ماذا وراء أسطورة الثائر البطولي؟ تشه غيفارا

رينو لامبير
2020 / 2 / 10 - 23:43     

إذا كان من السخرية بمكان أن نشهد تحوّل الرجل الذي استنكر بحماسة مفهوم "الإنسان البضاعة"، إلى أيقونةٍ على الموضة، مجرّدة وتعويذية، فإنّنا نفرح بأن تكون الذكرى الأربعين لموت أرنستو غيفارا مناسبةً للتذكير بأن الـ"تشه" ... ليس فقط قميص "تي شيرت" وصورة فوتوغرافية. ففي حين تغطّي غالباً أسطورة "الثائر البطولي" على ذكرى المفكّر السياسي، يستحقّ أرنستو "تشه" غيفارا ما هو أفضل من صورة "المتمرّد اللطيف" - وغير المؤذي على الإطلاق - التي يضفيها عليه ميراثه المؤسسي... هذا لأنّ الـ"تشه" كان كل شيء سوى غير مؤذ، لأن تفكيره الحرّ الباهر لم يوفّر أيّ عقيدة.

لكن الغوص مجدداً في قراءة "النصوص الكبرى" [1] يثير بعض الصعوبات المرتبطة مباشرةً بمرور أكثر من أربعين عاماً عليها، وانطلاقاً من التراجعات المتتالية لطموحات اليسار عبر العالم في التحرر الاجتماعي. تلك هي إحدى أوجه الأهميّة للمساهمات التي جمعها جان أورتيز [2] لتقديم أحد أبرز جوانب أفكار غيفارا، وهو البعد الأخلاقي، بعد وضعها في إطارها التاريخي؛ وهذا ما يثير اليوم إشكالات عديدة بالرغم من المسافة التاريخية.

بالفعل، كيف لهذه "الأخلاقيات" وما يرتبط بها من "آداب" - وهي عبارات تشير إلى فضائلٍ تتعلّق جوهرياً بالـ"فرد" - أن تتمحور حولها آمال التغيير الاجتماعي في عالمٍ يمرّ فيه نظام الهيمنة تحديداً عبر بث الروح الفردية والقضاء على الوعي الطبقي وتشظية أشكال التضامن النضالي؟ ألا ترتبط هذه القيَم اليوم "بالآليات الإيديولوجية البورجوازية" التي تتميّز بإبراز "المسؤولية الفردية"، سواء في تعدديّة الصحافة أم في تقييم النجاح الاجتماعي وحلّ مسألة البطالة؟

إن طرح هذه الأسئلة يعني التغاضي عن تطوير الـ"تشه" لمفهوم "الإنسان الجديد" (من حيث "أخلاقياته" و"آدابه" معاً) في كوبا الستينيات. فالتحوّلات الاقتصادية كانت قد أخذت طريقها إلى التنفيذ، لكن النتيجة بدت واضحة: الاشتراكية (كنموذجٍ اقتصادي) لا تكفي لتحرير الإنسان. إذ يكتب الـ"تشه" قائلاً: "الشيوعية مسألة وعي وليست فقط مسألة إنتاج (...)، ولا يمكن التوصّل إلى ما يعرّف عنه ماركس بأنه الشيوعية (...) إلاّ إذا كان الإنسان مُدركاً".

هكذا، وبدل أن يكون مفهوم "الإنسان الجديد" هو المحرّك الوحيد لثورة "فردية" - والذي يجدر التذكير بأنّه تبلور في ظروفٍ كان المثال الاشتراكي الأعلى مُثقلاً بالصيغة "الواقعية" لتفسيره - فإنّه، وفق توضيح فرنسوا هوتار، يضع "الذات في صلب المسار الثوري، دون التخلّي، على العكس، عن التوجّه نحو تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية".

ولد الـ"تشه" خلال رحلةٍ للشاب أرنستو غيفارا على دراجةٍ نارية عبر أميركا الجنوبية [3]، حيث قرّر العمل "وفق قناعاته السياسية" على أن يرجع إلى "ضميره الثوري". وهو يعرف سلفاً أن لا غاية لهذا الأخير "سوى الموت إلاّ إذا تحقق بناؤه على المستوى العالمي". مات أرنستو غيفارا في سنّ التاسعة والثلاثين، شاهراً سلاحه. لكن يصعب عدم القول أن الـ"تشه" ما زال حيّاً".





* صحافي





[1] Justice globale – Libération et socialisme, Ernesto Guevara, Mille et une nuits, Paris, 2007, 139 pages, 12 euros.

[2] Che, plus que jamais – Actes du colloque “ L’éthique dans la pensée et la pratique de Ernesto, Che, Guevara ”, Jean Ortiz (--dir--.), Atlantica, Biarritz, 2007, 358 pages, 25 euros.

[3] Voyage à motocyclette, Ernesto Che Guevara, postface de Ramón Chao, Mille et une nuits, Paris, 2007, 218 pages, 14 euros.