مقابلة مع ايريك توسان [*] المشروع الاشتراكي تعرض للخيانة؛ يجب إعادة ابتكاره في القرن 21


المناضل-ة
2009 / 6 / 30 - 10:23     

يميز ايريك توسان، في تقييم للأزمة العالمية ومقترحات اليسار بوجه وضع عالمي سريع التدهور، بين يسارين مختلفين جدا يقترحان خيارات متباينة لحل ترابط أزمات الرأسمالية. ثمة بنظره خيار لا يزال منشغلا بالاشتراكية وبالمسائل البيئية، ويتحدث عن اشتراكية ايكولوجية، ويتجلى عبر الحركات الاجتماعية ويناضل لتطبيق "حلول معادية للرأسمالية، ونسوانية، ومناهضة للعنصرية". أما اليسار الآخر، الاشتراكي- الليبرالي، أو الاشتراكي- الديمقراطي، فهو حاضر في الحكومات مثل حكومات باراك اوباما، ولولا، و غوردون براون، وخوسيه-لويس ثاباتيرو. هؤلاء، علاوة على انخراطهم في النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، عاجزون عن إدراك حجم الأزمة البيئية، يعززون نمط الإنتاج الانتاجوي مع ذر بعض اللون الأخضر عليه، دون اتخاذ أي من الإجراءات الجذرية المطلوبة" . كما يعتبر لباحث السياسي البلجيكي أزمة الحضارة التي تجتازها البشرية اليوم انعكاسا أيضا لتاريخ اليسار الاشتراكي- الديمقراطي " الذي تكيف مع المجتمع الرأسمالي". يؤكد توسان ، في هذه المقابلة التي خص بها IHU ON-Line [1] انه علاوة على عدم احترام " الديمقراطية الحقيقية القائمة على التسيير الذاتي"،" ترتبط الأزمة العميقة لليسار على نحو ما بتشويه لمقترحات الاشتراكيين والشيوعيين من قبيل كارل ماركس و فريدريك انجلز". ويبرز، مدافعا عن اشتراكية القرن 21، انه يجب ألا يعاد ما جرى تطبيقه في القرن 20 ، بل بالعكس لا بد من "جواب ديمقراطي بعمق ومسير ذاتيا على تجارب الماضي السلبية ".

وجوابا على سؤال إمكان بناء اقتراح أكثر جذرية ينهي الرأسمالية قال قاطعا : " يستوجب الأمر تعبئات اجتماعية عميقة لإرساء سيرورة ثورية حقيقية، مثل التي ظفرت قبل 50 سنة في كوبا في فاتح يناير 1959." ويضيف:" تلزم سياسية جديدة معادية للرأسمالية، نسوانية، بيئية، أممية، مناهضة للعنصرية. يجب دمج مختلف الأبعاد هذه على نحو متماسك في ما هو في الرهان، أي اشتراكية القرن 21".





IHU On-Line: تقولون إن حل مشاكل الأزمات الشاملة يستدعي انجاز قطيعة جذرية. هل يصدر ذلك عن اليسار وحده؟ كيف؟

ايريك توسان : يمكن أن تلاحظوا بجلاء أن مقترح قطيعة مع المجتمع الرأسمالي جاء من قطاعات اليسار، التي تضم أحزابا ومنظمات اجتماعية. انه صادر عن اليسار الجذري بالعالم برمته عبر الأحزاب الثورية مثل حزب الحرية والاشتراكية PSOL و وحزب العمال الاشتراكي الموحد PSTU بالبرازيل. وثمة أحزاب أخرى لها التوجه ذاته بأمريكا اللاتينية . وفي أوربا يجري بناء أحزاب ثورية كما في فرنسا حيث تأسس قبل شهر الحزب الجديد المعادي للرأسمالية الذي يمثل اوليفييه بوزاسنو وجهه الرمزي.[2] ونشهد السيرورة عينها ببلدان أخرى، في آسيا أيضا. وفيما يخص الحركات الاجتماعية يمكن الاطلاع على تصريحاتها، المصادق عليها في المنتدى الاجتماعي في بيليم يوم 30 يناير [3]. وستلاحظون أن بيان الحركات الاجتماعية يدعو إلى قطيعة تامة مع الرأسمالية، ويرفض منظور إصلاح الرأسمالية بتدابير ضبط جديدة. إذا قرأنا بيان المسيرة العالمية للنساء [4] المصادق عليه يوم 1 فبراير في بيليم، والبيان الختامي للشعوب الأصلية [5]، يمكن تبين أن الخيار ذاته مؤكد بها. إذن جوابي هو : جلي اليوم، في العالم، ان أحزابا مختلفة ومختلف المنظمات الاجتماعية تقترح قطيعة جذرية مع الرأسمالية .

IHU On-Line: ثمة بين قطاعات اليسار نقاش حول خيارين عندما يتعلق الأمر بالتفكير بمنطق التغييرات. يسعى البعض إلى تجاوز الطور النيوليبرالي باستعادة نمو مضبوط بتدخل من الدولة، ويدافع آخرون عن قطيعة اشتراكية. هل هذه السبل ممكنة؟ الم يحن أوان اقتراح شيء ما جديد؟ ايريك توسان : نعم، جلي أن هذه السبل ممكنة. الترسيمة الأولى التي تصفون مطبقة من طرف منظمات يسارية بالحكومة. إنها مثلا سياسة لويس انياسيو لولا دا سيلفا في البرازيل، إنها نفس السياسة التي تطبقها كريستينا كيرشنر بالأرجنتين، وميشال باشليه بالشيلي ، الخ. في الأرجنتين أقبلت كريستينا كيرشنر قبل شهرين على إعادة تأميم صناديق المعاشات. إذن السياسات المطابقة للخيار الأول الوارد في سؤالكم هي مطبقة. لكن ذلك لا يتيح الجواب، بنظري، على التحدي الذي تمثله الأزمة الشاملة. يمكن أن نلاحظ أن هذه الممارسة السياسية ُتبقي سيطرة المجتمع الرأسمالي حيث تتدخل الدولة كإطفائي لإخماد الحريق الناتج عن الأزمة الشاملة للرأسمالية. إذن الخيار الآخر الذي يقترح قطيعة اشتراكية حقيقية ما زال في حالة اقتراح. لا يمكن أن اذكر حكومات في السلطة حاليا تطبق على نحو متماسك هذا التوجه، رغم أن بعضا منها، مثل هوغو تشافيز او ايفو موراليس، تعمل جزئيا في هذا الاتجاه. خطاباتهم خطابات قطيعة اشتراكية، لكن ممارساتهم أكثر اعتدالا من ذلك. إذن هل الترسيمة الأكثر راديكالية ممكنة؟ بكل تأكيد. لكن ذلك يستلزم تعبئات اجتماعية، لاعطاء الأولوية لسيرورة ثورية حقيقية كالتي انتصرت قبل 50 سنة في كوبا يوم 1 يناير 1959. في السنوات اللاحقة لانتصار الثورة الكوبية، شهدنا في الجزيرة تحولات كبيرة: إعادة توزيع عميقة للثروات لصالح السكان، وفقد الرأسماليين للتحكم بوسائل الإنتاج وسيرورة دمقرطة. وفيما بعد، غيرت كوبا، الخاضعة للحصار الأمريكي وللتأثير السوفيتي، الاتجاه تغييرا جزئيا. لكن لا يمكن نسيان الاندفاع الثوري للبداية. لا أرى لماذا لا يمكن، بوجه هذه الأزمة الرأسمالية الشاملة، أن نشهد في المستقبل انفجارات ثورية كالتي شهدتها كوبا.

IHU On-Line: تقولون إن الأمر لا يتعلق حاليا بأزمة اقتصادية ومالية وحسب، وأن المسالة أعمق. بأي معنى يكون لهذا الترابط الشامل علاقة بأزمة اليسار ؟ هل يسعنا القول إن الوجهين مرتبطان؟

ايريك توسان : نعم. انه سؤال وجيه. ثمة فعلا أزمة تدبير اشتركي ليبرالي. أشير إلى سياسة حكومة لولا، وسياسة حكومة ثاباتيرو في اسبانيا أو براون في بريطانيا. ثمة أزمة عميقة لان الذين صوتوا لإيصال هذه الحكومات إلى السلطة كانوا ينتظرون منها سياسة من طراز آخر. يجب تذكر انتخاب لولا وكون البرنامج الذي انتخب من أجله في 2002 كان يعلن قطيعة حقيقية مع النيوليبرالية ( لا أتحدث عن قطيعة مع الرأسمالية). وبدل قطيعة، شهدنا استمرارا للسياسات النيوليبرالية. إذن تمثل أزمة مصداقية اليسار جزءا من الأزمة الشاملة.

ومن جهة أخرى ، جلي أن التجارب المأساوية للاشتراكية القائمة فعلا في القرن الماضي تنيخ بثقلها أيضا. ثمة في الذاكرة الجماعية فكرة أن الاشتراكية مرتبطة باقتصاد تتحكم به الدولة كليا، وبسيطرة حزب وحيد وغياب حريات ديمقراطية حقيقية. الخلاصة ، ثمة من جانب حصيلة سلبية جدا للتدبير الاشتراكي الليبرالي، أي السياسة الاشتراكية – الديمقراطية، ومن جانب آخر ثمة حصيلة كارثية للتدبير الستاليني لـ"الاشتراكية القائمة فعلا" التي سيطرت في تجربة الكتلة السوفييتية في القرن 20. لم يتم تجاوز أزمة المصداقية هذه. هذا ما يوجد في الرهان في النقاش حول ما يسميه كثيرون اشتراكية القرن 21.

يجب أن تشكل اشتراكية القرن 21 جوابا ديمقراطيا ومسيرا ذاتيا بعمق بوجه تجارب الماضي السلبية. ليس المقصود إذن إعادة إنتاج ما طبق في القرن 20. المقصود، بوجه هذه الأزمة الشاملة للنظام الرأسمالي، مع ما لها من مظهر أزمة حضارة، الجواب أيضا على أزمة اليسار. يجب انتهاج سياسة جديدة معادية للرأسمالية، اشتراكية وثورية تدمج إلزاميا بعدا نسوانيا وبيئيا و أمميا ومناهضا للعنصرية. يجب مفصلة مختلف هذه الأبعاد على نحو متماسك وأخذها واعتبارها كليا في مشاريع اشتراكية القرن 21.

IHU On-Line: ما هي مقترحات اليسار بوجه الأزمة المالية الشاملة؟

ايرك توسان : ثمة جوابان مختلفان لليسار. ثمة اليسار الذي يطبق سياسة اشتراكية ليبرالية : لولا، براون، ثاباتيرو... هذه السياسة لا تختلف كثيرا عن سياسة ساركوزي بفرنسا، ولا حتى عن سياسة بيرلوسكوني في ايطاليا، أو سياسة بوش الذي حل اوباما مكانه. إنها سياسة إنقاذ للبنوك: إنفاق أموال عامة باهضة للحفاظ على نظام بنكي خاص تسيطر عليه كليا المجموعات المالية الرأسمالية الكبرى. إنه جواب اليسار الحاكم الذي يشبه كثيرا سياسة يمينية. في المثال الذي أوردت، لا يمكن إيجاد فرق فعلي بين سياسة براون وسياسة ساركوزي. كما يتعذر تمييز سياسة لولا فيما يخص النظام المالي الخاص عن سياسة ساركوزي بفرنسا. لكن ثمة خيار يساري مغاير. مقترحاته عبر عنها البيان المصادق عليه في كاراكاس يوم 10 اكتوبر 2008، أثناء الندوة الدولية المنعقدة بعنوان "جواب الجنوب على الأزمة الاقتصادية العالمية" والتي يمكن الاطلاع عليها بمختلف مواقع انترنت، لا سيما موقع لجنة إلغاء ديون العالم الثالث.[6]. يطالب البيان الختامي لكاراكاس بتأميم القطاع البنكي. التأميم يعني نقل القطاع البنكي من القطاع الخاص إلى القطاع العام. يجب أن يكون تأميما بلا تعويض. يعني هذا أن الدولة تسير القطاع البنكي دون تعويض لكبار مالكي الأسهم. يجب الذهاب ابعد من ذلك بقدر ما أن كبار ملاكي الأسهم و مسيري البنوك نهجوا سياسة مسؤولة عن الأزمة المالية الشاملة، وبشكل رئيس إفلاس جملة كاملة من البنوك.

إجابات لمواجهة الأزمة يتعلق الأمر بالنسبة للدول التي تؤمم تلك البنوك باستعادة كلفة العملية من ملكية حاملي الأسهم الكبار و مسيري تلك الشركات. ويجب تبني تدابير أخرى لمواجهة الأزمة. يجب، على سبيل المثال، تقليص وقت عمل الأجراء تقليصا جذريا من غير فقد في الأجر. يجب توزيع العمل المتوفر في مجتمعنا بإعطاء شغل لعدد اكبر بكثير ممن أعطيهم لحد الآن وتمكين الذين يعملون اليوم من العمل مدة اقل لكن مع ضمان أجورهم. في الحالة التي تضمن فيها أجور العاملين اليوم، ويعطى عمل لمن ليس لهم عمل، نزيد طبعا القدرة الشرائية للعاملين ويمكن إعادة إطلاق الاقتصاد. إنها سياسة استعجالية لها ايجابيات عديدة. منها إعطاء عمل لمن لا عمل لديهم، وزيادة الاشتراكات الاجتماعية التي يؤديها العاملون و المشغلون، وكذا ضمان تمويل التقاعد. كما يتيح ذلك الحصول على موارد لأداء التعويضات الاجتماعية للأشخاص غير العاملين و تغذية صندوق لغاية التعويض العام الشهير المثار بعدد من البلدان.

كما يتوجب، كإجراء هيكلي أكثر، إنهاء الرقابة الخاصة على قطاعي الثقافة والإعلام. توجد اليوم كبريات وسائل الإنتاج، والاتصال، والخدمات، بين أيدي الرأسمال الخاص. يجب تحويل رقابة وملكية كبريات وسائل الإنتاج، والتجارة، والخدمات ( ومنها وسائل الاتصال) إلى القطاع العام. ومزاوجة الرقابة العامة والملكية العامة لكبريات وسائل الإنتاج مع أشكال ملكية أخرى: الملكية الخاصة الصغيرة والعائلية في القطاع الزراعي، والحرف والخدمات. مثلا الكهربائيون والرصاصون وتجارة المفرق، والمطعمة ، وجملة كاملة من المهن بالغة الأهمية في الحياة اليومية، حيث من الطبيعي تماما وجود ملكية فردية. كما يجب تطوير أشكال ملكية أخرى مثل الملكية التعاونية، وملكية الجماعة، وحماية شكل الملكية التقليدي لدى الشعوب الأصلية. كما يتعين، فيما يخص الملكية العامة، ممارسة رقابة مواطنة ، رقابة ديمقراطية على القطاع العام. يمثل الإقدام على هذه الإصلاحات الهيكلية قطيعة جذرية مع النظام الرأسمالي. و لا بد من جملة تدابير أخرى للإجابة على مختلف أبعاد الأزمة الشاملة. فجوابا على أزمة المناخ، وأوجه أخرى من الأزمة البيئية، لا بد من إجراءات جذرية للحد من نفث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ولحل الأزمة الغذائية جلي انه يلزم تطبيق سياسة سيادة غذائية لضمان تمكن المنتجين المحليين، في كل بلد، من تلبية طلب السكان دون اللجوء، قدر الإمكان، إلى استيراد أغذية من السوةق العالمية. إنها إذن بعض اقتراحات إصلاح جذري، ثوري، للنظام.

IHU On-Line: ماذا يجري على صعيد اليسار العالمي؟ لماذا ثمة هوة واسعة جدا بين النظرية والممارسة في فكر اليسار السياسي؟

ايريك توسان : يجتاز اليسار العالمي أزمة عميقة ناتجة عن تاريخه. تاريخ التيار الاشتراكي-الديمقراطي تاريخ هزيمة عميقة لأنه تكيف مع المجتمع الرأسمالي. هزيمة اليسار هي أيضا هزيمة اليسار الستاليني، أي التجربة التي هيمنت في محاولات بناء الاشتراكية بالاتحاد السوفيتي والصين. و كان أيضا هزيمة عميقة لان الديمقراطية الحقيقية القائمة على التسيير الذاتي لم ُتحترم، بمعنى أن البيروقراطية الحاكمة في تلك البلدان كان تسعى إلى دولنة كل شيء والسيطرة على كل شيء بواسطة الدولة. كان ذلك خطأ عميقا ! ليست الاشتراكية إخضاع الاقتصاد كله لتحكم الدولة. الأزمة العميقة لليسار مرتبطة، على نحو ما ، بخيانة مقترحات الاشتراكيين والشيوعيين، من قبيل كارل ماركس وفريدريك انجلز. كان ماركس يقول إن المجتمع الذي نتطلع إليه، الشيوعية، هو تشارك حر بين منتجين أحرار. وكان يقول أيضا إن تحرر العمال سيكون من صنع العمال أنفسهم. وكان ماركس يضيف أن الدولة في الاشتراكية يجب أن تسير إلى الزوال. والاشتراكية انتقال بين الرأسمالية والشيوعية ( التي تستتبع اضمحلال الدولة). في الاشتراكية توجد الدولة لكن وجودها مؤقت ويجب أن يرمي إلى زواله الخاص.

إذن ماذا كان قوام التجربة السوفييتية؟ بدل أن تؤدي إلى زوال الدولة، قام الحزب الشيوعي، تحت قيادة ستالين، بتقوية الدولة بشكل لم ٌُيسبق بمثيل ومنع جملة تعبيرات ديمقراطية. كان ذلك انحرافا عميقا عن المشروع الاشتراكي، الذي هو بالعكس مشروع ديمقراطي للغاية. إذا اعتبرنا تجربة الاشتراكيين، ما يسمى الاشتراكية-الديمقراطية، نجد لولا، وثاباتيرو وبراون او دانيال اورتيغا في نكاراغوا ليسوا هم أيضا مع زوال الدولة. إنهم مع الحفاظ على الدولة الرأسمالية مع وجود اشتراكيين في الحكومة. فهم يرون وجوب دولة رأسمالية تقنن شيئا ما نشاط الرأسمال.

ان اليسار الحاكم والذي سيطر في الماضي قد خان المشروع التحرري الحقيقي للاشتراكية. تلكم الأسباب العميقة لازمة اليسار. ويدافع يسار جذري وثوري عن المشروع الاشتراكي الأصلي ، ويحاول، انطلاقا من نشاط الحركات الاجتماعية، تعزيزه بمختلف السبل. كما يشارك هذا اليسار الجذري في الحملات الانتخابية. ويسعى إلى انتخاب برلمانيين يخوضون نضالا معاديا للرأسمالية في المؤسسات البرلمانية، مرتبط بمنظور قطيعة وليس بمنظور تكيف مع النظام. الفكرة هي تشجيع ثورة حقيقية، أي تغييرا جذريا لعلاقات الملكية وللعلاقات الاجتماعية في المجتمع.

IHU On-Line: هل جرى حرف الخطوط الموجهة الماركسية عما كانت تريد قوله حقيقة؟ كيف تندرج المسألة البيئية في الفكر الماركسي؟

ايريك توسان : بالقياس إلى المشروع الاشتراكي كما جرى تصوره من قبل كارل ماركس خلال القرن 19، لا بد من تدقيق أن بعض الأبعاد، من التي درسها ماركس، لم يجر تطويرها أو جرى ذلك على نحو ناقص. البعد النسواني الهام جدا، الذي يتهم نظام السيطرة الذكورية، والبعد البيئي، لم يطورهما ماركس ذاته مع أنه تصور مشروعا تحرريا يدمج الكائن البشري في الطبيعة. كان ماركس يعتبر البشرية جزءا لا يتجزأ من الطبيعة. لا يوجد لدى ماركس فصل بين الكائن البشري من جهة والطبيعة من جهة ثانية. هذا التصور لدى ماركس كان يؤهل لأخذ المشاكل البيئية بعين الاعتبار.

المشاكل البيئية الراهنة موروثة عن زهاء قرنين من تطبيق نمط إنتاج رأسمالي و إنتاجوي قائم على تدمير الطبيعة وعدم احترامها. ولاكتمال النقد يجب قول إن تجربة الاشتراكية القائمة فعلا في القرن 20 ( سواء في الاتحاد السوفيتي أو الصين الماوية) سلبية جدا من الناحية البيئية. كان ثمة نمو عنيف وعدواني لنمط إنتاج أسهم بتلك البلدان في تدمير الطبيعة كما فعلت الرأسمالية في بلدان أوربا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان.

يجب سد هذه الفجوة بين النظرية والممارسة. يجب العودة إلى النظرية فيما هو ثوري ومجدد فيها. لا غنى عن إغناء إسهام ماركس بالتفكير حول مشاكل المجتمع اليوم، مثل المسألة البيئية. كما أن البعد النسواني بالغ الأهمية. تخوض النساء منذ قرون معركة من أجل المساواة. كانت ثمة قائدات نساء ثوريات قبل ماركس ساهمن بنشاط في الثورة الفرنسية عام 1789 ، وكن يتقدمن آنذاك بمطالب نسوانية. لكن الحركة النسوانية تطورت بوجه خاص، و هاجمت السيطرة الذكورية، خلال 60 سنة الأخيرة. وهي اليوم تنطوي على مشروع ثوري. هذا ما يستدعي بشكل مطلق دمج هذا البعد النسواني.

IHU On-Line: علاوة على المسائل الاقتصادية والسياسية، نلاحظ، في زمن الأزمة هذا، أن نموذجا –طاقيا وبيئيا جديدا ُيستشعر كضرورة ملحة و ملازمة لتجاوز المشاكل. ألم يدرك اليسار بعدُ خطورة هذه المسائل؟

ايريك توسان : بالعكس. اعتقد أن اليسار الجذري أخذ بالاعتبار كما ينبغي هذه المسائل. هذا ما يجعله يقترح بديلا نسوانيا و بيئيا ومناهضا للعنصرية، ومعاديا للرأسمالية واشتراكيا. البعد البيئي بالغ الأهمية، وهذا ما جعل اليسار الجذري يتحدث عن "اشتراكية بيئية"، وهو مفهوم يشمل احترام البيئة والاشتراكية . وبالعكس لم يعتبر اليسار الاشتراكي- الليبرالي الحاكم حجم الأزمة البيئية. على هذا النحو يمكن أن نلاحظ أنه جرت، أثناء التسيير الاشتراكي الليبرالي لحكومة لولا في البرازيل، مواصلة تدمير منطقة الأمازون بنفس الوتيرة التي كانت إبان حكومة فيرناندو اينريكي كاردوزو وسابقيه. خلال سنوات تسيير لولا الخمس الأخيرة، قضي على الغابة في الأمازون على مساحة تعادل مساحة فنزويلا. . وإذا اعتبرنا مثال حكومات أخرى لليسار التقليدي مثل حكومة براون او ثاباتيرو بأوربا، نجدها هي أيضا عاجزة عن إدراك حجم الأزمة البيئية. جوابي إذن على السؤال الأخير أن اليسار الجذري يأخذ بالحسبان هذه الأزمة البيئية، و يقترح جوابا اشتراكيا بيئيا. بينما اليسار التقليدي يواصل ويعزز نمط الإنتاج الانتاجوي مع رشه بقليل من اللون الأخضر دون تبني التدابير الجذرية اللازمة.

IHU On-Line: ماذا تمثل هذه اللحظة التاريخية بالنسبة للبشرية ؟

ايريك توسان : توجد البشرية من جديد في مفترق طرق تاريخي. إن للازمة الشاملة أبعاد مختلفة: بيئية و غذائية و متعلقة بالهجرة ، ومالية ، واقتصادية، وكذا أزمة حكامة عالمية، دون نسيان جملة حروب عدوانية مثل الجارية بالعراق وأفغانستان، مرتبطة بعدم احترام حقوق الشعوب مثل انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تراب ودولة. تواجه البشرية اتجاهين: من جهة الخروج الرأسمالي من الأزمة، أي الحل المقترح من باراك اوباما ، ولولا، و ساركوزي ، وبراون، وثاباتيرو، والحكومة الصينية، وبوتين،الخ. ومن جهة أخرى خيار التخلي عن الرأسمالية، و وتطبيق حلول معادية للرأسمالية، وبيئية، ونسوانية ومناهضة للعنصرية. آمل أن يقع اختيار البشرية على هذا الحل الأخير لان الرد على مجمل الأزمة الشاملة يستدعي جوابا معاديا للرأسمالية و اشتراكيا بيئيا ونسوانيا شاملا.

المصدر: : http://www.cadtm.org

تعريب: جريدة المناضل-ة




1- نشرت الصيغة الأصلية لهذه المقابلة باللغة البرتغالية في مجلة la Revista do Instituto Humanitas Unisinos : في البرازيل. أجوبة ايريك توسان موجهة أساسا إلى قراء برازيليين بخاصة و أمريكيين لاتينيين بعامة ، لكنها تصلح أيضا لباقي أقسام العالم. اوليفييه بوزانسنو، عضو العصبة الشيوعية الثورية ، كان اصغر مرشح إلى رئاسة فرنسا ، ممثلا حزبا من أقصى اليسار. حصل في انتخابات 2002 على 4.25 بالمائة من الأصوات. وشارك هذا العام من 5 الى 8 فبراير في تأسيس الحزب الجديد المعادي للرأسمالية. وقد صوتت العصبة الشيوعية الثورية على حل نفسها بنسبة 87 بالمائة من الأصوات بعد 40 سنة من الوجود.

2- انظر النصر الكامل بالرابط: ://www.cadtm.org/spip.php ?article4079

3- انظر النص الكامل بالرابط: http://www.cadtm.org/spip.php ?article4105

4- انظر بالاسبانية http://www.cadtm.org/spip.php ?article4133

5- انظر النص الكامل للبيان في الرابط: http://www.cadtm.org/spip.php ?article3797 . وكذا مساهمة ايريك توسان في الرابط: http://www.cadtm.org/spip.php ?article3785





تعليقات الفيسبوك