نظريات التنمية المستدامة

ماجد حاوي الربيعي
info.anwar.almassala@gmail.com

2023 / 12 / 3

قبل الحديث عن نظرة مختلف النظريات للتنمية المستدامة تنبغي الإشارة إلى أنه لن يتم التطرق لكل النظريات التنموية وإنما سيتم التركيز على استعراض أهم النظريات التي تطرقت للعلاقة بين البيئة والاقتصاد وسيتم تبويبها وفقا للآتي: النظريات الداعية لأولوية البيئة، والنظريات الداعية لأولوية اقتصادية، النظريات الداعية للعدالة في توزيع الثروة والتنمية.
أولا: النظريات الداعية للأولوية البيئية
يشير بعض العلماء إلى أن المحيط الحيوي هو الذي يحتاج لأن يكون مستداما، وهم يبحثون عن حماية التنوع الحيوي والوراثي، ويمكن لبعض النمو أن يساعد على منع التدهور البيئي وهو مطلوب كالتقنيات النظيفة، ولكن يجب تجنب التقنيات والنمو المضر بالبيئة ويشيرون إلى أن علماء الاقتصاد بحاجة للمزيد من الاهتمام بالنواحي البيئية والأخلاقية، ومن بين هذه النظريات:
1- نظرية أولوية الطبيعة: مؤسّسها "جيمس لوفلوك" بالنسبة لهذه النظرية تعد الأرض جسما حياً ضخما قادر على الاستجابة للتكيف قد تتجاوز نشاطات وأفعال الإنسان فحسب هذه النظرية فان الطبيعة لها أسبقية على الإنسان الذي لا يعد إلا جزاً منها، فالطبيعة خلقت لتحافظ عن نفسها وليس لسد احتياجات الأجيال الحالية واللاحقة. المعايير الإيكولوجية هي وحدها التي تسيّر العلاقة بين المحيط والمجتمع دون الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى ذلك إن هذه النظرية كانت تهدف إلى خلق إنصاف للكائنات غير البشرية على حساب الإنسان.
2- النظرية المتشائمة: في عام 1798 نشر توماس مالتس (1766-1834) مقالته المشهورة حول مبادئه عن السّكان، حيث أعلن رفضه للنظريات المتفائلة حول النمو الاقتصادي التي تبناها بعض الفلاسفة في عصره مثل الفلاسفة الفرنسيين ومنهم الفيلسوف نيكولاس دي كوندورسيه، والذين كانوا يعتقدون أن العقل البشري والتطور التكنولوجي سوف يحل جميع المشاكل والعقبات الاقتصادية التي تواجه النمو الاقتصادي في المستقبل. فعلى العكس من ذلك كان توماس مالتس يرى أن الجنس البشري إذا استمر في التكاثر وزيادة التناسل ستواجه مشاكل حدود الموارد الطبيعية الناضبة.
وان هذا الذي سوف يؤدي بؤس ومجاعات وثبات في معدلات الأجور، وأن التطور التكنولوجي يمكنه أن يؤدي إلى زيادة قصيرة الأجل في عمل الموارد الطبيعية المحدودة.. ويرى Thomas Malthus أيضا أن التنمية طويلة الأجل يمكن أن تحدث فقط حينما يزداد الجنس البشري بمعدلات معقولة خلال فترات الاستقرار الاقتصادي، إلا أن الجنس البشري لا يمكنه أن يتحكم في ذلك بسهولة، ومنه فإن النهاية البائسة في حال سوء استغلال الموارد الطبيعية الناضبة هي نهاية حتمية. تعرضت كتابات مالتس لانتقادات كبيرة، وعلى الأقل فيما يتعلق بافتراضاته حول نمو موارد الغذاء، حيث لم يأخذ في اعتباره الطرق التي يمكن للتقنية الجديدة أن تطورها لزيادة المعروض من الغذاء بمعدل كبير.
3- النظرية المتفائلة: هو من الاقتصاديين الكلاسيكيين من هم تشاءمو وعلى سبيل المثال (John Stuart Mill) جون ستوارت ميل، الذي رأى أنه في حين أن الموارد الطبيعية المحدودة أو الناضبة يمكن أن تمثل قيدا على زيادة الإنتاج في المستقبل، فإن تلك الحدود لم يتوصل إليها بعد ولن تصل إليها أية دولة في العالم خلال الإطار الزمني لأي صناعة من الصناعات القائمة. ومع أن "ميل" أكد على أن ارتفاع مستوى المعيشة يلعب دورا كبيرا في استمرار النمو الاقتصادي، إلا أنه برغم تفاؤله، رأى بأنه حينما تستخدم موارد البيئة بشكل تام-أي يتم استنفادها-في الأغراض الصناعية وغيرها فأن هذا لن يكون عالماً مثالياً بأي حال من الأحوال.
4- الحركة الأمريكية المحافظة (1890 -1920): لقد كانت الحركة المحافظة التي قادها الأمريكي تيودور روزفلت (Theo dore Roosevelt) تمثل نجاحا للفكر السياسي الإيديولوجي في الولايات المتحدة خلال هذه الفترة، حيث أنه وفقا لهذا الرأي يحاط النمو الاقتصادي بمجموعة من القيود الطبيعية التي ليس من الممكن تجنبها حتى مع التقدم التكنولوجي وأن الإسراع الكبير في استخدام الموارد الطبيعية الناضبة يعتبر تهديدا كبيرا لحقوق الأجيال المستقبلية. ومن أفكار هذه الحركة أنه كلما كان استخدام الموارد الطبيعية الناضبة يتم بمعدلات أقل كلما كان أفضل. كما أن التنافس الاقتصادي والاحتكارات تعتبر من أهم أعداء الاستخدام الحكيم للموارد الطبيعية الناضبة، وأن الإشراف الحكومي على استخدامها هو أمر مرغوب فيه.
5- نظرية النضج (1887 – 1975): دافع A. Hansen (أ. هانسن) عن هذه النظرية وسادت لفترة من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية، وجاء فيها أنه على المدى الطويل، لن يكون التقدم الاقتصادي إلا نارا ـمن القش سريعة الإنطفاء. لقد كان من حسن حظ الإنسانية أنها وضعت يدها في القرن السابع عشر على نوع من اكتشافات التقدم الاقتصادي (البخار– الكهرباء) غدت بصورة مستمرة الآلة وتزايد السكان في الوقت ذاته ومع استنزاف هذين المنبعين للتقدم يجب أن ترضى برؤية التباطؤ في وتيرة تقدمها، وأن تدخل في فترة ركود نسبي، وعندما يصبح اقتصاد ما غير قادر على تمثيل حصته من الإبداع بالوتيرة ذاتها فإنه سيصل لا محال إلى حالة النضوج.
6- دراسة الأمريكيان برانت ومورس (1963): تم خلالها تجميع سلاسل زمنية حول أسعار وتكاليف بعض الموارد الطبيعية بهدف اختبار فرضية زيادة ندرة الموارد الطبيعية، وكانت النتائج مدهشة إلى حد كبير حيث أكدت أنه بالنسبة للزراعة والمعادن فإن الأسعار وتكاليف الإنتاج قد انخفضت أو على الأقل كانت ثابتة خلال الفترة 1870 و1957. ويمكن تبرير هذه النتائج حسب الاقتصاديين على أساس أن التقدم التكنولوجي سيرفع من كفاءة استغلال الموارد الطبيعية ويؤدي إلى انخفاض في تكاليفها، ما يؤدي إلى زيادة حجم الاحتياطات الاقتصادية، وبالتالي فإن" برانت ومورس " قدما شكوكا حول نتائج الحركة الأمريكية المحافظة ورؤية مالتس التشاؤمية.
7- نظرية حدود النمو لنادي روما: (النظرية التقليدية المنقحة للنمو الاقتصادي) (1972) تشير هذه النظرية إلى أن الاتجاهات الحالية المتفاقمة لنمو السكان وتدني إنتاج الغذاء وتلوث البيئة ونضوب الموارد يمكن أن تجعل معدلات النمو تصل إلى نهايتها خلال المائة سنة المقبلة حيث أن معدل نمو السكان يكون بشكل أسي قياسا بالمعروض من الغذاء الذي يتناقص بمرور الزمن، كما أن الإنتاج الصناعي سوف ينخفض أيضا نتيجة نضوب المواد المعدنية في باطن الأرض والنفط أيضا، ثم ستنتشر المجاعة بنهاية المائة سنة المقبلة. ويمكن تلافي هذه النتيجة الخطيرة وإيجاد حالة من التوازن البيئي والاستقرار الاقتصادي إذا ما تم البدء على الفور في التخطيط لحالة توازن عالمي في أسرع وقت ممكن. مضمون ذلك أن تستبدل الدول بهدف النمو الذي تنبهر به، هدفاً آخر وهو هدف التوازن في استخدام الموارد الطبيعية وخاصة الناضبة منها، ولن يتأتى ذلك إلا بوضع حدوداً للنمو.
ثانيا: النظريات الداعية إلى الأولوية الاقتصادية
لقد لفت علماء الاقتصاد البيئي اهتمام علماء الاقتصاد التقليديين إلى الأفكار المتعلقة بتعريف النمو بعدة طرق تتضمن قيمة الأصول البيئية والمحافظة عليها، ووجدنا أنها لا تتضمن أفكارا تتعلق بالاستدامة البيئية وسنعرض فيما يلي أشهر النظريات في ذلك.
1- نظرية تعديل السوق: هذه النظرية الاقتصادية اللبرالية ترى أن كل الظواهر التي لا يمكن التعبير عنها بشكل نقدي في السوق تكون مهملة في النظام الاقتصادي. ومن هذا المنطلق عوملت النفايات وكذلك الموارد الطبيعية التي كان يُنظر إليها أنها موارد متاحة، ومتوفرة بصورة غير محدودة. فالإنتاج عبارة عن تحول للموارد الطبيعية إلى سلع اقتصادية ونفايات كذلك فإن الاستهلاك لا يعني فقط استخدام تلك السلع ولكن أيضا تحويلها إلى نفايات، ولما كان التعامل مع النفايات على إنها ظاهرة غير نقدية كانت النتيجة أخطاء فادحة في تسيير النظام الاقتصادي. نفس الكلام ينطبق على الموارد الطبيعية كالماء والهواء التي اعتبرت مواد غير منتهية ومن ثم فقيمتها الاقتصادية منعدمة أي أنها عوامل خارجية لا تؤثر في سير العملية الاقتصادية. لكن مارشال A.Marshal أكد أن هناك بعض العوامل الخارجية عن السوق يمكن أن تؤثر بشكل أو بآخر على أداء المتعاملين الاقتصاديين وقدم مفهوم "الاقتصاد الخارجي"، ومنه بات لزاما أخذ الموارد الطبيعية بعين الاعتبار في العملية الاقتصادية وتناولها كمؤثرات فاعلة، ما يتطلب بالتالي تعديل السوق.
2- نظرية الاستدخال (لآرتور بيجو Arteur Pigou): اقترح بيجو خلال سنوات العشرين أن تصبح التأثيرات التي تحدث خارج السوق من جراء إنتاج واستهلاك بعض الموارد كالموارد الطبيعية عن طريق تطبيق بعض الأدوات الاقتصادية مثل الرسوم والمساعدات، وتمثل هذه الرسوم تعويضات يدفعها المسؤولون عن النفايات الملوثة التي يرمونها مثل المياه الصناعية المستعملة، وغيرها من الملوثات الضارة بالبيئة، إذ تكلف معالجتها مبالغ مالية هامة وتخصيص تلك المساعدات لتسديد مجمل الأشغال لتجميل محيط البيئة.
3- نظرية حقوق الملكية (رونالد كواز): ينتقد الخاصة المثلى للرسوم التي حددها بيجو ويقترح حلا أقل تشددا ليترك مجالا واسعا لقوانين المنافسة، وينطلق من فكرة أن المواد البيئية ليست ملكا لأحد.
ويقول إنه إذا كانت قوانين الملكية واضحة، فإنه من الفائدة الاقتصادية إرغام الملوثين وضحاياهم للتفاوض المتواصل للوصول إلى اتفاق تلقائي حول الحد الأقصى لمستوى التلوث من الطرفين.
ويعاب على هذه النظرية إفراطها في الاعتماد على السوق كآلية لحل المشكلات البيئية الناجمة عن عمليات التنمية.
4- نظرية الموارد الناضبة: قام الاقتصادي "هارولد هوتلينغ" بنشر دراسته حول اقتصاديات الموارد الناضبة عام 1931، قام من خلالها ببناء نموذج نظري حول كيفية الاستخدام الكفء للموارد الطبيعية الناضبة وتعظيم الاستفادة منها على المدى الطويل. وهو أول من أشار إلى الموارد الناضبة وضرورة أخذها بعين الاعتبار عند تحديد سعر المورد الناضب وتعظيم الاستفادة منها على المدى الطويل. وتستند هذه النظرية إلى فرض أساسي وهو أن ملاك المورد الناضب وهم يهدفون إلى تعظيم الثروة يحاولون إنتاج المورد بطريقة تعظم قيمته الحالية، ولتحقيق ذلك لابد أن تكون القيمة الحالية للعائد الصافي لوحدة المورد الناضب واحدة في كل الفترات، وإلا سيكون من مصلحة المنتجين تحويل إنتاجهم من فترة لأخرى، وفي الحالات التي تتضمن استخدام منتجات غير متجددة (ناضبة) كالبترول مثلاً فيمنع قرار إنتاج برميل من البترول اليوم إمكانية إنتاج آخر في المستقبل. الواقع أن قرار الإنتاج اليوم يترتب عليه تكلفة للفرصة البديلة، حيث أن إنتاج اليوم يمنع هذا الإنتاج في فترة أخرى في المستقبل، ويجب على ملاك المورد الناضب أن يأخذوا في اعتبارهم هذا المكون من مكونات النفقة عند اتخاذ قرارهم بالإنتاج.
وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار أن فكرة هوتلينج عن توصيف الموارد الناضبة تعني في جوهرها ضرورة مراعاة الأجيال القادمة في تلك الموارد عند القيام بعمليات استغلالها وهو الأساس النظري الذي انطلق منه فيما بعد مفهوم التنمية المستدامة.
5- نظرية القيمة الاقتصادية الكلية: جرت العادة إن المناهج الموجهة لإعطاء قيمة للبيئة تتم بتقدير الأضرار باستعمال طرق تقييم مالي للآثار الظاهرة، حيث تتم ملاحظة التغيرات الفيزيقية لوضعية المناطق الطبيعية ثم التأثيرات والخسائر المترتبة عنها، مثلاً يحسب الاقتصاديون كلفة انخفاض مردودية المزروعات المرتبطة بتدهور العناصر المغذية في الأراضي وذلك بسبب عوامل انجراف التربة، تبدو هذه المقاربة محدودة نظرا لطابعها النفعي. انطلاقا من هذه المعاينة أقدم بعض علماء الاقتصاد إلى التنظير لمختلف التمثيلات البيئية من طرف المجتمعات الإنسانية، دون أن تأخذ في الحسبان إلا ما هو ملحوظ في الطبيعة فمثلاً الأخشاب يؤدي إلى كلفة مباشرة مرتبطة على سبيل المثال بمتعة المتنزهين، والذي يمكن اعتباره قيمة في بعض المناطق وكلفة إيكولوجية مرتبطة بخسارة التنوع البيولوجي.
يعاب على هذه النظرية طرق الحساب المستعملة ففي اغلب الأحيان يتم اللجوء إلى طريقة القيم المعلنة بالتراضي للدفع او بالعكس حيث يطلب من الناس حسب إمكانياتهم المالية المساهمة في الحفاظ على البيئة أو تحديد ماهي إمكانياتهم في تقبل أو تحمل الأضرار الناجمة عن التلوث، فمعارضي هذه النظرية يرون أن هذه الطريقة لا تعطي إلا قيمة تقريبية للطبيعة.
6- نظرية الاقتصاد الإيكولوجي: تدعو هذه النظرية إلى التقارب بين علوم الأحياء والعلوم الاجتماعية، ومن ثمة يتحول إلى مجال جديد لدراسات متعددة الاختصاصات للعلاقات المترابطة بين الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية. وحسب هذا التيار لا يمكن اعتبار النمو والاقتصاد أحاديا الجانب بل يخضعان لعوائق مرتكزة على ثلاثة مبادئ هي:
- حدود استيعاب الطبيعة محدودة وعلى النظام الاقتصادي أن يأخذها في الحسبان.
- يجب التنبؤ لإمكانيات التعويض بين المواد القابلة للتجدد والناضبة.
- يجب احترام ظروف إعادة تجديد المواد الطبيعية المتجددة.
7- نظرية النمو الداخلي: في بداية العقد التاسع من القرن العشرين تغيرت نظريات النمو الاقتصادي بصفة عامة وتحولت إلى ما يسمى نظريات النمو الداخلي حيث أكدت الدراسات فشل النظريات التي تتجاهل دور التطور التكنولوجي في التغلب ولو بشكل نسبي على مشكلة ندرة الموارد الطبيعية. ومن ثم رأت نظرية النمو الداخلي بضرورة إدخال دور التطور التكنولوجي في النمو الاقتصادي بصفه عامة، وذلك بالاعتماد على دور الحكومات في الاستثمار في مجال البحث والتطوير والتعليم واتجاه المؤسسات الاقتصادية لدعم الإبداعات والاختراعات التي بدورها تؤدي إلى دفع معدلات التطور التكنولوجي.
ثالثا: النظريات الداعية للعدالة في توزيع الثروة والتنمية
يرى علماء الاجتماع أنه من أجل تحضير المعادلات لتحقيق التنمية المستدامة بالنسبة لهم يجب الأخذ بعين الاعتبار على الأقل العوامل الاجتماعية في مراحل التنمية وتخصيص البرامج والمشاريع المختلفة، هذه النظرة تأخذ في الحسبان سياسة تحليل المشاريع والنمو الديموغرافي وكذلك يجب الاهتمام بالفقر وانعدام المساواة في ملكية الأراضي، الحروب، والكوارث الطبيعية، السياسات الاقتصادية، غياب الحرية في مختلف المستويات، ويجب أخذ هذه العوامل المستفحلة مجتمعة وعلى حد السواء، وفي الآتي أهم النظريات التي تناولت عدم العدالة في توزيع الموارد.
1- نظرية التنمية الدائرية المتراكمة Circular round Cumulative: وضع هذه النظرية الاقتصادي جونر ميردال (Goner Myrdal)، وتقوم فكرتها على أن التنمية الدائرية المتراكمة في دولة ما ترتبط بالظروف والخصائص الطبيعية والتاريخية لهذه الدولة ولأقاليمها، حيث تؤدي الحركة الحرة للقوى الاقتصادية والاجتماعية إلى زيادة الفوارق الإقليمية بأنواعها بين المركز (المناطق الحضرية أو المدن) والهامش (الأرياف). ويحدد ذلك من خلال نوعين من العمليات والتأثيرات المتبادلة:
النوع الأول: الآثار الخلفية السالبة: ينشط هذا النوع من العمليات في مناطق الأرياف، وتتمثل في هجرة منتقاة للأيدي العاملة ورأس المال والبضائع من المناطق الريفية إلى المدينة أو المركز بسبب وجود عوامل جذب في المركز وعوامل طرد في الهامش.
النوع الثاني: الآثار الانتشارية الموجبة: تنشط في مناطق المركز باتجاه الهوامش أو الأطراف، وتتزايد غالبا مع نشاط الآثار الخلفية السالبة في الهوامش فمثلاً يزداد الطلب في المراكز على المنتجات الزراعية والمواد الأولية المنتجة في الريف، ولكي يتم إشباع هذه الحاجيات يتم تصدير تقنيات زراعية جديدة إلى الأرياف لتطوير وزيادة الإنتاج الزراعي.
تحدث التنمية المتراكمة عن توطن صناعة أو عدد من الصناعات القائدة في منطقة معينة لتوفر بعض الإمكانيات الاقتصادية مثل التسهيلات المالية، وخدمات البنية التحتية وغيرها، ويؤدي توطين هذه الصناعات في هذه المنطقة إلى خلق فرص عمل جديدة وبالتالي دخول إضافية جديدة، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب على البضائع والخدمات التي تمثل مدخلات رئيسية لهذه الصناعات، وتستفيد من ذلك المؤسسات والشركات المحلية القائمة في المنطقة كزيادة طاقتها الإنتاجية وإنشاء فروع جديدة، الذي يخلق فرص عمل ودخول إضافية جديدة، وبالتالي زيادة الطلب على البضائع والخدمات، وهكذا تعود العملية من البداية. يستمر هذا التراكم في المركز ويؤدي إلى نمو واتساع أسواقه على حساب هوامشه، الذي يؤدي إلى زيادة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الهوامش والمركز خصوصا إذا ما عجز التدخل الحكومي من خلال التخطيط في الزيادة وتسريع عملية الآثار الانتشارية الموجبة من المركز إلى الهوامش، وهو ما يحصل في معظم الدول النامية.
2- نظرية النمو غير المتوازن: هيرشمان (Hirschman): وتسمى نظرية الاستقطاب، وتشبه نظرية التنمية السببية المتراكمة لميردال باستثناء الفروقات التالية: أطلق هيرشمان مفهوم "الاستقطاب" على هجرة الأيدي العاملة المنتقاة، ورأس المال والبضائع من الهوامش إلى المركز، بدلا عن عبارة "الآثار الخلفية السالبة" واستبدل مفهوم الآثار الانتشارية الموجبة بمفهوم التساقط المندفع (تساقط الرذاذ) للتعبير عن انتشار الآثار الاقتصادية والتقنية الموجبة من المركز إلى الهامش. وقال هيرشمان أن انتقال التأثيرات من المركز إلى الهوامش يعمل على تطوير مراكز نمو جديدة في المنطقة الواقعة بينهما. ويتفق هيرشمان مع ميردال بأن التدخل الحكومي ضروري للحد من الآثار الخلفية السالبة (الاستقطاب) وحصول الآثار الانتشارية من المركز إلى الهوامش.
3- نظرية الاستقطاب العكسي (Reversal Polarization): صاحبها Richardson يرى ريكاردسون الذي يرى أن الآثار الانتشارية تحصل من المركز باتجاه الهوامش بشكل آلي أو أوتوماتيكي ودون الحاجة إلى تدخل الحكومة كما يرى ميردال وهيرشمان. وأساس هذه النظرية أن عملية التنمية في الدول النامية تمر بمرحلتين المرحلة الأولى استقطابية: تستمر إلى غاية وصول التنمية إلى نقطة معينة تسمى نقطة التحول أو الانقلاب الاستقطابي. ثم تبدأ المرحلة الثانية بعد هذه النقطة مباشرة وتتمثل في حصول لامركزية بين الأقاليم وداخل كل إقليم، ولخص ريكاردسون نظرية في ثلاث مراحل هي: 1ـ مرحلة التحضير (الاستقطاب). 2ـــ مرحلة اللامركزية داخل إقليم المركز.3 ـــ مرحلة اللامركزية الإقليمية.
