العمل!


جواد البشيتي
2012 / 8 / 9 - 12:44     

ما "العمل"؟
وحتى لا يُظَن أنَّني، في سؤالي هذا، أُكرِّر السؤال الذي اتَّخَذَه لينين عنواناً لأحد مؤلَّفاته، أقول إنَّني أَسْأل عن "ماهية (أيْ ما هو)" العمل.
"العمل" لم يُوْجَد مُذْ وُجِدَ الإنسان، وإنْ لم يُوْجَد قَطْ قبل وجود الإنسان؛ فلقد عاش البشر زمناً طويلاً جدَّاً بلا عمل؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ "الإنسان المُسْتَهْلِك" أقدم وجوداً بكثير من "الإنسان المُنْتِج"، أيْ الإنسان الذي من طريق الإنتاج (أو العمل) يَسْتَهْلِك.
إذا كان ذاك (أيْ الاستهلاك بلا إنتاج) هو السِّمة الجوهرية لماضي البشر؛ وإذا كان هذا (أيْ الاستهلاك من طريق الإنتاج) هو السِّمة الجوهرية لحاضر البشر؛ فما هي السِّمة الجوهرية لمستقبلهم، على ما نتوقَّع؟
دَعُوني ألْجأ إلى الفلسفة، إلى هيجل، إلى "ثلاثيته الشهيرة"، لأقول، من ثمَّ، في توقُّعي، أو في تخميني، أو في ما يشبه "التنجيم"، إنَّ البشر سوف يعودون، مستقبلاً، إلى ما يشبه ماضيهم؛ لكن مع احتفاظهم، في الوقت نفسه، بكل ما هو جدير بالبقاء والاستمرار من حاضرهم؛ فـ "الطبيعة"؛ لكن على هيئة "قوى اصطناعية" كالبشر الآليين، ستتولَّى، مرَّة أخرى، إنتاج كل ما يلبِّي حاجاتنا، بمساعدة ومعونة جهد بشري ضئيل، متضائل، يَغْلُب عليه الطَّابع الفكري الذِّهني؛ وهذا "الجهد" لا يمت بصلة إلى مفهوم "العمل" الذي نَعْرِف؛ فـ "العمل" ظاهرة تاريخية، لم تكن أزلية، ولن تكون أبدية؛ ولا بدَّ للبشر من أنْ يبتنوا لهم مجتمعاً جديداً، حُرٌّ من "العمل"، ومن "الضغوط اللاإنسانية" لـ "الضرورة الاقتصادية".
أفراد الجماعة (أو الجماعات) البشرية البدائية قَضوا زمناً طويلاً جدَّاً لا يزاولون هذا النشاط الذي نسميه "العمل"؛ فَهُمْ كانوا يُلبُّون حاجاتهم المادية الأساسية الأوَّلية، وفي مقدَّمها حاجتهم إلى الطعام، من طريق أشياء من صُنْع الطبيعة، ومن طريق جَمْع الثمار (وأكل لحوم بعض الحيوانات) التي تُنْتِجها الطبيعة من تلقاء نفسها.
"مواضيع العمل (الأساسية)" كانت موجودة؛ لكنَّ "أدوات العمل"، مع "الدَّافِع (أو قوَّة الدَّافِع) إلى العمل"، لم تكن موجودة؛ فـ "العمل" إنَّما هو جهد بدني (عضلي، جسماني) يخالطه، لدى نشوئه، قليل من الجهد الذِّهني، ويُبْذَل (يُنْفَق) فردياً، أو جماعياً، في "موضوع ما"، أصله طبيعي، بواسطة "أداة (عمل بدائية)"، توصُّلاً إلى إنتاج شيء يلبِّي حاجة مادية أساسية أوَّلية (للفرد أو الجماعة). وهذا الشيء قد يكون نسخة من شيء تنتجه الطبيعة من تلقاء نفسها، كالثِّمار، أو قد يكون شيئاً جديداً مبتكَراً، كالأواني الفخَّارية والثياب، لا تنتجه الطبيعة من تلقاء نفسها؛ لكنَّها تُنْتِج عناصره ومكوِّناته؛ ولا شكَّ في أنَّ اختراع النار، بعد اكتشاف طريقة للحفاظ على نارٍ صنعتها الطبيعة، قد ساهم مساهمة كبرى في جَعْل "العمل" نشاطاً أساسياً جوهرياً للجماعة البشرية البدائية، ولأفرادها.
قبل "العمل"، عاش الإنسان (أي الجماعة البشرية البدائية) أسيراً للمكان الضَّيِّق، المحدود؛ فلم يكن في وسعه أنْ يقضي زمناً طويلاً في اجتياز أمكنة فقيرة في إنتاجها الطبيعي من الغذاء؛ ولقد حَرِصَ البشر البدائيون على أنْ ينتشروا، ويوسِّعوا رقعة انتشارهم، بمحاذاة الأنهر والمجاري المائية، وعلى مقربة من مناطق وأماكن غنية بثمارها (المنتَجة طبيعياً) وبكهوفها ومآويها الطبيعية التي تقيهم الشرور المناخية، وشرور الوحوش المفترسة.
أمَّا "الدَّافِع إلى العمل" فما كان له أنْ يقوى ويَعْظُم إلاَّ من طريق "الجوع"، وعواقبه ومخاطره؛ فإنَّ "الإحساس بالجوع" هو أقوى وأهم الأحاسيس لدى الإنسان؛ فهذا الإحساس هو الذي يدفعه إلى (ويرغمه على) التعلُّم والعمل، والاكتشاف والاختراع.
وأحسب أنَّ تزايد عدد أفراد الجماعة البشرية البدائية (أيْ التكاثر البشري) مع ما يترتَّب عليه من عجز (نسبي) للطبيعة (أو للبيئة الطبيعية التي تعيش فيها الجماعة البشرية البدائية) عن إطعام البشر، هو الذي نمَّا في البشر الإحساس بمخاطر وعواقب الجوع، وفي مقدَّمها الموت جوعاً. وكان للتقلُّبات الجوِّية والمناخية التي يتعرَّض لها المكان الذي تعيش فيه الجماعة البشرية البدائية تأثيرها القوي هي أيضاً في زيادة ذاك الإحساس، وفي زيادة ثِقَل "الدَّافِع إلى العمل"، من ثمَّ.
وقضى البشر زمناً طويلاً وهُمْ يزاولون عملاً بدائياً لا يسمح لهم بإنتاج فائض (يُعْتَدُّ به) من المنتجات الغذائية، وغيرها؛ فالفرد، ومهما أنفق من جهد ووقت في الإنتاج، ما كان في مقدوره أنْ يُنِتِج أكثر (ولو قليلاً) مِمَّا ينبغي له إنتاجه من أجل أنْ يظل على قيد الحياة؛ وترتَّب على ذلك أنْ عاش البشر (أي أفراد الجماعة البشرية البدائية) زمناً طويلاً من غير أنْ يتصارعوا من أجل السيطرة على "الفائض" من إنتاجهم؛ فالصراع بدأ إذ وُجِد وتنامى هذا "الفائض"؛ ثمَّ تحوَّل استئثار قِلَّة قليلة من أبناء الجماعة بهذا "الفائض" إلى صراعٍ يخوضوه هؤلاء المستأثرين من أجل السيطرة، أيضاً، على القوى والوسائل المُنْتِجة له؛ فَهُم أوَّلاً سيطروا على الفائض من "البيض"، ثمَّ سيطروا على "الدجاجة نفسها".
"الطبيعة" هي التي ألْزِمت الإنسان أوَّلاً بـ "العمل"، قائلةً له إنْ لم تَعْمَل تَهْلَك جوعاً؛ وبإكراهٍ منها عَمِل الإنسان؛ لكنَّ عمله لم يُمكِّنه من أنْ يُنْتِج (من حيث المبدأ والأساس) أكثر ممَّا يَلْزَم لإعالة نفسه (أيْ لتفادي خطر الموت جوعاً).
ثمَّ ألْزَمه "المجتمع" بـ "العمل"؛ فالقلَّة المستأثرة بـ "الفائض (من المنتجات)"، وبقوى ووسائل إنتاجه، أكرهته على العمل عندها، والذي من طريقه (أيْ من طريق هذا العمل) أصبح في مقدوره أنْ يُنْتِج ما يسمح له بإعالة غيره مع إعالته لنفسه؛ فهو لو أبى العمل عندها لَحَكَم على نفسه بالموت جوعاً.
وفي زمننا الرأسمالي، لم يتغيَّر من حيث الجوهر والأساس هذا الدَّافِع إلى العمل؛ فإنَّ الخشية من الجوع (وأشباهه) وعواقبه ومخاطره هي التي تَكْمُن في أساس الدَّافِع (دافِع العامل والموظَّف) إلى العمل؛ فما هي الخواص والسِّمات الجوهرية لـ "العمل" ضمن النِّظام الرأسمالي؟
إذا كنت عاملاً في مصنع رأسمالي فسوف تكتشف تناقضاً قوامه أنَّكَ حُرٌّ ومُسْتَعْبَدٌ في آن؛ فأنتَ حُرٌّ؛ لأنَّكَ تستطيع أنْ ترفض العمل لدى ربِّ العمل زيد، الذي لا يستطيع إرغامكَ على العمل لديه. إنَّكَ حُرٌّ بهذا المعنى؛ وهو حُرٌّ أيضاً في أنْ يَقْبَل، أو يَرْفُض، أنْ تعمل لديه؛ لكنَّكَ مُسْتَعْبَد، غير حُرٍّ؛ لأنَّكَ مُكْرَه على العمل لدى "الطبقة" التي إليها ينتمي زيد؛ فما أسهل أنْ تقول "لا" للعمل عند زيد، وما أصعب أنْ تقول "لا" للعمل عند "طبقة زيد".
أنتَ العامِل، ومهما عملت، وفي أيِّ مصنع عملت، وفي أيِّ زمن من أزمان الرأسمالية عملت، ولو بلغ المجتمع الرأسمالي الدرجة العليا من عدالته، فلن تنال، على وجه العموم، من الأجر ما يفوق قيمة "قوَّة عملك"؛ فالبضاعة التي لا تملك غيرها، وهي "قوَّة عملك"، لن يشتريها منكَ رَبُّ العمل إلاَّ بسعرٍ لا يفوق، على وجه العموم، "قيمتها التبادلية"، التي تتضاءل، ولا تَعْظُم، مع الارتفاع (المستمر) في "التركيب العضوي" للرأسمال؛ لكن هذا لا يتنافى مع الارتفاع المستمر في مستوى عيش العامِل، الذي بعددٍ أقل (فأقل) من ساعات عمله اليومي يُنْتِج من السِّلع ما "قيمته التبادلية" يكفي لحصوله (من طريق إنفاقه أجره) على سِلع استهلاكية (وخدمات) أكثر (وأفضل).
ويترتَّب على ذلك (مع عدم تقليل ساعات يوم العمل، ومع بيع السِّلعة، التي تنتجها المنشآت الأكثر تطوُّراً، بسعرٍ يفوق قيمتها التبادلية، عملاً بقانون "رؤوس الأموال المتساوية تُعْطي أرباحاً متساوية) أنْ يغدو العامِل أكثر استغلالاً من قبل بكثير؛ فنسبة "الرِّبح" إلى "الأجر" تزداد وتتَّسِع في استمرار؛ إنَّ العامِل يعيل نفسه من طريق "الأجر"، ويعيل، في الوقت نفسه، رَبَّ العمل (وغيره) من طريق "فائض القيمة" و"الرِّبح".
قديماً، وفي عهود ازدهار "الاقتصاد البضاعي الصغير"، كُنَّا نرى "المِلْكِيَّة (الشخصية، أو الخاصة)" و"العمل" و"الإدارة" تندمج وتتَّحِد في شخص واحد (أو في عائلة واحدة). كان "المالِك" يعمل في منشأته، ويديرها؛ وكان "العامِل (الشغيل)" يملك منشأته، ويديرها؛ فلا انفصال بين حلقات السلسلة الثلاث ("المِلْكِيَّة" و"العمل" و"الإدارة").
ثمَّ، وفي الرأسمالية، وَقَع الانفصال، واتَّسَع، وتعمَّق؛ فَمْن يعمل لا يملك، ومن يملك لا يعمل؛ أمَّا الإدارة، التي أصبحت عِلْماً واختصاصاً وتأهيلاً، فأنتجت فئة اجتماعية جديدة هي "المدراء" الذين يديرون المنشآت الرأسمالية بما يخدم مصالح أصحابها الذين أصبحوا أكثر عجزاً عن تولِّي العمل الإداري. هؤلاء المدراء، والكبار منهم على وجه الخصوص، أصبحوا أكثر شبهاً بالرأسماليين من حيث نمط ومستوى عيشهم؛ ومع شيوع ظاهرة "التملُّك بالأسهم" شرع المدراء يتحوَّلون إلى مالكين رأسماليين (بالأسهم).
إنَّ "العمل"، وعلى ما أثبت وأكَّد تاريخ التطوُّر الرأسمالي، لا يعطي أبداً الشرعية للتملُّك الرأسمالي؛ فالعمل (والعمل المأجور في المقام الأوَّل) لا يُنْتِج رأسماليين، أي لا يحوِّل أبداً، وعلى وجه العموم، العامِل إلى رأسمالي. إنَّ العامل يجب أنْ يكون غير مالِك إلاَّ لقوَّة عمله، ويجب أنْ يظل ويبقى غير مالِك إلاَّ لها، مهما عمل وجَدَّ واجتهد وأبدع.
"العمل المأجور" لن يجعل صاحبه مالِكاً من النوع الرأسمالي؛ ويكاد أنْ يتحوَّل إلى ما يشبه "الصِّفَة الوراثية"؛ فابن العامل يصبح كأبيه، عاملاً مأجوراً.
"البطالة (أيْ جيش العاطلين عن العمل)" هي ظاهرة رأسمالية حتمية؛ فلا رأسمالية بلا بطالة؛ وليس من "إصلاح" للنظام الرأسمالي يمكنه أنْ يفضي إلى رأسمالية خالصة من شرِّ البطالة.
وفي البلدان الرأسمالية الغربية، تعطي الدولة العاطِل عن العمل راتباً يمكن أنْ يكفل له حياة شبه آدمية (بمعناها الغربي لا الشرقي). هذا الراتب، ومن حيث مَصْدَره الأساسي، يُقْتَطَع من دَخْل العامِل النِّظامي، على شكل ضريبة تجبيها منه الدولة؛ ومع ذلك، تستعمل الرأسمالية العاطلين عن العمل أداة ضغط على العمَّال النِّظاميين لجعلهم أكثر خضوعاً واستخذاءً لمشيئة أرباب العمل، ولإرغامهم على قبول أجور أقل من الوجهتين الاسمية والفعلية؛ كما تستخدم كل ما لديها من عِصِيٍّ وجَزَر، ومن وسائل الترهيب والترغيب، لمنع العمَّال من الاتِّحاد الطبقي ضدَّها، ولجعلهم يتخلَّقون بأخلاق العبيد، ولإشاعة الانتهازية بينهم، ولإضعاف الرُّوح الجماعية في موقهم وسلوكهم.
و"العمل"، في الرأسمالية، كـ "الاختصاص الأكاديمي"، أقرب إلى "الإكراه" منه إلى "الاختيار"، على وجه العموم؛ فإنَّ مصالح الرأسمال، لا رغبات الشخص، وميوله، وقابلياته، هي التي تحدِّد، وتقرِّر، له ماذا يعمل، وكيف يعمل، وأين ومتى يعمل، وكم من وقته اليومي يجب أنْ يستغرقه عمله، وكم من عمره يجب أنْ يقضيه في عملٍ يفتقر إلى الدَّافِع المثالي إليه؛ حتى التقاعد عن العمل فيه كثير من الظُّلْم للعامل؛ فهو لا يستحقه إلاَّ وهو قاب قوسين أو أدنى من وفاته؛ أمَّا معاش المتقاعِد، ومن حيث وزنه السِّلعي والخدماتي، فهو أقرب إلى العقوبة له منه إلى المكافأة.
في المجتمع العبودي القديم (كالذي كان في روما وبلاد الإغريق) كان يُنْظَر إلى العبد (الرقيق) على أنَّه "آلة ناطقة"؛ وأحسب أنَّ البشرية في مستقبلها ستعود (عودة جدلية) إلى "المجتمع العبودي"، الذي فيه ينتشر ويسود عمل "العبيد الجُدُد"، وهُمْ "البشر الآليون"، وأشباههم؛ وسيصبح المجتمع برمته هو "السيِّد الجديد"، الذي يملك الاقتصاد، المُنْتِج لكل ما يحتاج إليه الناس؛ لكن مع تعطيل عمل "قانون القيمة"، ونزع الطابع السِّلعي عن المنتجات، وإحلال النشاط الحر والإبداعي للناس محل "العمل"، الذي من طريقه، أي من طريق الظُّلم والاستغلال والقهر والإكراه والعذاب والدموع والدماء..، نشأت وتطوَّرت الحضارة، التي لن تُدْرَك وحشيتها على خير وجه إلاَّ بعد أنْ تغرب شمس طورها الأخير، أيْ الطور الرأسمالي (للحضارة البشرية).



تعليقات الفيسبوك