تبُين الأزمة الرأسمالية


المناضل-ة
2008 / 12 / 28 - 09:18     

هذا النص تقرير تمهيدي قدمه فرانسوا سابادو أثناء النقاش حول الوضع العالمي في اجتماع المكتب التنفيذي للأممية الرابعة يوم 15 نوفمبر 2008

****

سجلنا، منذ بداية أزمة الديون الرهنية عالية المخاطر subprimes في سبتمبر 2007، أن هذه الأزمة البنكية والمالية كانت إعلانا عن أزمة اقتصادية شاملة، وأن ذلك يمثل انعطافا تاريخيا في الاقتصاد والوضع العالمي. واليوم، بات المرجع التاريخي لتقدير حجم الأزمة لدى كل المعلقين هو "أزمة 1929" مع وجود فروق... لكن الأمر من هذا الحجم.

والواقع أن أزمة 2007-2008 هذه جاءت في ملتقى تغيرات تاريخية عديدة.

1-أزمة منظومة معممة

إن هبوطا جديدا لموجة الانحسار الاقتصادي الطويلة البادئة في متم سنوات 1960، والمركبة مع أزمة بيئية عالمية، يبلغ "الحدود التاريخية" للنظام الرأسمالي. صدق إيمانويل والرشتاين بوضع هذه الأزمة في ملتقى أزمة منظومة وطور تاريخي من انحدار الرأسمالية بدأ قبل أربعين سنة، لكن لا يمكن الحديث، كما يفعل، عن "نهاية الرأسمالية"، حيث "ليس ثمة وضع بلا مخرج بالنسبة للرأسمالية"... إلى ان تجري الإطاحة بها.
ليست هذه الأزمة أزمة دورة قصيرة، أي أزمة ظرفية، بل أزمة هيكلية. ولأول مرة في التاريخ ُيغطي هذا النظام الكوكب برمته، فثمة سوق عالمية لإنتاج معمم للسلع وسوق عالمية لقوة العمل. لم يبق ثمة قطاع مفلت من السيطرة وحتى من الدمج في النظام الرأسمالي. ويجري توسع/تعميم الرأسمالية هذا في اقتصاد عالمي مطبوع بموجة انحسار مستمرة منذ زهاء أربعين عاما.

انه نظام حيث يصطدم "الإنتاج من أجل الإنتاج" بحدود الطلب الموسر لدى ملايين الإجراء، والفلاحين، والعمال، وحيث يفضي منطق السعي إلى الربح الرأسمالي لا إلى إرضاء حاجات اجتماعية للسكان، إلى أزمات فيض تراكم الرأسمال وفيض إنتاج سلع متزايدة الشدة. يمكن لانفجار الرأسمال الوهمي وتمييل financiarisation للاقتصاد العالمي أن يقوما حتى نقطة معينة بدفع حدود النظام، وإرجاء الآجال، لكن تناقضاته الكبرى تفضي، آجلا أو عاجلا، إلى أزمات.
تتوالى تلك الأزمات وتتقارب. وقد حدثت ست أزمات في 15 سنة: أزمة المكسيك في 1994، والأزمة الأسيوية في 1997، والأزمة الروسية في 1998، و الأزمة الأرجنتينية في 2001، وأزمة فقاعة إنترنت في 2001، وأزمة الديون الرهنية subprimes في 2007...
ان الأزمة الراهنة أهم نوعيا لأنها لم تصب أطراف النظام الرأسمالي بل مركزه. والأهم، وغير المسبوق في التاريخ، ذلك الاقتران لأزمة اقتصادية بأبعاد متعددة مثل أزمة الغذاء، وأزمة المواد الأولية، وأزمة بيئية كبرى يمثل احترار المناخ أحد أشد أبعادها خطورة.
ستحتد الأزمة البيئية لأنها تصادف رأسمالية مأزومة. وتمثل "الرأسمالية الخضراء" جواب الطبقات السائدة على هذه الأزمة. لكن منطق السعي إلى الربح، ولا شيء غير الربح، متراكبا مع نمط التسيير الرأسمالي وتدمير الخدمات العامة، لن يؤدي سوى إلى كوارث جديدة مثل ما جرى في نوفيل أورليانز أو في بلدان أفقر.
وعلى هذا الصعيد ليس التنبؤ بكوارث نزعة كارثية...
لا أدري ما إن كنا إزاء نهاية موجة الانحسار الطويلة البادئة في سنوات 70، لكننا بجميع الأحوال في وضع أزمة منظومة معممة... وهي أزمة ستدوم. هذا لأن الخروج من أزمة الانحسار الطويلة يستدعي عوامل خارج النطاق الاقتصادي، غالبا ما تكون سياسية، مثل الحروب و/أو الثورات...
ليست بعدُ هذه التصدعات الكبرى على جدول الأعمال، ومن ثمة سيدوم واقع الحال هذا، وسيتعفن، وفي انتظار ذلك ستغدو كلفة السيطرة الرأسمالية أكبر فأكبر، مع أزمات متكررة متعاظمة الأهمية، وأوضاع توحل وتعفن اقتصادي واجتماعي، وكوارث بيئية أو إنسانية، لا سيما بأفقر البلدان. كما ستتفاقم أزمة البيئة العالمية من جراء الاختيارات الإنتاجوية لاقتصاد رأسمالي مأزوم، و انحسار، و فقد الرأسمال للقيمة، وخفض الميزانيات العامة.

2-نضوب نموذج التراكم النيوليبرالي

يجد هذا التغير التاريخي تعبيرا عنه في أزمة ونضوب نموذج التراكم النيوليبرالي العالمي الذي انفجرت مقدمته عبر الاقتصاد الأمريكي. يعود أصل هذه الأزمة إلى إجماع واشنطن، وجملة هزائم وتراجعات اجتماعية في سنوات 1980 ومطلع سنوات 1990، وتدهور جلي لميزان القوى الإجمالي بين الطبقات لغير صالح عالم الشغل. إنه انخفاض كبير للأجور الفعلية ولحصة الأجور من الثروات المنتجة، و ونزع تقنين معمم، وخصخصة للخدمات العامة.
انتقلت حصة الأجور من إنتاج الثروات بأغلب البلدان الخمسة عشر لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين من 67% سنة 1980 إلى 57% سنة 2006. لقد فقدت 10 نقط وكسبت الأرباح نفس القدر.
وحسب " التقرير حول العمل بالعالم" الصادر عن منظمة العمل الدولية للعام 2008، "حدث أقوى انحدار لحصة الأجور من النتاج الداخلي الإجمالي في أمريكا اللاتينية وفي الكاريبي – ناقص 13 % ، ويليها المحيط الهادي وآسيا – ناقص 10%، ثم الاقتصاديات المتطورة – ناقص 9%". يتعلق الأمر هنا بـ" مستوى متدن على نحو استثنائي" حسب قول آلان غرينسبان، المدير السابق للبنك الفيدرالي الأمريكي.

ارتفعت الأرباح إذن على نحو كبير، لكن لم ُيعد استثمارها في الإنتاج، واتجهت حيث يوجد "كسب" أكبر، ومردودية أعلى، أي إلى الأسواق المالية. و أفضت هذه الآلية المنطقية إلى انخفاض مديد للاستثمار: في 2005 ارتفعت معدلات الربح في الولايات المتحدة، وأوربا، واليابان، بنسبة 5.5% بينما ارتفعت معدلات الاستثمارات بنسبة 2% فقط. واجتاحت كتلة الرساميل غير المعاد استثمارها في الإنتاج الأسواق المالية:ارتفعت الاستثمارات المالية في الولايات المتحدة بنسبة 21%، و نمت الأرباح المالية بنسبة 150%...
و كانت المعاملات بهذه الأسواق، عام 2006، في ذروة الأسواق المالية، تمثل 50 مرة مبلغ النتاج الداخلي الإجمالي لمجموع بلدان العالم! بينما كان النتاج الداخلي الإجمالي العالمي هذا يبلغ 45000 مليار دولار، كانت المعاملات ترتفع إلى الرقم الفلكي 2100000 مليار دولار. جرى سد هذه الفروق بين الأجور والأرباح، وكذا بين الأرباح والاستثمارات،بانفجار المالية، بصناعة الترف و بالبحث عن أسواق جديدة في الصين و في بلدان أوربا الشرقية السابقة. وفي الولايات المتحدة كانت الاستدانة هي التي حلت مكان الأجور المنخفضة: انتقلت استدانة الأسر من 62% من الدخل المتوافر في 1975 إلى 127% في 2006. وجرى تمويل العجز التجاري- 700 مليار دولار في 2007- بتوظيف الرساميل الصينية أو رساميل الصناديق "السيادية" التي حلت محل انحدار الصناعة الأمريكية... التي جرى ترحيل قسم هام منها إلى آسيا.
إن مقاربة الأزمة على هذا النحو هامة لأنها لا تقيم تعارضا بين "رأسمالية مالية" نهابة للاقتصاد ورأسمالية "مقاولة" سليمة. إن منطق الرأسمالية الداخلي هو الذي يسعى إلى أقصى ربح، و يقضم الأجور، ويدفع دوما الرأسمال المالي (الذي يمثل منذ عقود انصهار الرأسمالين الصناعي والبنكي) إلى مزيد من المضاربة.
بات هذا النموذج مستنفدا اليوم. لقد نجحت ملايير خطة بولسون في احتواء الأزمة البنكية والمالية... لكن إلى متى؟ لن يتضح إلا بعد شهور حجم المنتجات "السامة" في مجموع الأنظمة البنكية الأمريكية والعالمية، لا سيما بعد التغييرات الأخيرة بخطة بولسون القاضية بإبقاء الأصول "السامة" في الأسواق البنكية.
انهارت البورصات، حيث حدث انخفاض بنسبة 50% في البورصات الرئيسية، أي خسارة زهاء 25 ألف مليار من رسملة البورصة. ولا يؤدي ضخ آلاف الملايير في البنوك وخفض معدلات الربح إلى إطلاق الآلة الاقتصادية. وقد تؤدي فرضية تسارع انخفاض الليرة الانجليزية إلى عجز بريطانيا عن الاقتراض وبالتالي عن سداد دينها. ويمثل إفلاس أيسلندة اليوم كابوس الطبقات السائدة في العالم.
ويحول التباطؤ الاقتصادي، المسجل قبل الأزمة المالية، و انقباض الائتمان « credit crunch » حاليا الأزمة إلى انكماش اقتصادي معمم: انخفاض النشاط، انخفاض الاستهلاك، عمليات إعادة هيكلة، تسريحات. إنه صعود البطالة بكل البلدان الرأسمالية المتقدمة.
يترقب صندوق النقد الدولي نموا عالميا في حدود 3% وحتى أقل عام 2009، سيتصرف في شكل نمو بنسبة 0% في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا و 6 % في بقية العالم. ويقدر عدد العاطلين بـ25 مليون. وفي الولايات المتحدة ُفقدت 1.2 مليون فرصة عمل منذ مطلع العام، منها 240 ألف في شهر أكتوبر وحده. ويوجد قطاع السيارات في حال تعطل. وتطالب كل من شركتي جينرال موتورز و فورد بأموال عمومية لتعيدا الانطلاق! ويرتقب حدوث آلاف التسريحات لدى شركات رونو وفولفو وسيات وكذا عند صانعي التجهيزات والمقاولات من باطن.
تحدثا آنفا عن أزمة 1929: ثمة نقاط مشتركة عديدة في حجم الأزمة الراهنة ولكن ثمة أيضا فروقا كبيرة. أولها متمثل في أن الحكومات والدولة تدخلت، معززة بالتجربة، لاحتواء الأزمة. والفارق الثاني – وقد أشرنا إليه سابقا و لا يمكن قياس كل عواقبه- متمثل في تداخل الاقتصاديات الوطنية في اقتصاد رأسمالي عالمي معولم. هذا الطابع المعولم أوسع نطاق الأزمة.
تغلغل الاقتصاد البضاعي العالمي إلى كل قطاعات الاقتصاد، إلى العالم القروي، و بلدان العالم الثالث السابق، و أيضا، بفعل إعادة الرأسمالية، إلى ما يسمى "العالم الثاني" ( الاتحاد السوفياتي سابقا و "طوقه"، والصين والهند الصينية). إن ذبذبات الأزمة عالمية. لكن بفعل ذلك قد يخفف هذا "التدويل" الصدمة ويبعد الآجال. وفي هذا الإطار ينطرح سؤال: هل يمكن للنمو الرأسمالي في الصين وكذا في بلدان BRIC ( البرازيل وروسيا والهند والصين) أن يحد من عواقب الأزمة العالمية؟
ثمة منذ الآن عناصر جواب. لم يُتح نمو بلدان BRIC تفادي الأزمة. ولم تثبت صحة نظرية "عدم تلازم" الانحسار العالمي و الحالة الاقتصادية للصين. فقد تضرر النمو في الصين وآسيا أيضا بالانحسار العالمي، لأن تبعية صادرات الصين لقدرة الأسواق الأمريكية والأوربية على الامتصاص أثر مباشرة على توازناتها الاقتصادية. انتقلت توقعات النمو الصيني من 11% إلى 7%. انه تقلص كبير. وقد شهدت منطقة كانتون في الأشهر الأخيرة إغلاق أكثر من 3000 مصنع. هل سيكون هذا النمو، حتى وقد نقص، كافيا لتخفيف صدمة الأزمة العالمية؟ يطرح هذا سؤالا آخر: هل ستتطور السوق الداخلية الصينية بما يكفي لإعادة إطلاق الآلة الاقتصادية العالمية؟ يفترض هذا مستوى معينا للأجور، وتطورا معينا للبنى التحتية والخدمات العامة في الصين. إنها أسئلة سياسة تحيل إلى صراع الطبقات و إلى الصراع السياسي داخل المجتمع والحزب الحاكم (الحزب الشيوعي الصيني).
لكن، بعيدا عن التساؤلات حول مكانة الصين في علاقتها بالاقتصاد العالمي، ليست الأزمة في الولايات المتحدة الأمريكية و منطقة اليورو سوى في بدايتها. إننا إزاء أطوارها الأولى. استبد الهلع بخبراء الاقتصاد البرجوازيين أنفسهم. وتتوالى التنبؤات المتشائمة. ويصعب التنبؤ بالعواقب المتراكمة للازمة. لكن في الأشهر المقبلة سيتقلص النشاط أكثر فأكثر، وستشتد صعوبة الائتمان، وتتكاثر حالات إفلاس المقاولات، وستنفجر التسريحات والبطالة. وستكون أيضا فرصة لإعادة تهيكل المجموعات الرأسمالية الكبيرة، وتكثيف الإنتاجية، والتسريح وخفض الأجور. وسيكون لذلك عواقب على التجارة العالمية مع تنافس أشد. وليس مستبعدا تحول الانكماش إلى جمود عميق. لا يمكن التنبؤ بالوتائر، وحركات الذهاب والإياب، لكن منظور الأشهر القادمة منظور أزمة.

3- انحدار الولايات المتحدة الأمريكية

تظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة المسيطرة في الاقتصاد وفي السياسة العالميين. لكن جملة عوامل تنال من هذه المكانة. إن الأزمة قائمة في صلب الإمبراطورية، ويطرح بشكل أولي تطور ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين، وكذا ضعف الدولار، سؤال مركزيا: أليست الهيمنة الأمريكية على العالم مهددة... ألسنا إزاء نهاية دورة سياسية بدأت في سنوات 1980-1990، مع سقوط الجدار، وتنغلق حاليا ؟
يمثل انتصار اوباما حدثا تاريخيا. يجب، من وجهة النظر هذه، تمييز أمرين، الدلالة الكبرى لانتصار أوباما بالنسبة للزنوج الأمريكيين، وللسكان السود وبوجه عام لأفقر الناس، وللعالم برمته، والسياسة والتي سيطبق أوباما، أي سياسة الطبقة الرأسمالية والآلة السياسية- العسكرية الأمريكية. لقد اختارت هذه الأخيرة، وكذا قيادة الحزب الديمقراطي، أوباما لأن مكانة الولايات المتحدة ُأصيبت بضعف لدرجة بات لا غنى عن وجه جديد وحتى فريق جديد يسجل على نحو ما ميزان القوى الجديد و يستعيد المبادرة.
لم يحن بعدُ أوان قياس كل عواقب وصول أوباما إلى السلطة، لكن هذا الحدث التاريخي – انتخاب رئيس أسود بالولايات المتحدة- غير قابل للفهم سوى بتسجيل التراجع الأمريكي في العالم. كان هذا التراجع يتطلب تغييرا قويا- هذا ما يفسر اختيار أوباما بدل هيلاري كلينتون داخل الحزب الديمقراطي ذاته. وهذا أيضا سبب دعم القسم الأعظم من الطبقات السائدة لأوباما. وقامت الأزمة بالباقي. هذا لأن التصويت لصالح أوباما هو، بنظر ملايين الأمريكيين، عقاب لليمين الجمهوري ولقمم وول ستريت.
أي سياسة سينهج اوباما؟
لقد أكثر أوباما الكلام عن الضمان الاجتماعي، وعن سياسة ضرائب جديدة، وسياسات بيئية جديدة، وسحب الجنود من العراق. و إن الآجال تقصر مع الزمن ...بصدد سحب القوات. أما بصدد المسائل الاقتصادية والاجتماعية، فيُحتمل أن يقوم،استمرارا لدعمه خطة بولسون، بإلقاء كلفة الأزمة على كاهل الأجراء والطبقات الشعبية.
لكن ثمة، وراء الانتخابات الأمريكية، انحدار لحصة الولايات المتحدة من النتاج الداخلي الإجمالي العالمي، انحدار فاقمته الأزمة الراهنة ( نعيد إلى الأذهان أن صندوق النقد الدولي ترقب نموا بنسبة الصفر في الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو في العام 2009). ويتجلى هكذا انحدار في انقلاب وجهة تدفق الرساميل على الصعيد العالمي: تأتي هذه الرساميل حاليا من الصين، ومن البلدان الصاعدة وصناديقها "السيادية" لتوظف في الولايات المتحدة الأمريكية.
كما يتجلى الضعف الذي أصاب مكانة الولايات المتحدة الأمريكية عند مناقشة فرضية مرافقة الدولار بما هو عملة مرجعية بعملات أخرى، اليورو أو العملة الصينية yuan. لحد الساعة يقاوم الدولار بشكل جيد، وكذلك قيمة التوظيفات بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن الأزمة تهدد بإضعاف مكانة العملة الأمريكية، لأن ثمة، بعيدا عن النقاشات النقدية، ميزان قوى جديد يبزغ في الاقتصاد العالمي. كما ستفضي الأزمة الاقتصادية إلى طور جديد من التنافس يؤجج العلاقات بين الولايات المتحدة وأوربا وآسيا. وبالتالي تعيد علاقات متعددة الأقطاب هيكلة العالم. إن مكانة الولايات المتحدة الأمريكية مصابة بضعف، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، لكن يجب ألا ننسى أنها حاسمة على الصعيد السياسي-العسكري. و حتى لو كانت الولايات المتحدة تواجه مصاعب ضخمة بالعراق وبأفغانستان، وضعفت قدرات تدخلها بمناطق أخرى بالعالم ( كما في أمريكا اللاتينية أو في تخوم روسيا)، فإنها تظل مهيمنة على الصعيد العسكري.
وستستعمل هذه الهيمنة العسكرية. إن احتداد التنافس الاقتصادي، والصراع من أجل السيطرة على موارد البترول أو إنتاج المواد الأولية، والمتطلبات الإستراتيجية بوجه الصين وروسيا، وكذا التحكم بأمريكا اللاتينية بوجه كوبا و"الأنظمة التقدمية" (فنزويلا، بوليفيا، إكوادور)، كلها عوامل قد تدفع الولايات المتحدة إلى تدخلات عسكرية جديدة. و تشكل أزمة جورجيا مثالا جيدا عن نزعة المغامرة العسكرية الأمريكية في سياق تفاقم التناقضات بين الامبرياليات. وسيكون الوضع بإيران، من وجهة النظر هذه، حاسما في الأشهر المقبلة.

4- "عودة الدولة" ؟

يكمن خلف هذا السؤال النقاش حول فرضية تغير السياسات الاقتصادية البرجوازية، و حول وجود قطع ما مع السياسات النيوليبرالية. ستسعى الطبقات السائدة إلى الرد على التغيرات التاريخية الناتجة عن الأزمة. إن " نموذجهم"، وأكثر منه التمثيل السياسي والإيديولوجي للنموذج، معطوبان. لكن يجب، في هذا الطور، تمييز الخطابات عن الوقائع. فقد تكون الخطابات "ضبطية" جدا، لكن ليس ثمة بعلمنا أي قرار من القرارات الحكومية الأمريكية أو الأوربية يعيد النظر في النواة الصلبة للسياسة النيوليبرالية.و المبادرة الوحيدة الجديرة بالذكر هي إعادة تأميم معاشات التقاعد بالأرجنتين، رغم أنها تفيد أيضا تدبير السلطات الأرجنتينية لخدمة الديون. أما تأميم البنوك فمجرد عمليات جزئية ومؤقتة لا تفيد سوى في تشريك الخسائر.
إننا بعيدون جدا عن العلاقات السياسية التي سادت، مثلا، الوضع بعد الحرب العالمية الثانية. ثمة فعلا جملة تدخلات للدولة، على سيما على الصعيد البنكي، حيث تهب الدولة لإنقاذ الاقتصاد الرأسمالي، و يجري على نحو ما " تشريك الخسائر" لكن ليس ثمة عودة للدولة... لأن الدولة لم تنسحب أبدا. حدثت تغيرات في أنماط ووظائف الدولة لكن هذه الأخيرة ظلت دوما أداة للسياسات النيوليبرالية. لقد فندت الوقائع من جديد كل نظريات نيغري وهارت حول "زوال الدول في الإمبراطورية". الصحيح أن السياسات النيوليبرالية أدت إلى تراجع "الدولة الاجتماعية" لا سيما لصالح "الدولة العقابية"، لكن النوى الصلبة للدولة ظلت على حالها وعودة " الدولة الاجتماعية" ليس على جدول الأعمال.
ليس ثمة، حسب علمنا، أي إنعاش كينزي، بمعنى أولوية زيادة الطلب برفع الأجور أو سياسة دفاع عن الخدمات العامة وتوسيعها. بالعكس يتواصل الضغط على الأجور والاستخدام والخدمات العامة.
ليس ثمة إذن "برنامج جديد" " نيو ديل"، ولا خطة إنعاش بأوربا، ولا عودة للكينزية! تظل كل الطبقات السائدة، مع كل الخطابات والايماءات،متمسكة بسياساتها النيوليبرالية. وليس ثمة أي إجراء مهم لـ"إعادة تقنين". صحيح أن "نيوديل" والتغييرات الكينزية نتجا عن موجات نضال بالولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنوات 1930، أو بأوربا. استدعى الخروج من الأزمة الرأسمالية آنذاك قيام الحرب العالمية الثانية... أي تغيرات هائلة في العلاقات الاجتماعية- السياسية... لن تحدث تغيرات دون نضالات اجتماعية كبيرة، و هذا يضفي النسبية على كل الخطابات حول "عودة الدولة".
وعلى صعيد سياسي أعم، ستعمق الأزمة التقاطبات الطبقية وقد تضع على جدول أعمال الطبقات السائدة حلولا تسلطية تستهدف بوجه خاص المهاجرين... وثمة مسألة أخرى بصدد العلاقات بين الدول، إنها مسألة أوربا. سُمعت، وحتى شوهدت، جملة إيماءات لا سيما من ساركوزي، حول إنعاش أوربا سياسية. وشهدنا اجتماعات أوربية كثيرة، لكن لم نشهد معادلا لخطة بولسون على صعيد الاتحاد الأوربي و بوجه خاص تنافس مؤجج مثلا بين فرنسا وألمانيا على صعيد عمليات إعادة هيكلة البنوك وتركزها. كل جهاز دولة يسهر على مصالحه الخاصة.

5-تشكيل جديد للحركة العمالية والحركات الاجتماعية؟

هنا أيضا من السابق للأوان تحليل كل مستتبعات الأزمة على الحركة العمالية. فمع الأزمة تكبدت الطبقات السائدة هزيمة سياسية وإيديولوجية. وهذا يعيد إعطاء مساحات جديدة للأفكار المناهضة لليبرالية وللرأسمالية، لكن هذا يجري في ظل ميزان قوى إجمالي ما يزال في غير صالح عالم الشغل. يتعين الآن تتبع دقيق ومفصل لما سيجري على صعيد النضالات الاجتماعية في المقاولات التي تمسها الأزمة، وفي قطاع السيارات مثلا، و بوجه أوسع في كل قطاعات عالم الشغل.
ثمة ،بوجه عام في أشهر الأزمة الأولى، الخوف، والشلل، وتفكك التنظيم. لكن القدرات المتراكمة، ووجود قطاع عام قوي من شأنهما مد المقاومات بنقطة ارتكاز ضد الحكومات النيوليبرالية اليمينية واليسارية على السواء. ويبرز وجود نضالات جزئية ضد التسريحات في فرنسا، وكذا تعبئة الشباب الاستثنائية في ايطاليا، أن ثمة مقاومات اجتماعية في البلدان التي شهدت حتى الآن حركات اجتماعية كفاحية. ويسير إضراب عمال الميكانيك في شركة بوينغ طيلة شهرين في سياتل في الاتجاه ذاته.
قلنا إنه لم يحدث تغيير للاتجاه لدى الطبقات السائدة، لكن ليس ثمة أيضا تغير في توجه الاشتراكية الديمقراطية وحلفائها. ستؤدي الأزمة إلى انقلابات في اليسار برمته وفي الحركة العمالية، مادام سيتعمق التفاوت بين الدفاع الأولي عن شروط عمل وحياة ملايين الأجراء وتكيف الأجهزة الكبرى للاشتراكية الديمقراطية وحلفائها مع تسيير الرأسمالية الليبرالية. وقد تحدث داخل هذه الأخيرة تذبذبات نحو اليسار لكن الاشتراكية الديمقراطية، في هذه المرحلة، تحافظ اجمالا على توجهها الاشتراكي-الليبرالي، إزاء الخصخصة ، ورفع الأجور، والعلاقات مع الرأسمال المالي. وقد يعمق تأكيد التوجه الاشتراكي الليبرالي لقيادات الاشتراكية الديمقراطية الأزمة الداخلية لبعض الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وحتى استثارة بزوغ تيارات يسارية وحتى أشكال قطع يسارية صغيرة مثلما يجري في الحزب الاشتراكي بفرنسا. وغالبا ما يُعرض هذا التطور بما هو عودة إلى اشتراكية ديمقراطية كلاسيكية. تقوم بعض هذه التيارات بخطوة إلى اليسار لكن مرجعيتها هي حزب Die Linke بالمانيا، ولاسيما سياسته في التحالف مع الاشتراكية الديمقراطية لممارسة الحكم.
كما ستصدم الأزمة حركة العولمة البديلة: ستتجذر تيارات متجهة نحو قطع مع الرأسمالية، وستعيد أخرى التوجه صوب اقتراحات" واقعية". تلك حال رئيس اطاك ألمانيا الذي يدعو إلى أشكال ضبط جديدة للرأسمالية مع حكامة مشكلة من « G23 » أي مجموعة « G20 » موسعة إلى قوى جديدة من آسيا وأمريكا اللاتينية.
وفي الاتجاه عينه، اتجاه التكيف، تجدر الإشارة إلى حجم سيرورة دمج القيادات النقابية في الاقتصاد والمؤسسات، لا سيما الأوربية. تقتصر استراتيجة اتحاد النقابات الأوربي CES والقيادات النقابية بوجه الأزمة على اقتراحات تتقدم كنوايا حسنة أكثر مما هي تدابير ملموسة: قروض أقل للمضاربة، رقابة أفضل على البنوك، مطالبة بمراقبة الفراديس الضريبية، إصلاح وكالات التنقيط، تغيير المعايير الحسابية، ضبط صناديق المضاربة. وبما أن مسؤولي الاتحاد الأوربي أقدموا على رفض أي خطة إنعاش اقتصادي وكل تدابير إكراه للأسواق المالية، تظل القيادات النقابية لاصقة بالإطار النيوليبرالي.

6-بعض المحاور البرنامجية بوجه الأزمة

يتطلب الوضع"إعادة عرض برنامجية". تكبدت السياسات النيوليبرالية فشلا ذريعا بفعل الأزمة. وباتت مسألتان في المركز من جديد، إنهما توزيع الثروات ومسألة الملكية. ثمة
فيما سيبزغ من معارك أو نضالات اجتماعية نقطة ارتكاز عظيمة: آلاف ملايير الدولار الممنوحة للبنوك... في بضعة ساعات أو بضعة أيام... بينما الصناديق خاوية دوما عندما يتعلق الأمر بالأجراء و العاطلين والشعوب. يجب قلب الاتجاه المتخذ منذ 25 سنة في توزيع الثروات، وتخصيص هذه الثروات لخلق فرص العمل والأجور والضمان الاجتماعي والخدمات العامة وليس للمضاربة المالية. إن تدبير الأزمة وإفلاس البنوك والمقاولات يعيد إلى جدول الأعمال مشاكل تنظيم الاقتصاد: من ينظمه؟ ولمصلحة من؟ هل ُيترك مصير ملايين الأشخاص بيد الانتفاعيين، والمضاربين، والـُمسرحين؟ يلزم تدخل عمومي واجتماعي، والملكية العامة أو تأميم البنوك والمقاولات تحت رقابة عمالية.
وبالتالي يمكن ان تنتقل مسائل ومواضيع عديدة من مجال الدعاوة إلى التحريض، ومن التفسيرات العامة إلى اقتراحات ملموسة، أي إلى أهداف تعبئة او نضالات.
أ- نقطة الانطلاق حول الاستعجال الاجتماعي: الدفاع عن فرص العمل بوجه التسريحات، إحداث فرص عمل عمومية، رفع الأجور، وقف الخصخصة. ليس على العمال تحمل ثمن الأزمة، فذلك يجب أن يقع على الرأسماليين . " إنقاذ الشعوب وليس البنوك!"... هكذا يجب أن تكون مقاربتنا: الدفاع عن شروط العمل وحياة ملايين العمال المتضررين من الأزمة وتصريف هذه السياسة في مطالب ملموسة تعبأ بشكل موحد مجموع الحركة العمالية والحركات الاجتماعية.
ب- حول الأزمة المالية والبنكية، ثمة جملة وثائق قد تليق نقطا للارتكاز: تصريح كاراكاس [1]، ومداخلات ووثائق الاقتصاديين اليساريين بالأرجنتين، ونداء بكين [2]. تركز هذه الوثائق على مطالب ضد تفكيك التقنين في المجال المالي، والضرائب على المعاملات المالية، والفراديس الضريبية، وعدم سداد الديون، والرقابة على الرساميل، ورفع السر البنكي والتجاري، وتأميم البنوك دون تعويض وخلقها على صعيد دولاني أو شبه دولاني، مثل بنك الجنوب المسنود من كوبا والأنظمة التقدمية. يجب أن نساند برنامج المطالب والقطع الجزئي مع الامبريالية والرأسمالية المالية المعولمة هذا، لا سيما مصادرة التروستات الامبريالية التي تملكت الموارد الطبيعية وقطاعات أساسية من الاقتصاد في بلدان عديدة بأوربا الشرقية وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
يجب أن يعارض هذا البرنامج التأميمات أو رقابة الدولة "المؤقتة" أو " الجزئية". ويجب أن يترافق بضرب الملكية البنكية الخاصة عبر تأميم شامل لكل النظام البنكي والمالي والائتماني. ويجب أن تترافق هذه التأميمات، كي لا نعود إلى " التأميمات القديمة"، برقابة من العمال والأجراء والسكان.
ج- ويجب، من أجل إنقاذ فرص العمل، بوجه إفلاس النظام البنكي أو انهيار بعض القطاعات مثل مقاولات كبيرة، القيام بانتهاكات للملكية الخاصة لهده المقاولات الكبيرة، ويجب استبعاد أي تردد في هذا الاتجاه بالدفاع عن تأميمها تحت رقابة عمالية.
ثمة،في النقاش بين إصلاحيين أو أنصار الضبط ومعادين للرأسمالية أو ثوريين، مسألة المس بالملكية. إننا لا ندافع عن توزيع جديد للثروات وحسب، بل أيضا عن تغيير علاقات الملكية. نريد استبدال الملكية الخاصة للرأسمال والمقاولات الكبرى بتملك عمومي واجتماعي للاقتصاد عبر رقابة وتسيير من العمال. يجب أن يدفعنا هذا إلى إحياء جملة مطالب انتقالية، كما إلى راهنية الاشتراكية واضطلاع العمال بالاقتصاد.
ثمة في هذه المعركة الاشتراكية ُبعد بيئي، بعلاقة مع نموذج اقتصادي آخر، قائم على النضال ضد احترار المناخ، ومن أجل تنظيم آخر لسياسة النقل، وسياسة الطاقة، والنضال ضد التلوث وتدهور بيئة الأحياء والقرى. يجب الانطلاق من متطلب تنمية مستدامة في مجال البيئة لإعادة معنى لفكرة التخطيط الاقتصادي. وهنا أيضا ستدفع الأزمة إلى توضيحات.
يستلزم تطبيق هذه البرامج حكومات في مصلحة العمال، مستندة على تعبئة الطبقات الشعبية ونشاطها الذاتي. تستتبع هذه المعركة، وهي اليوم معركة مركزية، رفض أي مشاركة في حكومات اشتراكية-ليبرالية لتسيير شؤون الدولة والاقتصاد الرأسماليين، وأي دعم لهكذا حكومات.
يجب أن تقودنا هذه الأزمة، أكثر من أي وقت مضى، إلى المزاوجة، على صعيد الاستعجال الاجتماعي، بين تدابير تحويل جذري للاقتصاد والحلول الاشتراكية حول تسيير العمال والشعوب للاقتصاد، إنه المضمون الذي نعطي لاشتراكية القرن 21.

تعريب: جريدة المناضل-ة


[1] انظر التصريح الختامي للندوة الدولية للاقتصاد السياسي: أجوبة الجنوب على الأزمة الاقتصادية
[2] انظر الأزمة المالية العالمية: فرصة تاريخية للتغيير

المصدر:http://almounadil-a.info/article1549.html





تعليقات الفيسبوك