“الشعبوية: المأزق الجديد لمسار الثورة التونسية”

علي بنجدو

2024 / 1 / 20


قبل البدء…
كنت في الجزء الأول من المقال السابق الوارد تحت عنوان : “من أكذوبة الإنتقال الديمقراطي إلى الإستحكام المؤقت للإستبداد الشعبوي” قد بيّنت أن اختزال الثورة التونسية من جهة أهدافها، آليات فعلها السياسي وديناميكية أحداثها ومحطاتها الأساسية بدء من 17 ديسمبر 2010 في ما سمّي بالإنتقال الديمقراطي قد أدّى بالنهاية إلى إفراغ هذه الثورة من مضمونها/عمقها الاجتماعي وإلى إعادة الدولة العميقة بشخوصها ومؤسساتها للتحكم في جزء من مسار الثورة وتجيير مطالبها ورهاناتها إلى مجرد إصلاحات ليبرالية فضلا على أن مسألة الحريات السياسية وما تقاطع معها من قيم المواطنة وحقوق الإنسان هي ذاتها أصبحت موضع تهديد قبل إنقلاب 25 جويلية وبعده. وسيخصص هذا الجزء الثاني من المقال إلى تناول تحليلي سياسي للشعبوية كفصل جديد من فصول الإلتفاف على الثورة في مناخ سياسي شديد التوتر تحاول من خلاله قوى الثورة المضادة إعادة رسكلة النظام القديم وإن بوجوه سياسية جديدة غير مستهلكة وغطاء أيديولوجي شعبوي يتظاهر في العلن بأنه استئناف ثوري للثورة المعطلة في الوقت الذي يشكل فيه خطرا جديدا على الثورة ومحاولة لإحتواء شعاراتها ومضامينها مراوحة بين فرض نمط رقابة أمنية – قضائية على النشطاء السياسيين والمدنيين عموما وتضييق لمساحات الفعل السياسي المعارض (بما يعنيه ذلك من استعادة وظيفية ورمزية لهيبة الدولة في صيغتها البورقيبية) من جهة أولى وبين عملية ترذيل منهجي للفعل السياسي ذاته استفادة من ارتدادات الثورة وانعكاساتها السيئة على المزاج الشعبي من جهة ثانية.
إزاء استحكام الخطاب الشعبوي سياسيا، وانتقاله من وضع المعارضة والتشهير السياسي والدعاية الانتخابية والاستفادة من تراجع قوى اليسار الجذري والصراعات اليمينية الليبرالية على الحكم إلى وضع الفعل السلطوي المباشر بعد الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 وهزيمة نبيل القروي في الدور الثاني للرئاسية، كان الوضع السياسي التونسي إزاء تشكل مشهدي سياسي جديد ووجوه جديدة وخطاب مختلف لم يتعوّده التونسيون نخبا وقاعدة اجتماعية-مواطنية.
شعبوية تزعم أنها تحكم الشعب باسم الشعب:
لا شك أن الشعبوية كفكر وكفعل سياسي على مستوى الحكم ليست على صورة واحدة في أمثلة العالم والتاريخ ولا يمكن اختزالها بالمطلق في نموذج مفرد وجامع للحكم في كل التجارب كما أنه ليس متاحا لفكر ناقد للشعبوية أن يسوّي بين شعبوية تقليدية لا تعادي الأحزاب السياسية وتتعايش معها حتى في وضع الأزمة كما هي الحال لشعبوية ترامب في الولايات المتحدة أو شعبوية الحكومات الدينية والسلفية التي تستفيد من وضعيات الانهيار القيمي الأخلاقي والسياسي وتفكك البنى التقليدية للأحزاب الليبرالية والشمولية من جهة وبين شعبوية كانت، في ملامحها الكبرى وما تطرحه من بدائل هلامية، نتاجا تاريخيا لارتدادات وهزائم وانكسارات في وضعيات ثورية محددة كما هي الحال في تونس. ومن هذا المنطلق وبناءا عليه يمكن تحليل وتفكيك البنية الإيديولوجية-الذهنية السياسية للشعبوية “الحاكمة” في تونس بدءا من رئاسية 2019 وخاصة بعد انقلاب 25 جويلية 2021. فالشعبوية في تونس لم تكن حاملة لهمّ الثورة ولا هي تمثل جزءا من موروث المعارضة التونسية (على تنوع مرجعياتها الإيديولوجية اليسارية، والليبرالية والإسلامية) زمن الإستبداد البورقيبي وحكم بن علي ولا هي صاحبة مشروع للحكم ولبديل اقتصادي-اجتماعي واضح المعالم والمرتكزات، بل هي على الأغلب كانت ولازالت تتخذ صورة الايديولوجيا الهلامية التي تتحيّز في بعض المسائل السياسية ضمن الأطر الفلسفية والفكرية لما قبل الحداثة وعصر الأنوار وشروط المواطنة والدولة المدنية (مسألة الفصل بين السلط).وهي في السياق القيمي الحقوقي أقرب إلى الفكر السلفي في ما يتصل بموضوع المساواة بين الجنسين مثلا. أما على مستوى التعامل مع مؤسسات الحكم تشريعا، تنفيذا وقضاءا فإن تجربة انفراد الشعبوية بالحكم في تونس بعد 25 جويلية قد أحلت “نظام-بدعة” المراسيم الرئاسية بديلا سياسيا – وظيفيا لأحكام التشريع المعتادة في الأنظمة الديمقراطية فضلا على التضييق على حرية الصحافة وإستصدار مراسيم تتخذ صورة الرقابة والمنع وتقييد حرية الموقف والنشر والدعاية السياسية. وقد مثلت الملاحقة /القضائية الإنتقائية للنشطاء السياسيين والنقابيين والحقوقيين والإعلاميين ملامح تشكل واجهة واضحة لمنظومة إستبداد جديدة تزعم لنفسها تجسيد إرادة الشعب وتكريسا فضفاضا لعبارة هجينة وطارئة على قاموس السياسة هي عبارة “الشعب يريد”…
إن الشعبوية التي استفادت من ارتدادات المسار الثوري وتلوث المناخ السياسي وانحرافه عن مهام الثورة (صعود الإسلام السياسي للحكم، عودة رموز الدولة العميقة بدون محاكمة ثورية عادلة، تسيد منطق الغنيمة والاستثمار السياسي/الدعائي في إخفاقات الثورة وتشتت القوى الثورية والتقدمية/الاستفادة من تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودويلات الخليج العربي في تعفين المشهد السياسي وإعادة تشكيله بما يتعارض مع الرهانات الأساسية لقوى التغيير الاجتماعي وفرض سياسة التحالف بين النهضة ونداء تونس…)، إن هذه الشعبوية التي أعلنت عن نفسها بديلا لنظام الحكم في رئاسية 2019 وفي انقلاب 25 جويلية كمحطتين أساسيتين لم تكن غائبة عن مسار الثورة منذ بدئه فاعتصامي القصبة الأول والثاني في 2011 شكّلا من الناحية السياسية بداية ظهور لهذا التيار الشعبوي الذي عارض على سبيل المثال لا الحصر انتخاب مجلس تأسيسي ينتهي إلى وضع دستور جديد لتونس-الثورة، كما أن هذا التيار دعا إلى انتخابات على الأفراد لا على القائمات بما يعنيه ذلك من استهداف مبطن للأحزاب السياسية وأشكال التنظم الأخرى أيّا كانت طروحاتها الإيديولوجية وبدائلها وصلتها بالثورة تبنيا أو معارضة. أما في ما له صلة بالفكر المجالسي والبناء القاعدي والزعم بأن الشعبوية وتعبيرها السياسي المكثف في عبارة “الشعب يريد” هي امتداد لما طرح في بعض كلاسيكيات الفكر اليساري والماركسي تحديدا فإن ذلك ليس أكثر من إدعاء زائف (سأخصص لاحقا مقالا لهذا الغرض).
انقلاب 25 جويلية بين ادعاء أفول الأحزاب وتجريم الفعل السياسي المقاوم:
إذا أمكن اعتبار التصريحات السياسية المناسبتية وخطب السياسة المكتوبة والمرتجلة لبعض دعاة الشعبوية ومفسريها (قبل انقلاب 25 جويلية وبعده) أدبا سياسيا فإن الشعبوية في تونس هي خطاب سياسي-سلطوي يستوفي شروط الخطاب السياسي منهجا ومضمونا ولكنه في آن (من باب المفارقة) خطاب داع لتجريم السياسة والساسة أيّا كانوا. وهو في ذلك يتعمّد الخلط بين كل الهويات الحزبية والسياسية، بين من كان يحكم ومن كان في وضعية المعارضة… وحتى تلك الأحزاب والمجموعات السياسية التي اصطفت طوعا في “مسار 25 جويلية” وأنكرت عليه صفة الانقلاب واعتبرته إنجازا للمهمات “الثورية” المعطلة بادعاء تصفية إرث الإسلام السياسي والدفاع عن السيادة الوطنية، فإنها هي ذاتها لم تسلم من هذا التصنيف علاوة على إقصائها من أيّ مكافأة أو “جزاء سياسي” في مناصب الإدارة أو مؤسسات الحكم. والأمر في هذا السياق لا ينطبق فقط الأحزاب السياسية التي لا تمتلك رصيدا تاريخيا للنضال السياسي بل ينطبق أيضا على بعض القوى اليسارية التي تماهت مع جوهر الانقلاب وتبعاته على مستوى الحريات السياسية والعمق الاجتماعي والحقوقي للثورة التونسية.
من المفارقات التي تسم وتطبع الوضع الاجتماعي الراهن في تونس أن المزاج الشعبي في أغلبه أصبح مزاجا يستبطن وعيا سياسيا يسوّي تماما بين من يحكم الآن وبين أولئك الذين حكموا على مدار السنوات التي تلت الثورة. ومن التبعات المتوقعة لهذا المزاج وليقظة الوعي هذه بأن رهانات الثورة في خطر وإمكان آخر لتشكل نواتات جديدة للفعل الثوري المقاوم…



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن