لبنان،المنتدى الاشتراكيّ: بين الهويّة الفكريّة والمهامّ البرنامجيّة


المناضل-ة
2010 / 4 / 10 - 15:10     




النصّ أدناه انتقاليّ، أوليّ، جرى التوافقُ عليه بين "التجمّع الشيوعيّ الثوريّ" و"التجمّع اليساريّ من أجل التغيير،" على أن يمثّل القاعدةَ البرنامجيّة التي تكون الموافقةُ عليها شرطًا ضروريّاً للانتساب إلى "المنتدى الاشتراكيّ" والنضال في صفوفه، بما هو شكلٌ تنظيميّ انطلق من حدٍّ أدنى من المبادئ جرى على أساسه الحصولُ على "العلم والخبر" من الدولة اللبنانيّة، ليتمّ بعد ذلك، وفي سياق تطوّر العلاقة بين الطرفين المنوَّه بهما أعلاه – عبر نضالاتٍ وتجاربَ مشتركةٍ شتّى على مدى السنوات الأخيرة – تفصيلُ تلك المبادئ وتوسيعُها وإبرازُ المدى الأبعد (الفكريّ والسياسيّ والبرنامجيّ) الذي تطلّ عليه، وتسعى إلى بلوغه.


*** [ صفحة 1 ]




كانت المرحلة التي أعقبت انهيارَ الاتحاد السوفييتيّ والمنظومةِ الدوليّة المتحلّقة حوله، باتجاه العودة إلى الرأسماليّة ـ على عكسِ ما توقّع ثوريّون عديدون بخصوص ثورةٍ سياسيّةٍ تطيح بالبيروقراطيّة وتعيد الاعتبارَ إلى البناء الاشتراكيّ الأصيل، في ظلّ سلطةٍ عمّاليّةٍ ثوريّة ـ قاسيةً جدّاً. فلقد أفضت إلى تغيّراتٍ عميقةٍ في موازين القوى الطبقيّة، وإلى إعادة أعدادٍ واسعةٍ من المناضلين والناشطين المعادين للرأسماليّة سابقاً تحديدَ مواقعهم لصالح المجتمع القديم، وفي اتجاهٍ مناهضٍ للتغيير الثوريّ. وهذا الأمر لم يقتصرْ على بلدٍ واحد أو منطقة واحدة، بل عمّ العالم بأسره.

انسحب كثيرون، إمّا إلى موقفٍ حياديّ يصبّ في الأخير في صالح الوضع القائم، أو إلى مواقفَ صريحةٍ في اصطفافها مع سيادة رأس المال. وهو ما انعكس بصورةٍ سلبيّةٍ على الوضع في الوسط الذي طالما وجدنا أنفسَنا ضمنه، كماركسيين ثوريين، يَجْمعون إلى أخذهم بالماديتين التاريخيّة والديالكتيكيّة، كدليلٍ لفهم هذا العالم، استرشادَهم بالإضافات الخلاّقة التي مثَّلتْها أعمالُ ثوريين آخرين، بعد ماركس وأنجلس، من أمثال لينين وتروتسكي وروزا لكسمبورغ وغرامشي وغيفارا، وغيرهم، ولاسيّما أعمال تروتسكي، ومن ضمنها مفهومُ "الثورة الدائمة" لديه. بيْد أنّ ذلك لم يجعلنا نحْجم عن استكشاف الوسائل التي من شأنها الإسهامُ في استعادة الأمل، ومواصلةِ الجهد الذي يمكّننا من أن نضع أنفسَنا، مثل آخرين عديدين عبر العالم، على طريق إعادة الاعتبار إلى ما كان المفكّرُ الماركسيّ المجريّ، جورج لوكاش، في تاريخٍ آخر أكثر بهاءً (عشرينيّات القرن الماضي) قد سمّاه "راهنيّةَ الثورة."

كان بين الأدوات التي رأينا استخدامَها، في مرحلةٍ أولى، تأسيسُ جمعيّةٍ فكريّةٍ ثقافيّةٍ بحتة، تعيد طرحَ الاشتراكيّة، من منطلقٍ دعاويّ بحت، بحقيقتها التحريريّة الأصليّة الشاملة، وبعيدًا من التشويهات المخيفة التي ألحقتها بها الستالينيّةُ وتنويعاتُها، على امتداد عقودٍ طوال. لكنّ السلطات المختصّة في بلدنا رفضتْ منحَنا الحقَّ في ذلك، وبقيتْ على موقفها إلى ما بعد التطوّرات العاصفة التي وَسمت السنواتِ الأخيرة، حين أعيد الاعتبارُ إلى قانون الجمعيّات العثمانيّ، الأكثر ديمقراطيّةً بوضوحٍ من كلّ قوانين تنظيم الأحزاب والجمعيّات التي عرفها لبنانُ في العقود الماضية. بل إنّ الرفض الوحيد الذي قوبلنا به أخيرًا، بعد إعادة الاعتبار هذه، كان أن نحصل على رخصةٍ بجمعيّةٍ فكريّةٍ ثقافيّة، بحصر المعنى، على أساس الأهداف الديمقراطيّة التالية: 1) نشر الثقافة الاشتراكيّة ومبادئ العدالة الاجتماعيّة والسلام العالميّ القائم على العدل. 2) الدعوة إلى العلمانيّة الشاملة ونشر الفكر والمبادئ الكفيلة بوضعها موضعَ التطبيق. 3) التوعية بحقوق الإنسان وحريّاته كافة، بما فيها حقوقُ المرأة وتحرّرها الكامل. 4) نشر الوعي البيئيّ بما يتلازم مع رؤيةٍ متقدّمةٍ لحقوق الإنسان. 5) نشر الثقافة الوطنيّة بما يتناسب مع حقّ الشعوب في تقرير مصيرها.

ذلك أنه تمّ اعتبارُ هذه الأهداف تتفق مع واقع جمعيّةٍ سياسيّة، واشتُرِطَ أن نطلب الحصولَ على «علم وخبر.» وهو ما فعلناه، واستجيب طلبُنا.

كيف ننظر الآن إلى المنتدى الاشتراكيّ؟

أصابت وزارةُ الداخليّة اللبنانيّة حين رفضت الفصلَ بين المستويين الثقافيّ ـ الفكري والسياسيّ. ذلك أنّ أهداف النظام الأساسيّ للمنتدى قد تكون أجزاءً من برنامجٍ اشتراكيٍّ ثوريّ لتنظيمٍ سياسيٍّ يودّ أن تشكّل تلك المطالب بعضًا من جدول أعمالٍ أساسيّ له وبعضًا من سلاحه الدعاويّ... وإنْ كان المنتدى، في واقعه الراهن، على تواضعه، يتوق إلى أن يكون في متناوله ـ بقدْرِ ما ينضمُّ إلى صفوفه رهطٌ واسعٌ من الشبيبة المتمرّدة في المدّة القليلة القادمة ـ أن يَجمع، إلى الدِّعاوة، القدرةَ على التحريض، على طريق إطاحة البرجوازيّة الطائفيّة المنحطّة القائمة، وإحلال دولةٍ نقيضٍ بالكامل: دولةِ الشغّيلة اليدويين والذهنيين، والفلاّحين الفقراء، والمنتجين الصغار، والمبعَدين والمهمَّشين والمحرومين من فرص العمل، ناهيكم بالمثقفين العضويين الملتحمين بمصالح كلّ هؤلاء، وكلِّ معذبي الأرض، نِساءً ورجالاً، من شتّى الضفاف، ومن كلّ الأعمار.

والمنتدى الاشتراكيّ، الذي يلتقي فيه الآن رفاقٌ من غير تجربةٍ في صفوف اليسار الثوريّ، يؤكّد أقصى الرغبة في الابتعاد عن العصبويّة، وفي الانخراط الصادق والكامل في المسعى الراهن إلى توحيد اليسار المحليّ على أساس برنامجٍ متقدّم وعلاقاتٍ ديمقراطيّةٍ حقيقيّة. وهو سيحاول أن يقدّم كلَّ الإسهام الممكن لإنجاح التجربة التي بدأتْ منذ عامين، تحت يافطة "اللقاء اليساريّ التشاوريّ،" مشدِّدًا على أهميّة استكمال المسعى الأساسيّ لصياغة الخطّ العامّ لهذا اللقاء، وقاعدته البرنامجيّة، محليّاً وعربيّاً وأمميّاً... مع الجمع بين تجديد النصّ الذي سبقتْ صياغته وبين تجذيره، بما يَخدم تصوّرًا متقدّمًا للتغيير في هذا البلد. وهو تصوُّرٌ لا بدّ من أن يشكِّل مرقاةً إلى الأفق الأبعد، المنوَّهِ به أعلاه، بخصوص الطبيعة الطبقيّة للدولة التي يطمح إلى قيامها الثوريون.

ونحن، حين نتطلّع إلى هذا الأفق، في هذا الزمن بالذات، فإننا نأخذ في الاعتبار كلَّ تعقيدات هذا الوطن الصغير وإرباكاته ومعوِّقات التقدّم فيه. بيْد أننا، على عكس دعاة الإصلاح والتكيُّف مع واقع لبنان الطائفيّ ومع المؤسّسات المترهّلة لنظامه البرجوازيّ الرثّ، نعرف أنّ ثمة طريقًا أخرى مختلفةً عن تلك التي يطْرقها الانتهازيون والإصلاحيون التقليديون ويدعوننا إلى سلوكها: إنها الطريق التي كان ماركس وأنجلس قد حدّداها في عريضة المجلس المركزيّ إلى عصبة الشيوعيين (لندن، مارس 1850)، ومن بين ما جاء فيها أنّ على العمّال:

«أن يَدفعوا باقتراحات الديمقراطيين، الذين لن يكونوا على أيّ حال ثوريين بل إصلاحيين ليس إلا، إلى أقصى الحدود، محوِّلين إيّاها إلى هجماتٍ مباشرةٍ على الملْكيّة الفرديّة. فعندما يَقترح البرجوازيون الصغار شراءَ سكك الحديد والمصانع مثلاً، فعلى العمّال المطالبة بحزمٍ بمصادرة سكك الحديد والمصانع هذه رأسًا ومن دون تعويضٍ بوصفها ملْكًا للرجعيين. وإذا اقترح الديمقراطيون ضريبة نسبيّة، فعلى العمّال أن يطالبوا بضريبةٍ تصاعديّة. وإذا اقترح الديمقراطيون أنفسُهم ضريبةً تصاعديّةً معتدلة، فعلى العمّال أن يصرّوا على ضريبةٍ ترتفع نسبُها بسرعةٍ بحيث تؤدّي إلى تحطّم رأس المال الكبير. وإذا طالب الديمقراطيون بتسوية ديون الدولة، فعلى العمّال أن يطالبوا بإعلان إفلاسها. إنّ مطالب العمّال يجب أن تتحدّد إذًا، وحيثما كان، وفق تنازلات الديمقراطيين وإجراءاتهم.»

وفي حين ركَّز ماركس وأنجلس على تطابق انتصار العمّال الألمان مع الانتصار المباشر لطبقتهم في فرنسا، بما "يؤدّي إلى الإسراع بثورتهم،»، فقد أكّدا «أنّ عليهم المشاركة بأنفسهم بانتصارهم النهائيّ، بوعيهم مصالحَهم الطبقيّةَ، وتنظيمِ أنفسِهم بأسرع ما يمكن كحزبٍ مستقلّ.» وختما بالقول: «إنّ صيحة حربهم يجب أن تكون: الثورة الدائمة!» وهو ما يعني، مطَّبقًا على الواقع اللبنانيّ الحاليّ، سلسلةً من الخطوات، بيْن أهمِّها:

1) الردّ على اكتفاء المطالبين بتطبيق اتفاق الطائف، في جانبه المتعلّق بإلغاء الطائفيّة السياسيّة، بطرح العلمنة الشاملة، بما فيها علمنةُ الأحوال الشخصيّة، وعلمنةُ التعليم بشتّى درجاته، وصولاً إلى الجامعة والدراسات العليا، وتعزيز التعليم الرسميّ إلى أبعد الحدود.

2) الردّ على الديمقراطيين البرجوازيين والبرجوازيين الصغار، الذين يطرحون، في مواجهةَ النيوليبراليين المحليين والحالةِ الحريريّة عمومًا، خصخصةً محدودةً ونسبيّةً، بالرفض المطلق للخصخصة، وبمطلب تأمين الحماية الفعليّة للقطاع العامّ، بعد إخضاعه لمحاسبةٍ دقيقةٍ يشارك فيها العاملون فيه، والاتحادُ العمّاليّ العامّ الذي يجب أن يتمّ ضمانُ استقلاله الكليّ وانغراسِه العميقِ في الطبقة العاملة المحليّة بشتّى روافدها، بما فيها العمّالُ والعاملاتُ الأجانب، ولاسيّما العمّالُ والمنتِجون الفلسطينيون، الذين يجب إصدارُ قانونٍ صريحٍ بحقوقهم المدنيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، فورًا ومن دون إبطاء.

3) العمل على تحطيم كلّ القيود التي تَفرض التفرقة العنصريّة والاجتماعيّة والجنسيّة في صفوف الطبقة العاملة. ولذا فإننا نقف مع العمّال الأجانب في نضالهم لأجل المساواة في الحقّ في العمل وفي شروط هذا العمل. ونقف أيضًا مع حقوق المرأة في المساواة بالعمل، وحقوق الجنسيّة، وشتّى الحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة. كما نقف ضدّ منطق التفرقة على أساس الخيارات الجنسيّة. ونرفض، من حيث المبدأ وفي الجوهر، منطقَ العنف الاجتماعيّ الذي يضع الرجلَ ضدّ المرأة، ومغايري الجنس ضدّ مثلييه. ونعتبر أنّ تحرّرنا الاجتماعيّ يبدأ عندما يتعاضد العمّالُ والعاملات، ومن كلّ الجنسيّات، داخل لبنان، ضدّ النظام القائم، ومن أجل سيرورةٍ ثوريّةٍ تفضي إلى المجتمع الاشتراكيّ.

4) الردّ على المكتفين بالدعوة إلى حماية الصناعة الوطنيّة، في وجه هجمة العولمة الرأسماليّة الراهنة وتحدّيات منظمة التجارة العالميّة، بدعوة العمّال في كلّ المعامل والورش التي يقرّر أصحابُها إقفالَها، لأيّ سببٍ من الأسباب، إلى وضع أيديهم عليها وإعادةِ تسييرها بأنفسهم، بالطريقة عينها التي لجأ إليها العمّالُ الأرجنتينيون في أوائل هذا العقد، ردّاً على الإفلاسات الكبرى التي أدّى إليها انخراطُ الحكومات الأرجنتينيّة في "سياسات التصحيح الهيكليّ" للبنك الدوليّ وصندوق النقد العالميّ، كما في السياسات الاقتصاديّة النيوليبراليّة التي كان المبادرُ إلى إطلاقها، بوجهٍ أخصّ، مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي. ونرى أن يشملَ هذا الردُّ الدعوةَ إلى تأمين الشروط الضروريّة لاستعادة الأدمغة المهاجرة، وتأمينِ فرص العمل للمنتِجين المحلّيين، وبخاصّةٍ خرّيجو المعاهد العلميّة والمهنيّات والجامعات، وذلك بتشجيع الصناعات الوطنيّة التي تلتزم تأمينَ شروطٍ عادلةٍ للعاملين فيها، ومن ذلك عبر إشراكهم في إدارتها؛ ودعم قيام قطاع صناعيّ عامّ، ولاسيّما في مجالات الصناعات الإلكترونيّة المتقدّمة، على أن يتمّ الإسراعُ في استكشاف مواقع احتياطيّ النفط والغاز في المياه الإقليميّة اللبنانيّة واستخراجه، وبناء صناعةٍ نفطيّةٍ متقدّمةٍ تابعةٍ للدولة ويشارك في تسييرها العاملون فيها.

5) الردّ على اكتفاء كبار المزارعين (بل شتّى العاملين في قطاع الزراعة) بالدعوة إلى حماية إنتاجهم في وجه سياسات منظمة التجارة العالميّة، بالدعوة إلى إصلاحٍ زراعيٍّ جذريًّ يطول بوجهٍ أخصّ أراضي الملاّكين الكبار، بما فيها أراضي المؤسّسات الدينيّة والطائفيّة المسيطرة على الأوقاف، وبتشجيع السياسات التعاونيّة، واعتماد التسليف بفائدةٍ منخفضةٍ للمزارعين المتوسّطين والصغار، وتنظيمٍ نزيهٍ لتصريف المنتجات الزراعيّة، وإحداث لجانٍ لصغار المزارعين تكون بين مهمّاتها مراقبةُ عمليّات النقل والتسليف والتسويق. يضاف إلى ذلك السعيُ إلى فرض استكمال بنيةٍ تحتيّةٍ متقدّمةٍ للزراعة، كإنشاء السدود التي تضْمن الحفاظَ على الثروة المائيّة والانتفاع الأقصى بها، من جهة، وعدم الإساءة إلى البيئة من جهةٍ أخرى. كما ينبغي الضغطُ لأجل فرض حماية حقوق لبنان في مياهه، ولاسيّما في الجنوب، والاستفادة القصوى منها.

6) الضغط من أجل بذل جهودٍ جبّارةٍ لحماية البيئة، وللحيلولة دون المزيد من الإساءة إليها، وخصوصًا إلى المياه الجوفيّة ومياهِ الأنهر والبحر التي تتعرّض للتلوّث باستمرار. ويجدر التنبيهُ إلى الظروف التي تسهِّل النضوبَ والتصحُّر، الأمرُ الذي يستدعي حفزَ حركةٍ جماهيريّةٍ كبرى لإعادة تشجير لبنان ، وهو الذي كان ذاتَ يوم غابةً شاملةً على امتداد جباله ووديانه والسهول. كما أنّ على لبنان أن يستفيد، إلى أقصى الحدود الممكنة، من الطاقة البديلة التي يسهِّل توفيرَها ما يحوزه هذا البلدُ من شروطٍ طبيعيّةٍ ملائمة، وبخاصّةٍ المصادر الشمسيّة والمائيّة والريحيّة. هذا وإنّ إنقاذ البيئة اللبنانيّة لن يتأتّى إلاّ عبر عملٍ شعبيٍّ متكامل، يحفّزه يسارٌ ثوريٌّ يحمل برنامجًا جذريّاً للخلاص الوطنيّ، تكون البيئة فيه في موقع مميَّز جدّاً بجانب القضايا الأخرى التي مررنا بها أعلاه أو سنشير إليها لاحقًا.

7) المسألة الوطنية: إنّ ذلك الجزءَ من البرجوازيّة والبرجوازيّة الصغيرة الطائفيّة الذي يصنّف نفسَه في المعارضة داخل النظام اللبنانيّ، في مواجهة الجزء الآخر ـ الذي لا يختلف عنه كثيرًا من حيث مواقعه الطبقيّة، على الأقلّ، ومن حيث المصالح البائسة والضيِّقة التي يتوخّى تأمينها لنفسه، ناثرًا الفتاتَ على قاعدته الشعبيّة ـ يرفع باستمرار راية مقاومة الاحتلال والهيمنة الخارجية، وحماية السلاح المقاوم. لكنْ يُفترض بنا، كيسار ثوريّ، أن نطْرح، إلى ذلك، مهامَّ أساسيّةً، بين أهمّها:

أ) إعادة انخراط اليسار في المقاومة الشعبيّة ضدّ الإمبرياليّة والاحتلال الإسرائيليّ، لا من أجل تحرير مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا فحسب، بل أيضًا لأداء قسطه في مواجهة الحروب الإمبرياليّة والاحتلال في فلسطين والعراق وأفغانستان وأيّ بقعةٍ من العالم تتعرّض للعدوان والقهر، وذلك عبر شتّى أشكال التضامن والدعم؛ ومن أجل فلسطين حرّةٍ يعيش فيها اليهودُ والعربُ على قدم المساواة وينخرطون معًا في سيرورة نضالٍ طويلةٍ لأجل تحطيم علاقات السيطرة الإمبرياليّة في المنطقة العربيّة وبناء اشتراكيّةٍ محرِّرةٍ لا تنهي الاستغلالَ والقهرَ الطبقييْن فحسب، بل تضْمن في الوقت عينه الممارسةَ الفعليّةَ لحقّ تقرير المصير من جانب القوميّات المضطهَدَة أو التي تخشى التعرّضَ للاضطهاد.

ب) عدم الفصل أبدًا بين الصراع ضدّ الإمبرياليّة والصراع ضدّ الأنظمة الدكتاتوريّة الحاكمة، لكون هذه تشكّل، بصورةٍ أو بأخرى، أدواتٍ محليّةً للإمبرياليّة. ففلسطين لن تتحرّر ما لم تتمكّن حركةُ الجماهير، في أيّ مكانٍ من الأرض العربيّة، من كسر الحصار الذي تفرضه أنظمتُها عليها؛ واستمرارُ الهيمنة الصهيونيّة مرتهنٌ باستمرار أنظمة القمع والقهر والاستغلال العربيّة.

ج) أن يضغط هذا اليسارُ لأجل حفز عمليّةٍ واسعةٍ يتمّ بها إعدادُ كلّ الجماهير اللبنانيّة لحروبٍ محتملةٍ لاحقةٍ مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركيّة، اللتين أقام جيشاهما، في خريف 2009، مناوراتٍ مشتركةً مكثّفة، وبشتّى الأسلحة الأكثر تطوّرًا، داخل فلسطين المحتلة، في معرض الاستعداد لحروبٍ كهذه. ونرى أن يتناول هذا الإعدادُ التدريبَ والتسليحَ، وتعبئةً وطنيّةً بعيدةً عن سموم الطائفيّة والمذهبيّة. وينبغي أن يتمّ الضغطُ أيضًَا لإنشاء ملاجئ قادرةٍ على توفير أقصى الحماية للمواطن، في شتّى أصقاع الوطن، في حال نشوب حروبٍ كهذه، تمامًا كما تفعل إسرائيلُ لحماية سكّانها اليهود.

د) أن ينخرط هذا اليسار في نضالٍ دائبٍ لأجل لاستصدار القوانين الضروريّة لإعطاء الفلسطينيين في لبنان كلَّ حقوقهم المدنيّة والإنسانيّة الأساسيّة، وحريّاتهم السياسيّة، بما يتلاءم مع تطوّر نضالهم، بالتضافر مع نضال أمثالهم، في كلّ أماكن وجودهم، لأجل التطبيق الكامل لحقّهم في العودة إلى مدنهم وقراهم في فلسطين. وعلى هذا اليسار أن يعمل على الدفع باتجاه دعم حركات المقاطعة ضدّ الشركات المتعاملة مع إسرائيل، ووقف كلّ مظاهر التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، لا بل قطع كافّة أشكال العلاقات الدبلوماسيّة والاقتصاديّة معه.

هـ) العمل على الربط بين المسألتين الوطنيّة والطبقيّة، والامتناع عن الفصل بين النضال من أجل التحرير والصراع لأجل التحرر الطبقيّ والاجتماعيّ. فالبرجوازيّة الطائفيّة الحاكمة هي التي تعمل يوميّاً على نشر ثقافة الانهزام والاستسلام للإمبرياليّة، وهي أيضًا التي ترفع من نِسب الاستغلال وتمارس سياسات الإفقار والتجويع، بحيث يتّضح أنّ الصراع من أجل لقمة العيش يتماهى مع الصراع لدحر الإمبرياليّة وتفكيك الدولة الصهيونيّة وتصفيتها.

و) الاهتمام الدائم بالمهامّ القوميّة والأمميّة الثوريّة، كالعمل على إعادة الاعتبار لمطلب الوحدة العربيّة، وتصفية الوجود الإمبرياليّ في الوطن العربيّ الكبير، ومن ضمنه الاستعمار الاستيطانيّ المتواصل في فلسطين التاريخيّة... في الوقت الذي يتمّ فيه تقديمُ حلٍّ متقدّمٍ وثوريٍّ لقضايا الأقليّات القوميّة في كامل هذا الوطن، ولا سيّما قضايا الأكراد واليهود والأمازيغ والقبائل والإتنيّات التي تعيش في جنوبيّ السودان. وكلّ ذلك إنما يشكّل جزءًا أساسيّاً من المهامّ الديمقراطيّة التي فشلت البرجوازيّاتُ العربيّة، على اختلافها، في الاضطلاع بها ـ ـ وهي مهامّ بات واضحًا أنها تنتظر، لأجل إنجازها، وصولَ سلطةٍ طبقيّةٍ مختلفةٍ تمامًا في المنطقة العربيّة، ومن ضمنها لبنان: سلطةِ العمّال والفلاحين المفقرين وباقي المنتجين الصغار والمهمَّشين والمحرومين. وهو الأمر الذي سيتيح إنضاجَ ما يشكّله ذلك من ثورةٍ ديمقراطيّة، بقيادةٍ عمّاليّة، إلى ثورة اشتراكيّةٍ حقيقيّةٍ تستكمل إنجازَ المهامّ الديمقراطيّة وتتصدّى لإنجاز المهامّ الاشتراكيّة، محقّقةً بذلك جوهر السيرورة التي وصفها ماركس وأنجلس بـ «الثورة الدائمة» وعاد تروتسكي فحدّد دقائقها وقوانينَها في كتابه الذي يحمل التسمية عينَها. وبقدر نجاح الثوريين في لبنان والوطن العربيّ في التصدّي لما تطرحه هذه السيرورةُ من مهامّ، فإنهم يقدّمون إسهامًا عظيمًا في خدمة الثورة العالميّة، التي يتوقّف على قيامها تحقيقُ تلك المهامّ على المستوى الكونيّ، والتي سيساهم في تسريعها بناءُ أداتها الأساسيّة، الأمميّة الثوريّة الجماهيريّة.


***

إنّ الأفكار المطروحة أعلاه ليست سوى جانبٍ أساسيّ من البرنامج الذي يٌفترض أن يتجمّع حول بنوده الثوريّون في هذا الوطن الصغير. وقد حاولنا أن نقدِّم في النصّ الأوليّ الراهن الصورةَ العامّةَ لما يتطلّع إلى الارتقاء إليه المناضلون والناشطون المجتمعون، والمدعوّون إلى التجمّع، في «المنتدى الاشتراكيّ.» وهو ما قد يَخلق تصوّرًا لدى البعض بأننا نبالغ كثيرًا في تطلّعاتنا، ولا سيّما إزاء الواقع البائس الذي ينوء تحت أعبائه وطنُنا، ويجعل كثيرين يعتقدون أنّ على الراغبين في التغيير أن "يصغِّروا الحجر" لكي يتمكّنوا من إيصاله إلى الهدف المنشود، وأن جلَّ ما يمكن طرحُه الآن هو مطالبُ ديمقراطيّة متواضعة يتمّ الردُّ بها على واقع السلطة البرجوازيّة الطائفيّة المنحطة القائمة. نحن لسنا من هؤلاء.

إنّ الأهداف الخمسة، الواردة في النظام الأساسيّ للمنتدى الاشتراكيّ، هي الحدّ الأدنى في برنامجنا. أما الطروحات البرنامجيّة الإضافيّة الأخرى، التي أوردناها علاه، فهي تحدّد السيرورة التي نتوقّع الانخراطَ فيها لاحقًا، وإقناع كلّ أصحاب المصلحة في التغيير الثوريّ في الانضمام معنا إليها.

إنها مبادئ أساسيّة التقينا حولها من أكثر من تجربةٍ تنظيميّةٍ تسترشد بالماركسيّة الثوريّة. وسوف نسعى قريبًا إلى بناء الإطار المناسب، القادر على إطلاق نقاشٍ واسع يساعد على بناء الكوادر، ونسجِ الروابط العضويّة مع الحركة العمّالية وكلّ الفئات الشعبيّة المتضرّرة من النظام القائم في بلدنا، وبلورةِ الخطة والبرنامج الصالحيْن لخوض معركة كلّ هؤلاء لأجل مجتمعٍ بديل. ومن هذا النقاش، نأمل أن تتكوّن الأرضيّة المناسبة لإنتاج وثيقةٍ أكثر شمولاً وملموسيّةً، تتناول المبادئ الفكريّة العامّة المفترض أن يهتدي بها عملُنا، والفهمَ السياسيّ لمهامّنا الأوليّة والانتقاليّة على ضوء قراءة واقعنا.




تعليقات الفيسبوك