صعود اليمين الفاشي في إسرائيل (2)

نهاد ابو غوش
abughoshn@yahoo.com

2023 / 9 / 19

نهاد أبو غوش
إلى جانب الحراك الدائم في صفوف الليكود وحوله، تواجد دائما على يمينه حزب أو أكثر من الأحزاب التي صنفت كيمين متطرف، بسبب غُلوّها في تأييد الاحتلال بشكل رئيسي، وإنكارها اية حقوق سياسية للفلسطينيين، بل إن بعضها دعا صراحة إلى ترحيل الفلسطينيين وحرمانهم من اية حقوق سياسية، في الوقت الذي تميزت مواقفها في القضايا الداخلية بكونها محافظة. من هذه الأحزاب حركة النهضة "هتحيا" برئاسة غيؤولا كوهين، وحزب تسومت برئاسة رافائيل إيتان، وحزب موليدت برئاسة داعية الترانسفير الشهير رحبعام زئيفي، وصولا إلى أحزاب الاتحاد الوطني والبيت اليهودي الذي يعدّ امتدادا متطرفا للحزب الوطني الديني (المفدال) ، وكذلك قائمة يمينا والصهيونية الدينية. إلى ذلك ثمة أحزاب وحركات خرجت من رحم الليكود مثل قائمة "زيهوت" التي شكلها الليكودي المتطرف موشي فايغلين، وإلى جانب هذه الأحزاب "الشرعية" التي شكلت على الدوام رديفا وحليفا مضمونا لحزب الليكود، ظهرت حركة "كاخ" برئاسة الحاخام مائير كهانا، وكانت الحركة الأكثر عنصرية من بين سائر الحركات اليمينية السياسية والاجتماعية وبدت كأنها متخصصة بالعنف ضد الفلسطينيين وضد خصومها إلى درجة حظرها واعتبارها غير قانونية في العام 1994 بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقد برز من بين صفوف هذه الحركة من لعبوا دورا مشهودا في الأحداث السياسية سواء كانت انتخابات أو أعمال عنف ومن هؤلاء الدكتور باروخ غولدشتاين مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل في فبراير 1994، فغولدشتاين هذا الذي قتل في يوم المجزرة على أيدي المصلين كان المرشح الثالث على قائمة الحركة في الانتخابات الوحيدة التي اجتازت فيها هذه الحركة نسبة الحسم وهي انتخابات الكنيست الحاديةعشرة عام 1984، فحصلت على مقعد واحد تبوّأه مؤسس الحركة وزعيمها الحاخام مائير كهانا . ومن بين منتسبي هذه الحركة الذين عرفوا أو أدينوا بأعمال إرهابية ضد الفلسطينيين كل من يهودا ريختر الذي كان المرشح الثاني في قائمة الحركة للكنيست 11، وباروخ مارزل المتهم بارتكاب عشرات الاعتداءات، أما الشخصية الأكثر أهمية والتي لعبت دورا محوريا في إحياء الحركة وإضفاء الشرعية على وجودها وممارساتها فهو من دون شك ايتامار بن جفير وزير الأمن القومي في حكومة بنيامين نتنياهو السادسة، والذي ساهم مع زملائه الكاهانيين في إعادة تقديم الحركة بثوب جديد تحت اسم القوة/العظمة اليهودية "عوتسماه يهوديت" والتي فشلت في اجتياز نسبة الحسم لدورتي الكنيست الثانية والعشرين والثالثة والعشرين ونجحت حين انضمت لقائمة الصهيونية الدينية، لكن الجهد الكبير والضغط الذي مارسه بنيامين نتنياهو وتدخله الشخصي ساهم في توحيد قائمة عوتسماه يهوديت مع قائمة الصهيونية الدينية في انتخابات الدورتين 24 و25، حيث حرص نتنياهو على تجميع كل صوت يميني ممكن والحيلولة دون ضياع عشرات آلاف الأصوات (حصلت قائمة عوتسماه يهوديت على أكثر من 83 ألف صوت تشكل نسبة 1.88% من المجموع العام لانتخابات الكنيست ال22، وهذه الأصوات ذهبت سدى فاعتبرها نتنياهو خسارة شخصية له ولمساعيه للاحتفاظ بالسلطة)، لكن خطوة نتنياهو التكتيكية هذه سيكون لها أكبر الأثر في تكريس صعود اليمين الجديد في إسرائيل، اليمين الأكثر تطرفا والذي لن يتردد كثير من المحللين الإسرائيليين في وصفه باليمين الفاشي.
الانزياح المستمر نحو اليمين واليمين المتطرف
كان الاتجاه الغالب، وإلى حد كبير الثابت، الذي يسم التحولات السياسية في المجتمع الإسرائيلي منذ وصول حزب الليكود إلى السلطة في العام 1977، وبين دورة انتخابية وأخرى، هو الانزياح المستمر نحو اليمين واليمين المتطرف إلى الدرجة التي بات يمكن الحديث فيها عن "استقرار حكم اليمين"، وأن التنافس الذي يحتدم بين الكتل والقوائم المختلفة هو تنافس بين قوى يمينية، فمنها اليمين الديني المعروف بأحزابه الحريدية (شاس ويهدوت هتوراة)، وبينها اليمين التقليدي الذي يمثله حزب الليكود مع قيادته الشعبوية بزعامة نتنياهو، واليمين الفاشي الأيديولوجي مثل حزب أمل جديد بقيادة جدعون ساعر الذي يعتبر نفسه ما زال أمينا لتقاليد الليكود وأفكار مؤسسيه بعيدا عن الفساد والنزعات الفردية لقيادته، إلى تيار اليمين الأكثر تطرفا والأقرب إلى النماذج الفاشية والذي تمثله أحزاب الصهيونية الدينية.
ساهمت مجموعة من العوامل العالمية والمحلية في تعزيز الانزياح نحو اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، فمن العوامل العالمية انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي ومعه انهيار النموذج السوفييتي للاشتراكية، والذي قابله صعود تيارات المحافظين الجدد والنيوليبرالية في الولايات المتحدة الأميركية وغرب اوروبا وانتعاش ظواهر اليمين الشعبوي واليمين الجديد في أوروبا، بالإضافة إلى ما شهدته دول المحيط العربي من ضعف وتفكك على أثر حرب الخليج الثانية، ثم انطلاق مسيرة مؤتمر مدريد وما تلاه من اتفاقيات أوسلو ووادي عربة. ولكن ما يعنيا أكثر في هذا المقام هو العوامل المحلية والتحولات الجارية في المجتمع الإسرائيلي نفسه، والتي يمكن إيراد أبرز عواملها في الأسباب التالية:
• تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتأثيرات الاحتلال على المجتمع الإسرائيلي:
ويمكن لهذا العامل أن يؤثر في أكثر من اتجاه، فالمقاومة الفلسطينية التي يصنفها الغالبية الساحقة من الإسرائيليين على أنها عنف وإرهاب، والاتهام الدائم للفصائل الفلسطينية بأنها تهدف إلى إبادة دولة إسرائيل، ولا تعترف بشرعية وجودها، تدفع قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي إلى أحضان اليمين واليمين المتطرف، واتخاذ مواقف عدائية تجاه ما يمت للحقوق الوطنية الفلسطينية بصلة. من ناحية أخرى فإن استمرار الاحتلال الاسرائيلي بدون أي كلفة حقيقية، ودون ان ينعكس بقاء هذا الاحتلال على مكانة دولة إسرائيل وعلاقاتها الدولية والإقليمية، فضلا عن مستوى حياة الفرد الإسرائيلي ومستوى رفاهيته وأمنه، كل ذلك يدحر القوى والاتجاهات الرافضة لاستمرار الاحتلال إلى مواقع خلفية، ويعزز مكانة القوى المؤيدة للاحتلال. يمكن الإشارة هنا من باب المقارنة إلى تأثير الاحتجاجات والحراكات الجماهيرية الداعية للانسحب من لبنان في أواخر تسعينات القرن الماضي، بسبب الكلفة الباهظة التي سببها ذلك الاحتلال، وقبلها تأثير الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (انتفاضة الحجارة عام 1987) في تعزيز مكانة الحركات والقوى الداعية إلى تبني برنامج السلام، وبالتالي التعجيل في إنهاء حكم الليكود وعودة حزب العمل برئاسة اسحق رابين للسلطة بعد انتخابات العام 1992.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن