احتداد صيرورة إفقار الفلاحين الكادحين وتعميق التبعية الغذائية


المناضل-ة
2005 / 1 / 26 - 11:24     

نتائج انفتاح الفلاحة المغربية المعمم:
احتداد صيرورة إفقار الفلاحين الكادحين وتعميق التبعية الغذائية

نونبر 2004
المناضل-ة عدد: 2

1- سياسة فلاحية في خدمة البرجوازية الزراعية

نشأت البرجوازية الزراعية المغربية تحت رعاية الرأسمال الأجنبي سواء من حيث التمويل أو التبعية التكنولوجية أو الارتباط بالسوق الرأسمالية العالمية. وتشكل هذه الطبقة إحدى دعائم النظام السياسي الذي عمل على توطيد ركائزها الاقتصادية من خلال:

توفير رصيد عقاري مهم حيث جرى تمليك أكثر من 700 ألف هكتار من الأراضي المسترجعة لكبار الملاكين العقاريين إلى حدود التسعينات

دور صوديا وسوجيطا كإحدى دعائم الرأسمالية الزراعية

مجهود استثمار كبير في مجال البنيات التحتية الأساسية حيث تركزت "سياسة السدود" على تشييد منشآت التجهيزات المائية الكبرى التي كانت تمتص، إلى حدود الثمانينات، 43% من مجموع الاستثمارات العمومية المخصصة للفلاحة
إقرار قانون استثمارات فلاحية يرمي إلى تشجيع عصرنة الضيعات في اتجاه التصدير وتقديم منح لاقتناء الأدوات والعتاد وتقليص كلفة مياه الري
توفير التمويل والإعانات (القرض الفلاحي في صالح كبار الفلاحين)
ضريبة فلاحية منخفضة: لم تكن حصتها تمثل في سنة 1981 سوى حوالي 3% من مجموع الموارد الجبائية المباشرة، وقد ألغيت في سنة 1984، ومدد الأجل إلى سنة 2020
تأطير الإنتاج ودعم تسويق المنتجات المخصصة للتصدير (مكتب التسويق والتصدير).

هكذا إذن تطابقت السياسة الفلاحية المتبعة منذ الاستقلال الشكلي مع مصالح برجوازية زراعية شديدة الارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي ومتكيفة مع ديناميته. ومن هنا انخراطها في العولمة الرأسمالية وخضوعها لها دون أن تحدد طرقها و وتائرها، وبالتالي قبولها لكافة إجراءات الانفتاح المعمم التي ستقوم بها الطبقة الحاكمة بدءا بالتقويم الهيكلي والانضمام إلى الاتفاق العام حول التعريفات الجمركية والتجارة (GATT) والمنظمة العالمية للتجارة ثم اتفاقيات الشراكة مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، الخ.

2- برنامج التقويم الهيكلي الفلاحي وتدعيم مصالح الرأسمال الزراعي الكبير

يندرج التقويم الهيكلي للفلاحة ضمن نفس الأهداف العامة لبرنامج التقويم الهيكلي التي تتمثل في تحرير بنية الإنتاج والمبادلات وملاءمتها مع متطلبات السوق الرأسمالية العالمية وتنظيم انسحاب الدولة من دعم القطاع.

هكذا بقيت استثمارات الدولة في القطاع الفلاحي منحصرة أساسا على خدمة الرأسمال الزراعي في الدوائر المسقية، وجرى الإبقاء على برنامج تشييد سد كبير في السنة.

كما جرى إخضاع تسيير مؤسسات الدولة التي تتدخل في القطاع لضرورات السوق، حيث تخلت المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي في المناطق المسقية عن الخدمات والعمليات ذات الطابع التجاري التي تقوم بها من تقديم للمواد الفلاحية وتأطير الإنتاج وضمان استقرار الأسعار، وعن مخططات المناوبة الفلاحية، مما أدى إلى تراجع المساحات المخصصة للزراعات المعاشية الأساسية لصالح زراعات رأسمالية تصديرية.

وأعيدت هيكلة مصالح البحث الزراعي وتربية المواشي لكي تكون في خدمة الرأسمال الخاص الذي سيتحكم في تسييرها وأهدافها.

وقامت الدولة بحذف دعم عوامل الإنتاج أو تقليصه. هكذا تقلصت الإعانة لماء السقي ليرتفع سعره بأكثر من 50% بين 1984 و 1992. وألغي الدعم المقدم للأسمدة تدريجيا منذ 1986 وبصفة نهائية ابتداء من 1991، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها بنسبة تفوق 50% في ظرف 5 سنوات. كما ألغيت المساعدة المقدمة للبذور المنتقاة والمبيدات الفلاحية وغذاء الماشية والآلات الفلاحية والبترول. أوصى برنامج التقويم الهيكلي بإلغاء الحواجز التي تعرقل المبادلات الداخلية والخارجية، من احتكارات وحصص وكل القوانين الأخرى التي تقيد تسويق المنتجات الفلاحية. هكذا تحررت، منذ بداية 1993، أسعار القمح الصلب وجزء كبير من أثمان القمح الطري وأسعار الشعير والذرة والأرز والحليب، الخ. وجرت مساعرة الأثمان الداخلية مع تطور الأسواق العالمية، مما ساهم في إفلاس العديد من المنتجين الصغار المرتبطين بالسوق المحلية. وقامت الدولة بتفكيك مكتب التسويق والتصدير وحذف احتكار المكتب الوطني للشاي والسكر. وعملت على تحرير الجزء الأساسي من المنتجات الفلاحية والغذائية عند الاستيراد، واتخذت عدة إجراءات تحفيزية للتصدير.

ستنسحب الدولة إذن من العديد من مراحل الإنتاج الفلاحي وتسويق منتجاته، وستزيل جميع الحواجز أمام المنافسة الشرسة التي لن يصمد أمامها سوى المجموعات الرأسمالية الكبرى المحلية المرتبطة بالرأسمال الأجنبي، وذلك على حساب جماهير الفلاحين الكادحين.

3- الاندماج في العولمة الرأسمالية وتعميق الانفتاح

إذا كانت المديونية تشكل القاعدة الأساسية التي بني عليها برنامج التقويم الهيكلي وتعمق تبعية بلدنا إزاء مراكز القرار الإمبريالية، فطبيعة الطبقة الحاكمة وارتباطاتها التاريخية بالرأسمال العالمي سمحت بخضوع أكبر لما تمليه هذه المراكز من إجراءات تعتبرها ضرورية للاندماج في العولمة الرأسمالية. فجلي للغاية أن تفتح مقتضيات منظمة التجارة العالمية التي صادق عليها المغرب الباب على مصراعيه أمام السلع الأجنبية وتدمر قطاعات إنتاجية واسعة، وأمام الشركات متعددة الجنسيات التي ستستحوذ على منشآت القطاع العام الاستراتيجية وعلى قطاع الخدمات العمومية من خلال الخوصصة. وتشكل هذه المقتضيات أساس اتفاقية الشراكة سواء مع أوروبا -التي استثنت القطاع الفلاحي لكون هذه الأخيرة بالضبط تشكل سوقا رئيسية لصادرات المغرب الفلاحية- أو مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يجادل أحد في نتائجها الكارثية على جميع الأصعدة، وفي غياب أي حظوظ لصمود اقتصاد جد متخلف أمام قطبي الإمبريالية العالمية الكبيرين.

4- سيرورة إفقار حاد للفلاحين الكادحين

تحاول البرجوازية الزراعية ودولتها التكيف مع العولمة الرأسمالية من خلال إعادة هيكلة شاملة لخلق شروط الاستثمار الرأسمالي الكثيف، في حين يتم تدمير طبقة الفلاحين الصغار عبر إفقارهم ونزع أراضيهم.

(جدول تطور توزيع الوحدات الاستغلالية والمساحات الزراعية بين 1974 و 1996 )

تتجلى من خلال هذا الجدول ملاحظتين أساسيتين:

البلترة الجماهيرية للفلاحين الفقراء: تقلص عدد الذين يستغلون أقل من 1 هكتار بأكثر من 57%، حيث انتقل عددهم من 889.900 في 1974 إلى 380.000 في 1996، أي أن أكثر من نصف مليون أسرة قروية اندثرت في ظرف 22 سنة.

التركز العقاري الكبير: أقل من 1% يستغلون أكثر من 15% من المساحة الزراعية الإجمالية، و 71% يستغلون 24% من المساحة الإجمالية.

يزداد هذا التقاطب الطبقي وضوحا على مستوى عوامل الإنتاج. فحسب نفس الإحصاء، نجد أن الوحدات الاستغلالية الكبرى التي تفوق مساحتها 50 هكتارا، هي التي تستفيد بشكل كبير من عصرنة القطاع، حيث أن 91% منها تلجأ إلى مكننة أشغال الأرض، و78% تلجأ إلى مكننة الحصاد، و 63% تستعمل الأسمدة، و51% تستعمل البذور المنتقاة، و64% تستعمل المبيدات. وتنخفض هذه النسب بالنسبة للوحدات الاستغلالية ذات مساحة تقل عن 5 هكتارات (وهي تمثل 70% من مجموع الوحدات)، لتبلغ 38% في يخص مكننة أشغال الأرض، و 23% في مكننة الحصاد، و 50% في استعمال الأسمدة، و 12% في البذور المنتقاة، و 27% في استعمال المبيدات.

أكيد أن هذا التقاطب الطبقي سيزداد حدة مع ضرورات الانفتاح المعمم ومقتضيات اتفاقيات التبادل الحر التي ستلغي كل دعم للقطاع الفلاحي وتركز الملكية العقارية الزراعية والإنتاج في أيدي أقلية من الرأسماليين الكبار، وسترمي بمئات الآلاف من الأسر القروية في غياهب البطالة والحرمان.

5- تعميق التبعية الغذائية

ركزت السياسية الفلاحية على دعم الزراعات التصديرية في الدوائر المسقية بغية جلب العملة الصعبة لاسترداد الديون، في حين همشت الزراعة المعاشية في البور التي تبلغ مساحتها حوالي 5.400.000 هكتار. وهذا ما أدى إلى رهن أمننا الغذائي باستراتيجية المجموعات الإمبريالية التي تتحكم في الإنتاج العالمي للمواد الغذائية وتوزيعه.

(جدول تطور واردات أهم المواد الغذائية الأساسية (القيمة بمليون درهم))

تضاعفت قيمة واردات المواد الغذائية الأساسية بأكثر من ثلاث مرات ونصف في ظرف 20 سنة، ونلاحظ أن الارتفاع بدأ يحتد مع بداية التسعينات. وتشكل قيمة الحبوب الرئيسية حوالي نصف قيمة المواد الغذائية المستوردة.

ومن جهة أخرى، تعاني الصادرات الفلاحية الأساسية من ضعف شديد لكي تجلب ما يكفي من الموارد المالية لتغطية عجز الميزان الغذائي.

(جدول الصادرات الفلاحية الرئيسية)

لا تغطي قيمة الصادرات الفلاحية التي ارتكزت عليها مجمل السياسية الفلاحية سوى 47% من قيمة واردات المواد الغذائية الأساسية. ومع مواصلة تطبيق توصيات مراكز القرار الإمبريالية (إلغاء الحقوق الجمركية، خوصصة المنشآت العمومية الاستراتيجية، الخ)، ستتقلص موارد الدولة بشكل كبير وستضطر إلى مزيد من الاقتراض الذي سيؤدي إلى مزيد من التقشف وتدهور الوضع المعيشي لجماهير شعبنا.

إن الحفاظ على أمننا الغذائي مرتبط بسيادتنا الغذائية، بحقنا الكامل في إنتاج حاجياتنا الغذائية الأساسية على أراضينا. ولابد من توفير الموارد المالية لذلك عبر إلغاء الديون والتخلي عن برامج لتقويم الهيكلي التقشفية ورفض اتفاقيات الشراكة الحالية التي ترهن فلاحتنا وغذائنا بالشركات التصديرية العالمية الكبرى.

رهنت الطبقة الحاكمة منذ زمان مصيرنا بالإمبريالية التي طوعت اقتصادنا ليكون رأسماليا متخلفا وتابعا على جميع المستويات المالية والتكنولوجية. وقد انخرطت حاليا في توفير شروط الاندماج في العولمة الرأسمالية التي ستعمق الاستعمار الجديد. ليس هذا قدرا محتوما، وإنما يرتبط بموازين القوى الطبقية. ولنا في النضالات التي تشهدها بلدان أمريكا اللاتينية أسطع مثال على طاقة الشعوب في وقف المخططات الإمبريالية. ففك التبعية كإحدى شروط تنمية اقتصادنا لن يتأتى بالاستجداءات والرهان الخاطئ على إرادة الطبقة الحاكمة، بقدر ما يرتبط بالتعبئة النضالية لجماهير الشغيلة والفلاحين الكادحين وفق برنامج ديموقراطي ثوري.

www.al-mounadhil-a.info موقع الجريدة :



تعليقات الفيسبوك