من أجل ثقافة جماهيرية بديلة92

عبدالرحيم قروي
karaoui.abderrahim@gmail.com

2023 / 12 / 8

اَلنَّصُ اَلْمُؤَسِّسُ وَمُجْتَمَعُه
اَلسِفْرُ اَلأَوَّلُ وَاَلثَانِى
خليل عبد الكريم
الحلقة الحادية عشر

على هامش هذا الخبر برواياته المعتمدة وبمصادره الغزيرة تسيل الحواشى أو التعليقات الشديدة الآصرة به :
أولاً: مقام المفسرين الثلاثة ومكانة مؤلفاتهم كما رقمها الشهيد محمد حسن الذهبى ـ عطر الله مرقده:
1 ـ الرازى ومفاتيح الغيب:
{ .. كان رحمه الله فريد عصره ومتكلم زمانه, جمع كثيرًا من العلوم ونبغ فيها, فكان إمامًا فى التفسير والكلام والعلوم العقلية وعلوم اللغة, ولقد أكسبه نبوغه العلمى شهرة عظيمة فكان العلماء يقصدونه من البلاد ويشدون إليه الرحال من مختلف الأقطار... وإن تفسير الرازى ليحظى بشهرة واسعة بين العلماء وذلك لأنه يمتاز عن غيره من كتب التفسير بالأبحاث الفياضة الواسعة فى نواح شتى من العلم } [ التفسير والمفسرون: لمحمد حسن الذهبى ـ الجزء الأول ـ ص 278 ـ 279, الطبعة الثالثة 1405هـ/1985م ـ مكتبة وهبه بمصر ]
2 ـ قاضى القضاة البيضاوى وأنوار التنزيل:
{ ... صاحب المصنفات وعالم أذربيجان وشيخ تلك الناحية.
وقال السبكى: كان إمامًا نظارًا خيرًا صالحًا متعبدًا.
تفسير العلامة البيضاوى, تفسير متوسط الحجم جمع فيه صاحبه بين التفسير والتأويل على مقتضى قواعد الغة العربية وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة }. [ المصدر ذاته والجزء نفسه ص 282,283].
3 ـ الإمام القرطبى والجامع لأحكام القرآن:
{ ...... كان رحمه الله من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الزاهدين فى الدنيا, المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة ....
وصف العلامة ابن فرجون هذا التفسير فقال: هو من أجل التفاسير وأعظمها نفعًا أسقط من القصص والتواريخ وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ }.[ المصدر ذاته والجزء نفسه ص 438,437].
مؤلف كتاب ( التفسير والمفسرون ) هو الشيخ محمد خسين الذهبى أستاذ علوم القرآن والحديث بكلية الشريعة ـ جامعة الأزهر وتولى فيما بعد منصب وزير الأوقاف فى عهد الرئيس السادات وقامت بتصفيته جسديًا بطريقة دموية إحدى الجماعات المتطرفة [ جماعة التكفير والهجرة بقيادة مصطفى شكرى ] لتصديه للإرهاب ـ رحمه الله وأنزله منازل الشهداء.
وكتابه المذكور من أميز المؤلفات الحديثة فى بابه شمولاً وعمقًا وغزارة مادة وإحاطة بالموضوع منذ عصر الصحابة حتى الأستاذ محمد عبده وتبعه الشيخ محمد رشيد رضا.
ولعل القارئ بعد جماع ما قدمه الذهبى فى حق المفسرين الثلاثة ومؤافاتهم اطمأن قلبه وهدأ فؤاده وثلج صدره للأخبار التى نفحنا بها اولئك العلماء الأماثل والأئمة الأفذاذ والشيوخ الكُمَّل, إذ يستحيل دينًا ويستبعد عقلاً ويتعذر منطقًا أن أمثالهم يتورطون فى سرد وقائع مكذوبة أو طرح أحداث منحولة أو ذكر نوازل زيوف.
وإذا نسب واحد من المتشنجين لأى منهم ضعفًا فى النقل أو وهنًا فى الإستقراء أو هُزالاً فى الإستنباط أو تخليطًا فى التخريج أو رَبكًا فى الإستنتاج فهذا ليس طعنًا فيهم فحسب ولكنه بمثابة هدم للتراث الفكرى الإسلامى برمته.
ثانيًا: اختلاف روايات الخبر هل هو علة قادحة؟
يمتاز التاريخ الإسلامى خاصة فى الفترة الباكرة بالإختلاف البين سواء فى أسماء الأشخاص أو رواية الأحداث ومرده إلى الأمية التى هيمنت على الأفراد وجهلهم بالتدوين كما درجت عليه الأمم المتحضرة مثل مصر القديمة ولا يعنى ذلك كذبًا أو اختلافًا أو تزويرًا.
ضرب هذا التباين كافى المناحى وإذ أن السيرة المحمدية العظيمة هى البدء الحقيقى لمسيرة التاريخ الإسلامى فنلفى أنه رافقها منذ فاتحتها, فمثلاً أولاده الذكور من خديجة هل هم القاسم وعبد الله والطيب والطاهر أم هما اثنان القاسم ( وبه كنى ) وعبد الله الذى لقب بالطيب والطاهر؟.
وبعد وفاة خديجة هل تزوج فى مكة قبل نزوحه إلى يثرب اثنتين هما سودة بنت زمعة والتيمية عائشة بنت أبى أبى قحافة أم ثلاثًا أضاف إليهما غزية بنت دودان ابن عوف؟.
أما عندما عَدَن فى أثرب فعدد وأسماء من تزوجهن وخطبهن وفارقهن بخلاف التسع المشهورات لايعلمه إلا الله وحده لابسبب الكثرة فقط وإنما مآبه لاختلاف كتاب السيرة المعطاءة والمؤرخين والإخباريين بشأنهن.
وذات الأمر مع غزواته وسراياه وتواريخها وترتيبها وعددها وأسامى من استخلفهم على قرية أثرب عند خروجه وأعداد من رافقه فى كل منها سواء من النازحين ( المهاجرين ) أو من قيلة " اليثاربة أو الأنصار" وأمراء السرايا وعدد القتلى إن من تبعه أو من عدوه والغنائم التى ظفروا بها والمدة التى استغرقتها كل واحدة منها بداهة باستثناء الغزوات ذات الصيت المدوى مثل بدر وأحد والخندق وتبوك علمًا بأنها لم تفلت من الإختلاف فى اجوانب الفرعية وإن اتسمت بقدر من الأهمية مثل عدد المقاتلين والفارين. [ نفر من كبار الصحابة أطلقوا لأرجلهم عنان الفرار فى بعض الغزوات فى مقدمها أحد وحنين واعترف العدوىّ عمر بن الخطاب بأنه ارتكبه يوم أحد " ا.هـ ].
كذا وقع عدم إتفاق على الأسماء حتى لبعض كبار الصحابة وأشهرهم فى هذا المجال أبو ذر الغفارى فقد أغدقت عليه " تب الصحابة" مثل " أسد الغابة والإستيعاب والإصابة" عدة أسماء, وما توافقت عليه فحسب هو كنيته: " أبو ذر الغفارى" الزاهد المشهور الصادق اللهجة ـ مختلف فى اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن وقيل ابن عبدالله وقيل ايمه بربر وقيل بالتصغير, والإختلاف فى أبيه كذلك إلا فى السكن قيل: يزيد وعرفه وقيل اسمه هو السكن بن جنادة بن بياض .. إلخ . [ الإصابة: المجلد السابع ص 155 ].
إن الإختلاف وصل إلى بعض سور القرآن الحكيم من ناحية تواريخ وامكنة شروقها ووصل إلى سورة الفاتحة ذاتها وهى أم الكتاب, فقال بعضهم إنها مكية والآخر مدنية, وحتى يحل الإشكال ذكر ثالث أنها نزلت مرتين أى بقرية القداسة أولاً ثم بيثرب, ورابع طلع علينا برأى فى غاية الطرافة إذ قسمها شطرين أولهما ببكة والآخر بأثرب { ... وذهب قوم إلى أن الفاتحة مدنية وقال آخرون نزلت مرتين وقال بعضهم نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة, وقال أبو الحسن الحصار فى كتابه " الناسخ والمنسوخ" المدنى عشرون سورة ونظمها مع السور المختلف عليها }. [ التحبير: للسيوطى ص 43 ].
ونشد بصر وبصيرة القارئ إلى ما تضمنه عجز الفقرة " ونظمها فى السور المختلف عليها" وهو شأن معروف لمن لديه أدنى ذرة أو مُسكه فى علوم القرآن وأقرب كتابين متاحين للقارئ هما " الإتقان" للسيوطى, و " البرهان" للزركشى.
نخلص من جماع ما وضعناه تحت أعين القراء أن اختلاف روايات الخبر, بخاصة, حوادث الفجر ووقائع المبتدأ ونوازل المفتتح لا يشكّل علة تقدح فى الخبر, ولا عيبًا يفسده, ولا منقصة تشينه, ولو اتخذنا الإتفاق مقياسًا للصحة ومعيارًا للصدق وميزانًا للإطمئنان إليه لإنهارت مئات بل ألوف الأخبار والآثار التى هى بمثابة ركيزة التراث الإسلامى.
ثالثًا: التدرج فى تحريم الربا والخمر والفورية فى تحريم التبنى:
اتخذ القرآن المجيد منهجًا سديدًا فى تحريم عادتين متأصلتين فى المجتمع آنذاك هما الربا و معاقرة الخندريس " شرب الخمر" على الوجه الآتى:
1 ـ تحريم الربا:
فى البدء { وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [ الروم: 39].
فهنا لم يأت حكم فى الربا بل توجيه إلى الفرق بينه وبين الزكاة فهى تتضاعف وتزيد إذا أريد بها وجه الله تعالى فى حين هو ( = الربا ) على النقيض.
ثم تشرق آية كريمة أخرى فى ذات المحجة { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ النساء 160, 161].
هاتان الآيتان الكريمتان لم تحظرا الربا إنما سارتا شوطًا ملحوظًا فى درب تحريمه فقامتا بتبشيعه فهو صد عن سبيل الله وظلم وأكل أموال الناس بالباطل ومن يستحله فجزاؤه عذابب أليم.
ثم تضئ آية النهى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عمران 130].
ثم طلعت آيتان حاسمتان لاتدعان مجلاً لأى شك فى التحريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة 278, 279].
وبعدها غدا الربا حرامًا على من تبع " الأمين المأمون".
يتبع



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن