مرَّة أخرى وأخيرة في محاورة -أعداء ماركس-!


جواد البشيتي
2012 / 5 / 12 - 13:02     

.. ثمَّ أدلى ماجد جمال الدين بدلوه!

أخَذَ عليَّ "فَقْري المدقع" في عِلْم الاقتصاد، وفي الاقتصاد السياسي؛ والسبب (في المثال الذي أوْرَد) هو أنني لا أُميِّز "الربح" من "فائض القيمة"؛ فأنا، على ما زَعَم، أعتبرهما "شيئاً واحداً"!

أيُّها "المُتَّهِم"، أَعِدْ قراءة مقالتيَّ؛ لعلَّكَ "تهتدي"، ويغدو في مقدوركَ أنتَ تمييز ما اتَّهَمْتني بعدم تمييزه.

ألَمْ أقُلْ إنَّ "الربح" هو "فائض القيمة" في "شكله النقدي"؟!

لكنْ، يبدو أنَّ الأمر قد التبس عليكَ وأشكل؛ فأنتَ (وإذا ما أحْسَنْتُ أنا الظَّنَّ بعقلكَ) إنَّما تقصد "التمييز بين معدَّل الربح وفائض القيمة".

وفي الرأسمالية، التي يستخذي لها عقلك استخذاء عقل الوثني لوثنه، يَعْظُم، في استمرار، حجم "فائض القيمة"؛ لكنَّ "معدَّل الربح" يهبط، ويزداد، ويتسارع، هبوطاً.

إنَّه يَعْظُم (حجم "فائض القيمة") مع أنَّ نسبة "الرأسمال المتغيِّر" إلى "الرأسمال الثابت" تتضاءل في استمرار.

ماجد، وكأنَّه صاحب قَوْل "وَجَدتُّها"، يقول "مكتشِفاً": إنَّ "الربح" يمكن أنْ يأتي من طريق غير طريق "فائض القيمة"، ومن خارج "الإنتاج السلعي"؛ فالمرأة، مثلاً، يمكن أنْ تبيع شعرها عبر وسيط (تجاري) فـ "يَرْبَح" البائع والوسيط معاً.

ماجد لا يمكنه أنْ يكون عاشِقاً للرأسمالية من غير أنْ يكون عاشقاً، في الوقت نفسه، لـ "أصلها الفلسفي (المثالية، والميتافيزيقيا)".

لقد ذكَّرني ماجد بفيلسوفه (المثالي الميتافيزيقي) الذي لَمَّا رأى كَلْباً، واكتشف أنَّ الكلب حيوان، قال مُسْتَنْتِجاً: كلُّ الحيوانات كلاب (لأنَّ الكلب نفسه حيوان)!

الماركسي ينظر إلى الأمور، ويفهمها في طريقة مختلفة؛ فلَمَّا رأى كَلْباً، مُدْرِكاً، في الوقت نفسه، أنَّ كلَّ كلب حيوان، قال: كلُّ كلب حيوان؛ لكنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كلَّ حيوان كلب.

وعليه، قِسْ.

إنَّ كلَّ "فائض قيمة" يجب أنْ يكون "رِبْحاً"؛ لكنْ ليس كل ربح يجب أنْ يكون "فائض قيمة"؛ والدليل على ذلك قُلْتُهُ في مقالتيَّ السابقتين (لقومٍ يَعْقِلون). ألَم أقُلْ إنَّ ثمَّة أشياء في الرأسمالية، كالأرض، لها "سعر"؛ لكنَّها، في حدِّ ذاتها، عديمة القيمة (التبادلية)؟!

وأنتَ ألا "تربح" عندما تبيع "أرضاً (عديمة القيمة)"؟!

و"الوسيط" الذي يتَّجِر بأجساد النساء، في سوق الدعارة، ألا "يربح"؟!

هل كان ماركس يجهل هذه الظاهرة، وهذا النوع من "الربح" أمْ فَهِمَ الربح في سوق الدعارة على أنَّه "فائض قيمة" تُنْتِجه المومس (بائعة جسدها، أو مؤجِّرته) فيستولي عليه رَبُّ العمل هذا؟!

بالله عليك ـ يا ماجد ـ ارأفْ بعقلكَ!

اتَّهَمَني بـ "السطحية" في فهمي لمعنى "الاقتصاد الحقيقي"، والذي أعني به، على ما قُلْتُ وأوضحتُ من قَبْل، الاقتصاد المُنْتِج للسلع (أيْ للقيم المادية في الرأسمالية).

ماجد يريد لي أنْ أُقِرَّ وأعترف بأنَّني أَعْمَل في "الاقتصاد الحقيقي" إذا ما ألَّفْتُّ كتاباً في الفيزياء، وبِعْتُه لدار نشرٍ، طبعته، فباعته في السوق.

لماذا يريد لي أنْ أقترف هذه "الجريمة" في حقِّ "الاقتصاد السياسي"؟!

لماذا يريد لي أنْ أنْفُخ في "السلعة الطينية (المادية)" شيئاً من "الروح"، أيْ شيئاً من "الفكر"، الذي هو، في مثاله، فكري الفيزيائي؟!

أيَّها الدونكيشوتِّي في محاربتكَ لماركس، وفكره، ولقانون "فائض القيمة"، الذي على بساطته لم يتَّسِع له أُفقكَ الذي لسعته يَسَع كل شيء!

ألَمْ يكن في عصر ماركس مؤلِّفو كُتُب؟!

إذا كان المؤلِّف مُنْتِجاً لـ "فائض قيمة"، وإذا كان الناشِر هو الذي يستولي عليها؛ فَهَلْ ناشِر كتاب "الإنجيل" استولى على "فائض قيمة" أنْتَجه "رَبُّ العالمين" بصفة كونه "مؤلِّف الإنجيل"؟!

تبَّاً للجهل، لم يرحم صاحبه يوماً قَطْ!

قد يتَّخِذَ ماجد من هذه "الأفكار" التي جاد علينا بها أساساً لِكِتابٍ يؤلِّفه؛ وإنِّي لمتأكِّد أنَّ كتابه "العظيم" هذا سيُباع في أسواق "النخاسة الفكرية (الرأسمالية)" بسعرٍ يَفُوق كثيراً السعر الذي يُباع به كتاب "رأس المال" لماركس؛ ذلك لأنَّ ماجد المُبْدِع أكثر من ماركس أنْتَج في كتابه "فائض قيمة" أعظم بكثيرٍ!

يا ماجد، إذا كان ماركس قد نَبَذَ فكرة أنَّ العامل يبيع لربِّ العمل "عمله"؛ لأنَّه لو فَعَلها لأصبح "عَبْداً"، وكفَّ عن كونه "عاملاً مأجوراً"؛ وإذا كان ماركس قد أوضح، لكلَّ من له عين تُبْصِر، وأُذْن تسمع، وعقل يعقل، أنَّ العامل لا يبيع للرأسمالي "عمله"؛ وإنَّما "قوَّة عمله"، بصفة كونها "سلعة مخصوصة"، فهل من الحصافة في شيء أنْ "يكتشف" ماركس ما "اكتشفه" ماجد، فيقول، من ثمَّ، إنَّ "فِكْر" المؤلِّف هو "سلعة" كـ "قوَّة العمل"، يبيعها للرأسمالي الناشِر، مُضَمِّناً إيَّاها "القيمة الجديدة" التي تشتمل على "فائض القيمة"؟!

أجَلْ، كل القِطَط في الليل رمادية!

ماجد، الظاهرة أبسط ممَّا تَظُن؛ فأنتَ ألَّفْت كتاباً، بعته للناشِر الرأسمالي، فكافأكَ هذا بمبلغٍ من المال؛ وهذا المبلغ لا يمتُّ بصلة إلى مفهوميِّ "السلعة" أو "القيمة (التبادلية)".

أنتَ الآن أنْجَزْتَ ما عليكَ، وقبضت الثَّمن.

هذا الناشِر، وبصفة كونه رأسمالياً، لديه ما لدى كل رأسمالي؛ لديه آلات وأجهزة ومواد..، ولديه أيضاً ما يفي بالغرض من العمَّال.

"كتابكَ (العظيم)" هذا أصبح الآن على هيئة "سلعة" كمثل كل سلعة.

من "فائض القيمة" الذي أنتجه هؤلاء العمَّال أتى "الربح" للناشِر.

افْتَرِضْ أنَّ "القيمة الحقيقية" لكتابكَ (السلعة) تَعْدِل غراماً واحداً من الذهب (الخالص).

لكنَّ كتابكَ (السلعة) ولِعَظَمة مؤلِّفه بيع بـ "سعر يفوق قيمته (التبادلية)"؛ بيع، مثلاً بغرامين من الذهب؛ فهل أنْسِبُ هذا الفرق إلى "الروح" التي أدخلتها أنتَ في الكتاب أم إلى قانون "العرض والطلب" الذي يتأثَّر، أيضاً، بـ "الأهمية الفكرية" للكتاب (السلعة)؟!

ولتتذكَّر ـ يا ماجد ـ أنَّ ماركس لم يَغِبْ عن ذهنه أنَّ "السعر (المتأثِّر بقانون "العرض والطلب")" يمكن أنْ يزيد أو أنْ يقل عن "القيمة التبادلية" للسلعة؛ لكن هذا الفرق بين "السعر" و"القيمة (أو "السعر الطبيعي")" هو فرق نسبي، مؤقَّت.

هل أتاكَ حديث الإفك؟

لقد أتانا إذ شرح لنا، وفسَّر، معنى كلام ماركس عن "الإنتاج الروحي (أو الفكري)"؛ فلقد مسخ هذا المعنى مسخاً لا تقوى على الإتيان بمثله ساحرات الإغريق.

ومن طريق هذا المسخ بلغ ماجد مراده (أيْ مراد الليبراليين ضيِّقي الأفق).

الرأسمالي، ومن طريق هذا المسخ، أصبح مُنْتِجاً هو أيضاً لـ "القيمة" ولـ "فائض القيمة"؛ ذلك لأنَّه يبذل جهداً ذهنياً جهيداً في توظيف رأسماله والعناية به ودرء المخاطر عنه..

ولا بدَّ من أنْ نضيف إلى "موضوع العمل" قيمة جديدة متأتية، هذه المرَّة، من هذا الجهد الفكري العظيم الذي بذله الرأسمالي نفسه؛ أوَلَمْ يتكلَّم ماركس عن "الإنتاج الفكري" أيضاً؟!

بالله عليكم، أجيبوني عن السؤال الآتي: هل كل هذا الذكاء الذي يشع من عقل ماجد فطري أم مُكْتَسَب؟

لكنَّ ماجد سرعان ما وَقَع في "تناقُض منطقي"؛ فنظريات ماركس الاقتصادية تجاوزها الزمن، على ما اكتشف ماجد؛ لأنَّ ماركس (الذي تكلَّم قبل قليل عن "الإنتاج الفكري") أغفل "أهمية الجهد العقلي في إنتاج فائض القيمة؛ هذا الجهد الذي يبذله الرأسمالي كما يبذله المُخْتَرِع والمهندس"!

حدَّثنا الماجِد ماجد عن "العصر الاقتصادي الجديد"، الذي فيه أصبح فكر ماركس كظِلٍّ فَقَدَ جسمه؛ فقال إنَّ المهندس أو العامل يستطيع وهو يقضي حاجته في المرحاض أنْ يدير مصنعاً يصنع سيارات المرسيدس ولو كان يبعد عنه 100 كيلومتر؛ ثمَّ يقول في لهجة قائل "وَجَدتها" إنَّ "الماركسية ماتت"؛ فـ "نظرية المرحاض" حلَّت محلَّها؛ فهل تعرَّفْتُم الآن إلى القائلين بموت الماركسية؟!

أخيراً، وعملاً بقانون "اقتصاد الوقت والجهد"، وبقول المتنبي "وليس يصحُّ في الإفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل"، أُقْفِلُ باب النقاش في هذا الموضوع!



تعليقات الفيسبوك