السبيل إلى إنجاح العملية السياسية لنقل العراق إلى وضع ديمقراطي مستقر


بهاءالدين نوري
2011 / 6 / 28 - 19:21     

لم يشهد العراق في تأريخه نظاما ديمقراطيا حقيقيا. وإذا كان في العهد الملكي هوامش من الديمقراطية (كالدستور اللاديمقراطي والبرلمان غـيـر المنتخب ديمقراطيا وما إلى ذلك) فان الوضع قد سار نحو الأسوأ، خاصة بعد وصول البعثيين إلى السلطة في إنقلاب 1968، حـتى وصل إلى قيام نظام دكتاتوري طائفي فاشي، نظام الحروب والإرهاب والمقابر الجماعية. وقد ظهر مصطلح (العملية السياسية) في هذه البلاد بعد إسقاط الطاغية التكريـتي في 9/نيسان/2003 كتعبـير عن حقيقة أن حاجة العراق الألح في مرحلة ما بعد صدام إنما هي إقامة نظام ديمقراطي، وان هذا الهدف لن يتحقق إلا عبر مخاض صعب عبر عنه بجملة (العملية السياسية).
فكيف سارت هذه العملية وماذا أحرزت من النجاحات طوال السنوات الثماني الـتي أعقبت سقوط النظام السابق؟
بديهي ان تحقيق هذه المهمة لم يكن سهلا أبدا، بل كان بالغ الصعوبة للأسباب التالية:

(1) لأن حكم صدام طوال خمسة وثلاثين عاما قد أوجد وخلف تعقيدات كثـيرة ومعرقلة لأي إجراء هادف إلى بناء نظام ديمقراطي بعد سقوطه. كان من تلك التعقيدات إشاعة الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي وعسكرة الحياة بالضد من الديمقراطية وخلق فئة واسعة من ذوي المصالح اللامشروعة المرتبطين بالنظام والمساندين له، خصوصا بين العرب السنة في العراق.
(2) إنعدام التقاليد الديمقراطية سابقا وتعود الناس على التأليه والتصفيق للزعيم والتغاضي عن سيئاته. يضاف إلى ذلك ان السلطة قد انتقلت من الأمريكيين مباشرة إلى أحزاب وجماعات سياسية دينية وقومية مشبعة بثقافة العنف والإرهاب واحتكار السلطة، بدلا من ثقافة الديمقراطية والحوار وتداول السلطة.
(3) وجود دول مجاورة للعراق وهي كلها معادية للديمقراطية (إيران الإسلامية وتركيا الكمالية والمملكة السعودية والأردنية والكويتية) ومرتعبة من شبح الديمقراطية في هذه البلاد وقادرة على التأثير ولو بدرجات متباينة على الوضع، لعرقلة العملية السياسية في العراق.
(4) جهل الأمريكيين بظروف العراق وإصرارهم على النهج الذي لخصه (ضــرضــــل) قبل سبعين عاما حين قال (لن يهتدي الأمريكيون إلى طريق الصواب إلا بعد أن يجربوا جميع الطرق الخاطئة).
وسط هذه التعقيدات بدأت العملية السياسية في بلد فرض عليه سلطان حزب قومي فاشي طوال 35 عاما. وقد تحققت نجاحات محدودة إذ يتمتع الناس بحرية النشر والتعبير عن الرأي وعقد التجمعات والتظاهرات، عكس ما كان سابقا، وانتخب البرلمان ولو في أجواء لم تكتمل فيها الديمقراطية، وأطلقت التعددية الحزبية بدل الحزب الواحد القائد . . . الخ. غير أن هذه العملية سارت وتسير وكأنها سلحفات تسابق الجواد العربي لأنها اصطدمت ولا تزال تصطدم بالعراقيل المذكورة آنفا. وتأكدت هذه الحقيقة على أرض الواقع إذ خلافا لكل القيم والتقاليد الخاصة باللعبة الديمقراطية تشبث المالكي بكرسيه كرئيس للوزراء قرابة عام عقب الانتخابات البرلمانية فخلف بذلك أزمة حقيقية في الحكم ولم تنته إلا بعد رضوخ منافسه لإرادته، وبعد الترفيعات الـتي قام بها مسعود البرزاني في اجتماع أربيل، بل لم تنته في واقع الحال حتى اللحظة الراهنة، أي بعد سنتين من الانتخابات، حيث لا يزال النقاش دائرا حول كيفية تشكيل (مجلس السياسات العليا)، الذي ابتدع بهدف الترضية والتساوم، ولا يزال أهم المناصب الوزارية شاغرا كوزارات الدفاع والداخلية. لو كان هنالك التزام حقيقي بالعملية السياسية لكان على المالكي فور انتهاء الانتخابات، الـتي جرت تحت إشراف حكومته، ان يحترم نتائجها ويفسح المجال أمام أياد علاوي ليجرب حظه في محاولة تشكيل الوزارة وكسب ثقة الأغلبية البرلمانية خلال مدة لا تزيد عن شهرين لكي لا تظل البلاد بلا حكومة طويلا. وفي حالة فشل علاوي كان يأتي دور المالكي بأعتباره رئيس الكتلة الثانية ليجرب هو الآخر حظه في غضون شهرين. وفي حالة فشله كان عليه أن يفسح المجال بعض الوقت لتأليف وزارة ائتلافية أو لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، بدلا من التشبث بالكرسي وبالزعامة. أن أيا من الرجلين، المالكي وعلاوي، لم يتصرف على الوجه الصحيح وبما يقتضيه الواجب الوطني في العملية السياسية بل إنحصرت المساعي في محاولة الفوز بالمنصب الرئيسي. ولم يتصرف رئيس الجمهورية بما يليق برئيس دولة ديمقراطية من موقف واضح وحازم لاحقاق الحق، بل ركز جهوده على التراضي والتساوم بين الرجلين لايصالهما إلى تقاسم السلطة، أو تقاسم الهريسة، طبعا على حساب (العملية السياسية). وبعد فشل الطالباني جاء دور أخينا البرزاني في اجتماع أربيل لطبخ ترقيعة فاشلة قائمة في قضه وقضيضه على فكرة تقاسم الهريسة بين المالكي وعلاوي. وقد أخفقت في نهاية المطاف هذه المحاولة أيضا إذ أن الأزمة لا تزال قائمة وحادة. ولم يكن جميع ما جرى إلا على حساب (العملية السياسية).
ينبغي الإقرار هنا بحقيقة مرة ومعروفة، حقيقة ان الفساد السياسي – الإداري – الأخلاقي ساد هذا البلد طوال عشرات السنين المنصرمة ولم يزل يسوده لليوم وأن الهدف الأهم وراء النشاطات الجارية في العمل السياسي بالنسبة إل الكثيرين كان ولا يزال الحصول على المناصب الهامة كوسيلة لكسب الامتيازات الشخصية في المرتبة الأولى. فلا غرابة في أن يتخذ البعض من الساسة، وبالأخص من حركات الإسلام السياسي ومن القوميين اللبراليين المتربين وسط هذا الفساد السياسي – الإداري المكثف في الدول البترولية الثرية المتخلفة، ان يتخذوا من هذه (العملية السياسية) وسيلة للحصول على الامتيازات والمكاسب الشخصية وأن يتنازعوا أحيانا على المناصب ويتفقوا أحيانا في إطار موحد بغية تقاسم الهريسة. هذا ما حدث على صعيد العراق وما يراد له ان يحدث اليوم على صعيد إقليم كردستان أيضا عبر الدعوة إلى تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة بين السلطة والمعارضة.
وإزاء كل هذا التخبط في سياسة المالكي وحلفائه لم يقتصر الأمر على فشل العملية السياسية، ولا على فشل ما وعد به الشبان المتظاهرين من إصلاح ملموس خلال مئة يوم، بل كذلك في التصدي لنشاطات الزمر الإرهابية من الإسلاميين المتطرفين وفلول البعثيين. فالجميع يرون ان الأعمال الإرهابية مستمرة بشكل مكثف يوميا، وسيستمر هذا الفشل طالما تحتفظ الأحزاب والجماعات الحاكمة والمتنفذة بميلشياتها وتستمر في صراعاتها الداخلية.
إذا أراد الساسة والمسؤولون في الأحزاب والكتل البرلمانية أن يسيروا على الطريق الصحيح لإنجاح (العملية السياسية) في البلاد بشكلها المطلوب المؤدي إلى توطيد أركان الديمقراطية وبناء دولة القانون والمؤسسات . . .ألخ، فان الطريق إل ذلك واضح وضوح الشمس، الطريق هو ان يحكم الحزب الذي يملك بمفرده، أو بالائتلاف مع آخرين، الأغلبية البرلمانية وان يشكل الطرف الآخر، الذي حصل على مقاعد برلمانية أقل، كتلة المعارضة البرلمانية، مع ضرورة إدراك الجميع بأن الانقسام إلى طرفين أحدها حاكم والثاني معارض لا يجعل منهما جماعتين متعاديتين، بل مكملتين لبعضهما في كيان ديمقراطي مدني تتوزع فيه الوظائف وتختلف فيه الأداءات وتتوحد الأهداف . . . فالفريق الفائز يمارس السلطة والفريق المعارض يشكل هيأة الرقابة على أعمال السلطة. في ظل الأنظمة الدكتاتورية تنعدم هذه الرقابة ويتصرف الحاكم كما يشاء في شتى مجالات الحياة العامة، يثير الحروب ويسفك الدماء ويقمع الحريات ويسرق الأموال ويعمل كل ما يوحي به عقله المريض كما فعل صدام وأمثاله. وفي ظل النظام الديمقراطي حيث توجد رقابة المعارضة فان ناقوس الأنذار يدق عندما ترتكب السلطة خطأ أو تجاوزا أو يرتكب أحد المسؤولين ما لا يليق بمسؤول أو لا ينسجم مع المصالح العامة. ان تقاسم العمل في النظام الديمقراطي بتولي فريق الأغلبية السلطة وتولي الفريق الأصغر مهمة الرقابة على أعمال السلطة هو عمل مشرف يعبر عن الرقي الحضاري ويضمن الأداء الأفضل، بعكس تقاسم السلطة كوسيلة لتقاسم الهريسة وكسب المنافع الشخصية أو الحزبية الضيقة.
ان السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الأحزاب الدينية والطائفية والقومية المتعصبة، الـتي لا تزال مهيمنة على الساحة السياسية في العراق، موهلة لإنجاح العملية وبناء نظام ديمقراطي مدني. إذا نظرنا إلى تجربة السنوات الثماني المنصرمة في العراق نفسه فان الجواب على هذا السؤال لن يكون في صالح هذه الأحزاب. وإذا نظرنا إلى تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران فان الجواب يكون سلبيا بصورة مطلقة. وإذا نظرنا إلى تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا بما فعل أردوغان خلال السنوات الثماني المنصرمة وما يتوقع أن يفعله خلال السنوات الأربع القادمة فان الجواب يمكن أن يكون مغايرا. ولكن هل ترقى الأحزاب الإسلامية في العراق إلى مستوى حزب التنمية والعدالة من النواحي الأساسية الـتي ترضي العلمانيين والجماهير من حيث سياسته وتصرفاته المتزنة وحماية نفسه من تهم الفساد الإداري ورفض التوجهات الطائفية والعشيرتية . . . ألخ؟ ما نستيطع الجزم عليه هنا هو أن الفرق كان شاسعا بين سياسة وتصرفات حزب العدالة والتنمية التركي وبين الأحزاب الإسلامية العراقية خلال السنوات الثماني الفائتة.
ومهما كان الأمر فان الطريق ليس مغلقا أمام أي حزب منتخب إلى البرلمان وراغب في إنجاح العملية شريطة أن يلتزم في سياسته بعدد من الأسس والمعايير، ومن أهمها:
 أخذ طموح وتطلعات الجيل الجديد من شباب العولمة بنظر الأعتبار وإدراك حقيقة ان استئثار فئة صغيرة بالحكم قد ولى زمنه. ان هذا الجيل لم يعد يرضى بممارسة الحكم وفق الأساليب البوليسية السابقة، أساليب كبت الحريات وقمع المعارضين وأعتماد المحسوبين والمنسوبين وإشاعة الفساد السياسي – الاقتصادي – الأخلاقي وتزوير الانتخابات وإقامة البرلمانات الزائفة والإصرار على إبقاء الميلشيات الحزبية . . . ألخ.
 الاتعاظ بدروس الماضي، بما أرتكب من الأخطاء والإنحرافات ونبذ التوجهات الطائفية والعشائرية والحزبية الضيقة والتوجه الجدي إلى إعادة بناء جهاز الدولة بشقيه المدني والعسكري وفق معايير سليمة قائمة على أساس الكفاءة والإخلاص والنزاهة.
 وإلى جانب المراعاة الدقيقة لخصائص مجتمعنا التأريخية والقومية والاقتصادية، فان من المنطقي، بل من الضروري ان يستفيد المشاركون في العملية السياسية هنا من تجارب المجتمعات المتقدمة الـتي قدر لها ان تستمتع قبلنا بنعم الديمقراطية في ظل دولة القانون والمؤسسات. ومن الإنصاف أن يفكر الجميع مرة ومرتين ومئة مرة فيما إذا كان بمستطاع المعارضة العراقية أن تسقط بنفسها نظام صدام لولا التدخل الدولي، فيما إذا كانت القوات التي أسقطت ذلك النظام قوات احتلال أم تحرير؟
ذلكم هو السبيل لمن يريد فعلا إنجاح العملية السياسية في هذه البلاد. فهل أنتم فاعلون أيها السادة المتربعون على كراسي الحكم في العراق اليوم؟


إقليم كـردســـتـان الـعــراق
حــزيـــــران/ 2011



تعليقات الفيسبوك