النضال الطبقي في البنية الكولنيالية-3


سعيد مضيه
2008 / 5 / 2 - 12:05     

النضال الطبقي داخل البنية الكولنيالية -3
السيكولوجيا والإيديولوجيا

إنخذل فكر النهضة التنويري؛ خذلته البرجوازيات العربية. تخلت عن مشروعها وهادنت الامبريالية ومشاريعها في المنطقة؛ وارتضت حيزا ضيقا لها ضمن البنية الكولنيالية. راوحت المجتمعات العربية داخل أنماط هجينة من الحياة يجتمع فيها التخلف وقشور البهرجة الحضارية، التي استوجبتها البنية الكولنيالية وأهداف الأرباح الاحتكارية للرأسمالية.انشغلت أحزاب الماركسية بقضية الاشتراكية التي لم تتهأ شروط انتصارها واغفلت قضية الديمقراطية، التي تتجلى في ملابسات المجتمع الخارج من رحم العصر الوسيط باجتثاث ثقليد تبخيس الإنسان واستلابه، وتصفية وإرساء سلطة القانون وحكم المؤسسات وحق المواطنة للجميع وبقية حقوق الإنسان في المجتمع المتحضر. ترسب في الوعي الاجتماعي عبر قرون الاضطهاد نفسية اجتماعية تذعن للسلطة ، سواء كانت سلطة الحكم المطلق أو سلطة النصوص أو سلطة العلاقات الاجتماعية العضوية وسلطة الخرافة. النفسية الاجتماعية تمثل الوعي العملي للجماهير والطريقة المحددة الملموسة لتفكير الهيئة الاجتماعية على قاعدة الحياة التلقائية الخاصة. وفي الوقت الرهن أضيفت إلى مدخلات النفسية الاجتماعية مؤثرات الإعلام والتعليم والقنوات الثقافية المتعددة. الوعي الاجتماعي موضوع الصراع الإيديولوجي، أحد الجوانب الثلاث للصراع الطبقي على الصعيدين المحلي والكوني.
قدم الدكتور طه حسين في رائعته " الأيام" تحليلا معمقا للوعي الاجتماعي في الريف المصري، الذي يعتبر نموذجا نمطيا للأرياف العربية كافة. مشعوذون منبثون في المدينة والقرى والريف، "لم يكونوا أقل من العلماء الرسميين تأثيراً في دهماء الناس وتسلطاً على عقولهم ، منهم هذا الخياط الذي كان الناس مجمعين على وصفه بالبخل والشح"، و"كان متصلا بشيخ من كبار أهل الطرق ... يزدري العلماء جميعاً لأنهم يأخذون العلم من الكتب لا عن شيوخ الطرق، والذي كان يرى أن العلم الصحيح إنما هو العلم اللدني الذي يهبط عليك من عند الله دون أن تحتاج إلى كتاب، بل دون أن تقرأ أو تكتب" . ويتحدث عن التعليم في الكتّاب وما يتخلله من تجهيل وتعويد على الكذب وما يستثيره من نفور . " سأله (شيخ الكتّاب) الصبي ذات يوم : ما معنى قول الله تعالى وقد خلقكم أطوارا ؟ فأجاب هادئاً مطمئناً : خلقكم كالثيران لا تعقلون شيئاً ولا تفهمون" . الطقوس الدينية هي التعبير الوحيد عن ممارسة العوام للدين. جهل الناس بند المعاملات لطول إغفالها. وللجهل دينه الشعبوي: "كانت لأهل الريف ، شيوخهم وشبانهم ونسائهم وصبيانهم عقلية خاصة فيها سذاجة وتصوف وغفلة ، وكان أكبر الأثر في تكوين هذه العقلية أهل الطرق."
ينتقل الصبي طه إلى القاهرة : "لبث الصبي دقائق لا يميز من كلام الشيخ حرفا ، حتى إذا تعودت أذناه صوت الشيخ وصدى المكان سمع وتبين وفهم. وقد أقسم بعد ذلك أنه احتقر العلم منذ ذلك اليوم". في الجزء الثاني من "الأيام" يسرد الكاتب ذكرياته عن الأزهر ، حيث يستمع إلى خطبة الجمعة ودرس للشيخ بخيت في الفقه مع الفجر وشرحا للأحاديث في رواق الأزهر " فلا تأتيه بجديد وليست خارجة عن نطاق ما كان يسمعه في قريته ". يصاب بالخيبة وفي الأزهر يجد العلم " تكرارا ممجوجا دون إعمال عقل أو إبداع في النظر. سدت الطرق على الناظر البحاثة". وكل من يفصح عن اطلاع غزير و عقل باحث يبعد عن التعليم في الأزهر ، مثلما جرى مع أحمد أبي خطوة وعبد الله الدراز ، من تلاميذ الإمام محمد عبده. تحالف نظام الخديوي مع الحماية البريطانية على وأد التنوير، وإجهاض فكرة الإصلاح الديني.
هذا الإرث رسب في النفسية الاجتماعية عناصر تبعدها عن وعي الكرامة الوطنية وضرورات الحرية والتطلع إلى التحرر من الاستغلال. وقديما طالب لينين الثوريين التغلغل في النفسية الاجتماعية: " يجب علينا أن نتعلم كيف نقترب من الجماهير في أناة وصبر حتى نتمكن من فهم السمات المميزة لكل فئة وكل مهنةالخ من هذه الجماهير". نفسية الجمهور او ما عرف بالنفسية الاجتماعية ظاهرة اجتماعية موضوعية والاتصال بها ومعرفتها شرط النجاح لكل نشاط جماهيري سياسي أو ثقافي. النفسية الاجتماعية تستقبل النظرات الإيديولوجية المناظرة، والنظرات تؤثر في النفسية الاجتماعية سموا وهبوطا. فالوعي الاجتماعي ينشا على قاعدة سيكولوجية وإهمال هذه الحقيقة يفضي إلى فهم ساذج ومبسط لبنية الوعي الاجتماعي وتطويرها. تمارس الإيديولوجيا تأثيرها على النفسية الاجتماعية. ونحن شهود الإيديولوجيا البرجوازية تسعى جاهدة لتكييف النفسية الاجتماعية لشعوب الأقطار التابعة، وفي كل أقطار الكرة الأرضية، كي تذعن لمقتضيات هيمنة العولمة .
من المعالم الثقافية الموروثة عفوية الوعي الاجتماعي لدى الشطر الأعظم من عناصر الحركة الوطنية الفلسطينية. أنظمة الطغيان تطرح المراسيم ضمن قوالب إيديولوجية. والقوالب وثيقة الصلة بتسلط النظام الأبوي. إنها أحد اوجه إخضاع النشاط الثقافي للسلطة، ومراوحته عند مدار التقليد والنسخ؛ والاسترشاد بالإيديولوجيا وحدها في الممارسة يفضي إلى تسطيح الفكر واغترابه عن الواقع. فالايديولوجيا بدون البحث العياني في الواقع تغدو وعيا زائفا. ظل النشاط الفكري يعتمد النقل بدل العقل ملتزما بالتلقين والنسخ ولم يخرج عن مشيئة الحكم. تواصلت في النشاط الفكري تبعية المثقف للسياسي.
لم يأت صدفة أن الدكتور طه حسين، المثقف الذي تعمق في النفسية الاجتماعية للريف المصري، يخرج في ثلاثينات القرن الماضي بمشروع ثوري لتطوير الثقافة الوطنية. سجَل الدكتور مشروعه الثقافي باستشراف أفق التغيير الجذري للمجتمع. فقد تجاهلت مشاريع المنورين من قبله جماهير المحرومين والمسحوقين، وتوجهت إلى الحكام بدعوة الإصلاح الليبرالي. اما طه حسين فقد توصل إلى موقف ملتزم حيال وظيفة الثقافة. خاض معارك فكرية متواصلة وجسورة بلور خلالها مشروعا تنويرياً طموحاً للنهضة طرحه في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" . ربط الحرية بالمعرفة التنويرية: "إن الحرية لا تستقيم مع الجهل". كما ربط وظيفة الثقافة في تدعيم التحرر وتوطيد مواقعه. يتلخص مشروع الدكتور طه حسين النهضوي في مجانية التعليم وشموليته، وإرساء ديمقراطية غير مقيدة وعقل لا تقيده حتى الخشية من الخطأ. طالب بإطلاق حرية العقل وإشاعة سلطته بلا رقيب وكسر القوالب الجامدة المتسلطة على الوعي الاجتماعي، وذلك عبر الخروج على التقليد والنقل لدى التعاطي مع التراث والتاريخ. فجاء مشروع طه حسين، كما وصفه محمود امين العالم، امتدادا متطورا لأرقى ما وصلت إليه عقلانية الفكر الإسلامي عند المتكلمين عامة وعند ابن خلدون وابن رشد. نشرت مجلة " الطريق اللبنانية ( عدد شباظ1991) ملفا خاصا عن الكتاب سجل فيه محمد دكروب شهادات نخبةمن المفكرين الماركسيين والأدباء العرب.
أن تحرير العقول من هيمنة السلطة وفرض حرية التفكير والتعبير والعمل والنشاط بات إحدى القضايا الرئيسة للتقدم. هذا ما خلص إليه طه حسين قبل غيره من المثقفين. ففي مقال بعنوان "تحريرالعقل" نشرته مجلة "الكاتب" في يناير 1953 طالب بتوسيع "سلطان العقل حتى يغزو بالمعرفة نفوس المواطنين جميعا، وتتسع آفاق العقل حتى يتلقى المعرفة من أقطار الأرض جميعا، وبأن يعظم سلطان العقل حتى لا يخشى رقيبا حين يرى ما يرى خطا كان أم صوابا".
لم يقيض للمشروع ان يتجسد في واقع الممارسة الثقافية التقدمية ، حيث ضاع بين الأرجل ، كما يقال. اعتبره الماركسيون مشروعا برجوازيا متخلفا بالنسبة للثورة الاشتراكية، أغفلت الفصائل الثورية العربية كافة، حقيقة لم تغب عن طه حسين، فاكتفت، في بيئة تعج بالخرافة والشعوذة، بإشاعة النظريات العلمية ، ونشر شذرات العلم بدون احلال المنهجية العلمية في البحوث والدراسات والممارسة العملية. الماركسيون تورطوا في الخطأ، إذ اتخذوا موقفا متزمتا من الرجل ومشروعه؛ شغَلهم التقاط الهدف المؤجل الذي لم تتهيأ ظروفه بعد وركزوا عليه وغيبوا المهمة العاجلة ، مهمة تخليص الفكر والجماهير من تعصب الاستبداد، ومن اتباع النقل لتوسيع رقعة العقل في الحياة الاجتماعية. وبذا تعطل إنجاز مهمة تخليص الجماهير من سطوة الخرافة والجهل والظلامية وإدخالها في حضارة التنوير والمعرفة، وبقيت معلقة قضية الإصلاح الديني لتنقية الدين مما ألحقه فقهاء الاستبداد عبر عصور الطغيان السياسي. وما أن هدأ الحماس وتشكلت غيوم الإحباط مع فسل المشاريع الوحدوية والتنموية وانكسار الإرادة الوطنية امام العدوان الإسرائيلي حتى اندفعت الجماهير في أحضان السلفية.
والبرجوازية كذلك خذلت المشروع النهضوي لطه حسين، إذ تنكرت لقيم الديمقراطية ولحرية العقل ولقضية الإبداع. ذلك انها بمختلف شرائحها طبقة هجينة رخوة متخاذلة أمام المستعمرين ، ضعيفة أمام مختلف البنى القديمة؛ وبعضها ممن ناهض السيطرة الأجنبية لم يهادن مطلقا قيم الديمقراطية. وجه القمع الأشد قسوة وشراسة وهمجية ضد الجماهير وقوى المعارضة السياسية والفكرية.
أجنحة البرجوازية لم تعتبر نفسها الحامل الاجتماعي للمشروع النهضوي التنويري. وحتى عندما انضم طه حسين إلى حزب الوفد وشغل منصب وزير المعارف، سايره الحزب في مجانية التعليم وتصدى للجانب التنويري والديمقراطي الجذري والشامل. وبعد حركة يوليو همشت السلطة المشروع و" بدأت تطفئ الأنوار من حول طه حسين " حسب تعبير المسرحي الراحل سعد الله ونوس، وتدفع به وبمشروعه إلى الظل.
وبقيت المهمة مدرجة على برنامج عمل قوى التقدم من الفصائل السياسية والمثقفين الوطنيين، ذوي التوجه الديمقراطي. والمهمة سياسية بامتياز: أولا بسبب تكالب قوى الهيمنة العالمية على الموقع الاستراتيجي للمنطقة وثرواتها النفطية ومساندة التوسع الاستيطاني الصهيوني؛ وثانيا لما يترتب على ذلك من دعم الأنظمة المستبدة ومحاربة النزوع إلى الديمقراطية ؛ وثالثا بتأثير ثورة المعلومات ، حيث أنجزت الامبريالية ثورة تكنولوجية وسخرتها في حملة كونية مستمرة منذ نصف قرن تقريبا، لترويج ثقافة الحرب الباردة ضد الشعوب كافة، من اجل التحكم بالعقول وتكييف الرأي العام العالمي مع مشاريع العولمة. بات على ثقافة التقدم والديمقراطية ، نظرا لكونها ثقافة التحرر الوطني، أن تتصدى للثقافة الرجعية، من الوعي الزائف نتاج مطابخ الثقافة الامبريالية.
علمت التجربة أن التحرير من عبودية الفكر المسيطر يتطلب عملية غسل دماغ جذرية وطويلة المدى ، وإعادة نظر في جميع ركائز الفكر الموروثة ، والمستمدة من الثقافة المهيمنة، وإخضاع هذا الفكر لنقد مستمر وشامل. والمهمة لا ينهض بها مثقف او مجموعة من المثقفين. فقضية الثقافة التقدمية هي قضية سياسية جوهرها إحداث تعديل في توازن القوى الطبقية لصالح التغيير الديمقراطي للمجتمع، ولا ينهض بعبئها سوى تضافر جهود القوى والأحزاب الوطنيةبالتعاون مع المثقفين الديمقراطيين. وكان لينين قد أشار في وقت مبكر إلى جدلية الديمقراطية والاشتراكية ولفت الأذهان إلى أن الثورة الوطنية الديمقراطية في البلدان التابعة لا تقوم بها البرجوازية؛ إنما تحالف القوى الشعبية التي يستعبدها الرأسمال الاحتكاري ويودي بها في حضيض التهميش.
وبهذا الصدد حذر لينين من التراخي في تثبيت عنصر الوعي النظري. فالعفوية في حركة الجماهير تعزز من نفوذ إيديولوجيا البرجوازية. وفي مجتمع طبقي لا وجود لحياد إيديولوجي، " والتقليل من شأن الإيديولوجيا الاشتراكية بأي طريقة او الانحراف عنها بأدنى الدرجات يعني تعزيز إيديولوجيا البرجوازية. كما إن التطور العفوي لحركة الطبقة العاملة يفضي لإخضاعها لإيديولوجيا البرجوازية" والتعبير من لينين. في هذا المقام تدخل الديمقراطية والثورة الوطنية الديمقراطية في قوام الإيديولوجيا الطبقية للجماهير المقهورة والمستغّلة ضمن البنية الكولنيالية.إذ لكي تنجذب الجماهير بحماس إلى الحركة الثورية وتبدي التضحية ونكران الذات لا بد من أن تتجلى في الحركة أهداف تحسين شروط الحياة وتخفيف المعاناة. إن وضع الجماهير على طريق التغيير الثوري يقتضي أولا تكييف مزاجها المحبط او المستكين بحيث تغدو واثقة من نفسها ومن حقها في الدفاع عن مصالحها والمشاركة في تحديد المصير الوطني. كما يقتضي ثانيا تبديل الحاجات والمصالح الزائفة التي لفقها مكر الدعاية المكثفة للقوى المتسلطة. من خلال التأثير في مزاج الجمهور تستطيع القوى الديمقراطية وضعه على درب النهوض الوطني، واستشراف أفق المصلحة والحاجات الطبقية المقترنة بالمصلحة الوطنية العامة.
ومن المحزن أن نسجل في هذا المقام تهاون قوى التغيير الديمقراطي ( كما تطلق على نفسها) في فلسطين في حقل التربية السياسية والإيديولوجية. إنها تبدي لامبالاة غير مفهومة بقضية الثقافة السياسية، في ظروف تنهمر ثقافة الكولنيالية بكثافة على مدار الساعة تضلل الوعي وتثبط العزائم. وفي الغالب ينعدم الفرق بين عناصر الفصائل الوطنية وبين الجمهور العادي ، ونتيجة لذلك انحسرت جاذبية التيار الديمقراطي في فلسطين. لم تعد تمارس الدور الطليعي المنشود.
لنتناول ولو مثالا واحدا: في المقابلة مع الرفيق بسام الصالحي، امين عام حزب الشسعب الفلسطيني، والمنشورة بموقع الحوار المتمدن(عدد2264 في 27نيسان) مر عرضا على موضوع الثقافة ، ولم يورد الفقر الثقافي أحد اسباب تراجع اليسار وانحسار نفوذه الجماهيري. ومعلوم أن حزب الشعب استخلص منذ اكثر من عقد وجود حالة ضعف ثقافي تؤثر على تماسك الحزب، واتخذ قرارا لتلافي النقص؛ ثم مضت الأمور كما لو أنه عدل عن القرار. تكررت الظاهرة ثلاث مرات، علما بأن جوهر الأزمة المحدقة بحركة التحرر ثقافي يمكن اختزاله في استلاب الجماهير برضاها. فالجماهير تقف في تناقض مع ضرورة تحررها.
لا بد من البحث عن سبل لتوصيل الجماهير إلى إدراك التحام ثقافة الديمقراطية مع قضية الخروج من المازق الراهن. حينذال ينهدم الجدار الحاجز بين الجماهير وقوى التغيير الديمقراطي.



تعليقات الفيسبوك