز. هنا صاح اللواء الدجوي مرة أخري وقال "مش هنتكلم عن الموضوع ده. ولو اتكلمت راح استغنى عنك. فاهم". فاضطر عادل أمين أن ينهي مرافعته. والجدير بالذكر أن عادل أمين المحامي كان زميلا لكمال عبد الحليم في أربعينات القرن العشرين بكلية الحقوق جامعة القاهرة. وكان عضوا في خلية ومسؤول هذه الخلية هو كمال عبدالحليم. وكانت تابعة لمنظمة حمتو السابقة على حدتو. وضمت تلك الخلية أيضا: عبدالعزيز بيومي ومحمود توفيق وكامل زهيري الذي أصبح فيما نقيبا للصحفيين.
بعد مرافعة عادل أمين قام نبيل النجار المحامي المنتدب من الحكومة. وقبل أن يبدأ مرافعته شرع في تسجيل موافقته التامة وإعجابه وتأييده للمعاهدة الجديدة فقاطعته ناعومي من القفص قائلة: المفروض يا أستاذ أن تدافع عني. لكنه استمر فقالت له ميمي سجل هذا باسمك الشخصي لأن هذا التأييد لا يمثل وجهة نظري. هنا التفت اللواء الدجوي إلى كاتب الجلسة وقال له اكتب شخصيا. ثم انتقل المحامي للدفاع عن ميمي. ولم يقتصر على ذلك بل دافع عن جميع المتهمين. كما لم يكتف بطلب البراءة لميمي بل طلب تعويضها أدبيا بعد أن قال أنها ليست خائنة للوطن وإنما مواطنة مخلصة صلبة.
كلمات وقصائد كمال عبدالحليم عن ناعومي. ماجدة. ميمي:
كان كمال عبدالحليم يخاطب ناعومي دائما باسم ماجدة. وقد أشار إليها في أربع قصائد. واحدة في عام1951 واثنتين في1952. والرابعة في عام 1955 بعد خروجه من السجن الحربي. وكانت ماجدة وقت كتابة القصائد الثلاث الأولى في السجن تقضي عقوبة مدتها ثلاث سنوات في قضية انضمامها لمنظمة حدتو. وأثناء كتابة القصيدة الرابعة كانت أيضا في السجن تقضي عقوبة مدتها ثماني سنوات في قضية الجبهة الوطنية الديمقراطية. والقصائد الأربعة منشورة ضمن أعماله الشعرية إصدار المجلس الاعلى للثقافة عام2008، أي بعد وفاته بأربع سنوات. والقصيدة الأولى عنوانها "حمي". وقال كمال في تقديمه تلك القصيدة:
"الشاعر تعصف به حمى حقيقية. والآم جالسة أمامه عاجزة عن عمل شئ، وهي لا تكاد تراه!! وأخوه الأصغر ينفذ حكما قاسيا بالسجن يأكل شبابه الغض فاق آخرين في السجون. ومن بينهم "ماجدة" حبه الذي كان مشروع زواج لم يتم رغما عنهما، وكانت مناضلة وعازفة ماهرة للكمان". وجاء في هذه القصيدة:
وأخي في الظلمة لم تصله صرختي
وأنا .. وحدي .. أرى في دموعي .. زوجتي
فتنة هوجاء .. تعصف في الزنزانة
وكمان أسكتوه .. فثارت ثورتي
كمموا أوتاره .. بأكف السطوة
كما قال في تقديمه لقصيدة "لا تنامين": "يخاطب الشاعر ماجدة مرة أخرى". ثم يبدأ مطلع القصيدة بما يلي:
لا تنامين.. وعيني لا تنام
ولم يعد يجمعنا إلا الظلام
نحن فيه شعلتان من غرام
نشعل الليل دموعا وابتسام
وحنينا للحياة في سلام
لا تخالي .. أننا لن نلتقي
في صباح مستقل مشرق
نابع من جوف ليل ضيق
نحن لا نرضى بسجن مغلق
نحن لا نرضى بقلب مرهق
في سلام مستبد مطبق !!
نحن لا نرضى بألا نلتقي
لا تنامين.. وعيني ساهرة
كيف تغفو في بلاد ثائرة !!
كيف تغفو .. والذي فرقنا
وأحال العيش نارا ساعرة
أشعل النار.. بجوف القاهرة
يشير البيت الأخير إلى حريق القاهرة يوم 26 يناير عام 1952. وقد عاد كمال عبدالحليم إلى الحديث عن ماجدة مرة أخرى في قصيدة "3 أطفال". وقال في تقديمه لها:
"الطفل الأول لم ير أباه لأنه مات في مظاهرة سياسية قبل أن يولد". "والطفل الثاني ابن لسجين سياسي لا يرى أباه إلا من وراء القضبان حين تذهب الأسرة لزيارته". "والطفل الثالث تخيلته وابتكرته، فهو لم يولد بعد، ويريد أن يولد، ويخاطب المسئولين الذين يحرمونه حق الوجود، لأنهم يفرقون بين من يفترض أن يكون أباه ومن يفترض أن تكون أمه، اللذين تجمهما قصة حب غريبة ومشروع زواج لم يتم".
قالت القصيدة على لسان الطفل الأول:
أبي مذ ولدت له ... لم أره
وقالوا ... لقد ركب الطائرة
وسافر بالأمس ... في رحلة
إلى بلد ... اسمه الآخرة
ولما كبرت أشاروا إلى بناء .. وسموه لي مقبرة
وقالوا: هنا .. تحت هذا التراب أتينا بجثته الطاهرة
لقد مات .. تحت خيول الجنود
يردد صيحاته الثائرة !!
وتنتهي القصيدة بالأبيات التالية:
أبي لن أراه ... أبي لن يعود
ولكن صيحاته الثائرة
تردد .. نحن نريد الجلاء
جلاء عن النيل .. لا القاهرة
ثم نجد الطفل الثاني يخاطب أباه وراء أسوار السجن ويقول:
وماذا فعلت لهم يا ابي..
أكنت تنادي بعهد جديد !!