4- نظرية القلب والأطراف: وضعها فريدمان (Friedman) الذي يرى بأن النظام الجغرافي في الدول النامية يتكون من نظامين فرعيين: القلب: هو المنطقة الحضرية الرئيسية وقطب أو مركز النمو. والأطراف: هي مناطق الظهير أو المناطق الهامشية. والعلاقة بين هذين النظامين الفرعين هي علاقة تبعية، حيث تتبع الهوامش المركز. وقد حاول فريدمان من خلال نظريته هذه أن يفسر عملية التنظيم المكاني من خلال دراسة وتحليل العلاقة بين التركيب المكاني من جهة والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى. وأكد فريدمان أن علاقة المركز مع الأطراف بما في ذلك المراكز الفرعية لا تعكس بالضرورة عملية النمو الاقتصادي، ولكن تظهر على أنها الوسيلة التي يتم من خلالها النمو.
5- نظرية التحيز الحضري (Urban Bias): وضعها ميخائيل لبتون M.Lipton، وحاول فيها تفسير سبب تزايد ظاهرة الفقر في الريف من خلال عدد من العوامل الاجتماعية والسياسية بشكل رئيسي مع عدم إهمال الجوانب الاقتصادية، حيث يرى أن الصراع في العالم النامي هو صراع بين سكان الريف والمدينة، وأن الحكومة توزع عوائد التنمية بين الأرياف والمدن دون إنصاف، حتى في القطاعات التي تستهدف الفقراء أنفسهم كالصحة والتعليم. وقد طرحت هذه النظرية مشكلة ما إذا كانت التنمية المستدامة أزمة ثقافية أم أزمة بيئية. يقول Lester Brown (1999) بأننا بحاجة إلى بوصلة أخلاقية تقودنا إلى القرن 21 أساسها المبادئ المستدامة لتلبية الاحتياجات الإنسانية. ويقول Rassel Bertrand أنه علينا أن نتذكر إنسانيتنا وننسى ما عداها، وأن ندرك دائما بأن الثقافة هي حجر الزاوية في كل عمل إنساني. وكما قالت اللجنة العالمية للبيئة والتنمية في تقرير 1989 أن المشكلة لا تقتصر على استنزاف الموارد الطبيعية فحسب، بل تتمثل أيضا في أزمة الأخلاق والقيم على مستوى المناطق والدول فيما بينها، وغياب العدالة الاجتماعية على الصعيد العالمي.
6- النظرية الماركسية المحدثة: تقوم هذه النظرية على فكرة أساسية ترجع تخلف العالم الثالث إلى استمرار هيمنة النظام الرأسمالي على الاقتصاد العالمي الذي يتصف بوجود علاقات غير متكافئة بين البلدان الغنية والفقيرة، وأن الازدهار النسبي الذي تنعم به القلة يقوم على بؤس الكثرة. وهكذا يرون أن بنية النظام العالمي المقبولة وفق منطق الرأسمالية العالمية تقضي بأن تكون الحياة الرغيدة للقلة على حساب شقاء الكثرة. وأصحاب هذه النظرية يرددون أفكار كارل ماركس الذي ادعى بأن تكدس الثروة في أحد القطبين هو هذا السبب في تكديس في الوقت نفسه للشقاء وعذاب الكدح والرق والجهل والقسوة في القطب الآخر.
7- نظرية النمو الاقتصادي الأمثل: قدمها فرانك رمزي Frank Ramsey وطورها آخرون من بعده، وهي نظرية شاملة لتصور المنهج النفعي، فهي ذات بعد نفعي في عرضها لمنفعة المجتمعات على أنها دالة في منفعة الأفراد (تحركات الأفراد عبر الزمن)، وذلك مع إمكانية أن تكون الخسارة في منفعة أحد الأفراد أو أحد الأجيال متوازنة مع الزيادة في منفعة فرد أو جيل آخر.
وهي ترى أيضا أن الرفاهية الاجتماعية هي – عادة – تعرف على أنها مجموعة منافع مختلف الأفراد والأجيال.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن