هل العالم أفضل حالا.. بعد انهيار الاشتراكية...؟.....(1) ....

علي الأسدي
draliridha@hotmail.co.uk

2011 / 10 / 12

لو طرح السؤال أعلاه قبل عام 1990 ، فالاجابة عنه كانت ستكون حينها : نعم بكل تأكيد. وليس صعبا أن نحدد من كان سيجيب بنعم ، فأوساطا واسعة من مجتمعات الدول الرأسمالية التي نشأت على مفاهيم وثقافة الكراهية ضد الاشتراكية ستكون أول الناطقين بنعم. وفي المقدمة منهم بطبيعة الحال قياداتها الحاكمة التي كانت تكرس جزء كبيرا من ميزانيتها المالية وبرامجها الثقافية والاعلامية للحط من محتوى وقيم الاشتراكية والاساءة إلى النظام الاشتراكي.وقد شعرت الدول الرأسمالية بالفخر والولايات المتحدة بوجه خاص بأن الاطاحة بالاشتراكية في التسعينيات كان نصرا لجهودها خلال فترة الحرب الباردة. وأذكر قولا لرئيس الولايات المتحدة جورج بوش الأب بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية ، وجهه تكريما للرئيس المنصرف رونالد ريغان جاء فيه " لقد كان لك الفضل الأكبر في تغييرالعالم." لكن الرئيس بوش لم يذكر حينها شيئا عن ماهية التغيير ذاك ، لكن أي مستمع للخطاب سيفهم أن ما عناه الرئيس بوش هو انهاء النظام الذي شكل وجوده قيدا على نفوذ وحرية حركة الولايات المتحدة عبر العالم. واذا كان البعض من مواطني العالم الرأسمالي قد تصور خطئا أن حياته ستكون أسعد في غياب الاتحاد السوفييتي ، فقد كان له الوقت الكافي ليكتشف خطأ ما ذهب اليه ، فبعد عشرين عاما على ذلك الغياب ليس فقط لم تتحسن حياة الأمريكيين الأغنى في العالم كما كان يشار أليهم ، بل ازدادت سوء ، وهي تتردى يوما بعد يوم على مختلف الصعد.
التغيير الوحيد الذي حصل ، هو التفرد وهيمنة الرأسمال الأمريكي على ثروات العالم ، فقد أصبح للمؤسسات المالية ، والمصارف الكبرى ، والشركات العابرة للحدود السلطة المطلقة على الاقتصاد العالمي ، وغدت حكومة الولايات المتحدة أسيرة تلك السلطة الجامحة ، لا يمكنها حتى لو رغبت أستخدام سلطاتها الدستورية لتحسين مستوى حياة الفقراء والمعدمين في مجتمعها. لو كان الرئيس بوش قد قصد بالتغيير تحسين حياة شعبه فمن حق المجتمع الأمريكي والغربي عامة أن يرقص فرحا ويشرب حتى الثمالة احتفاء. ولكان للشعوب الفقيرة في بقية أنحاء العالم الحق أيضا بالاحتفال وتبادل التهاني لو أن الولايات المتحدة وبقية الدول الرأسمالية المتقدمة ، كانت ستزيد معوناتها العينية والمعنوية لها ، كنتيجة لتخليها عن سباق التسلح مع الاتحاد السوفييتي الذي لم يعد موجودا. الولايات المتحدة الآن لم تقدم من المعونات الاقتصادية للدول الفقيرة الحد الأدنى من الالتزام الذي حددته الأمم المتحدة وهو 0.7 % من ناتجها القومي ، وما تتفضل به حاليا يقل كثيرا عن 0.02 % دخلها القومي ، وهو أقل من أي دولة صناعية أخرى.
نعود للسؤال المطروح عنوانا لهذا المقال والاجابة عليه : بنعم.
فربما كان من الأفضل صياغة السؤال أعلاه على الوجه التالي : من المستفيد من الاطاحة بالاشتراكية؟
فالاجابة حين اذن ستكون ببساطة : رأس المال المالي ، لأن الشعوب بما فيها الشعب الأمريكي لم ينتفع من انهيار الاتحاد السوفييتي.
فالمجتمع الأمريكي كما تبينه المؤشرات الاقتصادية ليس أحسن حالا عما كان عليه قبل اطاحة الاشتراكية ، بل أن مستواه المعيشي قد ساء كثيرا ، ونفس الواقع تعيشه بقية مجتمعات الدول الرأسمالية ، أما شعوب العالم الثالث فهي في أسوء حال بعد أن فقدت المعونات التي كان يقدمها لها الاتحاد السوفييتي وبقية دول المجموعة الاشتراكية. أما شعوب الدول الاشتراكية السابقة فبعد عشرين عاما من الرأسمالية تتزايد فيها نسبة البطالة وهي تتراوح بين 25 % كما في رومانيا ، و9 % في بقية دولها الأخرى. فبعد أن غادرها أصحاب الكفاءات العلمية والفنية الذين أعدتهم الاشتراكية دون مقابل للعمل في الدول الغربية ، يغادرها حاليا ملايين الشباب والشابات بحثا عن العمل في الدول الأوربية الغربية ، وتحتار هذه الأخيرة في كيفية التعامل مع هذا الكم من قوى العمل في حين تواجه هي بطالة واسعة لا تقل عن 9 % من قوى العمل في البلاد. وعند الحديث عما حققته من مكاسب بعد تحولها إلى الرأسمالية ، فربما يكون انضمامها لحلف الناتو والمشاركة في حروب التدخل التي يقودها ضد الدول التي لم تفتح حدودها واقتصادها للشركات الرأسمالية الاحتكارية العابرة للحدود ، هذا اضافة إلى استضافة السجون السرية الأمريكية على أراضيها.
أما الوجه الآخر الحقيقي للعالم الذي لم يعني الرئيس بوش الأب ، وكان الأولى به أن يأخذه بالاعتبار فهو رخاء شعبه وتقدمه قبل أي شيئ آخر ، لكنه لم يفعل كما تدلنا المؤشرات الاحصائية للحالة الاقتصادية الراهنة التي تمر بها الولايات المتحدة منذ ما بعد انهيار الاشتراكية. فشعور الولايات المتحدة بالتفوق الاقتصادي والعسكري كقوة عظمى بدون منازع في الساحة الدولية قد أوقعها في مزالق كلفتها فوق طاقاتها الاقتصادية والعسكرية والمالية ، ومثال ذلك حروبها في العراق وأفغانستان وحاليا ليبيا. والدول الرأسمالية الأخرى ليست أحسن حالا ، فجميعها تواجه الآن مديونية لم تواجهها في أي وقت من تاريخها ، وتحتاج لعدة عقود من التقشف لتستطيع الايفاء بالتزاماتها المالية تجاه الدائنين ، بنفس الوقت الذي تعاني من ركود اقتصادي يذكر بالركود الاقتصادي الكبير في 1929 – 1939.
ذكرت صحيفة نيويورك تايم الأمريكية بتاريخ 13/9/2011 على لسان الاقتصادي لورنس كاتز الاستاذ في جامعة هارفارد قوله : " الحقيقة هي أن العشرة سنوات الماضية تعتبرمفقودة ، فنحن نفكر بأن الولايات المتحدة هي المكان حيث كل جيل من أجيالها يعيش أفضل ، لكننا وجدنا انفسنا بأن العائلة الأمريكية في وضع أسوء مما كانت عليه في عام 1990." وتمضي الصحيفة في تقريرها ، " من الصعب الاعتقاد بأن الأمريكيين ( عدا أولئك الذين في وضع اقتصادي جيد ) يستطيعون الافلات من التردي الحالي في وقت قريب في المستقبل. فمكتب الخزانة للبيت الأبيض ، وكذلك البنك الاحتياطي الفيدرالي ، قد أعلنا بأن نسبة البطالة ستستمر على مستوى أعلى مما هو الآن ( حاليا بين 8 % - 9 % ) حتى العام 2013 ، ولا يتوقع أن يأتي برنامج الرئيس أوباما ذي ( 400) بليون دولار بكثير من التغيير على الوضع الحالي ، بحيث يزداد النشاط الاقتصادي وتخلق المزيد من فرص العمل. وهناك القليل من التأييد للتوقعات التي تقول بأن 2010 إلى 2020 ستكون أفضل من السنوات العشرة الماضية ".
كما ورد في تقرير لمعهد الاحصاء الأمريكي لهذا العام 2011 أن بين كل ستة مواطنين أمريكيين يوجد أمريكي واحد تحت حد الفقر. وكاجراء لمكافحة الفقر رفعت بعض الولايات الأمريكية الحد الأدنى للأجور إلى 8 دولارات في الساعة ، وهي ، كاليفورنيا وماساجوسيت وفيرموت وكونيكتيكوت وميزوري ونيفادا وواشنطن. وبذلك تكون الولايات المذكورة قد تخطت المتوسط العام للحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة كلها ، وهذا يحدث لأول مرة منذ 30 عاما ، حيث الحد الأدنى بحدود 7.25 دولارا في الساعة. هذا في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور في بريطانيا 6.50 باوند سترليني ، بما يساوي 10 دولارات ( الدولار الأمريكي= 65 بنسا) (3) ، وذلك اعتبارا من 1 / 10 /2011 ، بينما يبلغ الحد الأدنى في السويد 19 دولارا (4). بنفس الوقت هناك ولايات حددت الحد الأدنى للأجور بأقل كثيرا من المتوسط العام. ففي ولاية جورجيا مثلا يبلغ الحد الأدنى للأجور 5.15 دولارا ، بينما يبلغ في مونتانا 4 دولارات ، ويمكن أن تصل إلى دولارين في الساعة في بعض المشاريع الصغيرة التي تستخدم عمالا من غير الأمريكيين البيض.
القضاء على الاتحاد السوفييتي بالوسائل التي انهي بها لم يحقق الغرض الذي سعت اليه الدول الرأسمالية منذ قيامه في 1917، فبعد عشرين عاما من دونه لم يجري تخفيض ترسانة السلاح في الدول الرأسمالية الرئيسية كما كان متوقعا ، اضافة إلى تصاعد الرغبة في فرض الهيمنة بالقوة على الدول الفقيرة النامية بحجة حماية حقوق الانسان والحريات الديمقراطية.
لقد كتب المؤرخ و الباحث الأستاذ الجامعي مايكل بارينتي بحثا سياسيا نشرته المجلة الأمريكية ربع السنوية " Covert Action " بعنوان " Global Rollback : After Communism " جاء فيه (5) :
مالذي تحقق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، نحن نرى ذلك واضحا في تردي الخدمات العامة والحقوق الديمقراطية ، والمستوى المعيشي في العالم كله. ففي أجواء العداء للشيوعية الني أصبحت جزء من الترف الثقافي في الغرب وفي بعض بلدان العالم النامي ، حتى أصبح بعض المحسوبين على اليسار يعلنون عن سرورهم البالغ لانهيار الأتحاد السوفييني ، ليعطوا الدليل كم كانوا على حق لعقود من السنين ، حيث كانوا يحاربون الشيخ ستالين ، متخفين تحت هذا العداء لمحاربة الشيوعية بدون كلل ، ويصطفون مع أعداء الماركسية واللينينية. لم يعوا بعد الضرر الذي تركه تقويض الاشتراكية في العالم ، وفي أي اتجاه تسير التطورات السياسية. ما كنا نخشاه هو أن انهيار الاشتراكية هو انهيار لشعوب العالم ، والآن نراه بأم أعيننا.
وفي مكان آخرمن البحث يذكر البروفيسور بارينتي أن القرن العشرين كان فترة تراجع للرأسمال الكبير. ففي عام 1900 كانت الولايات المتحدة الأمريكية وأكثر البلدان الرأسمالية جزء من العالم الثالث ، حتى قبل أن يظهر مصطلح " العالم الثالث. " فظاهرة الفقر داخل الدول الصناعية كانت منتشرة ، ومستوى الأجور متدنيا ، وعمالة الأطفال كانت شائعة ، يوم العمل يستغرق 12 ساعة ولمدة ستة أو سبعة أيام في الأسبوع ، سوء التغذية والأمراض بسبب الفقر، كالتايفوئيد والتدرن الرئوي والطاعون والجدري كانت شائعة أيضا. واضافة لكل ذلك لم تكن هناك خدمات عامة ، أما نظام السلامة في العمل ، وقوانين حماية المستهلك وحماية البيئة فلم تظهر إلا بعد عقود من النضال الطويل. وفقط في أعوام الثلاثينيات وبعد الحرب العالمية الثانية رأينا تغييرا دراماتيكيا في ظروف أولئك الذين يعملون من أجل لقمة العيش.
ويعزو البروفيسور بارينتي التحسن الذي حصل ظروف عمل العمال إلى " التهديد الشيوعي " ، الذي شعرت به الدول الرأسمالية بعد قيام النظام الاشتراكي ، " فالتهديد الشيوعي " يعتبر أحد العوامل التي ساعدت العمال على حصولهم على مكاسبهم. الضغوط التي شكلها التنافس مع البلدان الشيوعية بين بالدليل كم كان القادة الغربيين يسيئون التعامل مع القوى العاملة في بلادهم ، وبناء عليه جرى تغيير القواعد التي يتعامل بها مع العمال. في أعوام 1940 – 1950 بدأت قيادات الحكومات الرأسمالية تعلن كم تشتري الأجور في بلدانها سلعا للاستهلاك أكثر مما تفعله الأجور في المجتمع الشيوعي. كما قاموا بنشر الاحصاءات عن تلك الأجور وقدراتها الشرائية ، لكن تلك المقارنة لم تأخذ بالاعتبار الرعاية الصحية ، الايجار السكني ، التعليم ، النقل والخدمات الأخرى التي هي عالية الكلفة في الدول الرأسمالية ، لكنها اما مجانية أو مدعومة في الدول الاشتراكية. التنافس مع البلدان الاشتراكية ، أجبر الدول الرأسمالية وخاصة الولايات المتحدة على الانصياع لحركة الحقوق المدنية خلال 1950 – 1960 وتحقيق المساواة بين الناس بصرف النظرعن لونهم وأصولهم العنصرية ليظهروا للعالم صورة الغرب أثناء الحرب الباردة.
ويكتب البروفيسور بارينتي : ما نراه الآن هو تحول أمريكا إلى عالم ثالث ، لقد فقد الشعب الأمريكي رخاؤه ، والدائرة الحاكمة لا تجد سببا لأن تتمتع الطبقة العاملة المليونية بمستوى حياة الطبقة الوسطى ، لها سكنها الخاص مملوكا من قبلها ، دخلها الوفير وعملا مضمونا في المدى البعيد، ويرون أيضا أنه لا سبب يجعل الطبقة المتوسطة بهذه السعة التي هي عليها الآن . ومع الاطاحة بالاشتراكية 1989 – 1991 ترددت بعض الاشارات من وسائل الاعلام المحافظة في الولايات المتحدة مثل : اذا حدث في مكان ما أن الاشتراكية ستعود من خلال السوق الحرة ( اشتراكية السوق ) ، فلماذا لا تكون العودة هنا في الولايات المتحدة ، لماذا علينا أن نستمر نراعي الأنظمة والاجراءات التي تحمي المجتمع والخدمات؟
علي ألأسدي
يتبع



https://www.ahewar.org/lc
مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار