بروموثيوس و متحفية الماركسية!!


عبد الحسين شعبان
2009 / 2 / 8 - 09:46     

قبل أكثر من ربع قرن كتبت مقالة بعنوان: بروموثيوس الزمان، وهو استعارة عن حامل شعلة الفكر الربّانية، أشرت فيه إلى فضل ماركس، من خلال اكتشافه قوانين الصراع الطبقي، وفائض القيمة، وقلت ولاأزال إن فضله الأساسي يكمن في منهجه، وهو المنهج الذي استخدمناه بطريقة خاطئة، لاسيما في العالم العربي والإسلامي بشكل خاص، وأستطيع القول على المستوى العالمي بشكل عام، وتعاطينا معه على نحو لاهوتي وحوّلنا تعاليمه إلى مجرد تعاويذ أو أدعية، مضفين عليها قدسية كهنوتية لا تقبل النقد أو حتى النقاش، وجلسنا نتعبّد في محرابها ونردّد « آياتها» على نحو تلقيني لا علاقة له بروحها وبجوهر العصر، وأحياناً تعاملنا مع الماركسية، وهي فلسفة حداثية مدنية، انطلاقاً من موروثات ريفية أو بدوية أو دينية وبطريقة انتقائية سمجة، وبمحاولات توليف غير ممكنة.
أعادت الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة طيف ماركس إلى الواجهة، بعد أن أصبح شبحه «أثراً بعد عين» كما يقال، الأمر الذي اعتبره البعض جزءًا من المتحفية إذا جاز التعبير. وإذا كانت عودة ماركس قد أخذت تتصدر المانشيتات الصحفية والدراسات والأبحاث وشاشات التلفاز، فإنها في الوقت نفسه استحضرت التجربة الشيوعية الدولية، خصوصاً نماذج الماركسية السوفييتية المطبقة.
صحيح أن ماركسية القرن الحادي والعشرين لا تشبه ماركسية القرن العشرين وإن كانت تلتقي مع ماركسية ماركس في القرن التاسع عشر، لكنها قد تتجاوزها إلى آفاق أكثر رحابة في ظل مرحلة ما بعد الحداثة والثورة العلمية-التقنية والعولمة وتأثيرها، ومعارفها وعلومها.
ولعل الماركسية السوفييتية تختلف اختلافاً كبيراً عن ماركسية ماركس وطبعتها الكلاسيكية، مثلما تختلف هذه الأخيرة التي كشف ماركس قوانينها في القرن التاسع عشر، عن ماركسية ما بعد سقوط جدار برلين العام 1989، ولا شك أن ماركسية القرن الحادي والعشرين ستكون شيئاً آخر، حيث لم يعد التاريخ كما كان المتخيّل منكشفاً في ثنائيات وتبسيطات في ماضيه وحاضره ومستقبله، وعن تشكيلات ومراحل وأدوار يحكمها الصراع الطبقي بكليّاته، ويطرح أشكالاً تتواءم مع التفسيرات اليقينية والحتميات السائدة آنذاك.
وكانت إنجازات ماركس قد ساهمت في تعميم معارف عصره، واستنباط حلول تتواءم مع التطور السائد حينئذ، وهو ما أسماه الانتقال إلى عالم الحرية، الذي لم يكن سوى فهم الضرورة، وظلّت الماركسية الكلاسيكية تدور في وحول الحتميات التاريخية على نحو سرمدي، وإن لم تعر اهتماماً بدور الفرد، معتبرة إيّاه عرضة للتوّهمات والكبوات، وعندما حلّت لحظة تطبيق الماركسية من خلال نظام حاكم، هيمنت عليها الهرمية الكيانية البيروقراطية الحزبية، حيث ارتفع دور الفرد القائد الزعيم، وإن اعتبر الأفراد بفرديتهم وبجمعهم ليسوا سوى جزء صغير وربما مجهري من حركة التاريخ ومساره، الذي تصنعه الطبقة العاملة وطليعتها ويتربع على عرشه القائد الذي تُنسب إليه جميع الصفات الخيّرة فكرياً وإنسانياً وأخلاقياً لدرجة التماهي بينه وبين الطبقة.
وقد عممت الستالينية نموذجاً احتذى به القادة الآخرون وساروا على هداه، ولعل بعض زعماء ما أطلق عليه حركة التحرر الوطني، قد قلّد هذا النموذج بحذافيره، بل زاد عليه في ظروف العالم الثالث المتخلفة، ممارسات أكثر بؤساً على صعيد الإدارة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحقوق الإنسان، وبشيء من موروثه وعاداته وتقاليده قد لا تنسجم مع الفكرة الماركسية.
لقد شغلت الماركسية، لاسيما منذ البيان الشيوعي العام 1848، العالم أجمع والعلاقات الدولية خلال 170 عاماً ولاتزال، وعندما وصلت إلى السلطة لأول مرة بعد سقوط كمونة باريس العام 1871، بنجاح ثورة أكتوبر العام 1917 شقت العالم إلى قسمين، وشهد التاريخ أولى تجارب الحكم «الاشتراكي» وتوسّع الأمر بقيام الجمهوريات الديمقراطية الشعبية بعد الحرب العالمية الثانية العام 1945، ومن ثم نجاح ثورة الصين العام 1949 وتأثر بعض حركات وزعامات العالم الثالث، بالحركة الشيوعية والاشتراكية الدولية، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً بعد نجاح الثورة الكوبية العام 1959.
بهذا المعنى لم تكن الماركسية نظرية اجتماعية للتغيير، فقد سبق ماركس وجايله الكثير من المفكرين والباحثين، مثل كانط وديكارت وهيغل وفيورباخ وغيرهم، لكنه كان الوحيد بينهم الذي ترك مثل هذا التأثير على العالم أجمع، فلم يكن مفكرا كبيرا، أو باحثا متعمقا أو فيلسوفا حالما أو منظما وداعية حسب، بل كان كل ذلك، ولعل في ذلك مصدر قوته وربما مصدر ضعفه في آن، فالمشروع الماركسي الفلسفي قدم رؤية للتاريخ من جهة، مثلما قدّم منهجاً للتحليل، وهما الأساسان اللذان تعتز الماركسية (ماركس وانجلز) بإضافتهما إلى علم الاجتماع الإنساني، مثلما كانت هي مشروعاً لتحرير الإنسانية، وحركة ثورية ذات أهداف محددة لكنها لم تنجح في الاختبار في تجارب دامت نحو 70 عاماً، ولعل الجزء المهم منها ظلّ يوتوبياً ففي كل فلسفة جزء من اليوتوبيا.
لم تحبس الماركسية نفسها في إطار الجدل الفكري الأوروبي، بل كانت الساحات العالمية كلّها مجال حركتها، الأمر الذي وضعها في مواجهة الرأسمالية في كل مكان، وهذا الأمر أخذ طابعاً تعبوياً وسياسياً بعد التجارب الاشتراكية الأولى، خصوصاً بعد ثورة أكتوبر وتأسيس الأممية الثالثة بقيادة لينين العام 1919 التي استمرت حتى العام 1943، حيث تم حل الكومنترن.
احتفى البعض بموت الماركسية، بل إنه أهال عليها التراب بعد دفنها، وما تبقى منها وضعه في إطار الذكريات أو الكتب المتحفية، وكان بعض الماركسيين قد حاول تدوير تاريخه وإنكار احتسابه على هذا التيار الذي ظن أنه تم توديعه إلى الأبد ولم يعد أحد يتذكره، وإذا بالأزمة المالية العالمية تعيده إلى الصدارة ويصبح طيف ماركس وليس شبحه في كل مكان.
وكما أصبح الحديث عن موت الماركسية باعتبارها فكرة شمولية توتاليتارية، ومدخلاً للحديث عن ولادة الليبرالية الجديدة، فقد أصبح الحديث عن فضائل الأخيرة وسيادتها وظفرها مسألة موازية، وهو ما بشّرنا بها فرانسيس فوكوياما حين تحدث عن نهاية التاريخ وتلقفها بعض زملائنا من الماركسيين القدامى «الليبراليين الجدد»، منتشين باكتساح العولمة للقارات والدول والأمم والشعوب واللغات والنظم والحدود.
وإذا كان هناك في الغرب من أخذ يتحدث عن عودة ماركس ولكن ليست الماركسية الوضعية النقدية، حيث يريد ماركس لا بسترته المتّسخة، بل كعالم إنثربولوجي وسسيولوجي واقتصادي، ويسير خلفه لا جوقة الرعاع والبروليتاريا، بل مجموعة من البروفسيرات والأدباء والفنانين والمثقفين وأجمل النساء، وهؤلاء يريدون من الماركسية ومن ماركس فكرته الفلسفية ضمن طائفة الأفكار الفلسفية التي تغتني بها اللوحة الفكرية الأوروبية-الغربية، أما هدف تغيير العالم وليس تفسيره، كما دعا إليه ماركس، فهذا أمر تاريخي ومتحفي ليس إلاّ حسب وجهة نظرهم، بحيث لا يتم جمع النظرية إلى جانب التطبيق، وهو ضرورة، انفصلت عنها التجارب الاشتراكية بالكامل وفي جميع الحقول والمجالات.
لاشك أن الذي مات هو النموذج أو الموديل السوفييتي، وقد أثبت فشله وعدم صلاحه وبالتالي انهياره، لأنه لم يكن ماركسياً أو اشتراكياً، بقدر كونه نموذجا توتاليتاريا-استبدادياً حيث شكلت قاعدته القسرية الإكراهية، الأساس في تطبيقه، الأمر الذي جعله صورة مشوّهة للماركسية الكلاسيكية، رغم بعض نقاط ضعف الأخيرة، وكانت صورة لينين وبالدرجة الأساس ستالين الشاهد الحقيقي للتشويه القيمي والفكري للماركسية، لاسيما بغياب وجهها الإنساني.
ولذلك فإن تبديد أو حتى موت النموذج القسري سيكون متوائماً ومنسجماً مع جوهر الماركسية وذاتها لا خلافاً معها، خصوصاً أن أفكار ماركس المستقبلية لم تكن محط اقتناع، بل هي الأخرى حملت إشكاليات زمانها، فضلاً عن إشكاليات زماننا.
وإذا كانت تقديرات ماركس وقراءة بعض أطروحاته، لاسيما التي تم تطبيقها لم تزكها الحياة، مثل نظريته عن الدولة، التي قال إنها ستذبل وإشكالية دور الفرد في التاريخ، ودور العامل النفسي ووصمه شعوباً بالرجعية بالكامل في معرض حديثه عن الشعب التشيكي، فإن جوهر منهجه ظل حيوياً وقادراً على تحليل واستنباط الأحكام والحلول، رغم أن البعض أرادها أحكامه وحلوله، في حين يقتضي المنهج الماركسي أن نكتشف قوانينا وحلولنا وأحكامنا، لا قوانين وأحكام ماركس، التي كانت تصلح لزمانه وليس لزماننا.
هل يحق لنا أن نقول إن الماركسية كفلسفة تستطيع أن تجدد نفسها رغم شيخوخة بعض جوانبها، حتى إن استبقت بعضاً منها في المكتبات أو اليوتوبيات أو الأحلام أو المتحفيات، فتلك مأثرة الفكر الحي ورائدة بروموثيوس الذي يستحق كما الماركسية القراءة الارتجاعية، بمنهج نقدي وضعي، لا بمسلّمات عفى عليها الزمن!!
* باحث ومفكر عربي
جريدة الجريدة الكويتية العدد 530 الجمعة 06 فبراير 2009 ,11 صفر 1430

د.عبد الحسين شعبان
info@aljarida.com











تعليقات الفيسبوك