أصول ليليث

سعود سالم
saoudsalem@free.fr

2023 / 10 / 1

جذور ليليث

تعتبر ليليث Lilith في الفولكلور الديني اليهودي بمثابه شيطان أنثوي مفترس وشديد الشراسة تهابه النساء والرجال والأطفال. ويمكن إعتبارها نموذجا يرتبط بالإلاهة الأم، وكذلك بإلهة الثعبان أو الحية، وهي تصور كإلهة مجنحة أو كطائر ليلي وبالتالي تجمع بين خصائص الآلهة الجحيمية أو التحت أرضية caractères chtonien وبين خصائص الآلهة الهوائية أو المائية ouraniennes ou éolienne . ويمكن مقارنة ليليث باإلهة الأم déesse mère التي تم العثور على آثارها التي ترجع إلى العصر الحجري القديم paléolithique supérieur في العديد من الثقافات القديمة. ويمكن مقارنتها أيضا بـ "إلهة الثعابين" للحضارة المينوية civilisation minoenne في جزيرة كريت وسانتوريني وبحر إيجة عموما بين سنة 2700 و 1200 قبل الميلاد. ويمكن التعرف عليها في ملامح إيزيس، إلهة مصر القديمة المجنحة، وكذلك في صورة إنانا السومرية أو عشتار الأكادية. سماتها الرئيسية ورمزها هي البومة على كلا الجانبين من عرشها المكون من أسدين يشكلان العرش الذي تقف عليه، كما أنها مزودة بجناحين يمكنها من الطيران.
ويعتقد أن التقاليد اليهودية تبنت هذه الإلهة في مرحلة الأسر البابلي، ويعتقد أنها ترمز أو تمثل النظام الماترياركي - أو الأمومي الذي يعتبر الأم هي مركز نظام القرابة matriarcat المفترض وجوده مسبقًا على النظام الأبوي patriarcat، حيث نلاحظ أنه حتى الوقت الحاضر، التقاليد اليهودية تعتبر اليهودي هو الذي يولد من أم يهودية. وويبرر البعض نسبة الولد الى أمه دون أبيه، باعتبار أن الأم مؤكدة أمومتها للطفل، بينما في ذلك الوقت لم تكن هناك وسيلة للتأكد من هوية الأب، وخصوصا في زمن ساد فيه الغزو وسبي النساء. وهناك من يرى أن المبررالوحيد لهذا النظام هو وروده في التوراة، وفي التلمود، وفي المعتقدات اليهودية. ولكن من المحتمل أيضا أن يكون مرد هذا الأمر هو الرغبة في ترجيح أبناء النبي "ابراهيم" من زوجته "سارة" اليهودية، أي "اسحق"، وحصر "اليهودية" في وذريته وإقصاء أبناء "ابراهيم" من زوجته "هاجر" التي لم تكن يهودية، أي "اسماعيل" وذريته. فالغرض الأساسي اذن، قد يكون حصر السلالة اليهودية بسلالة "ابراهيم" من "سارة" دون سلالته من الزوجة الأخرى، مع أن "ابراهيم" هو الأب للوليدين. وقياسا على ذلك، أكد كهنة اليهود وجوب نسبة الولد الى أمه دون أبيه، لأنه لو نسب الى أبيه، لكان أبناء "اسماعيل" من العرب يهودا أيضا، ولكانوا هم الأحق بأرض الميعاد. ونعتقد أن مثل هذه التفسيرات اللاحقة لا تستند في الحقيقة إلا على دلائل واهية وتفتقد الصلابة العلمية المطلوبة. فيبدو إذا أن تحول هذه الإلهة الأم، المرأة الأولى، إلى شيطان ليلي مجنح قد حدث تدريجيا على مر العصور، كما تحولت كل الألهة الأنثوية إلى ألهة ذكورية تدريجيا وذلك عند ولادة النظام الأبوي وإنحسار دور النساء تدريجيا في المجتمع وحصر دورها الإجتماعي في البيت والمطبخ كما هو الحال اليوم. المجتمعات الأمومية هي التي كفلت المساواة بين الجنسين في تاريخ البشرية لقرون طويلة، فيما يمكن أن يكون فترة أمومية طويلة الأمد سادت خلالها عبادة الإلهة بدون انقسام وحيث كانت المرأة أمًا وكاهنة وواهبة للحياة، حيث المجتمعات ما قبل الزراعية لم تكن تربط بين الرجل وبين الخصوبة والولادة، فالمرأة هي وحدها تنجب الأطفال دون أن يكون للرجل أي دور في عملية الإخصاب. ولم يفهم الرجل هذا الدور إلا فيما بعد نتيجة لملاحظته للحيوانات المستأنسة التي تم تربيتها وتدجينها في الأزمنة اللاحقة، مما كان يعطي للمرأة الدور الأساسي في الحياة الإجتماعية .. وهكذا تحولت ليليث لتصبح رمزا لكل الجوانب السلبية المنسوبة إلى الأنوثة عمومافي الثقافة الذكورية.
نعرف أن العهد القديم كُتب في الغالب في نهاية القرن السادس قبل الميلاد، عند العودة من استعباد العبرانيين الكنعانيين من قبل البابليين، حيث تم تناول النصوص والتقاليد القديمة وتنظيمها في هذا الشكل السردي الجديد، وتم نقل أسطورة ليليث وتـ "تطويرها" أو تحويرها لتلائم الأيديولوجية الذكورية السائدة. ولم يكتشف المتخصصون في آشور وسومر حتى القرن التاسع عشر الميلادي اقتراض الشعوب السامية، العربية واليهودية من الثقافة السومرية في مجال الأساطير لتكوين الديانات التوحيدية، مثل أسطورة الطوفان والشجرة المحرمة والجنة وآدم وحواء وغيرها من الأساطير الدينية التي ما تزال تُمضغ كالقات أو الكوكا ليل نهار في المجتمعات التي تستعمرها هذه الآلهة الذكورية العنيفة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن