من يصنع محنة المثقف العراقي؟ من يغسل وحدته بالموت؟

علي حسن الفواز
ali_fwaaz@yahoo.com

2007 / 3 / 22

يموت مهدي علي الراضي في المنفى العربي بطريقة مريبة ومثيرة للاسئلة !!او بطريقة تكشف هول مأساة النفي او الطرد الوجداني بعيدا عن البلاد الغاوية والمغوية ،اذ تضيق كل الامكنة الباهية حين تضيق امامها الروح ويغيب عنها مطر السماء الاولى كما يسميها سعدي يوسف ،وربما حين يتسلل السأم والحس الاندحاري الى ماتحت ثياب الكتابة والالم ،حدّ ان يأكل جرفها وطفولتها العميقة ...
يموت هذا الرجل الطيب الملتاث بطيبة الجنوبيين وارواحهم الطافحة بالبكاء ، والعابث المتمرد والضاج مثل أي صعلوك يجد ان الامكنة لاتتسع لطوفان احلامه وخطاه ،، ،يموت دون كنوز عائلية او احلام فائقة، جلّ ماتركه للاخرين او ربما للنسيان !! ليس سوى اوراق مبعثرة ومسرحية تبحث ناشر !!وكأنه تلبس ثياب برانديللو الذي جعل مسرحيته تبحث عن مؤلف !! كذلك لم يخلّف عند امكنته العاطلة الاّ يوميات علقت ذات زمان بثياب الضجيج البغدادي !!
لم يكن مهدي علي الراضي طارئا وغريبا عن الحياة الثقافية العراقية في عوالمها الظاهرة والسرية !! فهو وارث غريب لزمنها الاحتجاجي الذي كان يتشكل في زوايا الامكنة وعند حانات الليل وهسيس المقاهي ، مارس الكثير من طقوس الكتابة السرية والعلاقات المريبة للسلطة،لم يشأ ان يكون جزءا من لعبة الاجيال الثقافية المكرسة في يومياتنا ،لكنه كان ضالعا بهوس الاخرين الذين يحلمون بثقافة كونية صالحة للجميع ،مثلما يحلم بوطن جميل وحيوات تركض فيه مثل خيول السماء ..
ما يميز الراضي سخريته الغريبة ،وسخطه الدائم وشتائمه التي يتوهم انها جزء من نسيج المثقف الاحتجاجي داخله ،، لكنه بالمقابل كان يشبه الحالمين الكبار ،يتسع ويتضخم بلغته ومغامرته ،ثم ينكسر مثل طفل عندما يجسّه الخوف او رعب الاخرين المدججين بحروب صغيرة وقسوة مريبة جعلته يستأثر لعبة الطرد الجميل...
مهدي علي الراضي لم يتعلم من منفاه الامريكي أي شي!!!لم تترك امريكا بكل هيلمانها الامبريالي والسياحي والثقافي والجغرافي واللغوي !!أية نياشين على صدره المخنوق بالدخان وغبار الشوارع القديمة!! ولم يغوص في بواطن لغاتها الكونية !!اذ ظل يلثغ بحروفه الجنوبية المكسورة ويتمضمض بجمراتها وكأنها لبّانه المر الذي اشتراه ذات ليلة من عطار في مدينة الثورة !!!!!!! لم يعشق الراضي هوس الارستقراطين شوارع ماتنهاتن !!لم يندمج في بياضها ولعبة اغنيائها !!!وشروط حضارتها المتوحشة ،،، حتى بدت رحلة منفاه وكأنه ذاهب فيها بالمقلوب الى مدن التنك عند تخوم بغداد المنسية في طقوس كل الحكومات ويوميات حكامها العابثين ،،،،قال له مرة الناقد الدكتور مالك المطلبي بنوع من الفجائعية !!الناس تذهب الى محافظة اخرى او شارع اخر ليتعلموا من سكانها جملة واحدة او سلوكا مختلفا او حتى (برستيجا) يؤكد وهم تثاقفه مع الاخرين ،وانت ذهبت الى امريكا وعدت الينا بعد سنوات طوال ولم تزل بغبارك الجنوبي ولغتك المغلفة بطين الشوارع واللكنة الممطوطة بالشتائم وحروف المرارة!!! ولونك المحروق بشمس ساخنة وكأنها تشبه شمس الحلفاية!!!!
اية غرابة لحياة هذا الرجل ؟ واية غرابة لموته الاندحاري....
مازلت لم اصدق حكاية موته الغريبة والمثيرة ، فهو لم يتمن ان يموت فلسفيا او حتى اسطوريا ،او حتى على طريقة موت المؤلف !!!،ربما لقناعته ان هذا الموت كاذب وانه صناعة باذخة للمخيلة اللغوية !!مثلما لم يتمن ان يموت على طريقة ما يكوفسكي او همنغواي او حتى دولوز !!كان بوهيميا ،ساخطا ، صعلوكا كحوليا ،يؤمن ان الحياة تمشي مثل القطارات ،توزع ركابّها عند المحطات دائما،وانه الراكب الاخير المطرود الذي لم يفلسف يوميا لعبة نزوله في تلك المحطات ...
موت مهدي علي الراضي يترك لنا الكثير من الاسئلة !!اسئلة في محنة المثقف العراقي ،في منافيه عند الداخل الوطني المهروس بالخوف والمرارة وعند منافيه بالخارج المسكونة بجنون العالم الذي تيقن انه المركز الاسطوري او ربما هو ثورنا القديم الذي يحمل الارض على قرنيه !!!نعم هو مهروس ولجوج بين مطروديته الممنهجة،في بلاده التي تضيع وسط احتلالات و حروب سريالية !! لا ناقة له فيها ولاجمل،وربما لاتنتمي حتى الى مرجعياته اليسارية التي لامست شغاف وعيه في سنواته المبكرة وبين (عروبات) اضاعت ركابها وكرمها القديم ونخوتها وجيرتها وتحولت الى (عروبات) لانفهمها !!تصنعها لنا الفضائيات وخطابات الاعلاملوجيا وطروحات اصحاب الفقه الجديد ...
من المسؤول عن موت مهدي علي الراضي ووربما عن موت الكثيرين من العراقيين في منافيهم البعيدة كمال سبتي وزياد حيدر وغيرهم !!؟ هل هو الاحتلال وحده ام الخوف وحده او الوطن الذي تحول من وطن رومانسي يساري جمالي الى وطن للطوائف المتناحرة دون اسئلة عاقلة،،، من يحارب من؟ ومن يقتل من؟ ومن يطرد من؟؟
لقد تركنا العالم يتفرج علينا ونزلنا الى السيرك بكل ثيابنا وحقابئنا واحلامنا !!فما اقسى منافينا في الداخل والخارج وما اقسى وجعنا الذي كان وجعا نبيلا ،نحتفي بها وكأنه خلاصة للوجع الكوني ،،وما اقسى موتانا حين يموتون بعيدا عن احضان من أحبوا ويحبون !! وما ابشع اوهام البعض من صانعي (خلطات) الوعي المغشوش ،تلك التي تفلسف علاقة المثقف/المواطن،والمثقف المعرفي بالوطن !!تحت يافطات الحنين البائس ،،، وان الاوطان لم تعد جغرافيا ولم بيوتات مسكونة بالامهات ورائحة البخور ،وان صناعتها القديمة قد خضعت الى عمليات تجميل شطبت وجوهنا القديمة ومنحتنا وجوهنا (عمومية) مثل جوازات السفر الدبلوماسية صالحة لكل الامكنة ولكل المعابر ! لااعتقد ان الوطن هكذا !!! ولا اعتقد ان النظر اليه اصبح يشبه النظر الى لوحة من تجريدات سلفادور دالي !!!!انه هويتنا وحلمنا وحتى اسئلتنا ،،اذ رغم كل شيء ورغم كل النفاق الكوني ونفاق المؤسسات وشرطة المطارات والحدود واصحاب الصالونات المغشوشة ،مازلنا نصنف في الخانات الرمادية ،،،اننا عراقيون .....لنا اسئلة امنية خاصة ولنا اسئلة ثقافية خاصة وربما سيبتكر البعض توسيمات خاصة لرؤوسنا !!!!
رحمة لك ايها الميت المنفي ،ورحمة لكل الذين يصنعون وطنا مضادا،، صالحا للوجود وصالحا للالتصاق مع بعضه البعض ،،وطنا مضادا للرصاص،ومضادا للخوف،ومضادا للوعي المغشوش،ومضادا للتفتت،ومضادا لغواية المرويات الطويلة!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن