الثورة الدائمة في الوطن العربي


هشام غصيب
2011 / 10 / 17 - 09:35     


موضوعي هو الثورات الشعبية الراهنة التي تشهدها أقطار الوطن العربي منذ نهايات عام 2010. لكن رؤيتي التحليلية تقضي ألا أبدأ بعام 2010/2011، العام الذي اندلعت فيه هذه الثورات المجيدة، وإنما أن أبدأ بعام 1989. لماذا عام 1989؟

تكمن أهمية عام 1989 في أنه العام الذي صادف الذكرى المئوية الثانية لاندلاع الثورة الفرنسية الكبرى (1789)، والعام الذي انهارت فيه الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وتداعى فيه حلف وارسو. وقد سال حبر كثير في ذلك العام في تحليل الثورة الفرنسية الكبرى والتراث الثوري، الذي نبع منها ودام لمدة مائتي عام، ليس في فرنسا وحدها، وإنما في العالم أجمع. وجاء جل تلك الكتابات والتقويمات التاريخية سلبياً للغاية. وخلصت إلى أن الثورة الفرنسية الكبرى وتراثها الثوري مجرد نشاز تاريخي عبثي كان يمكن تفاديه، وعبر عن غرائز بدائية وحشية وعدم نضج حضاري أكثر مما عبر عن ضرورة تاريخية تقدمية. كما خلصت إلى أن تلك الثورة وذلك التراث كانا كارثيين بمعنى الكلمة، وكان يمكن تحقيق القليل الذي حققاه، وأكثر من ذلك، بطرائق أخرى أكثر إنسانية وسلمية وحضارية وهدوءاً، وأقل حدة في القطع مع السابق وعنفاً. وخلاصة القول إنهم حكموا على الثورة الفرنسية الكبرى وتراثها الثوري على أنهما كانا عبثيين ووصمة عار على جبين البشرية وعبئاً ثقيلاً على تاريخ البشر. لقد أدانوا أولئك الكتّاب تلك الثورة وذلك التراث إدانة مطلقة وقاطعة لا تقبل المراوغة.

وقد توجوا هذا التحليل القاطع بالقول إن 1989 كانت لحظة حسم تاريخي، لحظة نهاية الثورة. وقالوا إن الثورة الشعبية فقدت مشروعيتها وحقها في الوجود تماما.ً فقد كانت نتاجاً كارثياً لأوهام البشر وغرائزهم الوحشية وعدم نضج وعيهم الجمعي والحضارة البشرية في الفترة المنصرمة. وقد شكلت 1989 لحظة عودة الوعي ونضجه ويقظته. لذلك، ولما شكل ذلك العام لحظة الحقيقة وتجليها ولحظة اليقظة وإماطة اللثام عن السر السيكولوجي للثورة، باتت الثورة أمراً مستحيلاً بعد 1989. لم تعد ممكنة بعد أن كشفنا سرها المقيت. فلن تكرر البشرية تلك الكوارث التاريخية مع إدراكها عبثيتها وتوافر طرائق حضارية سلمية هادئة لإحداث التغيير.

وسرعان ما تخمرت مقولة نهاية الثورة في مقولة أكثر تطرفاً، هي مقولة نهاية التاريخ، التي أطلقها فرانسيس فوكوياما. وصدق الكثيرون، بما في ذلك عدد من اليساريين، هذه الكذبة المضحكة، التي تتعارض مع منطق الزمن الطبيعي والبشري. وإذا بهذه الفكرة تقود إلى فكرة أن الرأسمالية تحولت، بفضل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى نظام تاريخي جديد، أطلقوا عليه اسم العولمة، وأساسه السوق الحرة ( ذلك الابتكار الخلاق العبقري، حسب وصف قادة التغيير في أوروبا الشرقية آنذاك) والديموقراطية الليبرالية. وبرزت فكرة أن الرأسمالية استطاعت بذلك التغلب على أزماتها الدورية وإيجاد سبل نقدية لمنع حدوثها وتوفير أساس لنمو مستدام وتقدم متواصل ورفاه عميم. وتنامى هذا الخطاب وانتشر حتى عم المعمورة كلها، بما في ذلك عدد كبير من قطاعات اليسار. وكالمعتاد، فقد اتخذ هذا الخطاب الضحل المتهافت أوضح صوره وأكثرها كاريكاتورية في الوطن العربي الكبير. واخذ أمراء الرأسمال وفباطنته، أمثال ألان غرينسبان وغوردون براون، يتفننون في إطلاق التصريحات القاطعة، التي تؤكد تلك المقولات المتهافتة.


وفيما هم غارقون حتى الثمالة في أوهامهم التخديرية، إذا بالأرض النقدية تميد، ثم تتفجر، تحت أقدامهم في أعتى بركان اقتصادي في التاريخ، فاق في حدته بركان 1929. كان ذلك عام 2008، أي بعد تسعة عشر عاماً من عام الحسم المزعوم (1989). وبدأت أعمدة خطاب العولمة والنهايات تتهاوى، واحداً تلو الآخر. وبدأ يتكشف زيف أوهامه. وبدأ مفهوم العولمة ينحسر لصالح مفهوم الرأسمالية بأزمتها المعهودة واحتمالات انهيارها وانتهائها. وإذا بالاعتبار يرد إلى كتابات ماركس، وبخاصة “الرأسمال”، بعد أن عدت في الأعوام التسعة عشر المنصرمة مجرد موميات لا تصلح إلا للمتاحف. وجاءت الضربة القاضية لهذا الخطاب في نهاية عام 2010، حين اندلعت الثورة التونسية المجيدة، وفي يناير عام 2011، حين اندلعت الثورة المصرية العظيمة. إذ انطلقت الجماهير العربية بملايينها في شوارع المدن العربية من أجل صنع التاريخ. فماذا بقى بعد ذلك من مقولة نهاية الثورة؟ وماذا بقي من أطنان الحبر الذي سال عام 1989 في إدانة الثورة الفرنسية الكبرى وتراثها الثوري العظيم؟

المغزى العربي للثورة العربية الراهنة


بصرف النظر عن نتائج هذه الثورات الشعبية العارمة، فإنها تشكل حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ العرب. فهي أول ثورات جماهيرية في تاريخنا. إن التاريخ العربي لهو تاريخ نخب تتكلم وتحكم باسم الجماهير. أما الجماهير العربية، فقد ظلت طوال تاريخنا الطويل مغيبة وخارج التاريخ. وكان ذلك عائقا أمام أي برنامج ثوري أو إصلاحي تنفذه النخب. فلا تقدم حقيقياً من دون تحديث وعي الجماهير ومشاركتها الفاعلة في صنع التاريخ. فأي مشروع نهضوي تنموي يظل شكلاً فارغاً بلا مضمون من دون أن يملأ بحركة الجماهير الواعية. وقبل اندلاع الثورات العربية الراهنة، كنا نعيب على واقعنا وتاريخنا حقيقة أننا الأمة التاريخية الوحيدة، التي عجزت عن تحقيق ثورتها. وكنا نقارن وضعنا بوضع الأمة الإيرانية، التي حققت ثورتها الجماهيرية العارمة، وإن كانت السلطة الثورية قد اختطفت من جانب الكهنوت. وكنا نعزو حالة التراجع المريع، الذي عانيناه في نصف القرن الأخير مقارنة بالأمم الصينية والهندية والكورية والفييتنامية و الإيرانية والتركية، إلى غياب الثورة الشعبية في تاريخنا. فالوعي المفوّت، على صعيدي الجماهير الشعبية والنخب الثقافية والسياسية، هو نتاج هذا الغياب، وهو أساس إخفاق حركات المقاومة العربية والأنظمة الوطنية التنموية العربية نخبوية الطابع.

إن بناء الوعي الحي المحدّث للجماهير والنخب لا يمكن أن يتم جدياً من دون الثورة الشعبية. فالجماهير لا تعي ذاتها وواقعها وتاريخها ولا تبني واقعها إلا بالفعل التاريخي الثوري. فهي لا تتعلم ولا تكتسب وعياً حياً نابضاً إن ظلت مفعولاً فيه تشتغل عليه قوى خارجها، وإنما عليها أن تصبح ذاتاً جمعية فاعلة تاريخياً لكي تتعلم وتصنع وتبني. وها قد بدأت الجماهير العربية، بملايينها، تتحرك من أجل تحقيق مهمات تاريخية ديموقراطية عجزت النخب العربية وحدها عن تحقيقها على مدار قرن كامل من الزمان الحديث. إننا نشهد لحظة هيغلية عظيمة، لحظة تحول الموضوع إلى ذات، لحظة الحرية، لحظة مولد الذات، لحظة مولد الروح.



المغزى الأممي للثورة العربية الراهنة

هل هو من قبيل المصادفة أن الثورة العربية الراهنة قد اندلعت بعد ثلاث سنوات من تفجر الأزمة الاقتصادية العالمية غير المسبوقة، التي عصفت بالرأسمالية العالمية، والتي ما زالت تتفاقم وتتفاعل وتتنامى؟ من الصعب أن يكون الأمر كذلك، وخصوصاً في ضوء التبصر التاريخي، الذي يربط الثورات الشعبية بالأزمات الاقتصادية البنيوية. وهنا، ولفهم ما حدث وما يحدث، فإنه يمكن إجراء مقارنة جزئية بين الثورة العربية الراهنة والثورة الروسية عام 1917. ويمكن القول إنه، مثلما كانت روسيا هي الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية عام 1917، الأمر الذي أشعل فتيل الثورة فيها، فإنه يمكن القول إن الوطن العربي اليوم يمثل الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية الراهنة. وهنا يبرز السؤال: هل إن الثورة العربية الراهنة هي ثورة دائمة أفقياً وعمودياً، كما كان عليه الحال في روسيا عام 1917؟ من الواضح أنها ثورة دائمة أفقياً، حيث إنها اندلعت في قطر معين، هو تونس، ثم انتقلت شرقاً وغرباً إلى سائر أرجاء الوطن العربي، بل وتخطته صوب المحيط الإسلامي (إيران وكردستان وأذربيجان).

هل هي كذلك عمودياً أيضاً؟ وأعني بذلك: هل ستستمر الثورة بصورة دائمة، منتقلة من حزمة مهمات وطنية ديموقراطية إلى حزمة أعمق حتى تصل إلى تخوم المطالب والمهمات الاشتراكية؟ هل سيشكل تحقيق حزمة من هذه المهمات قاعدة للتحرك صوب مستويات مطلبية أعمق؟ هل ستتصاعد الثورة حتى تصل إلى نهاية مطافها، على غرار ما حدث ويحدث في فنزويلا وبوليفيا؟

لقد رأينا كيف أطاحت الجماهير الثورية في كل من تونس ومصر بالأسرة الحاكمة. ثم انتقلت بعد ذلك إلى التحرك الجدي من أجل كنس أجهزة الدولة من رجالات النظام البائد. ثم تحركت صوب تفكيك الأجهزة الأمنية، وتلت ذلك بالضغط من أجل محاكمة رموز النظام البائد. ومن الواضح أنها تسعى إلى إجراء تغييرات دستورية وتشريعية حقيقية. كما إن المطالب والإضرابات العمالية تتصاعد وتتنامى منذ اندلاع الثورة، وهذه جميعاً مؤشرات على أن هناك نزوعاً صوب الثورة الدائمة عمودياً أيضاً في الثورة العربية الراهنة، برغم ما يشوب الحراك الجماهيري من بطء الآن، بعد الفورة الأولى المذهلة في سرعتها.

ولكن، علينا أن ننتبه إلى أن للمعادلة طرفين. فالطرف الأول هو الثورة الدائمة الممتدة أفقياً وعمودياً. أما الطرف الثاني، فهو الثورة المضادة الأممية الطابع. فلئن كانت الثورات تندلع وفق لينين والتاريخ في الحلقة الأضعف من السلسلة الرأسمالية، فإن الثورة المضادة تندلع في الحلقات الأقوى من هذه السلسلة. والذي يقود الثورة المضادة العربية اليوم هو الإمبريالية الأميركية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبعد الصدمة الأولى، التي أحدثتها الأحداث الثورية الخاطفة في تونس ومصر في صفوف قوى الثورة المضادة، استعادت هذه القوى تماسكها ورشدها الرجعي، وبدأت تخطط لإيقاف المد الثوري العربي وخلط الأوراق وتحويل الثورة العربية الدائمة إلى حرب أهلية تفكيكية عربية. وهذا ما نشهده اليوم في البحرين وليبيا، حيث تحول الأمر إلى حرب طائفية وغزو عربي رجعي في البحرين، وإلى حرب أهلية وغزو إمبريالي أطلسي في ليبيا. وقد قمعت الجماهير الثورية في البحرين بجيوش دول مجلس التعاون الخليجي والفزاعة الشيعية الإيرانية. فتم اللجوء إلى القمع المطلق وخلط الأوراق وإثارة الفتنة الطائفية في آن، من أجل إطفاء البؤرة الثورية في قلب الرجعية العربية، في حصنها النفطي المنيع. وفي ليبيا أديرت المعركة بدقة من اجل إبقاء البلاد مجزأة والطرفين المتصارعين ضعيفين وتحت رحمة الإمبريالية الأطلسية، حتى يسهل التحكم بالنفط وجغرافيا الثورة العربية الراهنة.

إننا نشهد اليوم صراعاً دامياً بين قوى الثورة الدائمة وقوى الثورة المضادة بقيادة الإمبريالية الأمريكية والرجعية النفطية العربية. وهي آخذة في التشعب والتصاعد. وعلينا أن نسأل أنفسنا: كيف ستنتشر الثورة الدائمة في السودان والمغرب العربي؟ وماذا سيسفر عنه الحراك الجماهيري في سوريا والعراق وكردستان؟ وهل ستندلع الثورة المخطوفة مجدداً في إيران؟ وماذا سيكون الدور المستقبلي للجيش والأصولية الدينية في الثورة والثورة المضادة؟هل سيشكلان مخزوناً رئيسياً للثورة المضادة؟ أم، هل سينشأ وضع شبيه بما حدث في فنزويلا، حيث يؤدي الجيش دوراً ثورياً تقدمياً؟ وماذا بشأن فلسطين؟ هل ستلتهب فلسطين في وجه الاحتلال وقوى الفساد والظلامية؟ وماذا بشأن الأردن؟ هل سيتحول الحراك الشعبي إلى كتلة تاريخية ديموقراطية تقدمية، أم ستنجح قوى الثورة المضادة، وفي مقدمتها المافيا الأمنية المسيطرة، في تحويله إلى حرب أهلية؟ وكيف سينعكس ذلك كله على لبنان ونظامها الطائفي البغيض؟

ولعل مفتاح هذا الصراع التاريخي المتشعب يكمن في المقام الأول في مصر. إن مصر هي مفتاح التاريخ الراهن في الوطن العربي، وربما في العالم برمته.

الصراع الطبقي في الوطن العربي

إن درس التاريخ يعلمنا أن الثورة الشعبية لهي في جوهرها لحظة تجلي الصراع الطبقي على سطح الأحداث. إنها لحظة خروج حمم الصراع الطبقي من باطن المجتمع صوب ظاهره. فالصراع الطبقي ينخر قلب المجتمع تحت السطح باستتار وهدوء، كالدودة، كما عبر عنه ماركس، حتى يتداعى المجتمع مظهراً كوامنه وتناقضاته. فما هي طبيعة الصراع الطبقي الذي تجلى ويتجلى في الثورة العربية الراهنة؟

ونبدأ بالسؤال: هل إن الثورة المصرية مثلاً ثورة برجوازية؟ وإن كانت كذلك، فبأي معنى؟ يلاحظ المراقب أن شعارات ثوار مصر من شباب ومثقفين ومطالب جماهير الثورة لم تتعد السقف البرجوازي الديموقراطي، وإنما عبرت تعبيراً دقيقاً عن وعي برجوازي ديموقراطي متقدم عماده قيم الديموقراطية الليبرالية كما تجلت في فرنسا وإنجلترا وأميركا الشمالية. إذ نادى المتظاهرون بحرية الأفراد واحترام حقوق الإنسان ورفض الرقابة الأمنية وتداول السلطة ورفض احتكارها ودولة المؤسسات والقانون. وهي، وإن كانت مطالب متقدمة جداً في ضوء البؤس العربي المفجع، إلا أنها تظل مطالب برجوازية بسقف برجوازي.

لكن هنا يبرز سؤالان: لئن بدأت الثورة المصرية مثلاً برجوازية، فهل ستستمر كذلك؟ وهل يعني كون سقف مطالبها برجوازياً أن البرجوازية هي التي قامت بالثورة وقادتها؟

لقد وصف بعض المراقبين الثوار المصريين (والتونسيين أيضاً) بأنهم شباب عصريون ينتمون إلى الطبقة الوسطى. ولكن، هل هم كذلك بالفعل؟ لست أعتقد ذلك. وعلى أي حال، فإن مفهوم الطبقة الوسطى مفهوم ضبابي هلامي لا يفيدنا كثيراً في تحليل الوضع. كذلك، فإن ما سمي الطبقة الوسطى أضعف وأكثر هلامية وسخفاً ورجعية من أن تقدم على مغامرة تاريخية كبرى كالذي شاهدناها في تونس ومصر. ثم إن أولئك الشبان الأشاوس لا يعانون من مشكلات الطبقة الوسطى بقدر ما يعانون من مشكلات الطبقة العاملة الكلاسيكية، كالبطالة والاستغلال. فنسبة البطالة في صفوفهم تفوق نسبة 40%. كما إنهم يساهمون بكدحهم الذهني في خلق ثروات هائلة لشركات تقانة المعلومات والاتصالات من دون أن يطالهم الكثير مما يخلقونه من ثروة. وهكذا، فإنه يمكن القول إنهم يمثلون نوعاً جديداً من البروليتاريا، ما أسميه البروليتاريا الذهنية، التي تكدح بمهاراتها الذهنية وتخلق رأس مال ضخم بها. ولهذه الطبقة العاملة الجديدة أشكالها الجديدة في التنظيم، والتي ترتكز إلى أحدث تقانات المعلومات والاتصالات.

من ثم، يمكن القول إن الثورات العربية الراهنة لهي في المقام الأول ثورات البروليتاريا الذهنية الحديثة.

أما البروليتاريا التقليدية، فمع أنها تباطأت في حراكها الثوري في بادئ الأمر، إلا أنها سرعان ما تحركت بزخم ملحوظ وساهمت مساهمة رئيسية في إسقاط المافيا الأمنية الحاكمة. وما زالت تتحرك بإضراباتها واعتصاماتها المؤثرة.

بذلك، يمكن القول إن الثورة العربية الراهنة هي برجوازية في شكلها وسقفها، لكنها بروليتارية في مضمونها الاجتماعي. فالبرجوازية العربية ليست قادرة على تحقيق ثورتها البرجوازية الديموقراطية ولا مهمات تلك الثورة. لذلك، فقد أوكل التاريخ هذه المهمة العظيمة إلى البروليتاريا الذهنية والتقليدية. وهي ليست المرة الأولى التي يفعل بها التاريخ ذلك. ففي عام 1848، حين اندلعت الثورة في باريس، وامتدت إلى سائر أرجاء القارة الأوروبية، لم تجرؤ البرجوازية الصناعية والزراعية على إسقاط الطغمة المالية الحاكمة، برئاسة الملك لوي فيليب. فما كان على الطبقة العاملة بقيادة راسبيل إلا أن تقدمت الصفوف من أجل تحقيق تلك المهمة البرجوازية بامتياز. فأسقطت تلك الطغمة وملكها، الذين احتكروا السلطة السياسية لثماني عشرة سنة. وبالمثل، ففي الثورة التونسية والثورة المصرية، تقدمت البروليتاريا الذهنية والتقليدية الصفوف ببسالة نادرة من أجل إسقاط نظام المافيا الأمنية الحاكمة، وإقامة نوع من الديوقراطية الليبرالية مكانه.

الثورة العربية، إلى أين؟

إن بؤرة الثورة العربية هي مصر الثورة. فمصير الثورة العربية الدائمة سيتحدد في المقام الأول في مصر. لقد تمكنت الثورة المضادة من إيقاف المد الثوري العربي في أكثر من قطر عربي، بالقمع الوحشي واللعب على وتر الطائفية (البحرين) والوتر الإقليمي (الأردن) والتدخل الإمبريالي السافر (ليبيا، العراق). لكن تطور الحراك الثوري في المركز المصري هو الذي سيحسم الأمر في النهاية. واللافت للنظر في هذا الحراك ثلاث ظاهرات جديرة بالدارسة والاهتمام. وأولاها أن الثورة المصرية لما تتوقف، وإنما هي ماضية في بناء الديموقراطية الليبرالية، برغم المعوقات الكثيرة. وثانيتها أنها تلجأ إلى الحراك الجماهيري الكثيف والمباشر في تحقيق مهماتها، وأنها لم تتخط حتى الآن السقف البرجوازي، لا من قريب ولا من بعيد. وثالثتها أن الجماهير الثورية لم تنظم نفسها حتى الآن في سلطة بديلة، كما سبق أن حصل في الثورة الفرنسية الكبرى والثورة الروسية، تفكك بنية السلطة البائدة وتحقق مهمات الثورة بأيديها، وإنما تلجأ إلى تحقيق ما تريد بالضغط الجماهيري الحاشد على العسكر. ولكن، إلى متى سيستمر هذا الزخم الجماهيري؟

ومن جهة أخرى، فهل يمكن أن تستقر الديموقراطية الليبرالية في مصر، أو في غيرها من الأقطار العربية؟ أم، هل ستتحرك بالضرورة إما صوب نظام استبداد تابع جديد بصبغة عسكرية أو أصولية، وإما صوب نظام جماهيري اشتراكي الهوى، كما في فنزويلا وبوليفيا؟

أسئلة كثيرة نتركها من دون إجابة وافية، عل التاريخ الحي بنضالاته الجماهيرية الدامية يجيب عنها في المستقبل المنظور.

( كتبت في نيسان 2011)



تعليقات الفيسبوك