الأمن العالمي: تقسيم عمل جديد

جوزف سماحة

2002 / 2 / 5


يصوغ أهل دافوس، في نيويورك، عالمهم ويداخل البعض منهم قدر من وخز الضمير. يصوغ أهل بورتو أليغري عالمهم وهم يحاولون القول ان أحداث 11 أيلول وما بعدها لم تكسر شوكتهم. وعلى الأهمية القصوى لمتابعة سجال الشمال والجنوب هذا فإن ما لا يجوز اغفاله هو ان الادارة الأميركية ماضية في استكمال تصورها الأمني لمرحلة ما بعد انتهاء ((الحرب الباردة)).
لقد أثار خطاب الرئيس جورج بوش عاصفة من الانتقادات. فهو أبقى الحرب على الارهاب مفتوحة ودشن جبهة جديدة على دول أسلحة الدمار الشامل، كوريا وإيران والعراق. ليس خطاب ((حال الاتحاد)) ظرفياً ولا يدل على مجرد رد فعل.
يدل كلام بوش على انتقائية استثنائية ذات صلة بتقدير الولايات المتحدة لموقعها في العالم. ان لائحة الدول المصنفة، من جانب واشنطن، داعمة للإرهاب أطول من تلك المسماة في ((محور الشر)). ولائحة الدول المالكة أسلحة دمار شامل أطول هي الأخرى. وحتى لائحة الدول الجامعة بين الصفتين تتجاوز ما توقف عنده بوش. ومع ذلك فإن الرجل اختار ما يناسبه الآن. وتولى وزير دفاعه دونالد رامسفيلد تفسير هذه الانتقائية معتبراً ان ((لا حاجة لخيال كبير لرؤية الخطر في أنظمة غير صديقة للولايات المتحدة)). هذا هو الموضوع اذاً. يمكن لمن تقرره أميركا صديقاً ان يتسلح ولكنه ممنوع من ذلك إذا قررته غير ذلك.
لكن الأمر تجاوز، كما يبدو، هذه المعادلة العجيبة. فثمة أصدقاء مسلحون لأميركا يشكون من انها تفرض عليهم سباق تسلح من نوع جديد، سباقا يدور بين حلفاء ويرمي الى تهميش البعض منهم، وجعله نافلا، وإخراجه من اللعبة، وفتح الباب على مصراعيه أمام أي انفراد تقدم عليه الولايات المتحدة.
فلقد كان مؤتمر ميونيخ الأمني مناسبة لاكتشاف الهوة التسليحية المتزايدة بين أميركا وأقرب المقربين إليها. حتى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون بدا متذمراً. وعبر وزير دفاع ألماني سابق عن خوفه مما يجري فتحدث، مازحاً، عن تطوير انظمة الاتصالات الاميركية الذي يجعل صعباً على الأوروبيين الحديث مع الأميركيين فكيف بالقتال الى جانبهم. ولقد رد ((الصقر)) بول وولفوويتز على هذه المخاوف من أجل ان يزيدها. قال ما معناه ان المعارك هي التي تحدد التحالفات. ويعني ذلك ان واشنطن تختار عدوها، وتقرر الائتلاف المطلوب لهزيمته، وقد تفعل ذلك وحدها. وكاد يقول ان الحاجة الى حلف ثابت من نوع ((الأطلسي)) هي بقدرالدور الذي لعبه في حرب أفغانستان: قريبة من الصفر.
لقد حصل هذا الحوار في سياق خطاب بوش عن ((محور الشر)). والقصد الواضح من الرد الأميركي هو تبهيت الاعتراضات الأوروبية وغيرها، والتذكير بأن للحلفاء، في أحسن الأحوال، حق ابداء الرأي ليس الا.
الرد الأميركي في ميونيخ، مثل خطاب ((حال الاتحاد))، ليس ظرفياً. لقد سبق الاثنين تقدم كبير على طريق تظهير العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة والتي هي أشد تطرفاً من تلك التي كان معمولا بها في عقد التسعينيات بعد زوال حلف وارسو. فالعقيدة السابقة تقضي بضرورة توفير الجهوزية لخوض حربين اقليميتين كبيرتين في وقت واحد (العراق وكوريا مثلا). ولكن العقيدة الجديدة، حسب رامسفيلد أمام طلاب جامعة الدفاع الوطني، فتتحدث عن ((امتلاك قوة ردع فوق أربعة مسارح معاً: الانتصار على قوتين تهاجمان الولايات المتحدة، خوض هجوم مضاد قوي، احتلال عاصمة بلد معاد وإقامة نظام جديد فيها)). وأهداف هذه القوة: ((حماية الأرض الوطنية والقواعد العسكرية في العالم، الانتقال الى مسارح عمليات بعيدة، تدمير معاقل العدو، ضمان أمن أنظمة المعلومات والاتصال، تطوير استخدام التكولوجيا الخاصة بالتنسيق بين القوات، حماية الفضاء والترسانة الفضائية الأميركية)).
من المفهوم، والحالة هذه، ان يطلب البنتاغون زيادة على ميزانية الدفاع الجديدة بحدود خمسين مليار دولار. ومن الطبيعي ان يشعر الحلفاء الأوروبيون بخطر التهميش خاصة بعد تفعيل أحصنة طروادة لديهم (بريطانيا طبعاً، وإيطاليا بيرلوسكوني).
بتحدث أوروبيون، بقلق، عن تقسيم جديد للأمن العالمي. تتولى الولايات المتحدة، وفق ذلك، أمر الحرب التكنولوجية الشديدة التقدم. ويتولى حلفاؤها المحليون أمر المساعدة الميدانية المباشرة والضرورية.
وتبقى للآخرين، وبينهم أوروبا، أعمال الصيانة بدءاً من ((حفظ السلام)) الى ((اعادة البناء)). ان المثال الافغاني هو تطبيق حي لتوزيع العمل هذا. وهو يهدد بجعل وزن التحالف الأطلسي مماثلاً لوزن ((التحالف الشمالي))!

©2002 جريدة السفير



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن