معركة من أجل الدولة ومحاولة الانقلاب على جورج حاوي

محمد علي مقلد
moukaled47@hotmail.com

2021 / 7 / 26

عام 2006 أصدرت كتابي، اغتيال الدولة. استلمت النسخة الأولى منه في أول أيام حرب تموز. الأساس الذي ارتكز إليه الكتاب مؤلف من نصين، المحاضرة التي ألقيتها في المجلس الوطني، عام 1995، بدعوة من رئيسه نديم عبد الصمد، والفكرة الأساسية فيها أن كلا من الحزب الشيوعي ورفيق الحريري عاجزان عن بناء الدولة المنشودة، الأول لأن دكتاتورية البروليتاريا تتناقض مع الديمقراطية، والثاني لعدم قدرته على تحقيق مصالح البرجوازية التي يمثلها في ظل نظام الوصاية الاستبدادي الذي يعتمد على الميليشيات ليبني دولة المحاصصة لا دولة القانون والمؤسسات؛ أما النص الثاني فهو الوثيقة التي صدرت عن قيادة الحزب الشيوعي في الجنوب، عام 1995 أيضاً، وحملت عنوان، في سبيل إعادة بناء الوطن والدولة. وفي كليهما تشديد على أولوية بناء الدولة.
ما بين نشر الوثيقتين في التسعينات ونشر الكتاب عام 2006، عشر سنوات من النضال داخل الحزب وفي المجلس الثقافي وفي الحركة الشعبية الديمقراطية رافعاً أولوية بناء الدولة. فور انتهاء حرب تموز نظمت نشاطات حول الكتاب في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في بيروت وفي مقره في النبطية وفي المكتبة الوطنية في بعقلين وفي منتدى صور الثقافي وفي الحركة الثقافية في أنطلياس وفي أحد منتديات طرابلس الثقافية ودعوت إلى مشاركتي في نقاشه أشخاصاً من تيارات سياسية متنوعة، مفيد قطيش من الحزب الشيوعي، العميد أمين حطيط القريب من حزب الله، باسكال لحود القريبة من التيار الوطني الحر. سناء أبو شقرا ناقشه في المكتبة الوطنية في بعقلين، وفي تلك الندوة بدأت تتشكل عملياً نواة حركة الإنقاذ في الحزب الشيوعي اللبناني.
نص المحاضرة منشور بحرفيته في الكتاب، أما الوثيقة فلم أدرجها في الكتاب، لأنني وإن كنت أنا كاتبها، لكنها صدرت عن هيئة حزبية وصارت ملكها. غير أنني أفرجت عنها بعد أكثر من عشرين سنة ونشرتها على صفحتي في وسائل التواصل. هذه حكاية حجبها، ولنشرها حكاية أيضاً.
أبلغني الأمين العام فاروق دحروج قرار المكتب السياسي بتشكيل قيادة للحزب في الجنوب من الرفاق أعضاء اللجنة المركزية والرفاق مسؤولي المنطقيات، أي الزهراني، صيدا، صور، النبطية، جبل عامل، المناطق المحتلة، وعين على رأسها أحد أعضاء المكتب السياسي. وفي سياق تبريره لاختيار نديم علاء الدين أخبرني أن كلاً من سعدالله مزرعاني وكريم مروة رفض تولي هذه المسؤولية. هي المرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات التي تناط بي فيها مهمة حزبية، بعد ذلك الإجراء الهمايوني الذي جردني من مسؤولياتي وكلفني، بما يشبه النفي، بالعمل في إطار المجلس الثقافي للبنان الجنوبي.
تعهدت أمام الأمين العام بتنفيذ القرار وباستنهاض الحزب في الجنوب، وطلبت منه المساعدة على عدم تصدير خلافات المكتب السياسي إلى الجنوب، اعتقاداً مني أنه ما زال ممكناً إنقاذ القواعد الحزبية من عدوى الأمراض القيادية باستنهاض طاقاتها وإمكاناتها في أرض خام لا وجود لقوى سياسية معارضة فيها غير الحزب الشيوعي. كنت أجهل، بسبب غيابي عن المهمات لأكثر من بضع عشرة سنة، أن النزاع القيادي كان قد تسرب إلى كل خلايا الحزب، كما أنني استهترت بما كنت أعرفه عن استنفار "جهاز" الحزب في الجنوب كل إمكاناته، خلال التحضير للمؤتمر الخامس، لإزالة "آثار العدوان"، بحسب رواية قادة الجهاز، الذي شنه الياس عطالله ضد جورج حاوي، والذي استبدلت بموجبه قيادات المناطق بأخرى من قادة الفصائل العسكرية.
بحسب الرواية التي عممها "الجهاز"، كل معترض على القيادة مصنف حكماً في خانة فريق الياس عطالله. شفع لي جزئياً لدى أهل الجهاز أنني كنت في عداد القيادات "المعزولة" المستبعدة والمستبدلة بأخرى. غير أنها شفاعة هشة، إذ إن فريق "الجهاز" كان يعاملني بحذر لإنني قضيت فترة "معزوليتي" معترضاً لا موالياً، بسبب تحفظات، ذكرتها في مقاطع سابقة، على نهج القيادة السياسي. في كل تلك الفترة الممتدة من منتصف الثمانينات، أي من بداية الأزمة، كانت تقتصر مهماتي على المشاركة في الأعمال التحضيرية للمؤتمرات الخامس والسادس والسابع. كان رفاق من الفريقين يتساءلون عن مبرر وجودي في الاجتماعات، أذكر من بين الذين استغربوا بصراحة حضوري الأعمال التحضيرية، الرفيق حسن عبود خلال اجتماع في منزل الرفيق فضل الله حسونة في صيدا والرفيق محمد مكي خلال اجتماع في دير الزهراني. ومع ذلك كان يعاد انتخابي عضواً في اللجنة المركزية وذلك بفضل توازنات فوقية لا دور لي فيها.
كانت عودتي إذن إلى العمل الحزبي في إحدى هيئاته التنفيذية بمثابة "رفع الحرم" عني. في أول اجتماع للهيئة اقترحت أن نصدر نصاً ونعمل على توزيعه ليكون مادة تثقيفية تعيد إلى الحزب تماسكه وتكون دليلاً ومرشداً، وعرضت أمامهم صوراً مشرقة عن دور الشيوعيين في الجنوب، كنت قد جمعتها خلال نشاطي في تجمع الهيئات الثقافية. في الاجتماع التالي حملت معي نصاً غير مكتمل لمشروع الوثيقة، اعترض نديم علاء الدين، ربما تحسباً لئلا تشكل سابقة في الاعتداء على صلاحياته كقائد في كتابة النصوص الحزبية.
غير أن الهيئة انحازت إليّ وفضلت أن أتولى كتابة الوثيقة لسببين، الأول هو أننا كأعضاء في الهيئة، باستثنائه، أمضينا معاً في قيادة الحزب في الجنوب ست سنوات من النضال الصعب سبقت الاحتلال الإسرائيلي، كنت فيها الرفيق الموثوق" المعتمد" في كتابة نصوص للحزب والحركة الوطنية ولخطابات علي العبد مسؤول قيادة الجنوب الذي ظلت تربطني به علاقات احترام حتى بعد تباين مواقفنا من أزمة الحزب، والذي كان قد طالني قرار العزل"الهمايوني" ذاك بسبب تعاوني الوطيد والصادق معه. في تلك الفترة كنا نحن مسؤولين عن نديم علاء الدين وعن قرار إبعاده إلى بيروت لإنقاذه من إشكالات محلية مع الحلفاء. ولسنا نعرف عن مساره الحزبي خلال إقامته في العاصمة غير تعيينه في قطاع المقاومة بعد استبعاد الياس عطالله، ولذلك بدا له أن مهمته المركزية هي ملاحقة شبح اليسار الديمقراطي ورموزه.
أستكملت كتابة النص، بناء على قرار قيادة الجنوب التي ناقشته وأدخلت تعديلات عليه وأصدرته عام 1995في كراس من القطع الصغير تولت طباعته قيادة الحزب المركزية في مطابعها. غير أن النص بدا "مقطوعاً من شجرة" فلم تبذل الهيئة الحزبية الاهتمام اللازم لتعميمه وكاد يقتصر توزيعه على جهد خاص بذلته بمفردي وحصلت مقابل النسخ الموزعة منه على مردود مالي سلمته لقيادة الجنوب لتسدد منه رسوم الهاتف الخاص بالمقر على البوابة الفوقا. فوق ذلك، سعى الجهاز إلى إدانتي بسببه إثر المقابلة المشار إليها التي أجراها معي أحمد منتش ونشرها في جريدة النهار. بسبب تلك الالتباسات تحول النص إلى ملكية خاصة نفضت عنه الغبار بعد ربع قرن ونشرته على مواقع التواصل.
لا يمكن أن يفهم موقف قيادة الجنوب من النص والقيادة المركزية من النص ومن المقابلة الصحافية إلا بالاطلاع على الأساسي في كل منهما، أي على مقتطفات تبين السبب الحقيقي لتبرؤ القيادة منه ولحملتها عليه وعلى كاتبه. ولست أبالغ في القول إنه السبب هو ذاته الذي جعلهم يعترضون على أولوية بناء الدولة وعلى تعارضها، في نظرهم، مع مهمات التحرر الوطني. وستظهر في هذه المقتطفات بعض المصطلحات التي وافقت على استخدامها وإدراجها في النص رغم تعارضها مع ما توصلت إليه في قراءتي النقدية للتجربة، ذلك أن النص صدر باسم قيادة الحزب في الجنوب وليس بإسمي الشخصي. كنت أفضل مثلاً استخدام دولة المحاصصة بدل الدولة الطائفية.
ورد في الوثيقة:
"شهدت العقود الثلاثة الأخيرة أحداثاً كبيرة على الصعد المحليّة والعربيّة والعالميّة، من إنهيار المعسكر الإشتراكي، وهزيمة حركة التحرر الوطني العربيّة أمام المشروع الإسرائيلي – الإمبريالي، إلى إنفجار الحرب الأهليّة في لبنان، ثمّ إنتهائها منذ سنوات ودخول لبنان مرحلة السلم.
كانت تجربة الشيوعيين في هذه الحقبة غنيّة بالدّروس، كما كانت مشاركتهم فعّالة في أحداثها، إلّا أنّهم تحملوا حصّتهم من آثار الزلازل الكبرى التي أصابت قوى التقدّم والتحرر، فانخرطوا في عملية غنية من النقاش بهدف قراءة التجربة والإستفادة منها، غابوا خلالها، في صورة جزئيّة، عن لعب دورهم في ساحة العمل السياسي.
كان نضال الحزب الشيوعي ينطلق من الإعتقاد بأنّ هذا العصر هو عصر الإنتقال إلى الإشتراكيّة، وبأنّ التناقض الأساسي والملموس هو ذاك القائم بين رأس المال والعمل، وبأنّ الحل الملموس لهذا التناقض هو الإنقلاب الجذري على آلية النظام الرأسمالي، وتحويله تحويلاً جذرياً وثورياً بإتجاه الإشتراكيّة، نظاماً سياسياً واقتصادياً وإجتماعياً، فكانت الإشتراكيّة لازمة نستحضرها في كل نقاش وحول أية قضية جزئية، من قضايا توزيع الثروة الوطنية إلى الديمقراطية وحل المشاكل القومية إلى مسائل تتناول الوضع التربوي والصحي وغير ذلك من هموم المواطنين، وكانت تشكّل العصب الحي والنقطة التي تنطلق منها وتعود إليها السجالات الفكريّة والنضالات اليومية، وكانت عامل التماسك الذي يؤمّن للبرنامج الحزبي زخمه ووحدته، وبالتالي تمايزه.
بعد الإنهيارات في المعسكر الإشتراكي وفي حركة التحرر الوطني العربيّة، وبعد إنهيار مشروع الحركة الوطنيّة، وبعد التحولات والتغيرات في بنية لبنان السياسية والإقتصادية بات على الحزب ان يبحث عن برنامج جديد وخطة بديلة. وإذا كانت الإشتراكية، في صيغتها المحققة قد سقطت فإن ذلك لا يعني الإستسلام للقائلين بأنّ الرأسمالية هي "نهاية التاريخ"، بقدر ما يعني الضرورة النظرية والسياسية لانكباب اهل الفكر وأهل السياسة على البحث النظري والسياسي عن سبل تنقذ البشرية من شرور الجشع الرأسمالي الذي ملأ الدنيا حروباً، وحروباً اهليّة وجوعاً وبؤساً وبطالة، منذ قرنين من الزمن حتّى هذه اللحظة.
إلّا أنّ هذه المهمّة البعيدة المدى هي سيرورة معقدة على صعيدي الفكر والممارسة لا يجدي احزاب التغيير التقدمية ان تنتظر نهايتها، لتستأنف نضالها من جديد، بل من المستحيل على هذه الورشة الفكرية السياسية ان تؤتي ثمارها دون البحث في التناقضات الملموسة والهموم اليومية ومواجهتها واستنباط الحلول الملموسة لها. ومن الأكيد ان هذا البحث الدؤوب هو السبيل الأمثل لإنجاز أشكال من التقدم والتطور التدريجي الذي سيؤول ولا شك إلى تغير نوعي، حالما تنضج الظروف الموضوعيّة وتستكمل النظرية بناءها.
إذا كانت الإشتراكيّة كصيغة محققة، قد أخفقت في جانبها السياسي بفعل نواقصها في مجال الديموقراطيّة وفي حل القضايا القوميّة، كما أخفقت على الصعيد الإقتصادي في مجال إنتاج الثروة وفي عدم تشجيع الحوافز الفردية، إلا انّها تمكنت من تقديم نموذج اكثر عدالة بما لا يقاس من التوزيع الرأسمالي للثروة، وشكلت مثالاً وحافزاً لكل مجتمعات العالم، بما في ذلك الدول ذات الإقتصاد الحر، لتحقيق مستويات من العدالة مستلهمة كلها من التجربة الإشتراكيّة.
فضلاً عن ذلك، وقبل ذلك، يهم الشيوعيين ان يحذروا من حالة الإنهيار المعنوي التي سادت أوساطاً واسعة من المتنورين، ذلك ان سقوط التجربة لا يلغي القيم السامية التي ناضلت الحركة الإشتراكيّة في سبيلها، والتي ألهمت أهل الفكر والعلم والثقافة، إذ ليس من المصادفة أن أعظم مفكري هذا العصر وفنانيه وشعرائه وأدبائه وفلاسفته كانوا منخرطين في الأحزاب الشيوعية أو يستلهمون الماركسية كمنهج للتغيير الثوري.
القضايا الملموسة: بناء الدولة:
إنّ الحزب إذ ينطلق في رسم خطّته وبرنامجه النضالي من واقع مجتمعنا اللبناني في بنيته الداخلية وعلاقاته الخارجية يرى انّ المهمّة الراهنة التي تواجه لبنان بعد سنوات الحرب الطويلة هي تحرير الأرض وتثبيت السلم الأهلي ومعالجة أسباب الأزمة الداخلية، بالإضافة إلى مواجهة الإستحقاقات الإقليميّة.
ولهذا يرى ان مواجهة الإحتلال الإسرائيلي وتحرير الجنوب، وصيانة حقوق لبنان الوطنيّة في مواجهة مسار التسوية يتطلّب وجود دولة موحدة وفعّالة تعبّر عن وحدة المصالح اللبنانيّة في مواجهة هذه المخاطر. كذلك الأمر بالنسبة للسلم الأهلي، حيثُ إن ترسيخه يتطلّب معالجة الاسباب العميقة المولدة للتفجرات السياسية والإجتماعية، وتأتي مسألة إعادة بناء الدولة هنا ايضاً في مقدمة الأولويات بإعتبارها شرطاً ضرورياً لتجاوز حالة التفتت والتفكك التي تخطت السلطة والمؤسسات لتطال المجتمع نفسه.
أية دولة نريد؟
نريد دولة مدنيّة عصريّة ترفض أن يكون بينها وبين المواطنين اي وسيط. تتحرر من البنية العائليّة – الطائفيّة المتخلّفة التي جعلت من النظام السياسي نظاماً وراثياً للعائلات السياسيّة الحاكمة. دولة مدنيّة بلا دين، بحسب تعبير محمد مهدي شمي الدين، بحيث لا يكون الإنتماء الديني شرطاً للإنتماء إليها. مثل هذه الدولة تكون عنصر توحيد للبنانيين بعد ان كان النظام الطائفي سبباً في إنقسام اللبنانيين دولة ومجتمعاً.
دولة ديمقراطيّة
اي دولة القانون، حيث يكون القانون هو الناظم للعلاقة بين المواطنين أنفسهم وبين المواطنين والسلطة. وفي إطار هذه المساواة أمام القانون يتميّز المواطن عن غيره بالكفاءة والأخلاقيّة والإنتاجيّة. ولهذا فالدولة التي ننشدها هي دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص.
والدولة الديمقراطيّة هي الدولة التي تؤمّن تمثيلاً صحيحاً للمجتمع اللبناني. وهي التي تحتضن الإختلافات فتكون التعدديّة فيها من ضمن الوحدة. ويضمن فيها إستقلال القضاء والمؤسسات وتحترم حقوق الإنسان وحرياته العامة والخاصة في التعبير والنشر والإنتماء والعمل.
دولة ذات سيادة:
على حدودها وداخل حدودها لا ينازعها على هاتين السيادتين احد، لا من الطامعين بأرضها ولا من العاملين على توزيعها وتقاسمها دولاً داخل الدولة. وأخيراً، الدولة التي يطمح اللبنانيون اليوم إلى إعادة بنائها هي دولة حاملة لمشروع تنموي حقيقي.إنّها بإختصار دولة الديمقراطيّة السياسيّة والعدالة الإجتماعيّة.
في سبيل قيام مثل هذه الدولة يناضل الشيوعيون من اجل تعديل قانون الإنتخاب وتصحيح قواعد التمثيل الشعبي، على أساس النسبيّة، وجعل لبنان دائرة إنتخابيّة واحدة، وتخفيض سن الإقتراع حتّى سن 18 وإعتماد البطاقة الإنتخابيّة والإقتراع في مكان السّكن.
وفي سبيل هذه الدولة ايضاً يطالب الشيوعيون بتشجيع مؤسسات المجتمع المدني وهيئاته الأهليّة أحزاباً ونقابات وأندية وحركات ثقافيّة، ويعملون على كسر الهيمنة السياسية الرسميّة والحزبيّة التي تمارس عليها.
وفي سبيلها يطالبون بسياسة إقتصاديّة إجتماعيّة عقلانيّة توفّر مناخاً سليماً للوحدة الوطنيّة ولعلاج القضايا والمشاكل الناجمة عن الحرب وعن توحش رأس المال، عن طريق صياغة ميثاق إقتصادي – إجتماعي وإنشاء المجلس الإقتصادي – الإجتماعي.
أزمة بناء الدولة في لبنان وأثرها على الجنوب:
1- التناقض بين مصلحة الشعب والسلطة:
بعد إن إنهارت الدولة بفعل الحرب والمحاولات الجارية لإعادة بنائها على أسس طائفيّة هشّة تحمل في طياتها بذور حروب جديدة، يبدو بوضوح انّ التناقض الأساسي الذي يعصف بلبنان هو بين مصلحة الشعب اللبناني في بناء دولة مدنيّة عصريّة وبين مصلحة بعض القوى السياسيّة في السلطة وخارجها في العمل الدؤوب على عدم بناء الدولة، او بنائها على أسس لا تضمن إستقرارها وديمومتها.
2- دور العوامل الخارجيّة في بناء الدولة:
لعبت العوامل الخارجيّة الدور الأساسي في قيام الدولة، منذ الإستقلال حتّى إتّفاق الطائف، مما جعل عوامل القوّة الداخليّة في قيامها في الدرجة الثانية من الأهميّة، الأمر الذي جعلها ذات بنية هشّة سرعان ما تنهار عند اول عاصفة، وسرعان ما يستنجد اركانها بعوامل خارجيّة ويستقوون بها، ولا يعيرون الإهتمام الضروري بعمليّة الإنصهار الوطني، الضامن الأساسي والوحيد لقوّة الدولة وثباتها وصمودها في وجه التناقضات الخارجيّة.
3- غياب السيادة الوطنيّة على الحدود:
يشكّل الإحتلال الإسرائيلي إعتداءً صارخاً على السيادة الوطنيّة، اي على سيادة الدولة، فضلاً عن كونه يشكّل خطراً داهماً على الكيان اللبناني وعلى مصيره وتطوره. ولهذا يندرج تحرير التراب المحتل في سياق النضال من اجل إعادة السيادة الوطنيّة على الأرض. من هذه الزاوية، ومن موقع المدافع المخلص عن تراب الوطن قدم الحزب اغلى التضحيات من اجل تخليص شعب الجنوب من براثن الإحتلال، ولا تزال رموزه الكفاحيّة كواكب مضيئة في سماء نضالنا.
4-غياب سيادة الدولة داخل حدودها:
إنّ الحزب الشيوعي اللبناني مطالب بالدفاع عن سيادة الدولة والقانون وحقوق المواطنين، ذلك أن غياب سيادة الدولة في الجنوب لا يقتصر على الأرض المحتلّة فقط. بل إنّ سيادتها داخل الأرض المحررة، في الجنوب وفي لبنان عامّة، تتعرض لإعتداءات فاضحة تمارسها ضدها السلطة الرسميّة بأطرافها وإمتداداتها، ابتداء ببدعة الترويكا التي ألغت عملياً الدستور ومبدأ فصل السلطات، وانتهاء بتحويلها إلى جزء من تركيبة الكيان وبنية النظام وإلى سبب أساسي من أسباب إنفجار الحرب كل عقدين من الزمن. " (نهاية المقتطفات)
في 12 حزيران 1995 نشرت جريدة النهار مقابلة أجريت معي، عنونتها جريدة النهار على الشكل التالي: أزمة الشيوعي منذ مؤتمره السادس تناقشها وثيقة صاغها قادة في الجنوب، ووضع لها الصحافي الرفيق أحمد منتش مقدمة قال فيها:
"أصدرت "منظمة الجنوب" في الحزب الشيوعي اللبناني، أواخر نيسان الفائت، وثيقة سياسية للنقاش بعنوان "في سبيل قيام تيار وطني ديموقراطي في الجنوب يسهم في إعادة بناء الوطن والدولة".
الوثيقة في 32 صفحة من الحجم الوسط، وضعت أفكارها وصاغتها مجموعة من قادة الحزب في الجنوب وبوشر توزيعها على الشيوعيين وأصدقائهم فضلاً عن قوى سياسية ونقابية وثقافية، وصولاً إلى القوى والأجهزة الأمنية والعسكرية الشرعية.
وتكمن قيمة الوثيقة الفعلية في أنها تطلق نقاشاً في القضايا "الجوهرية"، كما أنها سياسية لإخراج الحزب من الجنوب أولاً وفي لبنان عموماً من أزماته التي يتخبط فيها وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط الاشتراكية ومعسكرها.
وتعتبر الوثيقة الأولى من نوعها في تاريخ الأحزاب الشيوعية والعقائدية، بل منذ تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني عام 1924، وقد تضمنت اعترافاً صريحاً بالأخطاء وبوجود أزمة فعلية تتلخص بـ: توزع الشيوعيين تيارات، فقدان الرابط السياسي بينهم، غياب المهمات، فقدان الثقة بقيادة الحزب. وأهم من ذلك جديد الوثيقة في المواقف والمفاهيم المتعلقة بالدولة والعمل الوطني والتحالفات ودور العوامل الخارجية الخ".
سئلت في المقابلة عن أزمة الحزب المالية والتنظيمية، وكانت الشائعات تطال بعض أفراد القيادة، ولا سيما منهم الرفيقان كريم مروة وجورج حاوي، بتهم عن فساد مالي، وهي تهم كان يحوكها ضدهم إما مغرضون من داخل الحزب أو أجهزة من خارجه كان يهمهم تهشيم صورة القيادة لتهشيم صورة الحزب. كان بإمكاني أن أتغاضى عن السؤال لأنني لست معنياً بالدفاع عن قيادة فعلت ما فعلت معي ظلماً وعدواناً، لكنني أجبت بدافع حرصي على الحزب واقتناعي بأن أزمته ذات طبيعة سياسية، قلت لسائلي إن سبب الأزمة المالية يعود إلى أن "الحزب كان قد بنى برنامجه على أساس التناقض الخارجي العربي والعالمي، فجعل من قضية النضال في سبيل الاشتراكية وفي سبيل القضية القومية محوراً أساسياً لنضاله، وكان من الطبيعي أن تأتيه المساعدات التي على أساسها بنى تنظيمه الداخلي، وتحمل أعباء مادية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وحركة التحرر العربي حيث انقطعت هذه المساعدات، ووجد الحزب نفسه أمام ضرورة التكيف مع معطيات جديدة لم يتمكن بإمكاناته الذاتية من أن يتحمل أعباءها. وهو يحاول اليوم أن يكيف وضعه حسب إمكاناته، لكن صعوباته كثيرة."
أما سبب الأزمة التنظيمية فعائد إلى أن "الحزب يعتمد التنظيم الستاليني. ولم يكن وحده ستالينياً، بل يشاركه في ذلك كل حزب تغييري من الأحزاب القومية والإسلامية! وكان من الطبيعي في ظل صيغة قديمة أن تغيب الديموقراطية وأن يحتكر القرار في الهيئات القيادية بدون أن يؤخذ في الاعتبار أن هذا النوع من التنظيم هو بنية متكاملة يتحمل الحزب كله مسؤولية نواقصها وعلى الحزب كله أن يتحمل موجبات تغييرها وتطويرها. إلا أن اتجاه النقاش لم يبلور صيغة جديدة، بل حبس نفسه في إطار خلافات قيادية حول توزيع المسؤوليات، وهذا ما يؤكد تحمل القيادة الراهنة مسؤولية عدم إخراج الحزب من أزمته وعدم تقديم مساهمة جادة ترسخ قيم الديموقراطية والتعددية داخل الحزب"

لم أكن أعلم أنني ألعب لعبة ساذجة بل خطيرة مع الحزب، أولاً لإنني استخدمت منصته الرسمية لأكتب ما يتعارض مع خطه السياسي. لم يكن بناء الدولة من أولوياته، ولا كانت من بين مهماته إعادة بناء اليسار على أسس جديدة على ضوء المتغيرات والهزائم الكبرى. فقد كانت القيادة مشغولة بمواجهات تنظيمية مع المعترضين عليها.غير أنني لم أصب بكلل ولا ملل، بل تابعت محاولاتي لاقتطاع حيز في وثائق الحزب عن قضية الدولة. رفضت القيادة إدراجها بين المهمات الوطنية، كالتحرير والمصالحة الوطنية، لكنها كبحت لجاجتي فوافقت على تصنيفها في خانة المهمات السياسية، مرفقة بقرار ضمني بوقف التنفيذ.
أما السذاجة فتجلت في كوني لم أكن أدرك حجم العنف الذي قد يمارسه المتنافسون على السلطة، حتى داخل الأحزاب. ذلك أنني لم أكن من الساعين إليها بأي وقت من الأوقات. تذكرت حين عرض علي أحدهم، قبل الاحتلال، أن أزيح علي العبد عن قيادة الجنوب وأحل محله، متعهداً بأن يرتب الأمر مع قيادة الحزب بمجرد أن أعرب فحسب عن رغبتي بذلك. طبعاً رفضت، أولاً لأنني لا أميل إلى تفسير الأزمات الحزبية بأسباب إدارية وتنظيمية، وثانياً لأنني لست طامعاً بهذه المسؤولية، وثالثاً لأنني لم أكن أرى أفضل من أبو رفيق مسؤولاً عن قيادة الحزب في الجنوب في ظل الظروف الملموسة، ورابعاً لأن مثل هذه المسؤولية تتطلب تفرغاً كاملاً للعمل الحزبي وهو ما لم أكن مؤهلاً لتحمل أعبائه.
بالعودة إلى سذاجتي، من أجل إقناع رفاقي في قيادة الجنوب بضرورة إصدار وثيقة سياسية، قدمت أمامهم مطالعة سياسية نقلت فيها إليهم صورة مشرقة عن وضع الحزب رصدتها من خلال نشاطي في تجمع أندية الجنوب الذي كان يتسبب بإزعاج القوى المتنفذة، وذكرت لهم من بين ما ذكرت حول الموضوع، أن أحداً طلب مني أن أكتب بحثاً عن دور الأندية والمؤسسات الثقافية في إنعاش مناخ وخلق نشاط ثقافي غير مسبوق عم كل المناطق اللبنانية في بداية التسعينات، وأخبرني أن البحث سيوضع على طاولة رئيس الحكومة للاطلاع إلى جانب أبحاث أخرى كان يعدها مكتب دراسات مهمته تزويد رفيق الحريري بالملفات اللازمة. وافقت شرط أن أضمّن هذا البحث كل ما يهمنا كيساريين من أفكار عن أهمية المؤسسات غير الحكومية وضرورة تشجيعها واحتضانها من قبل السلطة السياسية. قلت لهم، نعم إن صوتنا قادر على الوصول إلى أعلى مسؤوليات السلطة، لأن اليسار موجود على كل المستويات، فكيف إذا كان سمير فرنجية ذو التاريخ اليساري المعروف هو من يرئس تلك المؤسسة وأن الصديق والرفيق الذي طلب مني البحث هو الشاعر حمزة عبود الذي عمل في المؤسسة مع سمير فرنجية خلال إقامته في فرنسا واستمرا يعملان معاً بعد عودتهما إلى لبنان؟
حان وقت الاعتراف بسذاجتي. كنت أروي لهم كل ذلك بحماس منقطع النظير، ثم أعربت أمامهم عن مفاجأتي بأنني تقاضيت عن البحث مبلغ خمسماية دولار نقدني إياها الصديق حمزة عبود، بعد شهرين على تسلمه البحث مني، وأنا لم أكن أعرف مقر المؤسسة ولا العاملين فيها ولم أكن أعرف أنني سأتقاضى بدلاً مالياً، كل ما في الأمر أنني استجبت لطلب صديق عزيز من القليلين الذين حافظوا على نقائهم اليساري. وهي مفاجأة لأنها المرة الأولى التي أجزى فيها على نتاج بحثي، ذلك أنني اعتدت على نشر جميع أبحاثي السابقة في مجلة الطريق التي يصدرها الحزب ويستكتب فيها مجاناً.
لم أنتبه إلى أنني سلمت أحدهم مادة سيستخدمها "بحقارة" ليشيع عني أنني "أقبض" من الحريري، وينشر الخبر في أربع أرجاء المنظمات الحزبية حتى صار ملكاً للقاصي والداني من الرفاق والأصدقاء والحلفاء، ومن بينهم مصطفى سعد وحسيب عبد الجواد في صيدا، وبات من المستحيل لم الإشاعة من الأسماع، بعد أن جعلتني في نظر الكثيرين بمثابة ممثل شخصي لآل الحريري وصرت مقصد أهالي قريتي ومنطقتي لحل مشاكلهم العالقة أو للحصول على مساعدة عينية أو مالية أو على خدمات إنسانية أو إدارية أو تعليمية.
هذه "النذالة" دخيلة على عاداتنا وتقاليدنا الحزبية. لم أبذل جهداً لتفادي الأذية السياسية التي أرادوا محاربتي بها. فقد غدوت محصناً ضد مثل هذه الإشاعات بفضل سمعتي الأكاديمية واستقامتي وثباتي في موقع الحريص على انتمائي اليساري ضمن المعايير التي رسمتها أنا لنفسي لا ضمن المعايير التي تحددها قيادة قاصرة عن مواجهة أزماتها. إلا في الحزب فمهما بلغت قدرة المرء على الصمود يبقى معنى الإخلاص محصوراً بالإخلاص للقيادة. وحين تكون القيادة دائماً على حق في نظر المحازبين لا بد أن تفضي المواجهة معها إلى هزيمة. لكنني أعترف، للمرة الأولى، أنني عزمت على البقاء أكثر تصميماً على الصمود في وجه حملاتهم الظالمة وعلى مواجهتهم من غير أن يدفعني الانفعال إلى الانسحاب من المعركة، حتى أتمكن من التفرج عليهم وهم يتهاوون أمام ناظري وأسمع دوي سقوطهم وهم يرتطمون بأخطائهم القاتلة. وهذا ما حصل. واحداً واحداً أخذوا يتساقطون وحزنت على سقوطهم لأن الخسارة تتعدى أدوارهم الشخصية وتتحول إلى إدانة لدور الحزب وتشويه لتاريخه الناصع.
بعد أعوام أخبرني الصديق يوسف جباعي، وكان واحداً من أفراد الحلقة الضيقة حول حسيب عبد الجواد، بأن القائد النقابي الصيداوي، قبل أن توافيه المنية، جمع أعضاء حلقته المكونة من فاروق الزين ويوسف جباعي وبسام الزعتري، واعترف أمامهم ب "أننا ظلمنا الدكتور مقلد حين اتهمناه بالحريرية، وها أنا أخبركم لأبرئ ذمتي". قلت للدكتور جباعي، أنت أجليت لي الآن غموض حادثة غريبة حصلت قبل أكثر من عشر سنوات، يوم دعتني الصديقة ماجدة فاضل، وكانت رئيسة لنادي خريجي المقاصد، لأتحدث عن إصداري الجديد الذي يحمل عنوان "الأصوليات" في مقر النادي. صدر الكتاب أواخر عام 1999 ولم يكن قد وزع على المكتبات. ما أن انتهت الندوة حتى فتح باب القاعة، ليقف على عتبة المدخل صديقك في حلقة حسيب عبد الجواد، فاروق الزين، وخلفه، خارج المدخل، غسان عبدو رئيس الحزب الديمقراطي الشعبي، ويلقي خطاباً شتائمياً بحقي وبحق الكتاب من غير أن يكون قد سمع المحاضرة ولا قرأ الكتاب، ثم يخرج. لم أكن أعلم في حينه أن رفاق النضال تداولوا في كواليسهم واستفظعوا أن تكون السيدة ماجدة قدمت منبر الخريجين لواحد من المرتدين.فهي كانت مقصودة بالتعنيف مثلي إن لم يكن أكثر مني. فهي موجودة على رأس نادي الخريجين لتمثل تيار الحركة الوطنية والنقابية والأحزاب.
في الأحزاب إما أن تكون مطيعاً أو مرتداً. لا محل للنقد ولا للرأي الآخر. وفي بعض الأحزاب لا مجال للانسحاب أو الاستقالة وإلا تتحول الردة إلى خيانة وجزاؤها القتل. الحزب الشيوعي الذي تربينا فيه كان متسامحاً، يفسح للمعترض أن ينسحب بسلام، لا يقتله بل يغتال سمعته. حملة التشنيع لم تكن سهلة لأنني صرت أقدم نفسي في المقابلات المتلفزة بصفتي عضواً في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني ثم عضواً معارضاً بعد المؤتمر التاسع. بيد أن المرتد، في نظر المشنعين، ليس من يخرج على انتمائه الحزبي، أو من يستبدله كما في قول الشاعر محمد الماغوط، آه لو نتبادل الأوطان كالراقصات في المقهى، بل إن النقد في حد ذاته هو ارتداد خصوصاً إذا طال الخط السياسي وبشكل أخص حين يطال القيادة، وأنا لم أقصر لا مع القيادة ولا مع خطها.
كتاب الأصوليات هو مجموعة من الأبحاث منشورة كلها في مجلة الطريق، وبفضلها حصلت على رتبة أستاذ، بروفسور، وهو اللقب الذي لم أغتبط به حين صدر بمرسوم جمهوري ولم أستخدمه في حياتي الجامعية ولا في كتاباتي الصحافية ولا في أبحاثي، وكنت لا أستسيغ أن يستخدمه أي من حامليه، ربما لأنني حصلت عليه في ذروة مساري الاحتجاجي في الحزب وفي الجامعة اللذين كان ينخرهما الفساد. أذكر فحسب أنني منحت اللقب على عدد من الأبحاث فيما لا يستحق اللقب في جامعات بلدان أخرى، مثل جامعة تونس مثلاً، إلا من ينشر عدداً من الكتب لا عدداً من الأبحاث، على أن يخضع بعدها لامتحان الدفاع عن كتبه أمام لجنة من الأساتذة كما لو أنه طالب يدافع عن أطروحة دكتوراه.
المهم أنني في هذا الكتاب طرحت السؤال، من هو الشيوعي ومن هو الماركسي، وفيه أطلقت حكماً قاسياً على الأحزاب اليسارية والقومية وصنفتها كلها في خانة الأصوليات، ومن هنا كان عنوان الكتاب. وهي الفكرة ذاتها التي تابعتها في دراساتي وأبحاثي وكان آخرها كتاب أحزاب الله. الخيط الجامع فيها هو موقف الأحزاب الشيوعية والقومية والدينية من الديمقراطية، وهي الفكرة التي انطلقت منها في تلك المحاضرة في المجلس الوطني للحزب الشيوعي بدعوة من رئيسه نديم عبد الصمد، بعد المؤتمر السابع في منتصف التسعينات، وكان عنوانها، أزمة الديمقراطية في مشروع الحريري وفي مشروع الحزب الشيوعي.
هكذا قرأ بعض قياديي الحزب موقفي. وهذه هي حقيقة اتهامي بالحريرية فما هي حقيقة موقفي منها؟ فضلاً عن موقفي المعلن في المحاضرة المشار إليها حول أزمة الديمقراطية، كنت قد توصلت إلى استنتاج نظري يتعلق بالرأسمالية، ميّزت فيه بين النظرة السوفياتية إليها كعدو للاشتراكية، وبينها كحضارة رأى فيها ماركس ثورة بكل ما تعنيه الكلمة. ولذلك صدّرت كتابي هذا خلاصة قلت فيها أننا لم نكن نسعى إلى بناء الاشتراكية بقدر ما كنا نناضل لكي نمنع بلداننا من الدخول في الحضارة الرأسمالية. من هنا بدت قراءتي النقدية في نظر أصحاب العقول الخشبية وكأنها "غزل" بالنظام الرأسمالي، وبنوا على ذلك حكمهم المبرم.
من جانبي لم أخف تعاطفي مع مشروع إعادة البناء الذي وضعه الحريري موضع التنفيذ، وإن كنت قد انتقدت جانبه السياسي في المحاضرة المشار إليها وفي سواها، وقد ذكرت ذلك النقد في كتابي، اغتيال الدولة. لكنني لم ألتق في نقدي هذا مع انتقادات متنوعة المصادر تتناول الجانب الاقتصادي من مشروع الحريري، ذلك أنني كنت في اللجنة المركزية للحزب أستمع دوماً إلى تقريرين مختلفين، أحدهما يمثله حسين حمدان عضو المكتب السياسي ويعبر عن الموقف الرسمي للحزب يهاجم فيه سياسة الحريري الاقتصادية ومشروع صوليدير وآخر يمثله الاقتصادي كمال حمدان الذي يتناول الخطة الاقتصادية الحريرية بحدة أقل وبمرونة تخفي بين سطورها نوعاً من التعاطف الضمني.
الموقف الأكثر وضوحاً عبرت عنه في ردي على أسعد أبو خليل الجامعي الشتام المقيم في كاليفورنيا. كان موضع احترام قيادة الحزب التي دعت إلى الاستماع إليه في محاضرة في مقر الوتوات، وقدمه مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب مفيد قطيش. بعد ذلك صار يزود جريدة الأخبار بإدارتها الجديدة بمقالة اسبوعية يتناول فيها بالشتيمة خبط عشواء. قلت في ردي على مقالته التي اتهمني فيها بالحريرية نقلاً عن مصادر القيادة، "لو سألت عن موقفنا من الحريرية لما تكبدت مرة تلو المرة مغبة اعتبارها تهمة ورميتها في وجوهنا. الحريرية عينة من نظام نعيش في ظله، أنت في مركزه، في بلاد الشيطان الأكبر ورأس الامبريالة ورأس النظام العالمي الجديد، ونحن في بلاد طرفية، بحسب عبارة سمير امين، تنتمي إلى الحضارة الرأسمالية التي لا تزال قادرة على تجديد نفسها بعد كل أزمة من أزماتها الاقتصادية، وبالتالي، لم يبلغ التناقض فيها بين علاقات الانتاج والقوى المنتجة حد اسشراف ثورة اشتراكية جديدة بقيادة مستشرقين أو مستغربين أو متمركسين أو ثورجية من طراز الانقلابيين من ذوي القبعات والنياشين والنجوم على الاكتاف ولا من ذوي العمائم.
نعم نحن نعيش في صميم الحضارة الرأسمالية التي لم يخطئ ماركس في توصيف الآليات الخاصة بها، وبما أن سقوط التجربة أثبت أننا لم نعد في عصر الانتقال إلى الاشتراكية، وبما أن القيادات السابقة الرسمية والشعبية ببرامجها الدينية أوالقومية التقدمية اليسارية، الفوضوية أو العاقلة، وضعتنا أمام خيارين اثنين إما الاستبداد إما الحروب الأهلية، فقد صار من واجبنا اليساري والثوري والوطني والفكري والمصلحي أن نبحث عن منافذ نجاة تنقذنا من أنظمة الاستبداد الوراثية وأحزابها. لقد بدت الحريرية الظاهرة الوحيدة ما بعد الحرب الأهلية التي تملك مشروعاً لإعادة بناء الوطن، وهي من شجرة العائلة الرأسمالية التي تسعى، وهذا من طبيعتها، لإعادة الاعمار ومراكمة الأرباح في آن واحد، ولإعادة بناء الدولة والاستثمار في ظل قوانينها في آن واحد، خلافا لكل المشاريع الاخرى المصرة على توزيع خيرات الوطن البشرية والمالية والثقافية وغيرها بالمحاصصة، وعلى تقاسم سيادة الدولة وتوزيعها على الدويلات.
صحيح أن الدولة الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات والحريات والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص، حاجة لبناء الوطن، وأنها لن تجترح حلولا سحرية لجميع أزماته ومشاكله، لكن ضرورتها نابعة من كونها الوسيلة الوحيدة لاستعادة السياسة من مغتصبيها، ولتأمين المناخ السليم للصراع الديمقراطي السياسي والاجتماعي، فضلا عن كونها المناخ المناسب لعودة اليسار من جنوحه القومي ولوثته الاستبدادية إلى قيمه الجميلة وصفحات تاريخه الناصعة."
محصلة عودتي إلى قيادة الجنوب بين المؤتمرين السابع والثامن يمكن اختصارها بأن الجهاز الحزبي اتهمني ضمناً بأنني خدعته حين تمكنت من إقرار الوثيقة الجنوبية في هيئة المحافظة، أي قيادة الجنوب، فرد علي بإشاعة الانتماء إلى الحريرية. وإن كنت لم أنجح في تعميم الوثيقة على قواعد الحزب، فقد نجحت في توزيع نسخ من كتابي الأصوليات على أوسع نطاق في الجنوب، بحيث نفدت طبعته الأولى والوحيدة خلال أشهر.
بعد انتهاء مهمتي في قيادة الجنوب عدت عاطلاً عن العمل الحزبي، مكتفياً بعضوية اللجنة المركزية، وتفرغت لمتابعة نشاطي مع المعارضة الحزبية التي ضمت عدداً كبيراً من الرفاق في الجنوب ولا سيما نشطاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، ومنهم محمد عواضة أبو عرب وعزت عبد الله أبو العز وعلي طرابلسي أبو خالد وعبد الحليم سرحان، فيما كان الرفاق في حركة اليسار الديمقراطي، خليل ريحان وحسن قانصو وعلي بدران ومحمد حلال وعزت شميساني ومحمد مكي وآخرون يصرون على نشاط معارض مستقل. كنا ندعوهم إلى مشاركتنا في الاجتماعات ولا يبادلوننا الدعوة، أذكر على الأقل الجمعية العامة التي انعقدت بحضور 400 شيوعي في قاعة لافيتا القريبة من آبار فخر الدين والتي دمرها القصف الاسرائيلي، والاجتماع الواسع الذي عقد مرتين في باحة منزلي في جرجوع وتشكلت فيه لجنة ضمت ممثلين عن أطياف المعارضة وأطلقنا عليها قوى الإصلاح والتجديد ولم تعمر طويلاً لأن رفاق اليسار الديمقراطي كانوا يفضلون احتكار المعارضة ورأوا في مشاركة جورج حاوي شكلاً من الالتفاف على حركتهم، فقرروا تخريبها وكلفوا ماجد مقلد بذلك وقد أشرت إلى ذلك في مكان سابق وأستكمله بسرد ما حصل بعد نهاية الاجتماع.
كانت المعارضة أكثر نشاطاً في الجنوب منه في بقية المناطق اللبنانية. انبثق عن الاجتماع الأول في منزلي في جرجوع لجنة متابعة لقيادة قوى الإصلاح والتجديد وعقدت اجتماعها الأول في منزل جورج حاوي. أعلمت المجتمعين بأن رفاق الجنوب قرروا عقد جلسة واسعة وتمنيت عليهم انتداب أحد منهم لحضورها. أول المتحمسين دوماً هو جورج حاوي ولم يعرب سواه عن رغبة بالحضور. فوجئنا يوم الاجتماع بحضور ماجد مقلد وطعان مسلماني مع أنهما منظمان في بيروت، لكنهما حضرا نيابة عن الياس عطالله، وكانت مهمتهما تخريب الاجتماع. حصل ما حصل من هجوم شنيع شنه ماجد على جورج وانفض الاجتماع عند منتصف الليل وغادر كل إلى محل إقامته، وبقي ماجد وطعان، الأول بعامل القربى والثاني بعامل الصداقة وأكملنا السهرة حتى ساعة متأخرة بخلوة وبنقاش لا يخلو من الحدة.
في تلك الخلوة باح ماجد بأسراره، وأنا أرويها كما فهمتها، لا كما سمعتها، لأننا كنا معتادين على أن نصغي لماجد وهو يتحدث بانفعال وبلهجة خطابية وبصوت عال إلى حد الصراخ حتى لو كان الموضوع عن الحب والغزل. كنا نلاحظ أنه يكثر من استخدام أفعل التفضيل تعبيراً عن مبالغاته أو عن المضي بأفكاره إلى حدها الأقصى. قالت ابنته الدكتورة نور، إن والدي يفضل استخدام الحروف المشددة للتعبير عن أفكاره قبل انفعالاته.
فهمنا من ماجد أن خطة "انقلابية" سلمية طبعاً على جورج حاوي كان يعدها الياس وخليل الدبس ومعهما شلة من المكتب السياسي. عندما اكتشف جورج المخطط أعاد توزيع المسؤوليات في المكتب السياسي وأرسل الياس عطالله في دورة إلى موسكو، لكن الياس خالف القرار وعاد إلى لبنان، فاعتقله جورج، بحسب رواية ماجد، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في أحد المراكز الحزبية في الجبل. بعد الإفراج عنه وخلال التحضير للمؤتمر السادس، راح يقنع فاروق دحروج للترشح للأمانة العامة، لكن الأخير لم يوافق على الترشح في مواجهة جورج حتى لو تأمنت له فرصة الفوز، فهو لا يريد أن يتبوأ هذا الموقع عن طريق الاقتراع بل عن طريق الإجماع. وفي تلك الخلوة كشف ماجد سر تلك الغضبة الجاهلية على جورج وعلى فاروق اللذين حرما الياس عطالله من تبوؤ منصب الأمانة العامة، لأنه، برأيه، هو الأكثر جدارة.
نجحت حركة المعارضة في الجنوب على نحو خاص وفي أكثر من منطقة من لبنان في الحصول على أغلبية، في ثلاث منطقيات على الأقل، النبطية وصور وجبل عامل، وكانت فرعيات بيروت بدورها قد انحازت لصالح المعارضة، وفيها حصلت حادثة بوسطة لبّايا، و بطلها حسين قاسم، وكان الهدف من ذلك تأمين نجاح المعارضة في المؤتمر وفي الوقت نفسه عدم تمكين الياس عطالله من السيطرة عليها.
وجدت قيادة الحزب أن الأمور ستفلت من يدها فلجأت إلى الأساليب التي تستخدمها أية سلطة في العالم. تلاعبت بجداول الشطب وزورت انتخابات وطعنت بأخرى أمام محكمة حزبية مطواعة، ومع ذلك، حصدت المعارضة الحزبية أربعين بالمئة من أصوات المندوبين في المؤتمر التاسع فيما نالت السلطة ثلاثين بالمئة، أما النسبة المتبقية فهي من الشيوعيين المرتبطين بالحزب ولا يهتمون بالاصطفافات لكنهم في نهاية المطاف لا يفضلون خوض مغامرة التغيير فيختارون الوقوف إلى جانب السلطة. أسفرت نتائج الانتخابات عن حصول المعارضة على عشرة بالمئة من أعضاء المجلس الوطني الذي انتخب خالد حدادة أميناً عاماً.
قبل المؤتمر التاسع كان التنافس على القيادة يضمر صراعاً سياسياً على موضوع التحالفات. إذ كانت حركة اليسار الديمقراطي تميل إلى دفع الأمور في مواجهة النظام السوري إلى حدودها القصوى، فيما كانت القيادة تفتقر، بغياب جورج حاوي عنها، إلى الحد الأدنى من مهارة المناورة. هذا فضلاً عن أن خصوم حاوي في الحزب كانوا يعتقدون أن أسلوبه في المناورة هو بالذات سبب أزمة الحزب. غير أن الصراع المضمر على قضية التحالفات ظل مكبوتاً ومموهاً بصراع تنظيمي على السلطة عنوانه تشريع التيارات داخل الحزب أو عدم تشريعها.
بعد المؤتمر التاسع تدهورت الأمور أكثر فأكثر. ختمت بالشمع الأحمر مرحلة المقاومة وباتت جمول مجرد ذكرى، ولم يعد للحزب قضية سوى العودة إلى كتبه العتيقة وحروبه الدونكيشوتية ضد الإمبريالية والصهيونية والاستعمار، لكنها حروب مع وقف التنفيذ لأن العدو التقليدي لم يعد موجوداً أو مجسداً ولأن الحزب لم يعد يجد من يطلق عليه نار المقاومة العسكرية، ولم يعد أمامه غير خوض معارك يرسمها حلفاء النضال في حركة التحرر الوطني. لم تأخذ القيادة بالاعتبار أن معارك التحرر والتحرير التي يتم التخطيط لها في أروقة الممانعة باتت وهمية ولا تستخدم إلا كمناورات وبحثاً عن تسويات مستحيلة. إذن لم يبق من الأعداء سوى رأس المال المتوحش ممثلاً برفيق الحريري ومشروعه الاقتصادي ومشروعه لإعادة بناء بيروت، سوليدير.
انعكس هذا التدهور بانخراط قيادة الحزب في صفوف جبهة الممانعة المسؤولة سياسياً عن اغتيال الحريري – المسؤولية القضائية شأن آخر - ولذلك وجدت أن موقعها الطبيعي يقضي بالمشاركة في مخيم الثامن من آذار في ساحة رياض الصلح. أما على الصعيد الداخلي، بعد أن كان صراعاً بين حزب التنظيم وحزب السياسة، صار بعد المؤتمر صراعاً بين تيارين يتنافسان على إعلان الولاء لجبهة الممانعة وتقديم التنازلات لأطرافها التي تتحمل، بحسب تقارير قياداتنا الحزبية المتعاقبة، مسؤولية جزئية أو كلية عن تراجع أعمال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، جمول، بل عن اغتيال المقاومين في صدورهم وهم عائدون من عملية عسكرية أو في ظهورهم بعد انطلاقهم لتنفيذها، بحسب ما ورد في التقارير الداخلية. وقد استمر تقديم التنازلات المجانية حتى بعد أن اتهمت المحكمة الدولية أحد عناصر حزب الله باغتيال جورج حاوي. بلغ التنافس على الانبطاح أمام النظام السوري حد احتجاج عدد من كادرات الحزب، من بينهم أعضاء أو أعضاء سابقون في اللجنة المركزية، خرجوا من التنظيم وبدأوا يرشقون القيادة بتهمة التقصير في دعم النظام السوري، حتى ضد ثورة الشعب السوري.
بدأ يتحول التشرذم إلى تفكك. لم يكن في وسعنا، نحن المعارضة الحزبية القليلة العدد في المجلس الوطني إلا رفع الصوت والعمل على تجميع الرفاق الذين يغادرون الحزب يأساً من قيادته. عقدنا اجتماعات كثيرة واسعة ومصغرة في قاعات عامة، بعد أن رفضت قيادة الحزب عقد اجتماعات للمعارضة في مقر الوتوات، وأصدرنا بيانات كانت كلها تطالب القيادة بالعمل على لم الشمل.
نجحنا في عقد اجتماعات واسعة لكننا لم ننجح بإقناع الشيوعيين بالعودة إلى صفوف الحزب. وذلك لسببين، الأول أن الذين خرجوا أصابهم اليأس من القيادة وخيبة أمل من وقوفها إلى جانب من نكل بالشيوعيين منذ اغتيال مهدي عامل حتى اغتيال جورج حاوي؛ والثاني أن المعارضة في المجلس الوطني لم تكن تملك مشروعاً للانقاذ غير المطالبة والمناشدة. لا المعارضة اعتمدت شعار إعادة بناء الوطن والدولة برنامجاً لها، ولا القيادة وافقت على أن تشكل إعادة بناء الوطن والدولة قضية ولو مؤقتة للمّ شمل الحزب.
عشر سنوات وأكثر من النضال داخل هيئات الحزب في سبيل مشروع الدولة كانت محصلتها إضافة جملة واحدة في وثيقة المؤتمر الثامن، إذ أفردت لجنة الصياغة لمشروع الدولة حيزاً خاصاً وصنفته في خانة المهمات السياسية وميزته عن المهمات الوطنية وعلى رأسها التحرير. على خط موازٍ عملنا من أجل مشروع الدولة في إطار الحركة الشعبية الديمقراطية والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ومن أبرز ما حصل في هذا الشأن أننا تمكنا من كسر جليد قائم بين مجلسين، الثقافي الجنوبي والإسلامي الشيعي، فدعونا الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى إلقاء محاضرة عن الدولة استعرض فيها أفكاره الواردة في كتاب حديث الصدور في حينه يحمل عنوان، في ضرورات الدولة وخيارات الأمة، وفيه أطلق عبارته الشهيرة عن ضرورة قيام دولة بلا دين.
بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، صارت قضية الدولة مطروحة أكثر من ذي قبل، ومعها طرح موضوع الانسحاب السوري من لبنان، وارتفعت أصوات الدفاع عن الوحدة الوطنية فكانت مصالحة الجبل ولقاء قرنة شهوان والمنبر الديمقراطي بمثابة صيغ من التعبير عن وطنية لبنانية، لكن الجامع المشترك بينها كان أقرب إلى التحرر الوطني منه إلى بناء دولة القانون. في المقابل استمر نظام الوصاية يعمل في الاتجاه المعاكس فخرب النظام السياسي وأفرغ اتفاق الطائف من مضمونه وقضى على المقومات الدستورية والمؤسسات، من بدعة الترويكا إلى الانتخابات بالتعيين، وراح يعزز سلطة الميليشيات على حساب سلطة الدولة.
لا أدعي فضلاً في أن مشروع الدولة صار جزءاً من اللغة المشتركة بين اللبنانيين. لقد برز كإحدى النتائج المباشرة لخروج الجيش السوري من لبنان بعد سنوات على تحرير الجنوب من الاحتلال، فتصدرت مفردة السيادة شعار الرابع عشر من آذار، سيادة-حرية-استقلال، الذي كانت تطلقه الحناجر موقّعاً على موسيقى النظام المرصوص.
بدا شعار السيادة اعتداء على من ينتهك السيادة، ولذلك تحول نعت السيادي إلى شتيمة، وألصقت بمستخدميها تهمة العمالة للأمبريالية والصهيونية. ما كان أسهل على الممانعين أن يجعلوا كل معترض على نهجهم عميلاً للصهيونية أو لخصوم سوريا وإيران في المنطقة والعالم. كانت تهمة سهلة لأن المطالبين بالسيادة كانوا ذات يوم من منتهكيها، ذلك أن كل تدخل خارجي في لبنان باحتلال أو بغير احتلال ما كان ليحصل لولا استدراجه للاستقواء به من قبل قوة سياسية لبنانية، من كميل شمعون والأسطول السادس، إلى المظاهرات اليسارية المؤيدة للسلاح الفلسطيني في وجه الجيش اللبناني، إلى التدخل السوري وقوات الردع والاجتياح الاسرائيلي والمتعددة الجنسيات وصولاً إلى قوات الحرس الثوري الإيراني.
هذا هو بالضبط اعتراضي المكتوب والمنشور أكثر من مرة على حركة 14 آذار في ذلك الوقت و على الثورة اللبنانية بعد عقد ونصف لأنهما افترضا أن السيادة لا تنتهك إلا من قوة خارجية، وهو الأمر الذي جعل قوى الثامن من آذار تفرغ كلمة السيادة من مضمونها، وجعل الفريقين متساويين في الإنتهاك فلا يعود لأحدهما فضل على الآخر ما دام كل منهما انتهك السيادة على طريقته. ويمكنني القول بقليل من المبالغة إن فريقي آذار كانا متوافقين ضمناً على إبقاء معنى السيادة محصوراً بالعدوان الخارجي واختراق الحدود، ليتمكنا من إخفاء دورهما في انتهاك السيادة من الداخل. ربما يشكل الاتفاق الرباعي بعد اغتيال الحريري أفضل تعبير عن هذا التوافق.
لا شك في أن الاعتداء على الحدود أو اختراقها هو انتهاك صريح للسيادة، وكل عدوان يبرر وجود مقاومة شعبية أو مدنية أو شاملة أو إسلامية، أو وطنية إسلامية، أو جمّولية، نسبة إلى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جمول، أو لبنانية، نسبة إلى حزب القوات ويصبح كل نضال سلمي أو مسلح ضد التدخل الخارجي مشروعاً، فتتحول المقاومات إلى مبارزة ومنافسة في الدفاع عن حدود الوطن، وتنخرط المقاومات في حروب أهلية بعضها ضد بعض، (قوات وأحرار، قوات وعون، أمل وحزب الله، أمل والاشتراكي والشيوعي، الاسلاميون والشيوعيون في طرابلس) وتتحول كل المقاومات إلى حركات تحرر وطني فلا يعود لأحدها فضل أو ميزة على الأخرى ويصبح الجميع على حق ويضيع حق الوطن بالسيادة.
السيادة الوطنية لا تعني سيادة الدولة على حدود الوطن فحسب، بل تعني أيضاً سيادتها داخل الحدود، وهذا لا يتماشى مع منطق التحرر الوطني، لأن المقاوم حين يجيز لنفسه انتهاك أي مبدأ من المبادئ التي تتأسس السيادة عليها، ولاسيما مبدأ احتكارها استخدام العنف، فهو ينتهك القانون، أي ينتهك السيادة لأن السيادة ليست شيئاً آخر غير سيادة القانون.
لقد نجحت في إدخال هذا المصطلح في لغة البيانات السياسية أول مرة في وثيقة الجنوب، عام 1995 ثم في بيانات الحركة الشعبية الديمقراطية وتجمع لبنان المدني والجبهة المدنية ولقاء الدولة المدنية، وبعدها مرات ومرات في كل البيانات التي كنت أشارك في صياغتها، وأسعدني كثيراً اعتماده من قبل غبطة البطرك في خطابه أمام الجمهور خلال أزمة تشكيل الحكومة، أوائل عام 2021.
شاركت في تأسيس تجمع لبنان المدني مع مجموعة من الأصدقاء وعقدنا اجتماعاتنا التحضيرية بدعوة من أصدقائنا أنطوان حداد وحارث سليمان ومالك مروة من حركة التجدد الديمقراطي وفي مقرها في سن الفيل واستمر نقاشنا خلال أشهر حتى إقرار وثيقتنا السياسية والحصول على علم وخبر. الموضوع الأساسي الذي استأثر بالنقاش التحضيري هو التعارض بين مهمات حركة التحرر الوطني وبناء الدولة، وبدت عبارة السيادة على الحدود وداخل الحدود بمثابة الحل اللغوي للخلاف على صياغة الموقف من قضية السلاح غير الشرعي. لكنها تشير إلى ما كنت أشدد عليه في أي حل السياسي، أي إلى التركيز على العوامل الداخلية في أزماتنا الوطنية قبل الخارجية.
نظم تجمع لبنان المدني عدداً من النشاطات السياسية كان أهمها المؤتمر لدعم الجيش اللبناني في معركة نهر البارد، وندوة عن الدولة المدنية، وهما نشاطان يندرجان في إطار دعم مشروع إعادة بناء الدولة. لكن هذا التجمع أخذ يتقلص عدداً وانتماءات ليستقر في سنته الأخيرة على عدد من الشخصيات الشيعية، ويقتصر نشاطه على لقاء أسبوعي من غير جدول عمل ولا مهمات.
كما شاركت في تأسيس الجبهة المدنية مع العميد أنطوان كريم والمهندس علي صبري حمادة، وعقدنا اجتماعنا الأول في قرية سهيلة في جبل لبنان، ولقاءات أخرى في البقاع والجنوب وطرابلس وعكار، وتتوجت لقاءاتنا بإصدار وثيقة سياسية تتمحور حول بناء الدولة، دولة القانون والمؤسسات، تم إقرارها بمؤتمر تأسيسي للجبهة في جونية. من أهم إنجازات هذه الهيئة أنها جمعت عشرات المؤسسات غير الحكومية بهدف دعم التحركات الشعبية ضد سلطة الفساد، وانبثق عن الاجتماع هيئة جديدة حملت إسم لقاء الدولة المدنية.
شارك في تأسيس هذه الهيئات الثلاث شخصيات مرموقة في العمل العام كان لي شرف التعاون معهم ولا تكفي صفحات لتعدادهم بالأسماء، لكن الهيئات لم تصمد أمام التطورات التي كانت تعصف ببنية الوطن والدولة، ولم تتحول إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار بسبب نواقص في ثقافتنا الديمقراطية. غير أن الأحداث تسارعت والأزمة اللبنانية تفاقمت وتضخم حجم الفساد والمخاطر وبدا الوطن والدولة على شفير الانهيار، فقامت الثورة ورسمت صورة للحل، إنه مشروع الدولة. أشعرتني الثورة أن ما ناضلت في سبيله منذ اتفاق الطائف في الحزب والمجلس الثقافي والحركة الشعبية الديمقراطية وتجمع لبنان المدني والجبهة المدنية ولقاء الدولة المدنية ومع العشرات بل المئات من الرفاق والأصدقاء قد بلغ شاطئ الأمان على يد جيل من شباب لبنان وشاباته ممن تعلموا دروساً مفيدة من تجربة الحرب الأهلية أو ممن ولدوا خارج زمانها وخارج ثقافتها.
الكتاب التالي عن الثورة والدولة، ثورتنا اللبنانية ودولتنا، يصح فيه أن يكون الجزء الثاني من هذا الكتاب أو الجزء الثاني من كتاب، هل الربيع العربي ثورة؟
فصل من سيرة ذاتية



https://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار