عاصفة الثورة تجتاح العالم العربي - الحلقة الثانية -


بهاءالدين نوري
2011 / 8 / 10 - 00:36     

أكثر من ستة أشهر منذ أن بدأت الثورة الشبابية السلمية في تونس ومصر، وحدثت خلال هذه الفترة أمور وتطورات هامة تستوقف النظر وتتطلب التناول بالعرض والتحليل، بحثا عن سبل و وسائل أفضل لاستمرارها وانتصارها. فما هو أهم تلك التجارب والاستنتاجات، التي تترتب على الأحداث الواقعية في مجرى الثورة؟
أود أن أشير أولا إلى أن ما أذكره هنا هو وجهة نظري الشخصية، وأنا لا أدعي العصمة ولا أستبعد أن يكون لدى البعض من مراقبي الأحداث وجهات نظر أفضل وأدق. ويشرفني أن أكون المبادر، فأقول ان لدي ما يلي:

1) ان لهذه الثورة الشبابية الديمقراطية عوامل صمودها واستمرارها حتى النصر، على الأقل في معظم البلدان العربية. فالاستمرار طوال هذه الأشهر، رغم التضحيات الجسيمة من الشهداء والجرحى ومن النواحي المعاشية والخدمية وغيرها، دليل على ما أسبقت. فهي لاتزال محتفظة بحيويتها لأنها تستمد القوة من حيوية الشباب وكل الشعب ومن عدالة أهدافها.
2) أن انتصار الثورة في إزاحة رأس النظام من أمثال بن علي ومبارك خطوة كبيرة على الطريق، لكن ذلك لا يعني تحقيق انتصار تام للثورة كما تؤكد تجربة تونس ومصر.
3) أن لكل بلد عربي خصائصه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتأريخية، التي تجد إنعكاسا لها في مجرى العمل الثوري، حيث لا يمكن أن يسير مختلف الأمور في هذه البلدان على نفس المنوال، وأن كانت هناك خصال مشتركة بين هذه البلدان.
4) في الثورات العربية الجارية يتوقف الكثير على موقف المؤسسة العسكرية [الجيش] والدور الذي يلعبه: أهو ينحاز إلى الثورة أم يتخذ موقف الحياد أم يتحرك كجهاز قمعي في أيدي الحكام؟
5) أن الأنظمة كلها تقريبا وبالأخص الملوك والأمراء وقفت موقف عدم الإرتياح، بل موقف المناوأة للثورة. لكن الحكام لم يتجرأوا على البوح بهذه المواقف إلا في حالات نادرة. ومن الواضح إن هؤلاء الحكام شكلوا، بدرجات متباينة، احتياطيا كبيرا لقوى ثورة الردة.
6) أن موقف الدول الأوروبية كان موقف التأييد والدعم، بعكس موقف روسيا والصين، خصوصا تجاه نظامي ليبيا وسوريا، فيما اختلف موقف الإدارة الأمريكية التي ظلت مترددة تجاه النظام السوري مسايرة لرغبة إسرائيل في عدم إسقاط النظام البعثي الهزيل الذي لا يقوى على تشكيل أي تهديد لتل أبيب.
شملت التظاهرات الاحتيجاجية التي بدأت كلها كثورة سلمية، معظم البلدان العربية [تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ومسقط والبحرين والجزائر والمغرب والأردن والعراق وعددا آخر ولو بصورة محدودة] وتعثرت خصوصا في ليبيا واليمن وسوريا. من المؤكد أن الشكل السلمي للثورة هو الأفضل وأن الجماهير لم ولن تبدأ بالعنف. لكن الصراع دائر بين طرفين، والمفتاح فيما إذا سير الصراع سلميا أو عنفيا يكون عادة في أيدي الحكام ومرهونا بجملة عوامل، وفي مقدمتها وضع ودور المؤسسة العسكرية. ففي ليبيا بقيت المؤسسة المسماة [كتائب القذافي] إلى جانب النظام الذي كان قد شكلها أصلا كقوة حماية خاصة معظم قياداتها من أبناء العائلة ومن المحسوبين وكثرة من أفرادها من المرتزقة الأفريقيين. وفي اليمن أناط علي عبدالله صالح معظم المراكز القيادية في الجيش بأبناء عائلته ومقربيه. وفي سوريا كان النظام طائفيا وأعتمد الأسد دوما وبالدرجة الأساسية على العلويين المتعاطفين مع (القائد). وفي تونس ومصر كانت تركيبة الجيش مغايرة وبالتالي كان موقفه مغايرا لما حدث في ليبيا وسوريا واليمن.
