وماذا عن المنظومة الاشتراكية زمن الراهن العربي؟


محمد بوجنال
2014 / 10 / 2 - 08:18     

وماذا عن المنظومة الاشتراكية
زمن الراهن العربي؟

لقد عاش العالم العربي حراكا تميز بمختلف أشكال الاحتجاجات على الفساد والتسلط والظلم وحافزه في ذلك الفقر خاصة منه المادي؛ إلا أنه حراك تم الالتفاف عليه من طرف إحدى فئات البورجوازية العربية نظرا لقوتها المادية والتنظيمية والتدعيمية المتمثلة في الإخوان المسلمين. إلا أن فشل الإخوان المسلمين بعد تسلم السلطة على الرغم من الدعم والتدعيم الأمريكي لهم توج بانتشار أشكال عدة من الجماعات الإرهابية فنكون قد انتقلنا من زمن الحراك بآلياته وأشكال تنظيمه إلى زمن ما بعد الحراك بآليات وأشكال تنظيمية أخرى تتميز بالإرهاب والظلامية وهو الوضع السائد اليوم. في ظل هذه التحولات العربية مضافا إليها الانهيار المدوي للاشتراكية السوفياتية وأروبا الشرقية، وجدت الحركة الاشتراكية نفسها في العالم العربي في وضع جد محرج: الضعف التكويني والتنظيمي بات واضحا، غلبة النضالي عن السياسي ، الارتباكات أصبحت طاغية والمواقف تخلخلت؛ فاختار البعض موقف الانسحاب، والبعض موقف المتفرج، والبعض الثالث موقف التسليم بصحة الأطروحة الرأسمالية، والبعض القليل موقف البحث عن آليات علاج الأزمة. وبالمجمل، يمكن القول أن هذه الأحزاب ، الاشتراكية والشيوعية على السواء قد تجاوزتها الأحداث وهو الوضع الذي يستدعي البديل المتمثل في ضرورة تهيئ وإعداد التجاوز الذي نقترح التعبير عنه في صيغة: المنظومة الاشتراكية الجديدة؛ تجاوز يكون بفعل العقل العربي المبدع، نقيض العقل المتحجر والمتجاوز، المدرك لمعنى قانون الجدل والتاريخ؛ إنه العقل الأنجع زمن أزمة الاشتراكية العربية الراهنة ومن المسلمات المعروفة أن بناء الزمن الاشتراكي الجديد ليس سوى إعادة بناء زمن المجتمع العربي الراهن بمختلف مكوناته وتناقضاته الممتدة ما بين انهيار المنظومة الاشتراكية السوفياتية وشكلي الحراك العربي – الحراك وما بعد الحراك – دون نسيان باقي المراحل. فضبط أزمة زمن الاشتراكية تلك يتطلب أولا ممارسة التشخيص الذي بدونه سنكون أمام العقل المتحجر والمتجاوز؛ ومن هنا أهمية مراكز الأبحاث ليمكن فهم وتحديد الآليات الكفيلة لممارسة التغيير من داخلها كزمن. ولا شك أن بناء الهيكل يقتضي استحضار مكوناته كوضع مجرد تم استنباطه من التاريخ ليعاد استثماره في التاريخ؛ وذاك قمة العقلانية في الفلسفة الاشتراكية؛ لذا، فبناء المنظومة الاشتراكية الجديدة، زمن المستجدات الراهنة، يتطلب، وبالضرورة، إعادة تحديد دلالات مكونات هيكلها بناء على قاعدة قانون الوجود الذي هو جدل التناقض في التاريخ أو قل جدل الصيرورة؛ مكونات تتمثل في ضبط الهدف وجدلية المنهج وصياغة التنظيم وكذا أساليب النضال والبرنامج السياسيين وأهمية الثقافة.
فالمنظومة الاشتراكية الجديدة تقتضي توضيح هدفها الاستراتيجي الأساسي المتمثل في الوصول السلمي للسلطة لإسقاط سلطة النمط الرأسمالي والريعي وفق القدرات والإمكانات الكامنة في المجتمعات العربية؛ وبالتالي إقامة نظام اشتراكي يؤسس لأرضية إلغاء استغلال الإنسان بمجتمعاتنا العربية. ومعلوم أن القول بالهدف ذاك يستدعي، وبالضرورة، خطوة تبني المنهج الذي هو بالكاد المنهج المادي الجدلي الذي نحدده في كونه القوانين الجدلية التي بها يتم تشخيص وتحليل وفهم البنية المجتمعية العربية باعتبارها بنية الصراع والتناقضات أو قل أنه منهج يرفض الإطلاقية والتقديس لصالح الاختلاف والتمايز. بهذا طرح ، لم نبق أمام منهجية منغلقة بقدر ما أننا أصبحنا أمام منهجية منفتحة على كل أشكال التناقضات المجتمعية التي هي هي الواقع؛ بهذا يصبح التفكير في المجتمع تفكيرا حدليا وإبداعيا منطلقه الواقع ومبتغاه حل قضايا الواقع. فهناك مبدأ أولوية الواقع باعتباره مصدر الفكر؛ فالاشتراكية في شكلها الجديد هي منهجا وليست فكرا وتصورات جاهزة ومسبقة. لذا، فغياب المنهج الجدلي، أو فهمه الملتبس تارة والجامد تارة أخرى والمطلق تارة أخرى هو ما أدى إلى اعتبار الاشتراكية العربية لا كفلسفة إبداعية، بل كنصوص مطلقة لا تحتمل الحوار وتقبل النقد والإغناء أو الإضافة؛ بهذا الفهم أصبحت الاشتراكية العربية نصوصا بديلة عن الواقع أو قل أصبحت هي الواقع المحدد مسبقا؛ لذلك بقيت منعزلة عن الواقع، جاهلة قوانينه المحددة في الزمان والمكان. ومرجعية هذه السلبيات ترجع إلى كون أن الاشتراكية العربية قد تعرفت على الفلسفة الاشتراكية انطلاقا من الاشتراكية السوفياتية وبالتالي تأثرها بل والتزامها بمبادئها وتصوراتها وهو الوضع الذي أبعدها عن الاشتراكية كمنهج لصالح الاشتراكية كنص مقدس ؛ لذلك تميزت الاشتراكية العربية تلك بالحفظ والتكرار والنقل وتقديس النصوص دون فهم ووعي دلالاتها وطبية منهجها.
وبناء على طبيعة المنهج الجدلي السابق الذكر تتحدد باقي مكونات هيكل المنظومة الاشتراكية الجديدة الذي منه الجانب التنظيمي. لقد سبق أن قلنا أن الاشتراكية المنهارة كانت تهدف الحصول على السلطة اعتمادا على الكفاح المسلح؛ إلا أن التطورات والانجازات العلمية قد عملت على تقوية والرفع من قدرات البورجوازية الرأسمالية العالمية الكبرى مستثمرة في ذلك مختلف المجالات من أدوات التواصل والانترنيت والفضائيات وغيرها؛ لذا، فالاشتراكية الجديدة مضطرة إلى إبداع أشكال تنظيمية جديدة تستجيب للظرفية الراهنة على المستوى التنظيمي. وهذا يطرح بحدة إعادة بناء مفهوم المركزية الديموقراطية التي تعتبر أحد عوامل فشل الاشتراكية المنهارة والجامدة على السواء بفعل الربط التسلطي والميكانيكي بين طرفيها الذي هو نقيض الربط الجدلي بينهما. فالمستجدات العربية – الحراك وما بعد الحراك – والعالمية –انهيار الاشتراكية السوفياتية والأزمة المالية – تقتضي تشخيص المفهوم لضبط سلبياته الداخلية التي من أهمها الفهم الخاطئ لدلالتها؛ أو قل الفهم الصارم والخشبي الذي مؤداه تركيز المهام والسلطات في يد مجموعة قليلة تسمى بالمكتب السياسي أو في يد فرد يسمى بالأمين العام والتي يليها تنفيذ الأوامر وهو ما يعني حتما إلغاء حرية الرأي والحوار والنقد؛ ونضيف إلى هذه السلبية، سلبية أخرى مهمة بدورها تتمثل في الخلط بين المركزية والدينوقراطية من حيث المهام والاختصاص: فسلطة القرار لا ندخل في دائرة اختصاص المركزية لسبب أن سلطة القرار تكون، وعلى الدوام، خاضعة للنقاش والحوار الموسع داخل الهيئات التي يجب أن يتحدد اختصاصها بدورها في تنفيذ القرارات التي هي إنتاج الرأي العام وبالتالي فسلطة القرار لا تخص المركزية بقدر ما أن دورها يتحدد في التنفيذ أو قل أن الديموقراطية هي مجال التعدد والاختلاف الذي هو العلاقة، في تعتبر المركزية أحد أشكال تطبيق الديموقراطية تلك.
انطلاقا من زمن الحراك وما بعد الحراك العربيين وما سبقهما من انهيار للاشتراكية والأزمة المالية، تكون الحركة الاشتراكية مضطرة، لبناء المنظومة الاشتراكية الجديدة، إلى إعادة البناء الجدلي لمفهوم المركزي الديموفراطية وفق قانون جدلية العلاقة بالواقع الراهن. فالمركزية الديموقراطية ليست نظاما تسلطيا أو شعارا للاستهلاك كما كان وكما هو الحال لذى الاشتراكية المنهارة، بل الوضع يقتضي تبنيها باعتبارها أسلوبا جدليا يقوم بتنظيم وضبط الممارسات الداخلية بدء من مسئولية العضو إلى الخلية حتى المؤتمر العام؛ لذا، فهي مجال الحوار والنقاش والنقد والإبداع الكفيل وحده بإرساء أسس إعادة البناء الاشتراكي؛ إنه المجال التنظيمي، لا بالمعنى التسلطي واللاجدلي والبسيط، بقدر ما أنه المجال الأكثر تعقيدا والأكثر وزنا لحصول البناء والتطور؛ إنه العلاقة الجدلية بين الأعضاء واللجان والهيئات ومستوى الوعي ومحتوى البرامج ونوعية الممارسة والمتابعة والتكوين والنقد والإبداع. وكل هذا يبرز أهمية المركزية الديموقراطية كعقلانية ضرورية في بناء المنظومة الاشتراكية العربية الجديدة. وفي هذا الإطار، لا بد لهذه الأخيرة من أن ترفع اللبس الذي ساد وما زال بين المركزية والديموقراطية، لبس يتمثل في التناقض بيت المفهومين: المركزية نقيض الديموقراطية، والعكس صحيح وهي علاقة تفرز، كلما غيبنا الجدل، وهو الحاصل بالفعل في عالمنا العربي الراهن، كلما اختل التوازن لصالح المركزية حيث يصبح دور القيادة ، وبشكل حتمي، دورا إصلاحيا يثبته برنامجها السياسي الإصلاحي الذي لا يمكن أن يتجاوز الممارسة الإصلاحية.
