الإغتراب ومفهوم الإغتراب عند ماركس 3-4


جاسم الزيرجاوي
2012 / 8 / 26 - 15:02     


Without alienation, there can be no politics.
Arthur Miller

1

ماركس والاغتراب
يعد مفهوم الاغتراب أساسيا في فكر ماركس...وبدأ ماركس في تناول موضوع الإغتراب في " المخطوطات الاقتصادية والفلسفية" (Economic and Philosophic Manuscripts)...1844 ...والتي خط ماركس المسودات الثلاث بين أبريل وأغسطس 1844م في منفاه بمدينة باريس..و التي خصص فيها باباً شيقاً لمناقشة قضية "غربة العمل".والواقع أن "المسودات - المخطوطات " لم تصدر منشورة إلا في العام 1932م وذلك في أصلها الألماني من معهد الماركسية – اللينينية في موسكو، أما ترجمتها الأولى إلى الانجليزية فصدرت في العام 1959م من دار التقدم موسكو.

و الإغتراب عند ماركس حالة نفسية واجتماعية يحس بها العامل نتيجة الفصل القاطع بينه وبين ملكية وسائل الإنتاج التي يعمل بها, فهو ليس جزءا من عملية الإنتاج ,ولكنه ترس في آلة الإنتاج الضخمة ويؤدي دورا وعملا أساسيا في عملية الإنتاج ولذلك ينمو عنده شعور وإحساس بأنه لا يعمل لنفسه وإنما يعمل من اجل غيره ولذلك لا يضفي على عملية الإنتاج ولا على الآلة ولا على المهنة التي يؤمن بها أي طابع عاطفي أنساني (بمعنى الانتماء ) وهذا الاغتراب في رأي ماركس نَما وتفاقم بنمو وتقدم وسائل الإنتاج الرأسمالية مثل المصانع الكبيرة والمؤسسات الإنتاجية الكبرى.

2

إن مفهوم الإغتراب عند ماركس يرتكز على التمايز بين الوجود والجوهر, على حقيقة أن الإنسان مغرِّب عن جوهره.

إن عملية الإغتراب يتم التعبير عنها في العمل, وفي تقسيم العمل , فالعمل بالنسبة له, هو التواصل الفعّال للإنسان مع الطبيعة , وخلق عالم جديد , بما فيه خلق الإنسان لذاته.
الإ أنه عبر تطور الملكية الخاصة وتقسيم العمل , يفقد العمل صفته كتعبير عن طاقات الأنسان , حيث يتخذ العمل ونتاجه , وجوداً منفصلاً عن الأنسان , وعن أرادته ومشروعه.

يقول ماركس في المسودات- المخطوطات- الاقتصادية والفلسفية 1844
أن الشئ الذي ينتج بالعمل , يقف الان في مواجهة العمل ككائن مغرَّب..... alien being , كقوة مستقلة عن المُنتج. إن نتاج العمل هو العمل الذي تجسد في موضوع وتحول إلى شئ مادي.........ص95

وبالتالي, فإنه لا يحقق ذاته في في عمله, بل ينفي ذاته, ويكون لديه شعور بالبؤس أكثر من شعوره ككائن طبيعي... Well-being.

كما أنه لا يطور بحرية طاقته الذهنية والطبيعية , بل يكون منهكاً طبيعياً ومنحطاً ذهنياً.... Physically exhausted and mentally debased
لذلك فإن العامل لا يشعر بذاته وكأنه في بيته إلا في العطلة , هذا الشعور الذي يفتقده أثناء العمل ...ص98 .

أن ماركس يشدّد على نقطتين:
1. في تطور العمل , وخصوصاً العمل في ظل شروط الإنتاج الرأسمالي , يُقصي... estranged...الإنسان عن قواه المبدعة.
2. إن موضوعات عمله تصبح موجودات مغرَّبة.. alien beings..., تقوم بالتحكم به , آخر الأمر, وتصير قوى مستقلة عن المنِتج... producer....ونصاً يقول:
يوجد العامل من أجل تطوير الإنتاج , وليس تطور الأنتاج من أجل العامل...رأس المال جزء-1-ص 536

أكد ماركس إن إغتراب العمل وصل ذروته في المجتمع الرأسمالي , وأن الطبقة العاملة هي الطبقة الأكثر أغتراباً...أن العامل الذي يستخدم كجزء ملحق بالآلات, يتحول الى شئ... a thing...عبر تبعيته لرأس المال.

3

وثنية (صنمية) فيتشية السلعة.... "The fetishism of commodities

فيتشية .... في الإنكليزية Fetishism,وفي الفرنسية Fétichisme
وهي أصلا جاءت من اللفظ البرتغالي feitiço......وفي اللاتينية facticius
ويعني زائف, ويقصد به الشئ الذي يكون مسكوناً بروح أو بقوة سحرية, ولهذا فهو موضع رهبة.
ويطلق في الإنكليزية والفرنسية على الاعتقاد بأن شيئاً معيناً بالذات مثل هذا الحيوان له قوة سحرية خارقة.

إن الإنتاج الرأسمالي يحول علاقات الأفراد الى نوع من كيفيات .. Qualities ...الأشياء ذاتها, كما أن هذا التحويل يشكل طبيعة السلعة في أسلوب الأنتاج الرأسمالي.

يقول ماركس: ....بدلاً من كون الثروة المادية موجودة لتلبية حاجات التطور لدى العامل...وكما يكون الإنسان في الدين محكوماً من قبل نتاج دماغه , كذلك تتحكم به في وسائل الإنتاج الرأسمالي نتاجات يديه....رأس المال -1-ص680

وبلغة شاعرية يصف الضعف الإنساني: إن الآلات تُكيَّف.. adapted to...مع ضعف الكائن الإنساني , من أجل تحويل الكائن الإنساني الضعيف الى آلة.....المخطوطات..ص143

وقد أمكن لماركس أن يكتب في ضمن التحليل الذي خصّصه ل..فيتشية السلعة في آخر الفصل الأول من القسم الأول من الكتاب الأول لرأس المال:
لكي نجد شبهاً لهذه الظاهرة , يجب البحث عنه في المنطقة الغائمة من العالم الديني, فهناك تكون لمنتوجات العقل البشري صورة كائنات مستقلة, تتمتع بأجسام خاصة, على اتصال بالبشر وفيما بينها. وهو نفس ما يحث لمنتوجات يد الإنسان في العالم البضاعي. وهذا ما يمكن أن نسمية بفيتشية بمنتوجات العمل منذ عرضها كبضائع وهي فيتشية لا تنفصل عن نمط الإنتاج هذا...

ويستمر بالقول:
تبدو البضاعة للوهلة الأولى شيئاً بسيطاً جداً ومبتذلاً. بيد أن تحليلها يبين أنها شيء مليء بالغرابات والتفاصيل الميتافيزيائية والأحاييل اللاهوتية.


ومن الذين أوصلوا وثنية (صنمية) فيتشية السلعة الى الناس بأسلوب مسرحي, جميل... هو : الممثل والكاتب المسرحي الأمريكي: ....Wallace Shawn

في مسرحيته الحُمَّى ... The Feverوالتي تحولت الى فلم سينمائي في العام 2004 , حيث يجد بطل المسرحيىة: نسخة من "رأس المال" ويبدأ بقراءتها ليلاً. يتفكر بالغضب الكامن بهذا الكتاب، ومن ثم يعود إلى البداية التي كانت قد بدت له عصية عليه، وها هنا أستشهد بمقطع طويل من المسرحية:‏‏‏‏‏‏‏
وصلتُ الى عبارة كنت قد سمعتها من قبل، عبارة غريبة، حانقة، وعلى شيء من القبح: إنه الجزء المخصص لـِ "فتشية السلعة" رغبت لو أفهمها تلك العبارة ذات الوقع الغرائبي، لكني أدركت بأني لكي أفهمها فإن على حياتي ربما أن تتغير برمتها.‏‏‏‏‏‏‏
الشرح كان موارباً. يستعين كأمثلة على ذلك ببشر يقولون "عشرون ياردة من الكتان تساوي باوندين".
أناس يقولون ذلك عن كل شيء يمتلك قيمة محددة. هذا يساوي ذلك، هذه السترة، فنجان القهوة هذا: كل شيء يساوي مبلغاً من المال، أو عدداً ما من أشياء أخرى- معطف واحد، يساوي ثلاث سترات، وهذا المبلغ من المال – كما لو أن المعطف، ظهر فجأة على سطح الأرض كتميمة..... Fetish ، مادة فيزيولوجية في داخلها روح حية.
لكن ما الذي يحدد حقاً قيمة المعطف؟ سعر المعطف يأتي من تاريخه، تاريخ جميع الناس الذين تورطوا في صنعه وبيعه وكل العلاقات المحددة التي كانت بينهم.
عندما نشتري المعطف فإننا ننشأ علاقات مع كل أولئك الناس، ومن ثم نخفي تلك العلاقات من وعينا بالتظاهر بأننا نعيش في عالم لا تاريخ فيه للمعاطف وأنها فقط هبطت علينا من السماء حاملة لسعرها من الداخل.
"احب هذا المعطف،" نقول "ليس سعره غال" كما لو أن ذلك حقيقة ذلك المعطف وليس بنهاية قصة أولئك الناس اللذي قاموا بصنعه وبيعه.
"أحب الصور في هذه المجلة: " امرأة عارية تنسج أمام نولها, يشتري رجل المجلة ويحدق بالصورة, ارتبطت أقدارهما, الرجل دفع للمرأة لتخلع عنها ثيابها، وتنسج على النول.
للصورة تاريخها – ما الذي أحست به المرأة في اللحظة التي فكت فيها أزرار قميصها, ما الذي قاله المصور.
سعر المجلة هو توصيف العلاقات بين الناس:
المرأة- الرجل- الناشر- المصور- ذاك الذي أصدر الأمر- وذاك الذي أطاع.
فنجان القهوة يحمل تاريخ الفلاحين الذين قطفوا حبوب البن، كيف أغمي على بعضهم من حرارة الشمس، وكيف طرد البعض. ليومين وأنا أرى فتشية السلعة في كل مكان حولي. كان شعوراً غربياً. في اليوم الثالث فقدت ذلك الشعور، اختفى ولم أعد أراه أبداً.‏‏‏‏‏‏‏

م: المصادر والمراجع في الجزء الرابع الاخير



تعليقات الفيسبوك