بسبب من اختلاف الظروف بين البلدان التي قامت فيها الثورات الشبابية الديمقراطية تطورت الأحداث فيها بأشكال مختلفة من بلد لآخر، سواء من حيث التكتيك والشعارات أم من حيث التنظيم والقيادات. وأنفردت ليبيا وحدها، بين البلدان الثائرة، بتكون هيأة قيادية للثورة باسم [المجلس الإنتقالي] برئاسة مصطفى عبدالجليل، هيأة موجودة على أرض الواقع ومعترف بها من قبل الثوار اللبيين والمجتمع الدولي كبديل عن قيادة القذافي. وهذه كانت ولاتزال نقطة القوة في تلك الثورة. وأظن أن هذه الظاهرة لم تأت بمعزل عن كون مدينة بنغازي [وهي ثاني كبرى المدن الليبية] مركزا للحركة الثورية في ذلك البلد. وتجب الإشارة إلى أن هذه القيادة لم تنبثق من الأحزاب الموجودة، ولو سرا، في البلد. ولم يكن هناك أي وجود للأحزاب العلنية القانونية لأن الدكتاتور لم ير داعيا لوجود الأحزاب، بل كان [الكتاب الأخضر] وما فيه من توجيه يؤمن [أفضل ديمقراطية] في العالم!
في كل من تونس ومصر واليمن وسوريا وغيرها كانت إنطلاقة الثورة الشبابية عفوية أو شبه عفوية، دون وجود أي تخطيط مسبق أو هيأة قيادية. وفي مجرى الاعتصامات، المستمرة طوال الأسابيع والأشهر المتعاقبة نشأ شكل بدائي بسيط من التنظيم والقيادة الأئتلافية، التي عرفت باسم [لجان تنسيقية] . . . وهي أقل من الحد الأدنى الضروري الذي يتطلبه الوضع، إذ لا تمثل قيادة مركزية موحدة ولا تستطيع السيطرة على الحركة الثورية المتصاعدة، وليست متفقة بالقدر المناسب على التوجهات، وهنا نجد نقاط الضعف الرئيسية في هذه الحركات الثورية. وقد أقترن نشاط اللجان التنسيقية للشباب بتجاهل الشباب المعتصمين للأحزاب التقليدية المعارضة للنظام. ويعود ذلك إلى الدور السياسي الضعيف الذي لعبته تلك الأحزاب في سني ما قبل الثورة، في ظروف إنعدام الديمقراطية وتقييد نشاطات تلك الأحزاب من قبل الأنظمة الحاكمة. لو كانت هناك في هذه البلدان أو البعض منها أحزاب معارضة جماهيرية ومتميزة في نشاطها قبل بدء الثورة لربما كان الثوار ينقادون وراءها. لكن الوضع في هذه البلدان لم يكن مؤاتيا لبروز أي حزب سياسي جماهيري.
ورغم أن حكام جميع البلدان الثائرة تصدوا للثورات وأغرقوها في الدماء والدموع، إلا أن الوقائع أظهرت قدرا واضحا من التباين في الوحشية وروح الإجرام بين الفئات الحاكمة في هذه البلدان، أظهرت أن دكتاتور ليبيا المجنون ودكتاتور سوريا المنتسب أصلا إلى المدرسة الفاشية العفلقية، التي لم يكن لها منافس في العالم العربي من حيث ممارسة البطش والإرهاب الدموي، هما الأشد وحشية وايغالا في الإرهاب وسفك الدماء، والفرق بين هذين المجرمين هو أن القذافي مجرد فرد أو عائلة وينتهي دورها بإزاحتها عن السلطة. لكن الأسد ينتمي إلى مدرسة فاشية أسسها ميشيل عفلق منذ 1947 باسم [حزب البعث العربي الأشتراكي] وتسلم رجال هذه المدرسة الحكم في العراق وللمرة الثانية مدة 35 عاما وحتى يوم سقوط صدام، فيما استلموا السلطة في سوريا وعبر إنقلاب عسكري أيضا منذ 1963 وحتى يومنا هذا، حيث يبذل بشار الأسد المستحيل لكي يبقى في الحكم.
أن ضعف القيادة أو إنعدامها بين ثوار الشوارع يشكل نقطة ضعف خطيرة في الثورات الديمقراطية الراهنة. والشكل التنظيمي البدائي، الذي أوجدته الحاحة في الثورات، وأعني ما أطلق عليه اسم [لجان التنسيق]، لم يكتسب المؤهلات القيادية اللأزمة للاضطلاع بدور قيادي، وقد أكدت تصرفات اللجان التنسيقية في بعض الحالات وفي مختلف البلدان هذه السذاجة البعيدة عن النضج السياسي. لنأخذ على سبيل المثل الثوار في اليمن: أنهم أرادوا أن يقلدوا ليبيا وأن يكون لهم أيضا مجلس إنتقالي شأن المجلس الإنتقالي الليبي، دون النظر إلى الفارق الجوهري بين ظروف البلدين حيث ولد المجلس الإنتقالي الليبي في مدينة كبيرة محررة من سيطرة القذافي، في حين أن مدن صنعاء وتعز وعدن وغيرها لاتزال مليئة بقوات علي عبدالله صالح وان أعدادا متزايدة من المتظاهرين لايزالون يقتلون يوميا على أيدي أزلام صالح، والثوار لايزالون يؤكدون يوميا أنهم متمسكون بالطابع السلمي للثورة ويرفضون رفضا قاطعا أي تدخل أجنبي! فأي مجلس إنتقالي هذا وأين هي القوة التنفيذية التي تجعل منه مجلسا فعليا على أرض الواقع؟ ان المجلس الإنتقالي الليبي كان من السمات الخاصة بالثورة الليبية في ظروف إنقسام ليبيا إلى منطقة محررة ومنطقة أخرى غير محررة تقاتلان بعضهما البعض، ولا تصلح لبلاد اليمن التي توجد فيها قوات السلطة على بعد أشبار من الشبان المعتصمين في كل مدينة. وقد أزيح بن علي ومبارك دون وجود مجلس إنتقالي في أي من مصر وتونس، ولكن لأن القوات المسلحة في كلا البلدين لم يقاتل الشباب دفاعا عن النظام.
وفي سوريا الثائرة دعا الشباب أحد أيام الجمع للتظاهر تحت شعار [جمعة صمتكم يقتلنا]. أي معنى نستطيع أن نفهم وراء هذه التسمية؟ أي تصميم كفاحي يلمس فيه؟ على أي نضج سياسي يدل هذا المصطلح الساذج؟ أن الثورة القائمة في كل من اليمن وسوريا تحتاج إلى وجود قيادة سياسية كفوءة – رغم علمي بأن تشكيل مثل هذه القيادة بات أمرا في غاية الصعوبة – وحبذا لو أقتنع الشبان الثائرون أنفسهم بهذه الحقيقة، لو شكلت هيأة قيادية مؤقتة تضم في صفوفها شبانا ثائرين إلى جانب معارضين سياسيين معروفين من ذوي الماضي النضالي المعروف وذوي الخبرة السياسية المناسبة، سواء كانوا من الهاربين من بطش النظام إلى خارج البلد أو من المعارضين المتبقين داخل البلد، ومن المستقلين المرموقين أو من أحزاب المعارضة. فالقيادة في الثورة أشبه بالرأس في جسم الإنسان، والشبان أبطال مجاهدون والدور الذي اضطلعوا به لا يمكن لغيرهم أن يضطلع به اليوم، ولكن لا يقلل من شأنهم إذا قيل لهم أنهم قليلو التجربة سياسيا.
قلت ان الثورة الشبابية، ورغم بعض الخصال والتطلعات الهامة المشتركة، تطورت في البلدان المختلفة بأشكال متباينة وحققت نجاحات مختلفة. ففي تونس – وهي البلد الأول لإنطلاقة الثورة – أقصي بن علي مع عائلته، لكن أقطاب نظامه بقوا بعده ولحد اليوم في الحكم. وقد نشأت معادلة سياسية متأزمة مقرونة بتوازن قلق على المسرح السياسي. واضح ان نظاما مشابها لنظام بن علي لا يمكن أن يعود إلى ذلك البلد وان تغيرات معينة في الوضع أمر حتمي لا مفر منه . . . إلا أن من السابق لأوانه أن نقول ان ثورة الشبان الديمقراطية التونسية ستحقق كامل أو معظم أهدافها التي قامت من أجلها وأنها لن تتوقف في منتصف الطريق.
وفي مصر اختلف الوضع إلى حد إذ نجح الشباب في ممارسة الضغط لفرض وضع أفضل سياسيا. غير ان قوى الردة قد استفاقت من هول الضربة الأولى وبدأت تستجمع قواها لتخوض صراعا عنيفا ضد الثورة. ولاتزال هذه القوى تملك مواقع قوية داخل أجهزة الدولة وفي شتى مرافق الحياة العامة وتتطلع إلى إستعادة سلطانها بإيصال بعض رموزها عبر الانتخابات الرئاسية إلى منصب الرئاسة، إذا ما وصل شخص كعمرو موسى إلى كرسي الرئاسة فان ذلك لا يعني شيأ سوى عودة حسني مبارك في ثوب جديد إلى السلطة. ان قوى الردة لن تستسلم، لا في مصر ولا في تونس ولا غيرها، بل ستقاوم تارة باللجوء إلى الشارع وأخرى باللجوء إلى القوانين والمحاكم وثالثة بالمناورة والتضليل . . . الخ. وهي تملك الخبرة في محاولات إشاعة التفرقة وإثارة الفتن والنزاعات القومية والدينية والطائفية. انها تستعمل أخس الأساليب بأمل إستعادة فردوسها المفقود أو – على الأقل – لفرض حلول وسطية تحفظ لها بعض امتيازاتها.
ان نقطة الضعف الرئيسية في وضع مصر هي النفوذ الواسع للقوى السياسية الإسلامية، وبالأخص نفوذ الأخوان المسلمين، الذي تنامى في البلاد خلال سني نظام مبارك، رغم أنه لم يكن من حيث الجوهر سوى وجه آخر للعملة المباركية. أما لماذا تمكن من التنامي فذلك يعود إلى ان الإسلام السياسي المصري، وهو طمح ويطمح دوما إلى إستلام السلطة، كان معارضا لنظام مبارك وكان يضمر مخططا لإقامة نظام آخر من طراز النظام الإيراني . . . وهو لم يتخل عن هذا الطموح السلطوي بعيدا عن الأخذ بالمبادئ الديمقراطية والقواعد الحضارية الحديثة. ومن الواضح ان الإسلام السياسي المصري، وبضمنه تيار الأخوان المسلمين، لم يكن من البادئين بالثورة الشبابية ولا قوتها الرئيسية في الشارع ولا ملهم شعاراتها ومخططاتها، بل شاركوا فيها منجرفين – شأن أحزاب المعارضة الأخرى – وراء الشباب الذين تصرفوا بمعزل عن جميع الأحزاب، إلا أنهم – الأخوان – شاركوا بخطوات مدروسة وأستطاعوا الأحتفاظ بقواهم بل وتنمية قواهم في مجرى الثورة، والشعار الديماجوجي [الإسلام هو الحل] الذي رفعوه في وجه النظام البائد وكسبوا به الكثيرين من قليلي الوعي سياسيا، لن يضمن لهم النصر في مصر الجديدة، حيث أيقظت الثورة الشعبية أوسع الجماهير. ويتراءى لي أن الأخوان قرروا، من منطلق إدراكهم لهذه الحقيقة، أن يقدموا خطابهم السياسي إلى الجماهير المصرية على لونين، إحداهما في شكل تقليد لما فعله حزب العدالة والتنمية في تركيا [ولهذا الغرض أسسوا حزبا سياسيا مصريا من نفس الطراز التركي] واللون الثاني يظل في شكل خطابهم الكلاسيكي، ولكن بصيغة تجمعات سياسية دينية متفرقة أو أفراد إسلاميين أو قوائم انتخابية مستقلة ظاهريا . . . الخ. وينطلق الأخوان في الساحة السياسية اليوم كفارس الفرسان إزاء أحزاب المعارضة العلمانية التقليدية، التي لا تملك من التأييد الشعبي والمؤهلات السياسية – الـاريخية ما يضعها كمنافسة سياسية فعالة وناجحة إزاء الأخوان في المعارك الانتخابية. لكن أمر التنافس الحزبي في مصر اليوم لم يعد كما كان في العهد البائد. فالثورة غيرت تناسب القوى على المسرح السياسي وأوجدت معادلات سياسية جديدة من شأنها أن تقلص نفوذ الإسلام السياسي وتؤدي إلى المزيد من الإنشقاقات في صفوفه.
والتيار اليساري المتطرف الموجود بطبيعة الحال في المجتمع المصري – شأن سائر المجتمعات – يشكل أحد مصادر الخطر والمتاعب، فالمتطرفون، بما يطرحون من شعارات ومطالب خاطئة وما يقدمون عليه من أعمال إنعزالية خاطئة، يجعلون من أنفسهم، شاؤوا أم أبوا، أداة تشويش وإفساد في النضال السياسي الجماهيري، وهم يقدمون بتصرفاتهم ذرائع إلى الخصوم السياسيين الباحثين دوما عن أي ذريعة للطعن في الثورة زودا عن الأنظمة الرجعية العربية، سواء في مصر أو أي بلد عربي، وأكثر من ذلك فأنهم غالبا ما يثيرون صراعات ومعارك جانبية على حساب القضية الأساسية. والاصرار على الأعتصام في الساحات في وقت لا داعي للأعتنصام ولا مبرر له ولا مطلوب شعبيا، يأتي في سياق التطرف ويساعد على خلق الصراعات الجانبية وإثارة السخط حتى بين الأوساط الجماهيرية المؤيدة للثورة. وإذا كان التطرف اليساري كتيار فكري في المجتمعات المختلفة ظاهرة اعتيادية مألوفة فان في المجتمعات العربية اليوم سببا إضافيا لدفع فئات واسعة من الشباب إلى نهج التطرف – وهو الكبت الطويل الذي عانى منه الشباب مع كل الشعب طوال عشرات السنين في ظل الأنظمة الرجعية والدكتاتورية العربية والحرمان السابق من حق التظاهر والتعبير عن الرأي، الأمر الذي يحملهم اليوم على الإندفاع إلى حد التطرف، خاصة وأنهم لا يملكون تجارب سياسية سابقة ولا يثقون بالأحزاب السياسية التقليدية الموجودة لكي يستمعوا إلى توجيهاتها.
كان ولا يزال من الطبيعي أن يكون الأقباط في مصر من أشد المتحمسين لتأييد الثورة الشبابية، حيث يفترض أن تؤدي هذه الثورة إلى وضع ديمقراطي يكون الجميع، وفي مقدمتهم الطائفة القبطية وجميع الأقليات القومية والدينية في أمس الحاجة إليه لكي يتمكنوا من نيل ما لهم من حريات وحقوق عادلة. وما حدث من صدامات دموية بين المسلمين والأقباط هناك لم يكن أمرا طبيعيا أبدا، ولا ناجما عن التطور الطبيعي للثورة، بل يجب البحث عن أسبابه في صفوف قوى الردة المصرية والأوساط الخارجية التي لم ترق لها الثورة.

قضية تدخل المجتمع الدولي:
كان نظام القذافي النظام العربي الوحيد، الذي وافقت الجامعة العربية على لون من تدخل المجتمع الدولي لحماية المواطنين المدنيين فيه من اعتداءات القذافي. وأظن أن هذه الموافقة لم تأت بمعزل عن الإنزعاج الشديد من لدن جميع الحكام العرب، وفي المقدمة منهم ملوك وأمراء الخليج، إزاء القذافي شخصيا بسبب حماقاته المفرطة ومواقفه الإستفزازية تجاه بعضهم. وقد أصبح من المألوف أن يرفض الناس، سواء من أنصار الثورة أو من مناوئيها، التدخل [الأجنبي] في هذه الثورات. ويتباهى البعض بأنهم رفضوا تدخل أي قوة برية أجنبية في ليبيا مكتفين فقط بالدعم الجوي للثوار ويكرر معتصموا المدن اليمنية والسورية وجميع المعارضين السوريين داخل سوريا وخارجها رفضهم القاطع لتدخل أي قوة أجنبية عسكريا، ويتراءى لي أن هذا الرفض موقف خاطئ وغير مسؤول من قبل هؤلاء، ذلك لأن عالمنا اليوم يعيش في ظروف العولمة التي جعلت من كوكبنا ما يشبه قرية صغيرة تتعاون فيها العوائل المتجاورة تعاونا وثيقا ومشروعا. فلا داعي للحذر من هذا التعاون عبر منظمة الأمم المتحدة وعندما تقتضي الضرورة لدرء خطر أكبر. نعم يجب رفض التدخل حيثما لا يكون ذلك ضروريا. ولكن ماذا كان مصير ثوار ليبيا العزل أمام الآلة الحربية الضخمة المسماة [كتائب القذافي] وقواته الجوية فيما لو لم يتدخل المجتمع الدولي؟ ماذا كان مصير الشعب البوسني المبتلى بالتسلط الشوفيني الصربي فيما لو لم يتدخل حلف الأطلسي؟ وماذا كان حال العراقيين في ظروف عدم التدخل في بلادهم طوال 35 سنة من تسلط الدكتاتور التكريتي، الذي لم يتردد حتى في استخدام السلاح الكيميائي لإبادة شعبه وممارسة الإرهاب الفاشي الذي خلف مئات المقابر الجماعية في العراق؟ ألم يكن ما يسمونه [الأحتلال الأجنبي للعراق أهون من التسلط الفاشي الصدامي]؟ أو لم يكن إنسحاب الجيوش الأجنبية بعد إسقاط صدام مباشرة مؤديا إلى عودة مؤيدي صدام إلى السلطة بسبب ما سرقوا من المال العام والسلاح وما مارسوا ضد قوى المعارضة من الإرهاب والتنكيل في سني حكمهم؟ ألا يتمنى الشعب الفلسطيني اليوم تدخل المجتمع الدولي عسكريا في الضفة الغربية لتحل قوة دولية تابعة للأمم المتحدة محل قوات الأحتلال الإسرائيلية التابعة لنظام نتنياهو العنصري؟
يجب رفض التدخل الدولي عندما يعتصم الشباب ويخوضون ثورة سلمية للمطالبة بإسقاط نظام يرفض هو الآخر استخدام العنف وزج آلته العسكرية الضخمة في أعمال القمع الدموي. لكن فرض الخيار السلمي في الصراع لا يخضع دوما لرغبات الثوار، الخيار السلمي للثوار نجح في تونس مع تقديم حوالي (400) شهيد، ونجح في مصر مع تقديم ما يقارب ألف شهيد. لكن الوضع في ظل نظام القذافي لم يكن على نفس الشاكلة ولا يكون في ظل نظام الأسد الفاشي في سوريا، الذي يحكم منذ نصف قرن، على نفس الشاكلة. فالحاكم السوري لم يكتف فقط باستخدام أجهزة المخابرات الواسعة المرعبة و باستخدام قوات الشرطة، بل عمد إلى زج كامل جيشه وميليشياته – الشبيحة – لقمع الثورة بمنتهى القسوة. والشعب السوري الأعزل، الباسل المضحي الصامد طوال أشهر متعاقبة، لم يفلح في فرض الخيار السلمي، رغم أن الرأي العام الدولي دعمه ومعظم دول العالم أتخذت مواقف التأييد لنضاله المشروع. وليس هناك في الأفق السوري ما يشير إلى ان النظام الفاشي ينوي التراجع والاستسلام أمام الثورة. فلماذا يرفض التدخل من قبل المجتمع الدولي ضد نظام لا يعرف إزاء شعبه إلا لغة العنف والبطش الدموي؟ أنني أفهم لماذا ترفض حكومة نتنياهو التدخل العسكري الدولي ضد خصمها النظام السوري، بل أفهم لماذا لا ترغب إسرائيل، ولا ترغب الإدارة الأمريكية أيضا مسايرة للسياسة الإسرائلية، في سقوط نظام البعث الأسدي. تنطلق إسرائيل من مصالحها الخاصة وتدرك أن مصلحتها في بقاء نظام هزيل غير قادر على تشكيل أي خطر لها – والنظام السوري الحالي هو هذا النظام الذي تريده تل أبيب . . . ولكنني لا أفهم لماذا يرفض المعارضون السوريون وكل المثقفين العرب التدخل الدولي لصالح شعبهم في صراع غير متكافيئ بين [جيش] أعزل من الشباب وجيش مدجج بكل أنواع الأسلحة؟



تعليقات الفيسبوك