قراءة في كتاب -الليبرالية الجديدة: جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية- 1-3


هاشم نعمة
2011 / 11 / 16 - 17:34     

صدر كتاب بالعنوان المذكور للدكتور أشرف منصور عام 2008، يتكون من مقدمة وسبعة فصول غطت العناوين: الليبرالية بين الفلسفة والاقتصاد وآدم سميث والليبرالية الاقتصادية والاقتصاد السياسي النيوكلاسيكي ونزعة الشك في ليبرالية هايك والنقد السوسيولوجي لليبرالية الاقتصادية والنقد الاقتصادي لليبرالية الاقتصادية وخرافة السوق ذاتي التنظيم. ويقع الكتاب في 359 صفحة. الناشر دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة.

في تقديرنا تكمن أهمية هذا الكتاب في المنهج العلمي الأكاديمي الذي اتبعه المؤلف في التحليل المعمق والاستنتاج. وقد جاءت الأزمة المالية والاقتصادية وتداعياتها العاصفة التي يمر بها العالم والتي بدأت من الولايات المتحدة وانتقلت إلى بقية الدول في نفس عام صدور الكتاب لتؤكد صحة الاستنتاجات التي خرج بها المؤلف بالرغم من أنه لم يعالجها. وبهذا يعد الكتاب مصدرا مهما للأكاديميين والباحثين والدارسين وعموم المثقفين المهتمين بهذا الموضوع.

يشير المؤلف في المقدمة إلى أن الأوضاع الجديدة لتطور الرأسمالية التي يجمعها مصطلح "العولمة" تدفعنا لإعادة قراءة تراث الفكر الليبرالي. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأيديولوجيا الليبرالية التي ظهرت في أوروبا منذ القرن السابع عشر في شكل نظريات سياسية على يد توماس هوبز وجون لوك وانتقلت إلى الاقتصاد السياسي الكلاسيكي على يد آدم سميث يعاد ظهورها من جديد الآن قي شكل ما يسمى بالليبرالية الجديدة. تكشف هذه الظواهر الجديدة أن هناك عودة قوية لتبرير التوسع الرأسمالي وإلغاء دور الدولة عن طريق الليبرالية الجديدة التي هي إحياء لليبرالية القرن التاسع عشر والتي نقدها ماركس وغيره من رواد الفكر الاجتماعي مثل دوركايم وفبلن. والهدف الأساسي لهذه الدراسة هو توضيح الدلالات المعاصرة للنقد الذي وجه للأيديولوجية الليبرالية عبر تاريخها، وصلاحية هذا النقد في فهم ودراسة الليبرالية الجديدة وتوظيف العولمة الاقتصادية لها.

قدمت الليبرالية تعريفات للفرد والحرية والعدالة، والحقيقة أنها لم تكن سوى انعكاسا لاقتصاد السوق الرأسمالي. وقد ذهب ماركس إلى أن جميع الحقوق الليبرالية تختزل في حق الملكية. فالحرية هي حرية التملك، والمساواة هي تساوي الأفراد في سعيهم نحو التملك، والأمن هو المناخ الذي يضمن للفرد حمايته لملكيته والحصول على المزيد منها.

منذ السبعينات من القرن الماضي انتهى عصر رأسمالية الدولة والديمقراطية الاشتراكية وذلك بإعادة إحياء الأفكار الليبرالية التقليدية في صورة ما يعرف بالليبرالية الجديدة التي بدأ ظهورها في الغرب في هذا العقد وانتقلت إلى العالم الثالث منذ أواسط الثمانينات، وكانت بداية لشكل جديد من الأيديولوجية المدعمة والمبررة للتوسع العالمي للرأسمالية وهي العولمة. فما أسباب هذا التحول؟

يجمع كثير من المفكرين على أن أسباب هذا التحول تتمثل في أزمات عديدة تعرضت لها دولة الرفاهية الاجتماعية في الغرب وبرامج الديمقراطية الاشتراكية. فمنذ السبعينات تفاقمت مشكلة البطالة وزاد الكساد ولم يجد رأس المال فرصا جديدة للاستثمار. ومن جانب آخر زاد حجم وتعقد آلة الدولة البيروقراطية حتى أصبحت عبئا على رأس المال نفسه الذي كان من المفترض أن تخدمه. الأسباب السابقة ليست أسبابا رئيسية بل ثانوية مباشرة. أما السبب الرئيس وغير المباشر فهو القانون الذي استنتجه ماركس وصاغه بدقة وهو ميل معدل الربح نحو الهبوط كلما تقدمت وسائل الإنتاج والتكنولوجيا وكلما زاد توسع الاستثمار العالمي.

لم تكن النيات الطيبة والأهداف الإنسانية وراء ظهور الليبرالية، بل كان ظهورها مشروطا بالتغيرات الاجتماعية التي بدأت في أوروبا القرن الخامس عشر والتي أدت إلى صعود طبقة البرجوازية. فعلى الرغم من اعتماد الليبرالية على أسس فلسفية، إلا أن لهذه الأسس قاعدتها الاجتماعية التي انطلقت منها.

وقد وضعت الليبرالية الحرية في مفهوم الحق الطبيعي ووضعت فكرة النظام في مفهوم العقد الاجتماعي. والملاحظ كيف أن خطا واحدا يربط بين المفهوم الليبرالي عن الطبيعة الإنسانية وحاجاتها، واختزال هذه الحاجيات إلى المال، واختزال المال للمجتمع كله إلى أفراد؛ وهذا يدل على الصلة القوية بين الأساس الفلسفي لليبرالية والجانب الاقتصادي منها.

كذلك فإن النظرة الليبرالية تجاه الطبيعة الإنسانية باعتبارها رغبة لا متناهية، والتي ترجمت إلى الرغبة اللا متناهية في الامتلاك والاستحواذ اللانهائي في عصر الليبرالية التقليدية ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، ترجمت مرة أخرى في القرن العشرين إلى التصور الاستهلاكي عن الرغبة؛ وتحولت الرغبة بذلك من رغبة لا متناهية في الامتلاك إلى رغبة لا متناهية في الاستهلاك. لقد كان التعليم الليبرالي حول الحاجات والرغبات خادما لأيديولوجية الملكية الخاصة في عصر صعود الرأسمالية، ولأيديولوجية الاستهلاك في عصر الإنتاج السلعي الكمي الموسع. وبذلك أبدل المجتمع الاستهلاكي قضية المساواة ونقلها من المجال الاجتماعي والسياسي إلى المجال المادي الاستهلاكي.

ويتعمق الكتب في تحليل الانتقادات العديدة التي تعرضت لها نظرية الحق الطبيعي أهمها نقد إدموند بيرك في أواخر القرن الثامن عشر، ونقد هيغل في أوائل القرن التاسع عشر، ونقد المفكر القانوني هالويل في النصف الأول من القرن العشرين. حيث ينتقد بيرك مفهوم الحق الطبيعي باعتباره مفهوما ميتافيزيفيا.
كما أدى تجمد المبادئ الليبرالية في صيغ قانونية شكلية وتحولها إلى أيديولوجيا تبريرية أن أصبحت فكرة الحق الطبيعي في التملك الخاص مبررا للنظام الرأسمالي والاستغلال الذي يمارسه. إن مبدأ الملكية الذي تكلم عنه لوك في القرن السابع عشر يختلف تماما عن مفهوم الملكية في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد كان لوك يقصد المكية الصغيرة التي تمكن المرء من تلبية احتياجاته، وتختلف هذه تماما عن مفهوم الملكية الاحتكارية لعمل الغير ولوسائل الإنتاج في الاقتصاد المعاصر.

ويذهب ماركس إلى أن مفاهيم الحق الطبيعي كانت بالفعل تعبيرا صادقا عن البرجوازية ورؤيتها للعالم وللمجتمع، وعن وضعها الطبقي ومشروعها في تغيير العلاقات الاجتماعية والنظام الإقطاعي القديم، إذ لم تكن هذه المفاهيم مجرد أكاذيب أو أوهام. لكن مصداقيتها ومشروعيتها ليست مطلقة بل هي صادقة ومشروعة طالما كانت تعبيرا عن فكر الطبقة التي تتبناها وعن أوضاعها الاجتماعية الواقعية ومشروعها السياسي، إلا أنها تحولت إلى مفاهيم أيديولوجية عندما حاولت البرجوازية فرضها على باقي طبقات المجتمع واستخدامها لفرض سيطرتها وكبت التناقضات الطبقية والتعتيم عليها. وبذلك تحولت فكرة الحق الطبيعي من قوة تحرر إلى قوة هيمنة، والسبب أنها استخدمت لتبرير حق التملك الخاص لعمل الغير ولوسائل الإنتاج، وتحول الحق الطبيعي للفرد في حياة ومأوى وعمل وحماية إلى حق طبيعي في الاستحواذ اللانهائي على الملكية والثروة، وبالتالي على عمل الآخرين.

الحقيقة أن جميع النضالات الاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت نضالات باسم الحقوق الاجتماعية، مثل حقوق العمال والفلاحين والزنوج وسكان المستعمرات والطلبة والنساء والأقليات في كل مكان. فعندما تحصل فئة اجتماعية على حقوقها باعتبارها فئة يحصل أفرادها بالتالي على حقوقهم الفردية؛ لكن العكس ليس صحيحا، لأن حصول الأفراد على حقوق فردية لن ينهي التمييز والتحيز ضد الفئة التي ينتمون إليها أبدا. والحقيقة أن الالتفاف حول الحقوق الاجتماعية بإتاحة شيء من الامتيازات للأفراد كانت الأسلوب المفضل للنظم الحاكمة، وقد حدث ذلك في الرأسماليات الغربية من إعطاء مكاسب مادية وامتيازات تأمينية للعمال، ورفع الحد الأدنى لأجور النساء التي كانت أقل من أجور الرجال، وإتاحة الفرصة للزنوج كأفراد في الصعود الاجتماعي مع عدم انتهاء التمييز العنصري ضدهم بالكامل وبقاء أوجه اللامساواة على حالها.

إن فهم الحق الطبيعي على أنه حق فردي يجعل نظريات الحق الطبيعي شكلية وصورية ومجردة وبدون مضمون عيني حقيقي، لأنها تركز على الفرد فقط. ولا يتحقق المضمون العيني للحق الطبيعي إلا عندما يُفهم على أنه حق اجتماعي.

يتحدث هوبز عن العامة بقوله أن هؤلاء ترضيهم الاعتقادات الدينية وتجعلهم يقبلون بأوضاعهم، ولذلك سوف يكون من الأسهل جعلهم يقبلون السلطة بالعقل، أي من منطلق كونها تعبيرا عن العقلانية ، وتكون السلطة كذلك عندما تكون ضامنة لحقوق الملكية الخاصة. وكل ما على السلطة أن تفعله إزاء العامة هو تحرير جزء من وقت عملهم ليتلقوا التوجيهات من هؤلاء الذين يتولون مهمة تبرير السلطة أمامهم. وتعد وجهة نظر هوبز هذه إعلانا مبكرا وبسيطا عن المهمة الأيديولوجية للسلطة في ظل الرأسمالية وعن الوظيفة الأيديولوجية للدولة، إذ نجد في نظرية هوبز الشكل الأولي الجنيني لما سيتطور بعد ذلك في صورة وسائل الإعلام الحديثة ومهمتها الأيديولوجية في الهيمنة.

يقول ماركس بأن هذه التسوية التي هي حقيقة المساواة في عملية التبادل، مع تنحيتها للمعايير وطابعها الشكلي المادي، تنتهي إلى أن تقطع كل علاقة اجتماعية حقيقية بين الأفراد وتجعل العلاقة الوحيدة بينهم هي علاقتهم باعتبارهم أجسادا. هكذا يختزل التبادل السلعي الأفراد إلى أجسادهم بعد أن يلغي وجودهم الاجتماعي بالكامل، وهنا تتحقق نظرية هوبز عمليا، والذاهبة إلى أن حركة المجتمع هي الحركة المادية لأجساد الأفراد المكونين له.

كان اكتشاف الاقتصاديين الكلاسيكيين لتعارض المصالح بين الطبقات المختلفة هو البدايات الأولى لمفهوم الصراع الطبقي الذي سيتطور من قبل ماركس؛ وتبقى للاقتصاديين الكلاسيكيين مأثرة اكتشافهم الأول لتعارض المصالح بين الطبقات؛ ولهذا السبب كان اقتصادهم السياسي علميا، لأنهم عندما لاحظوا تناقضا اجتماعيا لم يتجاهلوه أو يعتموا عليه كما سيفعل الاقتصاديون بعد هام 1830 والاقتصاديون النيوكلاسيك ابتداء من 1871 وحتى الآن.



تعليقات الفيسبوك