وكنت تطالب بأن نستقل
وألا نموت وألا نبيد
وكنت تهدد أمن العدو
وكنت تقدس أمن الشهيد
بعد ذلك يقول لنا الطفل الثالث:
أنا كائن بعد لم يخلق
أنا والورى بعد لم نلتق
أطاحوا بأمي في مغرب
ألقوا بأبي في لظى المشرق
وجاء أيضا بالقصيدة:
أبي استلهم الثورة الطالعة
وغنى لقبضاتها .. في الحقول
بين المصانع .. والجامعة
وغنى لأبطالها .. في السجون
يريدون حرية واسعة
وغنى لأبطالها .. في القنال
وهم يزحفون .. على أربعة
يريدون أن يجدوا في التراب
معالم حرية ضائعة
ويدفعهم حب هذا التراب
إلى غاصب .. ناصب مدفعه

أبي استلهم الثورة الطالعة
وغنى لأفواهها الجائعة
وأمي ضمت إلى صدرها
ضلوع الكمان .. وغنت معه
ذراع تحرك قوس الكمان
وأخرى .. أناملها المبدعة
فتخرج من جنبات الكمان
وأوتاره .. ثورة دافعة
<...>
وأمي مثل ابتسام الصغير..
يطل من الأعين الدامعة
وأعينها في إخضرار الحقول
بأعواد برسيمها اليانعة
وفي صوتها خفقات المياه
بأضلاع ساقية مسرعة
وفي كل نهد على صدرها
رحيق أحن لأن أرضعه
ولكني ... بعد ... لم أولد
فمالي من حاضر أو غد
ويأبى الوزير وأنصاره
ويخشون أن يشهدوا مولدي
تغنى هذا الطفل الذي لم يولد بعد بكل من الحب والثورة والمسجونين السياسيين وبالكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني في منطقة القنال. أما القصيدة الرابعة التي أشار فيها كمال عبدالحليم إلى ماجدة فقد جاءت تحت عنوان "إلى أن تتم". وقدمها بسطور مطولة وصف فيها ما أصابه نتيجة الحبس والتعذيب في السجن الحربي. كما وصف ذلك شعرا في القصيدة ذاتها. وفيما يلي بعض ما كتبه في تقديمه للقصيدة: "في السجن الحربي الذي سميته سجن حراء للوحدة القاتلة ولكن في خلوة اجبارية، لم أكن أسمع فيها إلا صوت أفكاري استبدت بي هلوسة فكرية وفلسفية مختلطة بأحلام سياسية فلا أسمع أصوات العالم خارجي، واستلزم هذا الاختلاط في الحواس علاجي بالصدمات الكهربائية. أنقل إلى المستشفى العسكري لتلقي الصدمة ثم يعودون بي بعدها".
بدأت القصيدة بالأبيات التالية:
في ضلوعي أمنيات تنطفئ
وبريق العين يكسوه الصدأ
ويهز البرد روحي بعد دفء
ودموعي أغنيات للملأ
وطريقي بالأفاعي يمتلئ
كلما أوشكت منه .. يبتدئ
وصف كمال عبدالحليم حالته قائلا:
عصف الداء برأسي والدواء
هو أن يصعق رأسي بالكهرباء
كما أشار في القصيدة إلى شقيقه الأكبر ابراهيم وهو الكاتب والناشر المعروف ومؤسس دار الفن الحديث للنشر في بداية خمسينات القرن العشرين ثم دار الفكر في 1955. وكان وقت كتابة القصيدة معتقلا في أوردي ليمان أبوزعبل. وأشارت القصيدة أيضا إلى كل من شقيقه الأصغر فؤاد وكان مسجونا بسجن جناح بالواحات وهو من خيام في الصحراء، كما أشارت إلى ماجدة. وذلك في الأبيات التالية:
ورفاقي لا يراهم بصري
وخيالي مائج بالصور
للذي غاب وراء الحجر
والذي في واحة كالخبر
والتي أنغامها في وتري
واختتم القصيدة بهذه الأبيات:
ورفاقي أسرفوا في خبري كورود..
أسفرت عن إبر
ودمي سال .. لحمر الزهر
وكأني كنت كل الخطر
لم أكن قلبا لجسم البشر
ورفاقي لا يراهم بصري
قال الشاعر إن قصيدته "بدأت شديدة القتامة على عكس شعري كله، ولكن القتامة بدأت تتحول إلى لحن واثق متفائل". وبعد فترة ليست طويلة قام بزيارة ماجدة بسجن القناطر حيث تقضي العقوبة التي قضت بها المحكمة العسكرية. وأبلغها أنه قرر الانفصال عنها. ولم يستمع لنصيحة زميلة كانت معه هي ديدار فوزي بأن يؤجل ذلك نظرا لظروف سجنها. وشكل هذا الأمر صدمة لها. وبعد انتهاء مدة سجنها تم ترحيلها إلى الخارج. وهاجرت إلى البرازيل. وعادت إلى زوجها السابق المهاجر هناك وكان مليونيرا.
القاهرة، د.أحمدالقصير



تعليقات الفيسبوك