ايام رام الله الاخيرة

الصبار

2002 / 2 / 10



قرار جنود الاحتياط رفض الخدمة في المناطق المحتلة بسبب جرائم الحرب التي تقترفها اسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين، اثار جدلا واسعا وانقسمت حوله الآراء بين مؤيد ومعارض ومتفهم. الى جانب ذلك، بدأت تتبلور حركة متواضعة بين طلاب الثانوية المقبلين على سن الخدمة العسكرية، الذين يرفضون بحزم التجنيد الاجباري وخرجوا بقوة ضد قمع الشعب الفلسطيني. واذا كانت للانتفاضة الحالية نتائج ايجابية، فان اهمها هذه الحركة الديموقراطية داخل اسرائيل.
ولكن رغم اهمية هذا النوع من العصيان لحكومة شارون - بيرس، فليس بامكانيته وضع حد للاحتلال. ان مفتاح الحل كان وما زال بيد الشعب الفلسطيني، فهو الضحية المباشرة لهذا الاحتلال القمعي. ولكن المفتاح صودر منه لمدة طويلة منذ تبنت القيادة الفلسطينية استراتيجية الرهان على امريكا. طوعاً ودون جدال سلّمت القيادة الراهنة المفتاح الفلسطيني للامريكان، وليست هناك بعد قيادة بديلة يمكنها استرجاعه وتمكين الشعب من الخروج من الدوامة.
لقد لفّت القيادة حبل الحصار على رقبتها بايديها. فهي التي وافقت على دخول غزة واريحا تحت رحمة الاتفاقات المرحلية، وهي التي منحت الاحتلال حق التحكم في كل شيء. وفي حين حصلت النخبة على بطاقة VIP بقي الشعب محاصرا ومحروما من مصدر الرزق. اليوم بعد ان سُحبت البطاقة من عرفات نفسه، لم يبق له ما يستند عليه سوى الحقيقة المرة والصعبة وهي عدم وجود بديل. عرفات يصمد لقلة البدائل وليس لامتلاكه خيارات عسكرية او سياسية.
عندما تنتهي الخيارات، لا يبقى الا العنف. هذا هو الوضع اليوم. العمليات الانتحارية الاخيرة حصدت ارواح اسرائيلية كثيرة جدا، مما يبعث اليأس في نفوس المواطن العادي. ولكن المواطن الفلسطيني من جهة اخرى يتعرض لابشع جرائم الاحتلال الاسرائيلي، الذي لا يستهدف القيادة الفلسطينية فحسب بل الشعب الفلسطيني برمّته. لقد تحولت الحياة في المناطق المحتلة الى جحيم يحرق المدن الاسرائيلية ايضا. ولكن، رغم حدة العنف فلا احد يستطيع ان يدل على الطريق للخروج من دائرة النار الملتهبة. فشارون يريد سلاما مع الاستيطان، اما عرفات فيرغي ويزبد في حديثه عن القدس، بعد ان سلم الامريكان صلاحية تقرير مصيره.
ان العمليات الانتحارية تقربنا من لحظة الحسم. ولكن رغم انها تضرب معنويات الاسرائيليين الا انها لا تشكل تهديدا استراتيجيا على الوجود الاسرائيلي بقدر ما تشكل هذا الخطر على السلطة الفلسطينية نفسها. ان مصير عرفات بات على كف عفريت، فقد وصل الى نهاية المطاف ليجد امامه خيارين لا ثالث لهما: اما قمع التيار الاسلامي او الاستقالة والمغادرة.
التاريخ لا يكرر نفسه، بل يسير حسب منطق جدلي. حصار رام الله ليس حصار بيروت. والواقع ان الانسحاب من بيروت كان بداية المسيرة التي دفعت القيادة لزيارة القاهرة للمرة الاولى منذ كامب ديفيد، ومن هناك كانت الطريق قصيرة للبيت الابيض، ومن ثم الى الهاوية. حصار رام الله هو نتيجة مباشرة لهذه السياسة الفاشلة، واذا كان لهذه القيادة القليل من احترام الذات، لاستقالت ليس استسلاما لشارون بل احتراما لنضال الشعب الفلسطيني الطويل من اجل الحرية والاستقلال.
ان الشعب الفلسطيني بأمسّ الحاجة لمراجعة طريقه النضالية وصياغة برنامج جديد ملائم للمرحلة الراهنة. ان اعادة بناء حركات التحرر التي انهارت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ليست مهمة سهلة، ولا يمكن حصرها في النطاق القومي او الديني، بل يجب رفعها للمستوى الاممي. ان النضال التحرري الفلسطيني يمكن ان يثمر عن نتيجة اذا ارتبط ارتباطا جدليا بعملية اعادة بناء الحركة العالمية ضد الرأسمالية وضد الهيمنة الامريكية على العالم. ان هذه مهمة شاقة وتحتاج لوقت كي تنضج، ولا يجب توقع نتائج سريعة، فالتاريخ لم تغيره ابدا وصفات سحرية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن