المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية - جورج لارين - القسم الثالث


سعيد العليمى
2012 / 11 / 23 - 08:08     




الفصل الثالث
نقد المادية الجدلية

يبين العرض التخطيطى schematic للطبعة الأرثوذكسية من المادية التاريخية فى الفصل الثانى أن ظهورها ليس منفصلا تماما عن فكر ماركس وانجلز لأن وجود بعض التوترات أتاح للجيل الأول من الماركسيين أن ينشئ تفسيرا فظا وعقائديا بشكل متزايد عن طريق المبالغة فى التقدير الأحادى لبعض الجوانب الجزئية وتثبيتها كمبادئ راسخة للتحليل العلمى. وهكذا أصبحت المادية التاريخية نظرية مشتقة من قوانين مفترضة شاملة للجدل كامنة فى الطبيعة ، تتصور الوعى كانعكاس فحسب للحياة المادية ، وتقدم نوعا من الحتمية التكنولوجية، وتفضى لنظرية عامة، غائية وأحادية ، للتاريخ، ترسم الطريق الضرورى لتطور الأمم جميعا. ويشير الطابع الجزئى لمثل هذا التفسير بوضوح إلى أن فكر ماركس وانجلز لا يمكن أن يختزل إليه. ولكن إذا أراد المرء نظرية أفضل للمجتمع والتاريخ فلا يكفى- بالرغم من أن ذلك ضرورى- أن يكون واعيا أن لمفهوم ماركس وانجلز جوانب أخرى أيضا. ومع ذلك، تقدم الأرثوذكسية ضمنيا حلولا نوعية للتوترات القائمة عند ماركس وانجلز، فهى لا تقوم على مجرداغفال بعض جوانب فكرهما. ومن ثم، لامفر من نقد هذه الحلول من أجل تبيان عدم ملائمتها حتى لو بدت- وهو ما يبدو صحيحا- أكثر اتساقا مع مقاصد ماركس وانجلز. بهذا المعنى فإن نقد الأرثوذكسية هو شرط مسبق لأى إعادة بناء تسعى لتقديم حلول مختلفة وأفضل.

ولسوء الحظ، يوجد قدر كبير من التشوش بين نقاد المادية التاريخية حول الموضوع المحدد لانتقاداتهم. ذلك أن قلة قليلة منهم قادرة على التمييز بين فكر ماركس وانجلز المركب من ناحية وبين تفسيراته الأرثوذكسية من ناحية أخرى. وهكذا فهم غالبا ما يوجهون انتقاداتهم للماركسية، كمقولة عامة كلية الشمول، أو يفعلون ما هو أسوأ إذ ينسبون لماركس ما هو فى الواقع إما تبسيطات فظة مأخوذة من بعض الكتيبات أو بعض التفسيرات الخاصة لمؤلفين آخرين. وعلى ذلك فمن الضرورى أن نتذكر هذا الأمر حين نسعى لنقد وإعادة بناء المادية التاريخية حتى نتجنب التشوش وحتى نكون منصفين إزاء فكر ماركس والمادية التاريخية.
إننى لا أبدأ من افتراض أن الأرثوذكسية لا صلة لها بالتطور الحقيقى لأفكار ماركس وانجلز، ولكننى من ناحية أخرى أرفض ببساطة أن أطابق الواحدة مع الأخرى.
و هذه مقدمة ضرورية لأى نقد معقول للمادية التاريخية.


مشاكل الماديـة الجدليــة
تطور المادية الجدلية أساسا مسألتين: مفهوما للجدل ونظرية للوعى. لنبدأ بالمسألة الأولى. فحين يؤكد انجلز أنه وماركس خلصا الجدل من المثالية و "أخذا يطبقانه" على الطبيعة والتاريخ (ضد دوهرنج، ص 15)، فهو يتعامل مع الجدل ضمنيا على أنه "منهج " مستقل بذاته يمكن أن يطبق فى مجالين متباينين. وهذا الفصل لـ "المنهج" عن "موضوع" الدراسة أو مجال التطبيق هو تصور يحتل مركز المادية الجدلية. لقد أشرت سلفا إلى أن انجلز فى تصوره للجدل كمنهج منفصل ومحاولتة تأسيس "قوانين" مثل هذا المنهج , كان يعتقد أنه يتابع هيجل باستثناء ما كان ضروريا من "قلب هذا الشئ" حتى لا تعتبر هذه القوانين بمثابة قوانين مجردة للفكر. لقد ذكرت أيضا ملاحظة كولليتى حول أنه حيث أن هيجل لم يميز بين المادة والفكر، فقد انتهت المادية الجدلية إلى تبنى جدل للمادة هيجلى تماما (كوللتى، 1975، ص 1). مع ذلك يمكن أن يقال من وجهة نظر أخرى أن المادية الجدلية مضادة للهيجلية بعمق بل وبالأحرى وضعية، لأن هيجل لم يفصل بين المنهج وبين موضوع الدراسة. بل على النقيض من ذلك , ذهب إلى أن المعرفة العلمية الحقيقية تتطلب انغماسا فى حياة الموضوع ذاتها... ومن ثم فليست هناك حاجة لتطبيق مخطط شكلى على المضمون العينى بطريقة خارجية. إذ تكمن طبيعة المنهج العلمى هذه جزئيا فى أنها ليست قابلة للانفصال عن المضمون... (هيجل، 1977، ص 112 و 115).
ويعتقد ماركس أيضا أن المنهج العلمى- كلا من منهج العرض ومنهج البحث- عليه أن يتبع حركة الموضوع "إذ يجب أن يتم تحليل أشكال تطور الموضوع وارتباطاته الداخلية المختلفة، أولا. ثم بعد ذلك يمكن للحركة الفعلية أن توصف على نحو صحيح " (كلمة ختامية، رأس المال، المجلد الأول، ص 28).
المشكلة الأساسية لقصور الجدل كمنهج منفصل ومشتق من ثلاثة قوانين شاملة هى تجريده، وافتقاده للصلة بالوضع العينى تاريخيا، وعدم قدرته على التمييز بين الاختلافات الجوهرية للعينى، واختزاله لغنى الحياة إلى اتساق المبادئ المجردة. ولكن أكثر من أى شئ، فإن مثل هذا المفهوم يسقط بشكل حتمى فى الفخ الذى أراد أن يتجنبه، أى، تصور القوانين الجدلية كقوانين خالصة للفكر، كمبادئ قبلية A priori يمكن أن تطبق على الواقع. وفى الحقيقة إذا كان هناك شئ يمكن أن يسمى "جدلا" فلن يكون هو منهج البحث بل حركة الواقع ذاتها. فالمنهج يكون "جدليا" فقط بقدر ما يمتلك ويعبر عن حركة الموضوع، نشاطا عقليا، وبقدر ما يكون بوصفه جزءا أيضا من حركة الموضوع. بهذا المعنى فإن الجدل الماركسى والهيجلى يتشاركان فى نفس مفهوم المنهج. وكما أشار إشفريا، فالمنهج بالنسبة لماركس وهيجل "هو فقط الشكل المعطى للنشاط النظرى المصاحب للحركة الداخلية لمضمون معين" (1978, p.254). وهكذا فإن الجدل ليس بالدرجة الأولى منهجا أو منطقا منفصلا للتحليل حتى وإن عرضه ماركس مرارا على هذا النحو. إنه بالأحرى الشكل النوعى للحركة الخاصة للواقع والتى ينبغى رصدها نظريا.
وعلى أى حال، فإن حقيقة أن الجدل الماركسى والهيجلى يتفقان حول فكرة المنهج باعتباره خاضعا لحركة الموضوع لا يعنى أنهما لابد أن يتفقا بالضرورة فى تقييمهما للحركة الجدلية ذاتها. فوصف هيجل لمثل هذه الحركة مؤسس على مفهوم شامل للتناقض، الذى لكونه كامنا فى كل الموجودات، يتيح لها أن تتغير وتتطور. فـ "التناقض هو ذات المبدأ المحرك للعالم؛ وأنه لمما يثير السخرية أن التناقض غير قابل للتفكير فيه" (هيجل، 1975، ص 174).
إذ يشير مفهوم التناقض إلى أن تعارضا شاملا بين طرفين لا يمكن لأحدهما أن يحدد أو يوجد بذاته دون إشارة إلى النقيض (كولليتى، 1975 ، ص 6) وتنبع شموليته عند هيجل من حقيقة أنه كامن فى عملية الاغتراب الذاتى للوعى الذى هو بدوره عملية خلق للمادوية Materiality ، حتى أن كل مايوجد هوبمثابة الضد المناقض للوعى الذاتى أو بالأحرى الوعى الذاتى كنقيض لنفسه . وبدءا من هذه الفكرة ، فإن على المادية الجدلية أن تستبدل فقط بحركة الوعى حركة المادة حتى تصبح قادرة علي تفسير تطور كل شئ. بينما المادية التاريخية لا تعنى بمفهوم عام للتناقض يؤكد كلية التناقض الشامل بين قطبين ماديين وإنما تركز على التضادات المشتقة من "الاغتراب الذاتى للانسان"، ومن ممارساته المغتربة. والطبيعة فى حد ذاتها اما تناقضات غير شاملة، أضداد حقيقية لا توسطات بينها (نقد مذهب هيجل فى الدولة، الكتابات الباكرة، ص 155) أو تناقضات شاملة لا مكان فيها لإغتراب الانسانى. فكما أشار باسكار، قد توجد "تناقضات شاملة فى الطبيعة" ولكن لا توجد معقولية جدلية او عقل (1983، ص 127) .

لايمكن لمفهوم للتناقض يشدد على التعارضات العامة الشاملة كمصدر لكل حركة أن يعبر عن نوع النفى الذى تعنى به المادية التاريخية بل ويتجه إلى قبول فكرة "هيجل" إنه ليس، عيبا أو عدم كمال او نقصا فى شئ أن نشير إلى تناقض فيه" (هيجل، 1976، ص ص 439 و442). بينما الأمر بالنسبة لماركس على النقيض من ذلك، فالتناقض ينشأ لديه من عدم الكمال ، لأنه نتيجة عدم قدرة البشر على السيطرة على النتائج الاجتماعية لممارساتهم. وهذا هو السبب فى أن الطبيعة ، إذا اعتبرت باستقلال عن المجتمع الانسانى، فإنها لا تتحرك جدليا، ولا تتطور على أساس التناقضات. وهذا هو أيضا سبب عدم كون المنهج العلمى لتحليل الطبيعة جدليا ولا يشير إلى القوانين الثلاث التى أرساها انجلز. وقد طور شميدت هذه المسألة بقوله بأن القوانين الجدلية، "ليست لها أى صلة على الاطلاق بمنهج العلم الطبيعى ذاته، الذى تكيف حسب المنطق الشكلى وهو غير جدلى بمعنى أنه لا يعكس التوسط التاريخى لموضوعاته" (1971،ص 55). إننى أتفق مع هذا ولكن من الضرورى توضيح حقيقة أن القول بأن منهج العلم الطبيعى مكيف حسب المنطق الشكلى لا يعنى أن المنهج الجدلى الماركسى ليس كذلك. ذلك أن القول بأن الجدل الماركسى يستتبع نوعا مختلفا من المنطق يعنى إما أن هذا المنطق الشكلى لا ينطبق على دراسة المجتمع أو كما ذهب بليخانوف (بدون تاريخ، ص ص 4-91) أن المنطق الشكلى هو حالة خاصة فقط من المنطق الجدلى الأعلى الذى يمكن له وحده أن يفهم الحركة. وهذان البديلان مخطئان بوضوح. الأخير لأنه ليس هنك تعارض بين المنطق الشكلى والحركة. فكما أشار كولاكوفسكى، فإن قبول هذه السذاجة يعنى أن نقع مرة أخرى فى فخ الفلاسفة الإيلين الذين حاولوا أن يثبتوا أن الحركة متناقضة ذاتيا (كولاكوفسكى، 1978، المجلد الثانى، ص 341) أما الأول ، فخطؤه أنه ليس هناك تعارض بين المنطق الشكلى والدراسة الجدلية للمجتمع ، كما تبين تحليلات ماركس فى عدة مناسبات. خذ على سبيل المثال واحدا من مقاطع ماركس فى نظريات فائض القيمة ، حيث يصرح بأن "الاقتصاد السياسى الكلاسيكى يناقض نفسه أحيانا"، ثم يضيف بعد بضعة سطور أن تطور الاقتصاد السياسى "يتوازى مع التطور الفعلى للتناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية الكامنة فى الانتاج الرأسمالى" (نظريات فائض القيمة، المجلد الثالث، ص ص 501-500). فكلمة "متناقض" تشير بوضوح لـ "التناقضات المنطقية "للتعليل غير الصائب من جانب الاقتصاد السياسى، الذى ينتقده ماركس. وأما عبارة "التناقضات الواقعية" فهى تشير إلى التناقضات الكامنة فى الإنتاج الرأسمالى. ويرفض ماركس فى نفس السياق التناقض بالمعنى الأول لأنه ينتهك المنطق الشكلى ويقر بالتناقضات بالمعنى الثانى لأنها توجد فى الواقع . وهذا يعنى أن منهج ماركس لا يدعى أنه يستعمل منطقا مختلفا عن المنطق الشكلى. فماركس، كما ذهب إشفيريا، "بقبوله امكانية مواجهة التناقضات الواقعية، لا يعرضها باعتبارها ذات وجود سابق a priori على المعرفة.. فليست التناقضات ذاتها أحد الجوانب الرئيسية في منهج البحث بل هي مظهر عارض يوجد فى موضوع التحليل العلمى" (1978، ص 251) وبمعنى آخر، فإن منهج ماركس جدلى ليس بسبب أنه، فى ذاته، يتضمن تناقضات وإنما لأنه يعبر عن الحركة المتناقضة للواقع الاجتماعى فقط (حول هذا أنظر أيضا باسكار، 1983، ص 125).

وتنبثق ثلاث نتائج هامة من هذاالتحليل: الأولى، هى أنه لو لم يكن الواقع الاجتماعى متناقضا، لما كان هناك منهج جدلى للتحليل والثانية، حيث أن ماركس يعين حقبة بدائية غير طبقية فى تاريخ البشرية ويتوقع مجتمعا شيوعيا مقبلا بدون تناقضات، فإنه يترتب على ذلك أن التغير الاجتماعى ليس بالضرورة أثرا للتناقضات وأن هذه التناقضات هى سمات فترة محددة من تطور البشرية فحسب . وحقيقة أن التناقضات توجد فى المجتمع لفترة تاريخية محددة فقط تشير إلى أنها بعيدة عن أن تكون "جذر كل الحركة والحيوية" ، كما تصورها هيجل (1976، ص 439) فالتناقضات بعيدا عن أن تشكل المبدأ الشامل للواقع ، فإنها بالأحرى نتاج "العلاقات الاجتماعية المقلوبة" لعدم قدرة البشر على أن يسيطروا على الشروط الاجتماعية الموضوعية التى أنتجوها عمليا هم أنفسهم. وهكذا فحين يتم تصور الجدل كمبدأ شامل للحركة ، فإن المادية الجدلية تصبح هيجلية أكثر منها ماركسية حقا، حتى وإن بدت بعض تطويرات ماركس الخاصة وكأنها تدعم مثل هذه النظرة . فإذا قبلنا وجود تشوشات فى بعض كتابات ماركس حول الجدل فليس مما يثير الدهشة أن نقاداً مثل أكتون وبوبر يعتقدان أن المادية الجدلية قد تطورت من قبل ماركس باتباع هيجل إلى حد بعيد (أكتون، 1955، ص 100-81، بوبر ص ص 3-332). ولكن هذا ينبغى أن يرفض ليس فقط لأنه لا ماركس ولا انجلز أنشآ المادية الجدلية كفلسفة منفصلة وإنما بسبب أن هذا ليس تفسيرا صحيحا للجدل الماركسى للأسباب التى قدمناها أعلاه.

وأما النتيجة الثالثة فهى انه إذا كان للجدل صلة بحركة الموضوع ، أكثر منه بمنهج منفصل أو منطق، فإنه يستتبع ذلك أنه لا يمكن أن يدعى لنفسه امتيازا خاصا يبرر له التشوش، والتعريفات الفضفاضة أو ببساطة التصريحات المتناقضة. فبوبر popper ، على سبيل المثال، يذهب إلى أن أحد عناصر الجدل هو "سيولة" التعريفات (1968، ص 31) وأن انجلز يتبنى هذه الفكرة فى مقدمة المجلد الثالث من رأس المال، حيث يقول "إنه من الواضح بذاته أنه حيث يتم تصور الأشياء وعلاقاتها الداخلية ، ليس بوصفها ثابتة، وإنما باعتبارها متغيرة، فإن صورها الذهنية، أى الأفكار، تخضع مثلها للتغير والتحول، فلا تظل مغلقة فى تعريفات متصلبة (رأس المال، المجلد الثالث، ص ص 14-13 ). وبوبر يجادل بدوره بأن الجدل يتسم: بأنه غامض مطاط إلى الحد الذى يفسر ويشرح فيه هذا الوضع الذي لم يكن متنبأ به تماما مثلما يفسر ويشرح الوضع الذى تم التنبؤ به والذى تصادف أنه لم يتحقق . ذلك أن أى تطور أيا كان سوف يناسب المخطط الجدلى، فالجدلى ليس فى حاجة إلى أن يخشى أبدا أى دحض بواسطة التجربة المقبلة (بوبر، 1976، ص 334).
ولكن الجدل لا يدور حول الغموض أو المفاهيم السائلة. واقتباس انجلز غامض لأنه ربما يشير إلى التغير التاريخى للأفكار، الذى هو حقيقة ، أو إلى الطريقة التى تحدد بها الأشياء ويتحدد بها التغير ذاته ، لكن ذلك لا يبرر أى افتقار للتحديد. فحقيقة أن الأشياء وعلاقاتها الداخلية تتغير لا يبرر الافتقار للتعريفات الدقيقة. إذ ينبغى ان تكون النظرية قادرة على أن تفسر التغير دون أن تتطلب تغيرا دائما أو تقلقلا للمفاهيم. ومن ناحية أخرى، ليست مهمة الجدل هى تبرير الوقائع أو التطورات التى لا يمكن بالفعل أن تضمن فى النظرية. فإذا كانت النظرية تعلل حقا حركة الواقع فلن تكون بحاجة لإجبار عناصر الواقع على أن تتلاءم معها. إن مشكلة بوبر مختلفة إلى حد ما، ولها صلة ( بنظرته ) بأن المادية الجدلية ليست ذات أساس صحيح للتنبؤ العلمى" (ص 333). فهو يعتقد أن الماركسية، كشكل للنزعة التاريخية، هى حول صنع النبوءات التاريخية وأن "التنبؤات" الماركسية لم تتحقق. لكنه يسئ فهم المعنى الذى تهتم فيه الماركسية بالمستقبل. إذ يعتقد أن التاريخ بالنسبة للماركسية محتوم بشكل مطلق (بوبر، 1973، المجلد الثانى، ص 86). ولكن الأمر كما سوف نرى فى القسم التالى ليس بالضرورة هكذا. حيث أن المجتمع لا يتطور كعملية من التاريخ الطبيعى وإنما على أساس ممارسة إنسانية مشروطة (ليست محتومة كليا) ، فلا يمكن للتنبؤات أن تكون أبدا سوى استباقات لما قد يحاول البشر، فى شرطهم المعطى أن يفعلوه، والذى يمكن أن ينجحوا أو يخفقوا فى انجازه. لا يمكن أن تكون هناك أى ضرورة مطلقة لأى حدث مقبل أن يحدث. لا يمكن للجدل أن يزعم التنبؤ بالتطور الحتمى للمستقبل، ولكن هذا ليس نتاج اخفاقه العلمى المزعوم وإنما نتيجة لطبيعة العلم الاجتماعى بأكمله.

وقد برر لوسيان سيف اعتبار الجدل فلسفة منفصلة بالقول بأن التطوير النظرى للجدل ضرورة إذا كان علينا فى التحليل العينى للواقع أن نطبق مفهوما محددا بدقة. ورفع الجدل بذلك إلى مرتبة " علم فلسفى" معنى بـ "القوانين الأساسية ومقولات المعرفة الموضوعية والممارسة التحويلية" (سيف، 1974، ص 31). ولن يجادل أحد فى أن مسألة ماهو الجدل تحتاج إلى أن يجاب عليها بمصطلحات نظرية . ولكن تضمين الإجابة فى "علم فلسفى" منفصل هى مسألة مختلفة وبالأحرى غير ضرورية. يبرر هوفمان بدوره جدل الطبيعة بالقول بأن الطبيعة الميكانيكية القادرة فقط على أن تدور فى حلقات لا يمكن أن تنتج إنسانا جدليا (1975، ص 60). إن جداله- بغض النظر عن أن افتراضه ينطوى على خطأ لاعتباره أن ما هو غير جدلى يجب أن يدور فى حلقات ـ يفترض أن البشر جدليين فى جوهرهم بالذات. وحيث أنهم جزء من الطبيعة، فالطبيعة ذاتها لابد وأن تكون جدلية. لا يدرك هوفمان أن اكتشاف الجدل الاجتماعى لا يستتبع بالضرورة أن يكون المجتمع الانسانى متناقضا بحكم طبيعته. فكما أشرت سلفا، فالتناقض هو ملمح عرضى تاريخى للمجتمع. مكمن قوة نظرية ماركس هو أنها تشكلت بطريقة تجعلها قادرة على استباق السيطرة عليه. لقد بات المجتمع التاريخى متناقضا خلال فترة معينة ولكن هذا لا يعنى أنه كذلك بحكم طبيعته ، ولا أن ذلك يتطلب منطقيا أن يكون ذا طبيعة جدلية. فبالنسبة لماركس ليس التناقض هو الحالة العادية المرغوب فيها بالنسبة للمجتمع. فحين يتصور ماركس انتهاء عصر التناقض بنهاية الراسمالية فإنه يتبين كم كان ذلك العصر، وهو ما يسميه "ما قبل تاريخ البشرية" بعيدا عن أن يكون "طبيعيا".


الوعى والبـنـاء الفـوقـى
النطاق الثانى للمشاكل الذى جرى التعامل معه من جانب المادية الجدلية له صلة بمفهوم الوعى. لقد سبق ان أشرت إلى أن تطورات المادية الجدلية فى هذا الصدد تشكل تحولا عن ماركس وانجلز من حيث أنهما عالجا الوعى فى سياق المادية التاريخية، ولم ينغمسا فى اعتبارات مجردة عن العقل والمادة بصفة عامة. فقد صرح ماركس بشكل خاص بأن معالجة العلاقة بين الوعى والواقع المادى على مستوى عام مجرد، تجعل من المستحيل فهمها:
من أجل فهم العلاقة بين الانتاج الروحى والانتاج المادى فمن الضرورى قبل كل شئ رصد الانتاج المادى ذاته ليس كمقولة عامة وإنما فى شكل تاريخى محدد . فإذا لم يفهم الانتاج المادى فى شكله التاريخى النوعى، فمن المستحيل فهم ما هو نوعى فى الانتاج الروحى الذى يتوافق معه أو فهم التأثير المتبادل للواحد على الآخر (نظريات فائض القيمة، المجلد الأول ، ص 285).
من الصحيح أن ماركس وانجلز يريان فى العائلة المقدسة صلة بين مادية عصر التنوير الفرنسى والاشتراكية والشيوعية (أنظر العائلة المقدسة، ص 153) وأنهما تبنيا كثيرا من معتقدات المادية الفلسفية. فهما مثلا، عند الجدال ضد المفهوم الهيجلى عن الفواكه الواقعية النوعية باعتبارها نتائج أو تظاهرات لجوهر "الفاكهة" يؤكدان أن "التفاح، والكمثرى، واللوز، والزبيب التى نعيد اكتشافها فى العالم التأملى ليست سوى مشابهات التفاح، مشابهات الكمثرى، مشابهات الزبيب" (ص 70). إنها تشير إلى أن مفهوم الفاكهة نابع من الادراك الحسي للفواكه الواقعية. أضف إلى ذلك، أنهما يتبنيان أن "الانسان لم يخلق المادة ذاتها" (ص 56) ويصران على وجود عالم واقعى مستقل عن الوعى. من هذ النصوص و من نصوص اخرى يستنتج هوفمان أنه "من الواضح تماما أنه من المستحيل أن تكون ماديا متماسكا دون أن تعتنق نظرية "الانعكاس" (1975، ص85).

على أية حال ليست المشكلة بالسهولة التى يتصورها هوفمان. ليس فقط بسبب أننا يمكن أن نجد مقتطفات أخرى عند ماركس وانجلز تعطى انطباعا مختلفا، أو أن ماركس فى أطروحاته عن فيورباخ قد إتخذ موقفا نقديا لهذا الجانب المحدد من المادية القديمة، بل أيضا لأن علينا أن نفحص نقديا البراهين التى أوردت فى صالح المادية القديمة بشكل عام ونظرية الانعكاس بصفة خاصة، بما فيها تلك التى قدمت من جانب ماركس نفسه. وبادئ ذى بدء فإن الصلة بين المادية الفرنسية والشيوعية, وهي الصلة المقترحة فى "العائلة المقدسة", لم تتم صياغتها داخل المنظور الضيق لنظرية الانعكاس( ص 154). و لعل الحقيقة الأساسية التي يؤكد عليها ماركس و انجلز في تلك الصلة هي أنه إذا كان الانسان يستمد خبرته من العالم الواقعي، فيجب أن ينظم هذا العالم بطريقة انسانية حقا. والتأكيد هنا ليس على الانعكاس وإنما على التغيبر العملى للعالم، وهى مهمة لا يمكن أن ينظر للوعى فيها كانعكاس محض وانما يجب أن يستبق عالما لم يوجد بعد.

لاأحد ينكر أن البشرلم يخلقوا الطبيعة وأنها فى النهاية توجد مستقلة عن الوعى. ولكن من الصعب اعتبار ذلك برهانا لصالح نظرية الانعكاس. فقد انتقد ماركس وانجلز مفهوم فيورباخ التأملى بقولهما أن "العالم الحسى ليس شيئا معطى مباشرة منذ الأزل"، فحتى "العلم الطبيعى المحض استمد مادته وغايته من التجارة والصناعة" لذلك فالمادة، الطبيعة، الطبيعة التى سبقت التاريخ الانسانى، ليست بأى حال الطبيعة التى يعيش فيها فيورباخ (الأيديولوجية الألمانية، ص ص 40-39). ولكن، حتى لو تبنينا بعد كل هذه الشروط، أولوية الطبيعة الخارجية، كما يفعل ماركس وانجلز، فلا يستتبع ذلك القول بالضرورة القول بالانعكاس. يحاول هوفمان أن يبرر نظرية الانعكاس على اعتبار أنها الضمان الوحيد لوجود تطابق بين عقلنا والعالم الخارجى. ولكنه لم يفهم أن التعبير عن مثل هذا التوافق بمصطلحات الانعكاس تبسيطى للغاية لأنه من أجل تفسير العالم "الخارجى" فإن على العقل، وقبل كل شئ على العلم، أن يلجأ إلى إنشاء المفاهيم التى لها مرجع تجريبى نوعى. وهذه هى مشكلة مناقشة ماركس لعملية التجريد ومفهوم الفاكهة. ومثل هذا الجدال هو جزئى فى أفضل الأحوال ويبدو مفيدا لمعارضة مثالية هيجل. أما من حيث هو وصف لعملية المعرفة فإنه غير كاف تماما. فليست كل المفاهيم- وبصفة خاصة المفاهيم العلمية- يجرى التوصل إليها بواسطة عملية تعميم الأفراد العينيين مثل التفاح والكمثرى. وعلى المرء أن يفكر فقط فى مفاهيم ماركس الخاصة عن القيمة، وفائض القيمة، والعمل المجرد إلخ، ليدرك أنها لا "تعكس" واقعا" قابلا للملاحظة مباشرة.

فنظرية الانعكاس لا تخفق فى تفسير الطابع الاستباقى للوعى فقط وإنما تخفق أيضا فى تفسير وجود المفاهيم المجردة التى ليس لها مرجع تجريبى مباشر. وعلى ذلك فإنه لمما يثير الدهشة أن يؤسس هوفمان رأيه على فكرة أنه "يمكن للتمييز بين الحقيقة والمظهر ... أن يؤسس فقط على نظرية الانعكاس" (1975، ص 93). وبداية لم يكن موضوع ماركس هو التمييز بين المظهر من ناحية والحقيقة من ناحية أخرى، لأن هذا يعطى الانطباع بأن المظاهر ليست واقعية، وأنها أوهام محضة. إنما ميز ماركس بين "المظاهر" وبين "النموذج الأساسى" أو بين "الأشكال الظاهراتية" و "العلاقات الداخلية"، فهو لم يعارض المظاهر بالواقع . بل على النقيض من ذلك تبنى بوضوح فكرة أن المظاهر جزء من الواقع:
النموذج النهائى للعلاقات الاقتصادية كما تشاهد على السطح أى فى وجودها الواقعى وبالتالى فى المفاهيم التى تتكون عنها لدى حملة ووسطاء هذه العلاقات حين يسعون لفهمها، هو غاية فى الاختلاف بل هو على العكس تماما، من نموذجها الأساسى الداخلى ولكن الخفى، والمفهوم المطابق له (رأس المال، المجلد الثالث، ص 209، والتشديد لى).

وكما بينت فى الفصل الثانى، فإن تطور نظرية الانعكاس مقترن بمجاز القاعدة- البناء الفوقى. ولقد ناقشت بعض مشاكل هذه الصورة المكانية فى مكان آخر (لارين، 1983، الفصل الخامس). ومن الضرورى فى السياق الحالى تناول بعض النقاد الذين شككوا فى مفهوم "التحدد" استنادا إلى أفكار أو معتقدات بقيت بعد انتهاء الشروط الاجتماعية التى ظهرت فيها أولا. وهكذا يشير بوبر إلى أن أفكار الأكوينى يفترض أن تكون انعكاسا نوعيا للاقطاع "وعلى الماركسيين أن يتساءلوا لم يجد العلماء الكاثوليك اليوم تعاليم ذلك الفيلسوف مقبولة بدرجة بارزة بعد انصرام سبعة قرون بينما الأسس الاقتصادية مختلفة لحد هائل" (بوبر ، 1968، ص 379). ويقدم كولاكوفسكى جدالا مشابها:
إن حقيقة أن بعض مظاهر البناء الفوقى تظل مستمرة بالرغم من التغيرات الاجتماعية العميقة، هى حقيقة ذات دلالة بالنسبة لمصداقية هذه الطبعة المخففة للمادية التاريخية. فالمسيحية، مثل الإسلام، قد استمرت خلال عدة أنظمة اجتماعية واقتصادية (كولاكوفسكى، 1978، المجلد الأول، ص 376).

إنه لمما يثير الدهشة أن يتهم بوبر وكولاكوفسكى الماركسية بأنها غير قادرة على توفيق مفهوم التحدد الاجتماعى مع قدرة بعض الأفكار على أن تبقى لعدة قرون. كان ماركس يواجه هذه المشكلة دوما ولم يخضع أبدا لإغراء اختزال صلاحية الأفكار إلى الشروط الاجتماعية التى تولدت فيها. وهكذا فقد صرح بأن "ليس ثمة صعوبة فى فهم أن الفنون اليونانية والملحمة مرتبطة بأشكال معينة للتطور الاجتماعى. لكن الصعوبة تكمن فى أنها مازالت تعطينا متعة فنية وأنها من ناحية معينة تعتبر معيارا "ونموذجا لا يمكن بلوغه" (مقدمة الأسس، ص 111) . وقد قدم ملاحظات مماثلة عن استعمال القانون الرومانى فى المجتمعات البورجوازية. أضف إلى ذلك، أنه كان نقديا للغاية إزاء هؤلاء الذين أرادوا أن يتخلصوا من الأعمال الفنية وثمار الحضارة الأخرى لأنها انتجت فقط داخل مجتمع متناقض فى تضاد مع العمال (أنظر، على سبيل المثال، نظريات فائض القيمة، المجلد الثالث، ص 261). وبالطبع يمكن أن يجادل بأن هذا لا يحل شيئا لأن ماركس بالرغم من أنه كان واعيا بالمشكلة ولم يختزل الأفكار إلى خلفيتها الاجتماعية من أجل طرحها، إلا أنه فعل ذلك على حساب عدم تماسك مفهومه عن التحدد. ولكن هذا صحيح فقط إذا ما أدرك التحدد بطريقة ميكانيكية واختزالية شديدة كفعل سببى مفرد يؤدى اختفاؤه إلى اختفاء نتيجته بشكل ميكانيكى. هذه هى النقطة التى يضع عندها كولاكوفسكى الماركسية فى الوضع الذى لا مخرج منه والذى يجعله يدينها دون وجه حق بقوله أنها "إذا مافسرت بدقة، فإنها تتناقض مع المطالب الأولية للعقلانية، وإذا ما فسرت بمرونة، فإنها تصبح حقيقة بدهية" ولا يمكن أن تفسر أى شئ فى مجرى التاريخ (كولاكوفسكى، 1978، المجلد الأول، ص ص 367-364). مع ذلك، "فقد أثرت بعمق على فهمنا للتاريخ" و "تصنع اختلافا أساسيا" فى ادراكنا للمسيحية (ص 369). من الضرورى أن نرفض نقد كولاكوفسكى غير المنصف وبالأحرى السطحى ليس فقط بسبب أنه، كما أشار ماك لينان، استنتاج يتناسب مع مقدمته المنطقية حين يجعل نظرية عادية أو بدهية تصنع اختلافا أساسيا (1981،ص11) وإنما أيضا وبصفة أساسية، لأن مفهوما للسببية هو فى آن واحد غير عادى وغير اختزالى يمكن أن ينبنى على أساس نظرية للمارسة قدم ماركس ملامحها الأساسية. وثمة فكرتان يجب أن تهيمنا على تلك العملية. الأولى، أنه ينبغى أن يكون للتحدد صلة بالبشر الذين يكتسبون وينتجون أفكارهم فى عملية إعادة انتاجهم لحياتهم المادية عمليا. والثانية، أن التحدد ليس فعلا سببيا مفردا وإنما عملية مستمرة تنطوى على إعادة إحياء للأفكار فى سياق ممارسات جديدة.

والنقد الأكثر شيوعا لمجاز القاعدة- البناء الفوقى يدور حول الاستحالة المزعومة للتمييز بدقة بين البنية الاقتصادية من جانب والأبنية الفوقية القانونية والأيديولوجية من جانب آخر. فهو يحاول أن يبين أنك إذا لم تستطع أن تميز بدقة بين القاعدة وبين البناء الفوقى فإنك لن تستطيع بالتالى أن تؤكد أن الأول يحدد الأخير. وهكذا يجادل بلامنتاز بأن "كل نوع من النشاط الاجتماعى يتضمن "وعيا" وعلى ذلك فإن التضاد بين الوجود الاجتماعى والوعى مضلل لأنه يوحى بخلاف ذلك" (بلامنتاز، 1971، ص 42). كما يرى هيلبورنر أن العناصر التخيلية تنتشر عبر جسم المجتمع وأن هذا يجعل من الصعب "رسم حدود حول المجال المادى" (1980، ص 84). أما ليف فيذهب، بدوره إلى أن البناء الفوقى القانونى والسياسى لا ينفصم عن البنية الاقتصادية وأنه بمصطلحات عامة فإن "التقسيم الثنائى إلى قاعدة- بناء فوقى هو فى الواقع نموذج زائف"
(1961، ص ص 112 و 134) ويمكن أن نجد أفكارا مماثلة عند فيدرون (1939، ص 101) وأكتون (1955، ص ص 164- 5 و 167).

وقد أجاب كوهن على هذه الاعتراضات برد يتضمن جانبين، الأول، أن التمييز بين القاعدة والبناء الفوقى ممكن إلى المدى الذى يمكن أن تحدد فيه البنية الاقتصادية دون استعمال مصطلحات قانونية. الثانى، أن التمييز بين الوجود الاجتماعى والوعى ممكن لأن الوجود الاجتماعى لا يتضمن استعمال الأفكار عند تعريفه. فبالنسبة للجانب الأول يجادل كوهن بأن القاعدة والبناء الفوقى يمكن أن يدركا ويوصفا باعتبارهما منفصلين رغم أنهما مرتبطان بوثوق وحاضران معا فى الواقع (كوهن، 1970، ص 141 و 1974، ص 90 و 1978، ص 235). فماركس يتحدث عن علاقات الانتاج أحيانا بمصطلحات الملكية أو الحقوق على القوى المنتجة ولكن من الممكن أن نتجنب هذه المصطلحات القانونية ونستبدل بها مصطلح "سلطة". وهكذا بدلا من حق استعمال وسائل الانتاج أو الحق فى الاحتفاظ بقوة عملك تحدث الآن عن سلطة استعمال وسائل الانتاج أو سلطة الاحتفاظ بقوة عملك. ليس هذا تعبيرا مصطلحيا محضا لأن "حيازة السلطات لا تستتبع حيازة الحقوق التى توافقها ولا تستتبع حيازة الحقوق حيازة السلطات التى توافقها" (كوهن، 1978،ص 219). وفقا لهذا الاجراء، إذن، يصبح الاختلاف بين البروليتارى والعبد هو أن الأول لديه سلطة أن يمسك قوة عمله بينما الأخير ليس لديه هذه السلطة).
ويبين الجانب الثانى فى الجدال أن الوجود الاجتماعى لا يدرك على مستوى النشاط الاجتماعى وإنما على المستوى البنيوى. إذ تعين البنية الاقتصادية الأدوار الاقتصادية التى يشغلها البشر. و "الوجود الاجتماعى" مساو هنا للدور الاقتصادى الذى يشغله شخص ما، ولكن ينبغى هنا التمييز بين شغل دور ما وبين أدائه. فشغل الدور، والذى يدرك على المستوى البنيوى، لا يتضمن بذاته استعمال أفكار بمعنى عدم وجود رابطة عملية تستلزم ذلك. ولكن أداء الدور قد يتضمن استعمال أفكار بهذا المعنى. وهكذا حين يؤكد ماركس ان الوجود الاجتماعى يحدد الوعى فهو يقدم قضية قابلة للتأكيد تماما (كوهن، 1974، ص 91). بهذه الطريقة يصبح كوهن قادراً على استنتاج أنه، إذا كان الأساس الاقتصادى يمكن أن يعرف دون اللجوء إلى العلاقات القانونية وإذا كان الوجود الاجتماعى يمكن أن يعرف دون اللجوء لاستعمال الأفكار، عندئذ تكون العلاقات السببية صحيحة، حيث تصبح فكرة تفسير البناء الفوقى بواسطة القاعدة وتفسير الوعى بواسطة الوجود الاجتماعى متحررة من أى مشاكل منطقية ويمكن إثباتها. وثمة نتيجة مختلفة وإن كانت ذات علاقة بذلك هى أن العلاقات والأوضاع، على المستوى البنيوى، تحدد سببيا- وإلى درجة كبيرة- النشاط الاجتماعى، أى أن شغل دور ما يحدد أداءه.

والجزء الأول من جدال كوهن يبدو مقنعا فيما يتعلق باستبعاد العلاقات القانونية من تعريف الأساس الاقتصادى. إلا أنه، بالنسبة للمفهوم التقليدى عن البناء الفوقى فليس من الواضح تماما ان إحلال "السلطة" محل "الحق" ينجح فى إزالة عناصر مثل الاعتبارات الأخلاقية أو اشكال معينة من الوعى من البنية الاقتصادية (أنظر على سبل المثال، يومبا، 1982، ص 474). يمكن أن يبين هذا باستعمال مثل كوهن عن التمييز بين البروليتارى والعبد على أساس أن الأول له سلطة أن يمسك عمله بينما الأخير لا يستطيع. يحدد كوهن السلطة هكذا: "يكون للانسان سلطة على شئ ما إذا كان وفقط قادرا على الامساك به. على أن تفهم كلمة "قادر" هنا بمعنى غير معيارى (كوهن، 1978،ص 220) ماذا يعنى أن العبد لا يستطيع إمساك قوى عمله؟ كوهن ليس شديد الوضوح بشأن ذلك، لكنه أجاب على اعتراض حول هذه النقطة قائلا: "أن سبب إفتقار العبد لهذه السلطة هو أنه إذا لم يعمل فإنه على الأغلب سيقتل، وسوف يموت بالتأكيد" (ص 222) فإذا كان هذا هو ما يعنيه كوهن، فهناك مشكلة. لأن العبيد يمكن لهم جسديا أن يمسكوا بقوة عملهم، وفى الواقع فإنهم فعلوا ذلك فى الماضى. وبعدئذ واجهوا النتائج. فإذا كان من الحقيقى ان الخوف من الموت عائق، فإنه من الحقيقى أيضا ان هذا الخوف قد ذلل فى الماضى فى روما، هاييتى، جامايكا، إلخ، لاعتبارات أخلاقية وأيديولوجية. وعلى أية حال، فبغض النظر عما إذا اختار عبد أن يتمرد أم لا فإنه لا يفتقر إلى سلطة امساك قوة عمله بمعنى أن لديه القدرة البدنية على فعل ذلك بغض النظر عما إذا كان سيفعل أم لا. فذلك يعتمد على أسباب ما فوق اقتصادية مثل الخوف من الموت أو أسباب دينية أخرى.

يستنتج "بومبا" على أساس جدال مشابه أن التمييز المفهومى بين القاعدة وبين هذا الجانب فى البناء الفوقى ليس ملائما وأنه إذا لم يدخل كوهن "الوعى كعنصر فى البنية الاقتصادية"، وهو ماسيؤدى إلى مراجعة جادة، فإن العلاقة الوظيفية بينهما سوف يتعذر الدفاع عنها (1982، ص 474). على أن جدال بومبا صالح ضد مفهوم تقليدى للبنية الفوقية يجعلها تتضمن أشكال الوعى الاجتماعى. ولكنه لا يبدو مدركا أن موقف كوهن يستبعد الوعى من البنية الفوقية حيث يقول: "يتكون البناء الفوقى من مؤسسات قانونية، سياسية دينية، وأخرى غير اقتصادية. ومن المحتمل أن يتضمن الجامعات، ولكنه لا يتضمن المعرفة، لأن المعرفة ليست مؤسسة" (كوهن، 1978، ص 45). من الحقيقى أن لدى كوهن غموض حول مضامين البناء الفوقى التى لا يحددها بدقة أبدا، وأنه فى تحليلاته يركز على الأغلب على البناء الفوقى القانونى. ولكن كوهن على الأقل قد زعم باتساق بأن "البناء الفوقى أصغر كثيرا مما يعتقد كثير من المعلقين. فمن المؤكد أنه من الزائف أن كل ظاهرة اجتماعية غير اقتصادية (تنتمى) للبنية الفوقية، فالابداع الفنى مثلا هو بوضوح لا ينتمى للبنية الفوقية عند ماركس" (1983 أ ،ص ص 114- 5). وهكذا فحتى لو كان صحيحا أننا لا نستطيع أن نستبعد أشكالا معينة من الوعى من تعريفنا للقاعدة فإن ذلك لا يؤثر بالضرورة على العلاقة الوظيفية للقاعدة- البناء الفوقى.
لا يعنى استبعاد الوعى من البناء الفوقى بالضرورة أنه ينبغى علينا أن نتصوره كعنصر فى البنية الاقتصادية وهو البديل الذى يقترحه بومبا باعتباره حلا ممكنا. يضمن كوهن فى القوى المنتجة تلك الأقسام من العلم المتصلة بالانتاجية ولكن، وكما هو معروف جيدا، فإن أحد المبادئ الأساسية لموقفه يستبعد القوى المنتجة من البنية الاقتصادية. وطالما أن كوهن يفهم البنى الفوقية باعتبار انها تشمل فقط المؤسسات الضرورية وظيفيا للأساس الاقتصادى، فهو ملزم بان يستبعد من مجاز القاعدة- البناء الفوقى أشكال الوعى الاجتماعى، والمعرفة، والفن، والمعتقدات الدينية والأخلاقية، إلخ وإذا كانت الجامعات وليس المعرفة هى التى تنتمى للبناء الفوقى، فكذلك تكون الكنائس وليس المعتقدات الدينية كذلك تكون مدارس الفن وليس الابداعات الفنية. وكوهن هنا أكثر تماسكا فى موقفه من ستالين، الذى يستبعد اللغة من البناء الفوقى لكنه لا يستبعد منه الوعى. لكنى أشك كثيرا جدا فى أن كوهن يمكن أن يزعم هنا أنه يمثل باخلاص وجهات نظر ماركس وانجلز، الذين لم يميزا بين المؤسسات وأشكال الوعى فى فهمهما للبنى الفوقية. هذا فى حد ذاته ليس موضع نقد. لقد تبنيت أنا أيضا فكرة أنه "ليس هناك معنى فى تشخيص الوعى كبنية فوقية منفصلة نوعيا" (لارين، 1983،ص 178). فليس ثمة مشكلة عند كوهن إلا فى ادعائه أنه يمثل ويدافع عن ماركس وانجلز.

وبينما يؤدى استبعاد الوعى من مكونات البناء الفوقى، إلى إزالة بعض المشكلات الخاصة بمجاز القاعدة- البناء الفوقى- إلا أنه لا يستطيع بذاته حل مشكلة كيف يمكن ادراك حتمية الوعى. وهى المشكلة التى يسعى الجزء الثانى من استدلالات كوهن أن يواجهها بدرجة ما من النجاح. ليس معنى ذلك أن إجابة كوهن مخفقة كليا. فكوهن يريد أن يبرهن- فى جداله ضد أكتون و بلامنتاز، وآخرين- على أن العلاقة السببية بين الوجود الاجتماعى والوعى قابلة للإثبات، وهو ينجح بالطبع فى إظهار أنه ليس ثمة صعوبة فى البرهنة على تلك العلاقة السببية من خلال مفهومة البنيوى المقترح للوجود الاجتماعى باعتباره شغلا لدور. وهكذا فإنه من الصحيح تماما أن فكرة كوهن القاءلة بأنه "إذا ما عمل انسان كصاحب متجر فسوف تكون لديه بالتالى أفكار معينة من حيث هو صاحب متجر" قابلة للاثبات. لكن، وكما يدرك كوهن نفسه، فمدى صحة هذا التأكيد تعتبر مسألة أخرى (1974، ص 91). على أن كوهن يعتقد أن فكرته تلك حقيقية إلى حد بعيد. لكن لسوء الحظ فإننا نجد أن فكرة أن الأدوار الإاقتصادية المحددة بمراكز طبقية معينة، تحدد بدورها أفكارا تتطابق معها مباشرة؛ هي فكرة تبعد بعض الشيئ عن الواقع. فأن تجادل بأن مثل هذه العلاقة السببية ممكنة بدون تناقض, شئ، وأن تكون قادرا على إظهار أن المركز الاجتماعى أو المهنة تحدد مباشرة الأفكار وبالتالى الأداء, شئ مختلف تماما.

ولو كانت مثل هذه المعادلة صحيحة لوجدنا أن الأدوار الاقتصادية للطبقة العاملة تحدد بالضرورة الأفكار الثورية والأعمال الثورية وأنه لن يكون بوسع المثقفين البورجوازيين أن "ينفصلوا" عن طبقتهم ليصبحوا مثقفى البروليتاريا. وإذا أردنا حقا أن نفسر الأفكار التى تتبناها طبقة أو مجموعة اجتماعية فى مجتمع معين فلا يمكن لنا أن ننظر فقط للقوى العامة أو القيود الكامنة فى دورها الاقتصادى وإنما علينا أن نفحص الطريقة النوعية التى تؤدى بها هذه الأدوار. فالأفكار، يتم انتاجها والاختيار بينها وتطويرها فى سياق الممارسات الاجتماعية. وإذا كان من الصحيح أن الخصائص الاقتصادية للدور تضع حدودا على أدائه فإنه من الصحيح أيضا أن هذا الأداء العينى هو الذى يحدد الطابع النوعى للأفكار والمواقف التى يتبناها شاغلوا هذه الأدوار. لا يمكن لنا أن نؤكد علاقة مباشرة وضرورية بين أدوار اقتصادية معينة وأفكار معينة. أو، كما اقترح ليفين ورايت ، لا يمكن أن تولد المصالح الطبقية المحددة بنيويا بذاتها القدرات الطبقية (أى الموارد الأيديولجية والتنظيمية) الضرورية لتحققها (ليفين ورايت، 1980، ص 58). وفكرة كوهن حول أن الدور الاقتصادى هو الذى يحدد الأفكار والأداء تجعله يكرر أخطاء لوكاش فى تعريف الوعى الطبقى باعتباره "رد الفعل الملائم والعقلانى الذى يعزى إلى موقف خاص نموذجى فى عملية الانتاج" (لوكاش، 1971، ص 51): فلوكاش بتركيزه على رد الفعل النموذجى، المحض، الأكثر عقلانية الذى يمكن أن يعزى إلى مركز طبقى وجد نفسه مدفوعا لأن يهمل العينى التاريخى والظروف العملية التى قد تتيح أو لا تتيح للوعى أن يتطور.
-

مضـمـون القـوى المـنـتـجة

بالرغم من أن كل المفكرين المنتمين للمنظور التقليدى متفقون على أولوية قوى الانتاج فإنه ليس واضحا بأى حال أن تعبير "قوى الانتاج" له نفس المعنى لديهم جميعا. ذلك أن المشكلة تبدأ مع ماركس وانجلز نفسيهما لأنهما لم يطورا أبدا تمييزا دقيقا بين قوى وعلاقات الانتاج ولم يحددا مضمونهما بدقة تامة. وحقيقة أن المشاكل المتعلقة بنطاق كل من هذين المفهومين وبالتمايز بينهما هى مشاكل معقدة للغاية، تتضح من أننا نجد قلة قليلة من التعريفات لهما، وإن معظم المؤلفين يكتفون باقتراح تصنيفات أو قوائم بالعناصر التى يفترض أنها تنتمى لكل مقولة. على أن فى العالم الناطق بالانجليزية إتجاهات حديثة تدافع عن المفهوم التقليدى للتاريخ بصفته نموا لقوى الانتاج وتحاول علاج هذا الوضع بادخال تعريفات مفهومية متبوعة بقوائم دقيقة من العناصر التى، يجب تضمينها أو استبعادها من كل مفهوم. وعموما فالتعريفات المفهومية لقوى الانتاج متماثلة. وماك مورترى ، مثلا، يرى "قوى الانتاج هى أى شئ يستعمل- أو يمكن أن يستعمل- لخلق قيمة استعمالية مادية" (ماك مورترى، 1978، ص 55) وكوهن بدوره يتبنى فكرة "أنه لكى توصف وسيلة ما بأنها قوة انتاجية، يجب أن تكون قابلة لأن يستخدمها فاعل منتج وأن يتم الانتاج (جزئيا) نتيجة لاستعمالها، وأن يكون استعمالها مستهدفا من شخص ما" (كوهن ، 1978، ص 32). وأخيرا، يجزم شو بأن "القوى المنتجة هى تلك العناصر الأساسية والجوهرية فى آن واحد لعملية الانتاج، ليس بالمعنى الواسع الذى يشمل الأنشطة أو العوامل الضرورية للمجتمع ككل حتى يقوم بالانتاج، وإنما بالمعنى الأضيق الذى يشمل العوامل البسيطة لعملية العمل" (شو، 1978، ص10).

هذه التعريفات- على الرغم من تشابهها- تخفى اختلافات هامة، إذ بالرغم من أن المؤلفين الثلاثة يتبنون الماركسية التقليدية فإن واحدا فقط، هو ماك مورترى، هو الذى يقترب منها على نحو دقيق. فبالنسبة له، كما هو بالنسبة للماركسية الأرثوذكسية، فإن قوى الانتاج تشمل ليس فقط وسائل الانتاج ومهارات العمل بل الناس (العمال) أيضا وأنماط التعاون أو علاقات العمل. فستالين، على سبيل المثال، يذكر بوضوح عند وصف تطور قوى الانتاج أن المانيفاكتورة تستلزم نفس التكنولجيا والأدوات التى يستلزمها الانتاج الحرفى لكن الاختلاف يكمن فى أنها تتطلب نمطا مختلفا من التعاون (ستالين، 1976، ص 862). ونفس الشئ تكرر فى الكتب السوفيتية الحديثة (أنظر كيليه وكوفالسون، 1973، ص 10). إن الناس ينتمون للقوى المنتجة تتكرر أيضا مرة بعد أخرى (أنظر ستالين، 1976،ص 856 و بوخارين، 1965، ص 115 و كيليه وكوقالسون، 1973، ص 51 و بوجولافسكى وآخرون، 1978، ص 333). لكن شو وماك مورترى وكوهن، على النقيض من ذلك، يستبعدون البشر من قوى الانتاج على نحو صريح، ولكنهم يختلفون حول أنماط التعاون، التى يتخذون إزاءها ثلاثة مواقف مختلفة. لكن يظل تقييم ماك مورترى هو الأقرب للأرثوذكسية التقليدية لأنه يميز بين "العلاقات التكنولوجية" التى هى "الروابط الفعالة المتضمنة فى قوى الانتاج" وبين علاقات الانتاج التى هى "روابط الملكية بين قوى الانتاج هذه ومالكيها" (ماك مورترى، 1978، ص 73).

هذا التمييز قد جرى تبنيه أيضا، فى سياق مختلف، من جانب فروع متعددة من الألتوسيرية. فباليبار على سبيل المثل يميز بين علاقات الملكية التى تنتمى إلى علاقات الانتاج الاجتماعية وعلاقات الاستحواذ المادية الفعلية الكامنة فى قوى الانتاج (ألتوسير وباليبار، 1975، ص ص 213- 4). كذلك يقترح هارنكر تمييزا مماثلا بين العلاقات التكنولوجية للانتاج وعلاقاتالانتاج الاجتماعية (هارنكر، 1968، ص 28). بينما شو، على النقيض من ذلك، يدافع عن وجهة النظر التى ترى أن التعاون ليس قوى انتاج، بالرغم من أنه قد يوسع الكفاءة الانتاجية مثل أى علاقة انتاج أخرى (شو، 1978،ص 24) بل إنه فى الواقع يضم كلا من علاقات "الملكية" وعلاقات "العمل" المتضمنة فى عملية الانتاج، فى مفهو علاقات الانتاج الاجتماعية (ص 31). وحتى تتعقد الصورة أكثر، يقترح كوهن بدوره حلا آخر يقع بين الفهم التقليدى وفهم شو. إذ يرى أِن علاقات العمل رغم أنها علاقات انتاج إلا أنها ليست علاقات انتاج اجتماعية (بنية اقتصادية) وإنما علاقات انتاج مادية. ومن ناحية اخرى، فحتى إذا كانت علاقات العمل مادية، مثل قوى الانتاج، فإنها ليست، هى نفسها قوى انتاج (كوهن، 1978، ص 113) هذا يعنى أن علاقات العمل أو أنماط التعاون ليست علاقات انتاج اجتماعية ولا هى قوى انتاج.

قد تبدو هذه الاختلافات فى وصف مضمون قوى الانتاج غير هامة عند النظرة الأولى لأن ما يعنى حقا المفهوم التقليدى للماركسية هو تأكيد الدور الديناميكى الحيوى لقوى الانتاج باعتبارها القوى المحركة للتاريخ، أيا ما كان مضمونها. هذا صحيح إلى حد معين. مع ذلك فإن مشكلة التعريف لها صلة من ناحية اخرى بالتمييز الملائم بين قوى وعلاقات الانتاج وهذا بدوره شرط ضرورى لأى برهنة أولوية القوى المنتجة. كما بين ميللر (1981)، أن ماركس كثيرا ما تعامل مع أنماط التعاون باعتبارها قوى انتاج. فهو فى الأيديولوجيا الألمانية مثلا يرى: أن انتاج الحياة، حياة المرء الخاصة فى العمل او الحياة الجديدة بالانجاب، تظهر لنا منذ الآن على أنه علاقة مزدوجة، علاقة طبيعية من ناحية، وعلاقة اجتماعية من ناحية أخرى. وإننا نعنى بالعلاقة الاجتماعية التعاون بين عدة أفراد أيًا ما كانت الشروط، وبأية طريقة كانت، ولأية غاية كانت. ويترتب على ذلك أن نمطا معينا للانتاج أو مرحلة صناعية معينة، تتداخل على الدوام مع نمط معين للتعاون أو مرحلة اجتماعية معينة، وهذا النمط للتعاون هو بحد ذاته "قوة منتجة" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 43).
فهنا، يؤكد ماركس أن أنماط التعاون هى قوى انتاجية واجتماعية معاً. ويتضح ذلك من قوله: "القوة الاجتماعية، أى قوى الانتاج المتضاعفة، التى تظهر عبر تعاون أفراد مختلفين عن تقسيم العمل" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 48). كما يتحدث ماركس فى مكان آخر عن "قوى الانتاج العامة التى تنشأ عن التركيب الاجتماعى" (الأسس، ص 700) ويعالج ماركس فى رأس المال مرارا موضوع "التعاون" باعتباره قوة انتاج (رأس المال، المجلد الأول، ص ص 305- 17). إن عدد ونوعية النصوص المتضمنة لهذا المعنى هى من الكثرة بحيث يصعب عدم الاتفاق مع ميللر بأنه "لو لم يكن لدى ماركس قدرة ضخمة على عدم الاتساق "لكان قد أدخل أنماط التعاون فى قوى الانتاج" (ميللر، 1981، ص 103).

هذا يعنى، أولا، أن كلا من كوهن وشو بالرغم من اهتمامهما بالدفاع عن الماركسية التقليدية إلا أنهما لم يفسرا ماركس بصواب فى هذه المسألة: والثانى، أنه على الأقل وبالقدر الذى يتعلق فيه الأمر بهذه المشكلة فإن الماركسية التقليدية القديمة قد اتبعت ماركس بدقة وفهمته بشكل صحيح. ولكن ذلك ليس ضمانا لكفاءتها. وعلى أى حال، وبصرف النظر عن هذا الاتفاق العام مع ماركس، فإن هناك أسباباً أخرى للاعتقاد بأن التفسير التقليدى القديم لهذه المسألة أفضل من (تفسير) كوهن وشو. ومشكلة مثل هذا التفسير، فيما يبدو لى، إنما تنشأ من التمييز بين الخصائص الاجتماعية والمادية للمجتمع وهو التمييز الذى يطرحه كوهن صراحة ويتبناه شو ضمنيا. إذ يلاحظ أنه، بالرغم من أن شو يعتبر أنماط التعاون علاقات انتاج اجتماعية وكوهن على العكس يتصورها علاقات انتاج مادية، فكلاهما معنيان بصيانة قوى الانتاج من أى انتهاك، كما لو كانت مادية محضة بشكل حصرى. فكوهن يعرف الملكية الاجتماعية على النحو التالى: "لا يوصف شئ ما بأنه اجتماعى إلا إذا ترتبت عليه حقوق أو سلطات لأشخاص- معينين أم غير معينين- تجاه أشخاص آخرين" (1978، ص 94) فمثل هذا التعريف تقييدى لأبعد حد، إذ أنه يطوى مفهوم "الاجتماعى" داخل مفهوم علاقات الانتاج ومثل هذه الطريقة فى الفهم تتسم بأنها اعتباطية واختزالية دون داع. فماركس نفسه يقدم أفضل كثيرا، حينما يتحدث فى الأيديولوجيا الألمانية عن "الاجتماعى" بالمعنى الذى يشير لتعاون أفراد متعددين، دون التقيد بشروط أو طريقة أو غاية معينة (الأيديولوجيا الألمانية، ص 43).

ووفقا لهذا التفريف الأكثر أساسية، فإننى حين أحمل شيئا معك، فإن ما أفعله هو فعل اجتماعى بغض النظر عما إذا كنت أفعله استنادا إلى اتفاق ما، أو تحت تأثير سلطتك (كوهن، 1978، ص 95). بالطبع الحقوق أو السلطات التى بمقتضاها نحمل الشئ هى أيضا خصائص اجتماعية تحدد مركزنا الطبقى ضمن نظام علاقات الانتاج. ولكن علاقات الانتاج هى جزء فقط من شبكة أعرض من العلاقات الاجتماعية. وهكذا حينما نتبنى تعريفا أعم، ووجهة نظر أكثر ملاءمة للـ "اجتماعى"، فإننا نجد أن ما يسمى "العلاقات التكنولوجية" أو "علاقات العمل" هى اجتماعية أيضا بقدر ما تنطوى على تعدد فى الأفراد المتعاونين فى عملية الانتاج وبصرف النظر عن وسائل الانتاج ويضعها ضمن علاقات الانتاج. ولكن هذه ضرورية تماما. إذ لم ينبغى أن تكون هناك مشكلة فى ادراك كل من علاقات الانتاج وقوى الانتاج فإننا نخاطر بحرمان هذا المفهوم من عنصره (الأساسى) الذى يحدد مستوى الانتاجية عن طريق تأمين تركيب معين بين وسائل الانتاج ومهارات العمل. كيف يمكن لنا أن ندرك مستوى معينا من الانتاجية بالنظر فقط لحاصل الجمع المادى لوسائل الانتاج ومهارات العمل؟ فحتى يمكننا أن نتكلم عن درجة من الانتاجية التى تنمو ويمكن أن تقاس، فإنه لا مفر من تضمين علاقات العمل ضمن القوى المنتجة.


التاريخ كـنمو لقـوى الانتاج

والمواقف المختلفة إزاء مضمون قوى الانتاج لا تغير حقيقة أن معظم المؤلفين ضمن التقليد الأرثوذكسى يقبلون فكرة أن قوى الانتاج هى القوة المحركة الأساسية للتغير فى المجتمع بقدر ما تتطور عبر التاريخ وأنها تشكل المبدأ التفسيرى الأخير لطابع البنية الاقتصادية، والتى تحدد بدورها، طابع البنى الفوقية. ومع ذلك فمن الواضح أن نظرة كوهن الحصرية لقوى الانتاج، التى تستبعد كل الخصائص الاجتماعية لها، تختزل إلى حد بعيد المبدأ التفسيرى إلى جوانبه المادية والتكنيكية المحضة. ورغم أن كوهن يدرك "أننا لا نستطيع أن نستنبط العلاقات الاجتماعية من وضع مادى"، إلا أنه يصر على "أننا نستطيع أن نستدل عليها بهذا القدر أو ذاك، بفضل المعرفة العامة أو النظرية" (كوهن، 1978، ص 95).
وبما أن كوهن يعتبر قوى الانتاج مبدأ تفسيريا، ذا طبيعة مادية بحتة، للعناصر الاجتماعية، فقد اتسم تفسيره لنزوع قوى الانتاج للتطور والنمو عبر التاريخ باستبعاد حتمية تطور الجوانب لاجتماعية، وبالتالى علاقات الانتاج، وبجعلها تسير وفق ميكانزم مستقل ذاتى الدفع: يعبر عن وجود اتجاه طبيعى للبشر العقلانيين للتغلب على الندرة. ويقع كوهن بتفسيره لتطور قوى الانتاج بهذه الطريقة فى نفس الخطأ الذى بينته في الفصل الثانى: فيستنتج أن ماهو عقلانى- ولاشك أنه من العقلانى للبشر الأذكياء أن يحسنوا من وضعهم فيما يتعلق بمشكلة الندرة- هو ما يجرى بالفعل فى الواقع التاريخى.و أنا لا أقول أن ذلك لا يمكن أن يحدث أو حتى أننا لا يمكن أن نكتشف تاريخيا مثل هذا الاتجاه فى مجتمعات وأحقاب كثيرة. المشكلة هى بالأحرى أن مثل هذه المعادلة المباشرة لا تولى انتباها للعوامل الاجتماعية التى يمكن أن تعوق مثل هذا التطور. ونظرية كوهن لا تسمح بذلك إلا كحالة عارضة، لأن العلاقات الاجتماعية بحكم تعريفها يفترض أنها لم توجد إلا لتساعد فى تعزيز تطور قوى الانتاج.
ومن الناحية النظرية يمكن اعتبار تصور كوهن منطقيا تماما. إلا أن المشكلة هى أن الواقع التاريخى لا يتكيف بالضرورة لهذا المنطق دون توسط شروط اجتماعية نوعية. وكما طرحها كوهن فإن :
حقيقة كون أن الأفراد لديهم اهتمام بتحسين وضعهم المادى،و أنهم أذكياء بما فيه الكفاية ليبتكروا طرقا لعمل ذلك، لاتدفعهم- فى غالب الأحيان- إلى الاهتمام بتطوير قوى الانتاج. لكن فى ظل شروط بنيوية خاصة يمكن للاهتمام بتحسين المستوى المادى، أن يترافق مع اهتمام مماثل لتطوير قوى الانتاج (ى. كوهن، 1982، ص 268).
ولكن المشكلة لا تكمن فقط فى التسليم بأن الرغبة العقلانية فى التغلب على الندرة تتحول مباشرة إلى تكنولوجيا متطورة. ذلك أننا حتى إذا قبلنا جدلا أن تصور كوهن يحدث فى الواقع أو إذا قصرنا تحليلنا على المجتمعات والحقب التى يوجد فيها تطور ثابت لقوى الانتاج قابل للاختبار بوضوح، فستظل هناك مشكلة مع فكرة كوهن هى أنه يرى أن علاقات الانتاج تفسر وظيفيا بأنها تتجه دائما نحو تعزيز نمو قوى الانتاج. ذلك أنه رغم التغير التكنولوجى المنهجى والثابت فليس هناك ضمان بأن التناقض الطبقى المشتق من بنية علاقات الانتاج سوف ينتج بشكل فعال تغيرا فى نمط الانتاج، وعلى وجه التخصيص، ليس هناك ضمان بأن الطبقة الثورية التى لها مصلحة فى تحويل علاقات الانتاج سوف تكون قادرة على أن تفعل ذلك. فكما أشار" ليفين" و"رايت"، ليست هناك علاقة بسيطة صماء بين التغير التكنولوجى والنمو فى الامكانات الطبقية للطبقة العاملة (1980، ص 66).

ولعله قد أصبح واضحا الآن أن المشاكل التى أناقشها ليست مقصورة على تصور كوهن للمادية التاريخية. ذلك أنها، فى ملامحها الأكثر أساسية توجد فى أى تصور يعطى الأولوية لقوى الانتاج. صحيح أن كوهن يضاعف المشكلة بإشتقاق الاجتماعى من المادى وبتعريف قوى الانتاج بشكل ضيق بمصطلحات مادية بحتة. ولكن حتى لو أخذنا مفهوما أوسع لقوى الانتاج باعتبارها تشمل علاقات العمل، وحتى إذا اعتبرنا قوى الانتاج جزءا من نمط الانتاج، فسيظل صحيحا أن المعالجة الأرثوذكسية تحاول أن تفسر التغير وطابع علاقات الانتاج بواسطة تطور قوى الانتاج الذى يؤخذ، أياً كانت الأسباب، كأمرمسلم به. إنه لمما يثير الدهشة قلة انتباه الماركسيات الأرثوذكسية والحتميات التكنولوجية الأخرى، لتحليلات ماركس المتعددة للمجتمعات غير الأوربية، حيث شدد على أن أحد ملامحها الأساسية هو "الطابع الساكن لقواها المنتجة". فثمة وجهة نظر متصلة بدءا من رسائله الباكرة ومقالاته حول الهند والصين حتى التحليل الناضج للتشكيلات الاقتصادية ما قبل الرأسمالية في "الجروندريسا" وفى" رأس المال"، تستخدم في تفسير المجتمعات الآسيوية مفاهيم شديدة الاختلاف عن تلك التى استخدمت فى تفسير تطور أوربا الغربية.
إذ يتحدث ماركس، عند الاشارة إلى الهند فى رسالة لانجلز، عن "ا الطابع الراكد لهذا الجزء من آسيا- بالرغم من كل الحركات التى لا معنى لها على السطح السياسى" ، ويرى فى نظام القرية: " الأساس المتين للاستبداد الآسيوى والركود، الذى لا ينكسر إلا تحت تأثير الإكراه الخارجى للحكم البريطانى" (14 يونيه 1853، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص ص 79- 80) .و تلح مقالات ماركس حول الهند على أنه "على الرغم من تغير المظهر السياسى لماضى الهند، فإن وضعها الاجتماعى قد ظل ساكنا منذ أقدم العصور" ، وقد ظلت الروافع البنيوية لمثل هذا المجتمع منذ الأزمنة السحيقة هى "النول اليدوى ودولاب الغزل" (مقالات عن الهند والصين، كتابات من المنفى، ص 304). ويذكر قراءه ، وهو يجادل بشدة ضد أى نظرة رومانتيكية عن حياة القرية، أن هذه المجتمعات قد تلوثت بنظام الطائفة والعبودية، الذى حول دولة إلى قدر طبيعى لا يتغير أبدا" (ص 306). فبغض النظر عن الغزوات المتلاحقة "فالمجتمع الهندى لا تاريخ له على الاطلاق" لأن كل امبراطورية جديدة كانت تتـأسس "على الأساس السلبى لهذا المجتمع غير المقاوم غير المتغير" (ص 320).
ويواصل ماركس فى رأس المال، بشكل أكثر تفصيلا، نفس التحليل للحياة الاقتصادية للجماعات الهندية، التى وصفت من خلال مفهوم "تقسيم للعمل غير قابل للتغير" (رأس المال، المجلد الأول، ص 337)، حيث يقول ماركس:
إن بساطة تنظيم الانتاج فى هذه الجماعات المكتفية ذاتيا التى تعيد انتاج نفسها على الدوام فى نفس الشكل... تزودنا بمفتاح سر عدم قابلية المجتمعات الآسيوية للتغير، والتى تتعارض بصورة لافتة للنظر مع الانحلال الدائم وإعادة تأسيس الدول الآسيوية، والتغيرات التى لا تتوقف للأسر الحاكمة. إذ تبقى بنية العناصر الاقتصادية بعيدة تماما عن عواصف التغيرات السياسية (رأس المال، المجلد الأول، ص ص 338- 9).

وقد انتهى ماركسِ، فى الوقت الذى انهى فيه كتابه "الجروندريسا" إلى تصور الملامح الخاصة لهذه المجتمعات بلغة نمط انتاج مختلف هو "نمط الانتاج الآسيوى"، الذى ذكره للمرة الأولى والوحيدة فى مقدمة 1859. ويتسم نمط الانتاج هذا بالافتقار إلى الملكية الخاصة للأرض، التى تسيطر عليها الدولة ، لكنه يعتمد على القرى المكتفية ذاتيا، التى تدفع الخراج لدولة مركزية مسئولة، فى حالتها النموذجية، عن الرى والمشاريع المائية الكبيرة.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن ماركس قصر فكرة "المجتمعات الآسيوية" هذه أو، نمط الانتاج الآسيوي، على البلدان الآسيوية جغرافيا. إذ يجد ماركس فى الواقع ملامح آسيوية فى أمريكا ماقبل الاستعمار- خاصة بيرو، والمكسيك- والسلت ومجتمعات قبلية أخرى (أنظر الجروندريسا، ص 473). وقد كشف المسح الشامل الذى اجراه ميلوتى لكتابات ماركس أن قائمة البلدان والأقاليم التى ذكرت فى ارتباط بكل أو بعض السمات الآسيوية تشمل أيضا- بغض النظر عن الهند والصين- مصر، ومابين النهرين وفارس والجزيرة العربية وتركيا. وجاوه، ومناطق الهند الشرقية، وروسيا، وأسبانيا تحت حكم المغاربة (ميلوتى، 1982، ص 77). إن تعدد وامتداد الأقاليم التى أشير إليها فى سياق نمط الانتاج الآسيوى كان ينبغى أن يكون قد نبه المفكرين الماركسيين إلى حقيقة أن فكرة أولوية قوى الانتاج إذا كانت صالحة على الاطلاق، فإنها تشتغل فى مساحة جغرافية محددة للغاية وفقا لتقييم ماركس الخاص ، وينبغى من ثم ممارسة حذر شديد قبل اعتبارها مبدأ شاملا لتاريخ البشرية. والواقع، كما رأينا فى الفصل الثانى، أن كولاكوفسكى ذهب إلى أن الماركسية الأرثوذكسية، فى زمن ستالين، استبعدت "نمط الانتاج الآسيوى"، تحديدا بسبب أنه يلقى ظلالا من الشك على الطابع الشمولى لنظرية مقبولة للتاريخ تقوم أساسا على فكرة نموذج موحد للتطور فى كل مكان مدفوعا بالتطور المستمر لقوى الانتاج (كولاكوفسكى، 1978، المجلد الأول، ص 350) وبغض النظر عما لإذا كان كولاكوفسكى محقا أم لا فى الاعتقاد بأنه كانت هناك محاولة للتخلص من عنصر نظرى غير ملائم, لأسباب نفعية، فمازال من الصحيح أن مثل هذا المفهوم يواجه الماركسية بمشكلة يجب أن تحل بدلا من أن يتم تجنبها.
وعلى أية حال، لا يعنى ذلك أن علينا أن نقبل بالضرورة فكرة نمط انتاج آسيوى كأداة تحليلية مماثلة لمفاهيم أنماط الانتاج الاقطاعية والرأسمالية. وقد وقع فى الأعوام القليلة الماضية جدال هام داخل الماركسية بين من يرون فى هذا المفهوم إمكانية تطوير مفهوم متعدد المسارات للتاريخ لا يتطلب الوجود العالمى للاقطاعية (أنظر على سبيل المثال، ميلوتى 1982 و روى، 1978) وهناك من يرفضون مثل هذه الفكرة باعتبار أنه يتعذر الدفاع عنها (أنظر أندرسون، 1979 ب، و هيندس وهيرست، 1975). هناك بالفعل شئ غريب للغاية فى مقولة تحليلية مجردة مفترضة، قابلة للتطبيق على نحو شامل، صنفت على أنها "آسيوية"، الأمر الذى يعطينا انطباعا أن ماركس ألقى فى سلة المهملات بسلسلة من الحالات التاريخية المختلفة التى يجمع بينها أنها لم تتطور باتجاه الرأسمالية مثلما حدث لأوربا الغربية. فحتى المدافعين عن ذلك المفهوم يجدون من الصعب عليهم أن يحددوا البنية الطبقية التى تسم نمط الانتاج الآسيوى. فميلوتى، على سبيل المثال، يعى جيدا مشكلة تقرير من ينظم الطبقة المستغلة، كما يعى أيضا أن هناك مستويين من"الاستغلال"- داخل القرية من ناحية وبين القرية والدولة المركزية من ناحية أخرى . و هو يري أ ن الموظفين المركزيين للدولة ( الماندارين، البروقراطيوين والعسكريون) يشكلون طبقة تستولى على ريع الأرض (ميلوتى، 1982، ص ص 60-1). ولكن عليه عندئذ أن يلاحظ أن ماركس لم يفكر فى البيروقراطية باعتبارها طبقة. وأن واحدا من ملامح نمط الانتاج الآسيوى هو غياب الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. بينما يرى أندرسون بدوره أن ماركس اعتمد على تقييمات لآسيا كانت نتيجة لمعلومات أسئ تفسيرها وهو يرى كذلك أن الطابع الجمودى للامبراطورية الشرقية ليس سوى وهم. وهكذا يستنتج أن نمط الانتاج الآسيوى "عانى ضعفا فى توظيفه بصفة أساسية باعتباره مرتكزا لمقولة توليدية للتطور غير الأوربى ومن ثم يقترح أنه ينبغى لمثل هذه الفكرة أن، "يجري دفنهاعلي النحو الذى تستحقه (أندرسون، 1979ب، ص ص 488-495 و 584).

وأيا كان الأمر، فالمسألة لا تختص كثيرا بما إذا كان مفهوم نمط الانتاج الآسيوى صائبا فكريا, وإنما بواقعة أن ماركس نظر إلى كثير من المجتمعات غير الأوربية باعتبارها تفتقر إلى الدافع للتطور الذاتى وتتطلب التدخل "الثورى" الخارجى للقوى الاستعمارية حتى تسنح لها فرصة تطوير قوى انتاجها، كما طرح ماركس، ذلك بالنسبة لحالة الهند، حيث يقول: "على انجلترا أن تنجز مهمة مزدوجة فى الهند: واحدة تدميرية، وأخرى تجديدية- إبادة للمجتمع الآسيوى القديم، وارساء الأسس المادية للمجتمع الغربى فى آسيا" مقالات عن الهند والصين، كتابات من المنفى، ص 320). ويبدو أن نفس الفكرة كانت فى ذهن ماركس وانجلز حينما ساندا الغزو الأمريكى الشمالى للمكسيك وبصفة عامة التوسع الأمريكى الشمالى فى المحيط الباسيفيكى. كما يعرض ذلك انجلز:
لقد شهدنا بسرور غزو أمريكا المكسيك لكون أنه يشكل تقدما بالنسبة لبلد مشغول حتى الوقت الحاضر بذاته على وجه الحصر، ممزق بحروب أهلية مستمرة وممنوع من كل تطور، بلد كان فى أفضل الأحوال على حافة السقوط تحت التبعية الصناعية لانجلترا، فقد ألقى بهذا البلد بواسطة العنف فى الحركة التاريخية. ولعله من صالح تطورها الخاص أن تكون المكسيك فى المستقبل تحت نفوذ الولايات المتحدة. كما أنه من صالح تطور كل أمريكا أن تهيمن الولايات المتحدة، بواسطة احتلال كاليفورنيا على المحيط الباسيفيكى (مواد عن تاريخ أمريكا اللاتينية، DR، 1979، ص 183).

بالطبع يمكن القول بأن ماركس كان مخطئا تماما حول هذا ليس فقط بسبب أن تقييمه لدور الاستعمار كان غاية فى التفاؤل وإنما أيضا، كما حاول أندرسون أن يبين، بسبب أن الطابع السكونى للمجتمعات الآسيوية أسطورة. صحيح أن ماركس لم ينكر وجود تغيرات سياسية جوهرية فى هذه المجتمعات ولكنه أنكر بالتأكيد أنها أثرت فى البنية الاقتصادية وبطبيعة الحال فإن نمط علاقات انتاج سكونى يعنى قوى انتاج سكونية. وعلى العكس من ذلك، يذهب أندرسون إل أن قوى الانتاج فى الصين الامبراطوية كانت ولحد بعيد قد حققت "معظم الشروط المسبقة التكنولوجية المحضة لتصنيع رأسمالى باكرا للغاية فى أوربا. فقد امتلكت الصين صدارة تكنولجية شاملة ومتفوقة على الغرب في أواخر العصور الوسطى تقريبا" (أندرسون، 1979ب،ص 54) واستنادا إلى ذلك يمكن الاستدلال على أن نظرية ماركس الأكثر عمومية عن التاريخ باعتباره نموا لقوى الانتاج صالحة عالميا بالرغم وعلى الضد من ملاحظاته الهيجلية ذات النزعة المركزية الأوربية حول "شعوب بلا تاريخ" و "اقتصاديات ساكنة".
ولكن مثل هذا الجدال لا يصمد للنقد سواء أكان ذلك بسبب أن الصين لم تصبح رأسمالية أو، كما يدرك أندرسون، بسبب توقف النمو التكنولوجى أو حتى مضيه فى اتجاه عكسى (نفس المصدر، ص 541).

والواقع أن أحد الاستنتاجات التى يستخلصها أندرسون من تحليله لنهاية الاقطاع الأوربى، يتمثل فى أنه:
على العكس من المعتقدات الشائعة لدى الماركسيين، فإن الخاصة المميزة لأزمة أحد أنماط الانتاج، ليست هى تلك التى نجد فيها أن قوى الانتاج (الاقتصادية) المتأججة بالنشاط تنفجر منتصرة فى وجه علاقات الانتاج (الاجتماعية) القديمة، وتؤسس على وجه السرعة مجتمعا وانتاجية عالية على أنقاضها. بل تميل قوى الانتاج، فى حالتها النموذجية، إلى التوقف ثم التراجع داخل اطار علاقات الانتاج القائمة، التى عليها فى هذه الحالة أن تتغير وتعيد تنظيم نفسها قبل أن تتشكل قوى الانتاج الجديدة، وتتآلف لتكون نمط انتاج عالمى جديد (أندرسون، 1967، ص 204).
ومما يثير الدهشة أن نجد أندرسون فى مؤلف لاحق وكأنه يصادق تماما على مفهوم كوهن التكنولوجى (أنظر أندرسون، 1980، ص ص 55 و 56). لكنه من الواضح تماما, وأيا كان تفسيرنا لموقف أندرسون ,فإن مثاله عن الصين يبين أنه حتى مع تطور وتغير قوى الانتاج فإن ذلك لا يفضى بالضرورة إلى تغيرات متوقعة فى علاقات الانتاج وفقا لما تذهب إليه أطروحة الأولوية. وبالرغم من أن ماركس قد يكون قد شدد على الطابع السكونى للبلدان غير الأوربية، فإن الحقيقة المجردة بوضوح هى أن مستويات متشابهة للتطور التكنولوجى قد تنتج علاقات انتاج مختلفة تماما وأنه من ثم لا ضرورة لأن يتبع تطور المجتمعات غير الأوربية نفس النموذج. كما أن التطور الأوربى يشكك فى فكرة الأولوية الشاملة لقوى الانتاج.
أما لماذا شدد ماركس للغاية على تأكيد أولوية قوى الانتاج فى تصريحاته النظرية العامة عن التاريخ؟ فيبدو أن هناك عنصرين هامين فى الاجابة على هذا السؤال. الأول، هو أن الرأسمالية كانت موضوع تحليله الأساسى، لذلك اتجه ماركس لتعميم الدور الحاسم الذى قامت به قوى الانتاج فى توسعها ولم يدرك النتائج النظرية لتحليلاته الخاصة لأنماط الانتاج الأخرى، رغم أنها قد تكون متشظية ومتناثرة. الثانى، أن ماركس كان بالتأكيد خاضعا لنفوذ وتأثير عقيدة القرن التاسع عشر فى التقدم المستمر للعلم والتكنولوجيا.

لقد رأينا سلفا كيف أن الأممية الثالثة فى 1928 قد عكست موقفها الأصلى، بالنسبة لتقييم ماركس الإيجابى لنتائج الإمبريالية. فمنذ تلك اللحظة أصبح الخط الأرثوذكسى هو تاكيد أن الإمبريالية عقبة فى وجه تطور القوى المتجة. ومثلما كان ماركس مخطئا تماما فى اعتقاده أن المجتمعات غير الأوربية كانت بصفة أساسية ساكنة فى قوى انتاجها وأن التدخل الاستعمارى كان ينحو لأن يكون مفيدا لهذه البلدان لأنه سيفضى إلى تصنيعها؛ أخطأت الأرثوذكسية الجديدة فى اعتقادها بأن قوى الانتاج كانت ستتقدم طبيعيا وتتبع النموذج الأوربى لو لم تكن الامبريالية قد منعتها من ذلك. ويمثل وارين 1980 موقف ماركس اليوم بينما باران (1957) وفرانك (1969) يتبنيان وجهة نظر الأرثوذكسية الجديدة. وخبرة ما يسمى البلدان غير المتطورة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، تبين أن الإمبريالية لم تفض إلى تصنيع الأقاليم المتخلفة ولا أعاقت تطورها بشكل مطلق وكما ذهب كاردوسو وفاليتو إلى أن عمليات التطور التابع او التصنيع التابع ممكنة وهى تبين أن قوى الانتاج ليست راكدة ولا ذاتية الدفع (كاردوسو وفاليتو، 1979).

والنتيجة الأولى لرفض أولوية قوى الانتاج هى تحول تفسير التغير الاجتماعى فى المجتمعات الطبقية من التناقض البنيوى بين قوى وعلاقات الانتاج إلى الصراع الطبقى. إذ كانت التقييمات الأرثوذكسية عادة للصراع الطبقى تعطيه وضعا مشتقا وخاضعا ، ومعتمدا كلية على العوامل "البنيوية". فأندرسون، على سيل المثال، بعد مصادقته على كوهن، يرفض فكرة أن الاضطراب والاختلال هو وظيفة الصراع الطبقى وأن الأزمات تتطابق مع المواجهات الطبقية إذ يرى أن "هجوم الأزمات الاقتصادية الكبرى، سواء أكانت فى ظل الاقطاع أو الرأسمالية، إنما يأخذ، فى حالته النموذجية، كل الطبقات الاجتماعية على حين غرة مستخرجا من أعماقها البنيوية ما كان كامنا فيها" (أندرسون، 1980،ص 55). إنه من الصعب فهم كيف يكون من الممكن داخل الماركسية أن نفصل أصل الأزمات عن الصراعات الطبقية. فالأزمات هى بحكم تعريفها تعبير عن التناقض الأساسى لنمط الانتاج (نظريات فائض القيمة، المجلد الثانى، ص 500). إذ يستتبع التناقض بين رأس المال والعمل، على سبيل المثال، تناقض بين البروليتاريا والبورجوازية على مستوى الشكل، واقتطاع فائض القيمة بواسطة انتاج السلع على مستوى المضمون. وعلى ذلك فإن نفس التناقض الأساسى باعتباره شاملا لكل من المشكلة الاقتصادية الخاصة بانتاج السلع وتحقيق فائض القيمة من ناحية، ولا الصراع الطبقى من ناحية أخرى، يعبر عن نفسه فى صورة الأزمة. ونتيجة الصراع هى التى تحدد كيف تعالج المشكلة الاقتصادية. حقيقة أن الطبقات قد لا تكون مدركة تماما أو واعية عند انفجار الأزمة بوجود الصراع الطبقى فى مركزها. لذلك ينتقد أندرسون، (مثل كوهن) تومبسون لإدخاله الوعى فى تعريف الأوضاع الطبقية (كوهن، 1978،ص 73 و أندرسون، 1980، ص 40)، لقد كان عليه أن يدرك أن الصراع الطبقى أيضا لا يعتمد بالضرورة على الوعى التام للطبقات المنخرطة فيه (أنظر ستيه كروا، 1983،ص 60 و 1984، ص 100).

أما النتيجة الثانية هى التخلى الضرورى عن النظرية أحادية البعد للتاريخ باعتباره سلسلة من المراحل التى يجب أن تمر بها جميع الأمم. إذ ليس هناك نموذج موحد للتطور مسير بآلية شاملة. فالتطور التاريخى الأوربى الذى وصفه ماركس بلغة تعاقب معين لأنماط الانتاج لا يحدث فى كل مكان ولا توجد هناك أى ضرورة شاملة لهذا التسلسل المعين. وربما كان هذا هو النقد الأعم الوحيد للنظرية الماركسية عن التاريخ، وقد طور بأشكال مختلفة من قبل النقاد مثل بوبر popper(1973، ص ص 82 و 107)، وليف1961)،ص ص 104- 6)، و كولاكوفسكى (1978، المجلد الأول، ص ص6-365)، وبوبر (1968، ص 8-326)، وأكتون (1954، ص ص 71-168)، وهوك (1955، ص 36) وحديثا جيدنز (1981، ص ص 1 و2 و3-20). ولكن يبدو أن قلة منهم تدرك أن ماركس نفسه رفض بوضوح تحويل مخططه التاريخى عن تكوين الرأسمالية فى أوربا الغربية "إلى نظرية فلسفية تاريخية للطريق العام للتطور مفروض كالقدر على كل الأمم" (رسالة، نوفمبر، 1877، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص 293). وكذلك فمما يثير الدهشة ما نجده من استعداد النقاد لدمج ماركس مع الماركسية التقليدية. حتى حين يكون النقاد واعين بوجود توترات فى فكر ماركس، فإنهم يميلون لحلها دوما بمعنى تقليدى.

وقد كانت التقليدية منذ زمن بليخانوف حريصة دائما على ألا تخلط النزعة الحتمية مع النزعة القدرية، التى تستتبع السلبية واهمال التدخل السياسى الانسانى فى العمليات الاجتماعية. إذ تؤكد الضرورة التاريخية ذاتها ولكنها تفعل ذلك فحسب من خلال أفعال البشر، الذين هم من ثم "أدوات هذه الضرورة" (بليخانوف، 1976 ب، ص ص 14-13). وعلى أية حال، فبالرغم من أن الماركسية الأرثوذكسية لا يمكن أن تتهم بتجاهل الممارسة الانسانية والصراع الطبقى، فإن مفهومها عن الممارسة باعتبارها "أداة الضرورة"، يظل عرضة للنقد. أولا، لأنه كما بينت سلفا، لا يمكن لنا أن نشتـق من حقيقة العقلانية الانسانية أن البشر سوف يتبنون مجرى محددا للفعل، أو كما طرح ذلك نقاد آخرون لا يستتبع وجود مصلحة طبقية عامة بذاتها فى تحويل المجتمع أن مثل هذه الطبقة تمتلك القدرات على تحويل المجتمع. وثانيا، لأنه فى تصور الممارسة كأداة للضرورة فإن التقليدية تختزلها بهذا القدر أو ذاك إلى نشاط آلى أو ميكانيكى لا يملك البشر حرية فى السيطرة عليه أو تغييره. فالأمر ليس فقط كما تصور بليخانوف أن البشر لا يستطيعون مقاومة الرغبة ليخدموا كأدوات للضرورة وأنهم لذلك، يفترض أن تتم برمجتهم بحيث يرغبون فى تحقيق غايات معينة باعتبارها "المولدات الثقافية" وهى التى انتقدها جيدنز (1981، ص 18)، فحتى إذا افترضنا أن ما يرغبون فيه يدفع آليا إلى ممارسة سياسية فعالة تتجه لإنجازه، فمثل هذه الممارسة تبدو وكأنها محددة سلفا بشكل مطلق مثل الأدوار المسرحية التى يجب أن يقوم بها الممثلون. فإذا كان من الصحيح أن البشر مشروطون بالظرف المادية المستقلة عن إرادتهم. فذلك لا يعنى أنهم يتجهون إلى الفعل فى إتجاه معين، حتى ولو أمكن لنا أن نبرهن أن لهم مصلحة حقيقية فى عمل ذلك. فإذا كانت حتمية الشروط المادية تؤدى بطبيعة الحال إلى ظهور مشكلات قابلة للحل، فليس ثمة ما يضمن أن تكون تلك الحلول مكتملة التحقق على الدوام.



تعليقات الفيسبوك