تعريف عراقي للذيول

كرم نعمة
karam@alarab.co.uk

2023 / 9 / 18

طلبت صحيفة نيويورك تايمز من 16 كاتبا إخبارها عن الأمور غير الأخلاقية التي تسللت إلى حياتهم، فاعترفوا من دون مواربة. وبالطبع كما هو متوقع وفق المعايير الأخلاقية الغربية، ستتبادر إلى الذهن صفات الكذب والندم والاستعراض الأجوف والمبالغة والغطرسة، في اعترافات هؤلاء الكتّاب، لكن هذا التحقيق المطول لو قدم إلى القارئ العربي سيعامل بلا اهتمام، فالأمور التي يعترف بها هؤلاء الكتّاب، إذا استثنينا صفتي الكذب والسرقة التي تتفق عليها معايير الأخلاق في كل المجتمعات، ليست من الأهمية بمكان عند المجتمعات العربية عندما تقارن بمعضلات الخيانة الوطنية والعمالة التي وجد لها القاموس المجتمعي والسياسي العراقي، تعريف “الذيول”.
بينما ينظر الأوروبيون مثل الأميركيين إلى الخصوصية على أنها تتعلق بالكرامة، المتأصلة في التصورات التاريخية عن الشرف، الذي غالبا ما يهتم بالحماية من تطفل الآخرين بمن فيهم الجار والقريب، فإن الاعترافات عن لا أخلاقية هؤلاء الكتّاب والممثلين، تستحق التأمل من قبل المواطن العربي عندما يضعها تحت مجهر معاييره المجتمعية، فمثلا تتحدث ممثلة أميركية عن كذبة كونها بريطانية، وهو أمر لا يقاوم أمام الرجال بالنسبة إليها، حتى اصطدمت بمن قال لها إن شكلها الأميركي مثير للشفقة!
مقدم برامج تلفزيوني يعترف بأنه يحب السرقة من متاجر المطار أثناء السفر، ويسوغ ذلك بالسحر الذي يتركه امتلاك واستخدام الأشياء التي لم يدفع ثمنها.
وكاتب آخر يعترف بأن أسوأ خصاله هي إخبار زوجته بأنه يحبها وهو ليس كذلك! وأخرى تتحدث عن النميمة التي ورثتها عن والدتها.
وتعترف بدواعي سرورها عندما تشارك زوجها بها.
لن أجازف وأعرض بقية الاعترافات التي تصل إلى حد البذاءة، لكن ألم يقولوا من قبل إننا نحكم على الآخرين بقسوة بسبب الخصائص التي ندركها في أنفسنا، وقد يكون هذا صحيحا. ويمكن لي أن أعرض عشرات الأمثلة من الواقع العراقي عن الأمور اللا أخلاقية المرتبطة بالكتّاب والفنانين، وأدرك بطبيعة الحال أن أي قارئ عربي لهذا المقال يمكن أن يدرج قائمة مماثلة من بلاده. ومع أنه يصعب على أي مطبوعة عربية أن تكرر نفس سؤال الصحيفة الأميركية في استطلاع محلي على كتّاب بلادها، فإنها ستواجه بالرفض المحتم من الغالبية العظمى من الكتّاب فلا أحد فيهم يجرؤ على الاعتراف بمساوئه الأخلاقية، وحتى إذا حصلت على إجابات من بعضهم، فهي في كل الأحوال ستكون مزيفة! أسوة بالمجاملات الفارغة التي يكتبها بعضهم على فيسبوك وإبداء علامات الإعجاب التي لا تعني شيئا.
كان رحيل الشاعر الغنائي كريم العراقي والفنان ياس خضر، المثال الأبرز والأقرب عن لا أخلاقية بعضهم، التي يدارونها، لكنها في لحظة ما تنفجر لتعبر عن طبيعة الابتذال الكامن في شخصياتهم.
فلا أحد منهم يمتلك تخويلا اجتماعيا لمحاسبة الموتى، كما أن الاحتفاء العربي غير المسبوق بالراحلين كريم العراقي وياس خضر، جعلهما أحياء، وجعل بعضهم يشعر بالضآلة، بدلا من استعادة الثقة بالنفس، ذلك ما سبق أن فسره صديقي الشاعر خالد مطلك بمقدمات نقدية غير أخلاقية في طبيعة بعض الكتّاب الذين يعرفهم أكثر مما أعرفهم! ويعيشون أوهام بعض العبقرية والعمق والتعالي(…) كشفت عنها وقائع الانهيار المعرفي والمجتمعي المستمر في العراق منذ عام 2003، معترفا “بأن زمنا جديدا من الكتابة يولد أمام كسلنا وهشاشتنا النقدية، أما نحن فسنبقى نطبع كتبنا ونهديها مجانا للأصدقاء والجيران ونكتب عليها إهداءات مملة”.
سيتكرر مثال الهجوم على الراحلين كريم وياس مع أقرب شخصية ثقافية أو معرفية يختارها الموت، لنكتشف المزيد من الضغينة والكراهية التي صار بعضهم يعرّف نفسه بها! “قل لي ماذا تكره كي أقول لك من أنت”.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن