ليس لدى -السيد الرئيس- من يشاركه!
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن
-
العدد: 3971 - 2013 / 1 / 13 - 18:13
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
ليس لدى بشار الأسد من يشاركه في "الحل السياسي". مع من يشارك؟ مع إرهابيين وتكفيريين وقتلة؟ مأجورين أيضا لجهات إقليمية ودولية؟ المرء قد لا يجد شريكا مناسبا للزواج، لكن هل هذا ينفي رغبته في الزواج؟ ربما لم يجد الشريك المناسب، ربما لم يرض به شريك ما، لكن ما ذنبه إن لم يجد شريكا. حال السيد بشار الأسد في عين نفسه مثل حال طالب الزواج هذا.
لكن متى لم يكن حال السيد كذلك؟ متى كان له شركاء في التفكير في الشأن السوري، أو في معالجة أية مشكلات سورية عامة؟ ومتى كان لأبيه من قبله شركاء سوريون؟ ترى، هل غياب الشركاء نتاج الأوضاع السورية الاستثنائية اليوم، على ما أوحى الرئيس الوريث، أم هو تعريف لنظام الأب والابن؟
في واقع الأمر "سورية الأسد" هي البلد الذي لا شريك للأسد فيه. اسمها ذاته ينفي الشراكة. في سورية هذه خدم وأتباع، لكن ليس فيه شركاء وخصوم وأنداد. هذا نابع من صميم تكوين "سورية الأسد"، و"دستور"ـها العميق، وليس أمرا عارضا نشأ اليوم أو منذ 22 شهرا. وما كان للسيد بشار أن يرث أباه في حكم "الجمهورية" لولا أن السيد الوالد كان قد ثابر على قطع أية رؤوس سياسية مستقلة في البلد، إن بالقتل أو الحبس أو النفي، أو الترويض والاستتباع والإفساد. فهل يكون غياب الشركاء واقعة مؤسفة يصطدم بها السيد بشار، أم أنها الواقعة الشارطة لإشغاله الموقع الذي يشغله اليوم؟ هل كان لمثله أن يكون رئيسا لسورية لو كان السورين أحرارا، أندادا له، وشركاء في بلدهم؟
لكن ألم يسبق أن سمعنا هذا الكلام على غياب الشركاء من جهة إقليمية ما؟ جهة تكلمت أيضا على "إرهابيين" و"قتلة"، لتستخلص أنه لا شركاء لها في "الحل السياسي" الذي اسمه، فيما يخص تلك الجهة، "عملية السلام"؟ جهة اشتهرت أيضا بما يتراوح بين إنكار وجود شعب كامل وإبادته سياسيا وأخلاقيا وتحطيم شروط حياته، مع ترك الخيار الكامل له بين أن يستسلم لها فلا تعطيه شيئا، وبين أن يقاومها، فينقلب إلى إرهابيين وقتلة، ليسوا جديرين بشراكتها في "عملية السلام"، وليس لها أن تعطيه شيئا أيضا. اسم تلك الجهة هو... إسرائيل.
ورغم أن "علم الثورة" الأسدي يقضي بأن يكون للثورة مفكرون وقادة، وهو ما لم يعثر عليه في الثورة السورية المزعومة الرجلُ الذي يشعر دوما بأنه غير مفهوم (فيسهب في شروح مضحكة تجعل كلامه مفهوما أقل)، رغم "علم الثورة" هذا، فإن بشار لم يجد غير إسرائيل، محتلة الجولان والعدو الوطني للسوريين، كي يتمثل بها! بقليل من التفكير كان يمكن للقائد المفكر ألا يتورط في هذا.
هل الأمر هفوة عارضة؟ بل هو منطق البنية السياسة السورية التي يشغل بشار الموقع الأول فيها، "الدستور" كما سبق القول. هذه البنية التي قامت منذ تكونها قبل أربعة عقود على تحويل السوريين إلى خدم، وإبادتهم سياسيا وأخلاقيا، هي نسخة طبق الأصل عن البنية الناظمة لعلاقة إسرائيل مع الشعب الفلسطيني. الفرق الظاهر هو أن ضحايا الإبادة الإسرائيلية هم الأعداء الفلسطينيون، فيما السوريون هم من يبادون في "سورية الأسد". وفي الحالين تمهد الإبادة السياسية والأخلاقية للإبادة الجسدية أو تسهل أمرها. هل لحياة هؤلاء "الرعاع" و"الحثالات"، الذي لا مفكرين بينهم ولا قادة ولا مبدعين، القيمة نفسها التي لحياة بشار؟ قبل أكثر من جيل تعرض والده لمحاولة اغتيال، فكان أن قام عمه بقتل نحو ألف من "الرعاع" في سجن تدمر. هذا هو المقياس. والرجل مثابر عليه.
وهو مقياس إسرائيلي واستعماري كما هو معلوم.
وليس غير هذه البنية الإسرائيلية ما انعكس بعد أيام قليلة من خطاب في صفقة تبادل أسرى سوريين لدى النظام بأسرى إيرانيين عند "الجيش الحر". الواقعة بالغة الغرابة: أفرج النظام السوري عن سوريين معتقلين لديه، 2136، نساء ورجالا، وعدد من الأتراك، كي يفرج مقاتلون معارضون عن 48 إيرانيا معتقلين منذ آب الماضي. كل من عرفنا من السوريين المفرج عنهم ناشطون سياسيون وحقوقيون سلميون، بعضهم خصم للمقاومة المسلحة.
ترى، من هو السوري حين تحرر المقاومة سوريين يعتقلهم النظام، فيما يحرر النظام الأسدي إيرانيين؟ بالفعل، ليس لبشار شريك... سوري!
والغريب يصبح سرياليا حين نعلم أن النظام رفض غير مرة مقاضية أسرى سوريين في سجونه بعسكريين و"شبيحة" موالين في أسر المقاومة المسلحة. النظام الأسدي ليس مبنيا على إنكار القيمة الإنسانية للمعارضين، بل لعموم السوريين. السوريون واحد من اثنين في عُرفه: موال خادم لا قيمة لحياته، أو معارض لا قيمة لحياته أيضا. مثل الخصوم، الموالون للنظام ليسوا شركاء لبشار الأسد في "سورية الأسد". واهمون إن ظنوا أنهم شركاء، وهم وحدهم المسؤولون عن وهمهم. إنهم خدم وأتباع، متاريس حية تدافع عن السيد وحاشيته. والسيد واحد، وبلا شريك تعريفا.
ولطالما اكتشف رجال النظام، من عبد الحليم خدام إلى غازي كنعان إلى رياض حجاب إلى مناف طلاس وأبيه أنهم خدم، لا يستطيعون أن يعترضوا بكلمة على نظام يفترض أنهم من أركانه، ولا حرمة لهم أو كرامة إن عارضوه. وهو ما ينطبق على فاروق الشرع وعلى الجميع. ليسوا سادة في بلدهم ولا هم شركاء في حكم سورية. لا شركاء في هذا النظام الذي يكاد بشار الأسد نفسه يشغل اليوم موقعا لا شخصيا فيه، مجرد عنوان رسمي للسلطة الفعلية التي تشغل اليوم علاقات القربى الدموية والطائفية، وجهات خارج البلد، موقعا غير مسبوق في ضمان بقائها وتماسكها. ما تقوله صفقة الأسرى المخزية هو أن "سورية (بشار) الأسد" بلد تابع لإيران، ومستقل جدا عن... سورية.
يعز على كاتب هذه السطور قول شيء طيب عن حافظ الأسد، لكن ما كان واردا للطاغية الأب أن يبادل إيرانيين مقابل سوريين، وما كانت ليفوته المغزى المهين لهذه الصفقة. كان حقودا جدا، لكنه كان يفكر.
على أن النتيجة الماثلة أمامنا اليوم تشكك بسلامة تفكيره.