قلنا أنه بناء على طبيعة المنهج الجدلي السابق الذكر تتحدد مكونات هيكل المنظومة الاشتراكية العربية الجديدة الذي طرحنا منه الجانب التنظيمي الذي نعززه بمكون آخر يتمثل في أسلوب النضال والبرنامج السياسيين من القضايا المسلم بها مسبقا أن تغيير الأنظمة السياسية يعتمد أسلوب العنف أو النضال المسلح؛ والتاريخ،خاصة منذ القرن العشرين ملئ بالأمثلة. ومع ظهور العولمة اختفى هذا النوع من العنف ليحل محله نوع آخر جديد اقتضاه الشكل الجديد للرأسمالية والذي انتشر في مناطق عدة من العالم خاصة منه مناطق أروبا الشرقية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ وقد اتفقت الدول الرأسمالية الكبرى ومجمل باقي دول العالم على تسميته بالإرهاب،فأصبحنا أمام القتل والذبح والتعذيب اليومي المدعم والممول؛ لذلك دعت هيئة الأمم المتحدة في قراراتها إلى نبذ العنف الذي هو الإرهاب بتبني أساليب الحوار والديبلوماسية لحل القضايا والنزاعات الدولية؛ وعليه فالدعوة إلى اعتماد أسلوب العنف لاحتلال السلطة وفرض النظام الاشتراكي هو أسلوب قد ولى. لذا، فبناء المنظومة الاشتراكية الجديدة أصبح مرهونا بتجاوز أسلوب العنف بشكليه الكلاسيكي والإرهابي لصالح اعتماد الأساليب السلمية التي يجب أن تتجسد وتفعل في ممارسة مختلف الأنشطة السياسية والجمعوية. وبشكل عام يمكننا القول أن الصراع الراهن مع النظام الرأسمالي سيكون بأساليب جديدة غير العنيفة تعتمد إبداع أشكال جديدة من الملكية الاشتراكية والعمل على خلق شروط قيام التعاونيات المستقلة عن الدولة، تتحمل مسئوليتها الذاتية في تنظيم وتدبير الإنتاج والتوزيع والتسويق وتشجيع التعددية السياسية والتنافس السلمي الديموقراطي؛ لكن التعددية والسلمية والتنافسية والديموقراطية في شكلها الجدلي الفعال لا المفتعل والماكر كما هو سائد اليوم؛ وبمعنى آخر تعتبر التعددية والسلمية والتنافسية والديموقراطية الجدلية من أهم العوامل الفاعلة داخل النظام الاشتراكي الجديد لما لذلك من أدوار في اكتشاف السلبيات والفساد. أما البرنامج السياسي للمنظومة الاشتراكية الجديدة فهو مطالب باستحضار الشعوب في أشكال علاقات تنظيمية جديدة، معتبرا إياهم مواطنون لا رعايا. فالبرناج يقتضي سياسيا الانتقال من أساليب الوصاية والقرابة والتهميش إلى أساليب الشراكة الفعلية في الحوار والنقاش وطرح القضايا وصياغتها والمتابعة وتحمل المسئولية والتقييم؛ وهذا هو معنى الديموقراطية؛ على المستوى الاقتصادي تحرير الموارد الطبيعية واستثماره الاستثمار الأنجع في مجالات التعليم والصحة والإسكان والموانئ والمطارات والطرقات والزراعة والتجارة وهو ما يمكن من الرفع من دخل المواطن وتوفير فرص الشغل وتحسين ظروف المعيشة وبالتالي حصول الابتكار والإنتاجية؛ أما على المستوى الاجتماعي فهي مطالبة بالتركيز على تحرير الطبقة المقهورة التي تضم الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى وباقي فئات الطبقة الفقيرة مع الاستثمار الذكي للطبقة الغنية في أفق احتوائها وتذويبها؛ تحرير يقتضي الاعتماد المركز على التربية والتكوين الضروريين لحصول الوعي الصحيح وتحمل المسئولية؛ لا شك أن نجاعة كل هذه النقط تقتضي إعطاء الأهمية لعامل الثقافة خاصة وأن الإنسان العربي إنسانا يؤمن حتى النخاع بالطاعة والزبونية والقناعة بوضعه البئيس؛ ومن هنا تكمن أهمية الثقافة الثورية لما لها من قدرات على فهم واستيعاب أفكار وإحساس وشعور ومعتقدات وتطلعات الطبقات المجتمعية العربية بهدف تحويل طاقاتها السلبية إلى طاقات واعية بحقوقها وواجباتها. وبهذا تكون الإنتاجية والأنشطة المنظمة والاستثمار الإيجابي للتناقضات في اتجاه التقدم والتطور الذي هو أحد أهم الأهداف النبيلة للاشتراكية العربية الجديدة. وعموما، فالثقافة هي ضامنة التحرر من الالتفاف والوصاية والتسلط وبالتالي حاملة أحد أهم مبادئ الوجود المتمثل في الإبداع.
وبالمجمل، فإذا انتفضت الجماهير العربية بالشوارع والساحات الكبرى مرددة شعار: الشعب يريد...، فبالمثل يجب ترديد الشعار:والاشتراكية كذلك تريد...



تعليقات الفيسبوك