أنهارٌ من زنبق: النهر الثاني

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 9 / 18

1
لا يتذكّر ميخائيل من إقامته في منزل المعلّم، التي إستمرت حتى مبتدأ الربيع، سوى أنه كانَ غالباً يلجُ كلّ مرةٍ في حلم يقوده إلى حلم آخر ـ كما سراديب متاهة، متصلة ببعضها البعض. كونه ما فتأ على شيءٍ من المرض، فلم يعلق في ذهنه سوى صوَر من تلك الأحلام، شبيهة بما يقدّمه " صندوق الدنيا " لطفلٍ ذي خيالٍ خصب، متخم بعوالم من التنانين والعماليق والغابات المسحورة والمحيطات المستحيلة. في حقيقة الأمر، أن بطلنا كانَ ناقهاً بعدُ، لكنه ما أنفكّ يجرّ ذيولَ حمّى البدن إلى حمّى الشجن. مع أنه أضحى على وعيٍ بيّن، بأنّ معذبته قد عبث دودُ القبر بجمالها ومن النافل تصوّرها دونَ قناع الموت.
في أثناء ذلك، كانَ والده يعودَهُ، مصطحباً الأم في بعض الأحيان، ليؤوبا من ثم إلى منزلهما مع فكرةٍ مشئومة بأنّ الإبن أصيبَ بلوثةٍ في عقله لا رادّ لها. إلى أن فاجأهما الفتى، بحضوره إلى المنزل ودونما حاجةٍ لرفقة معلّمه. في الوهلة الأولى، توهّم السيد جرجي أنّ الراعي يئسَ من حالة المريض وقررَ إبعاده إلى ذويه. إلا أنّ الإبنَ تكلّم مع والديه بطريقةٍ لا تدع مجالاً للشك ببرئه من علّة الكآبة، الموصوفة قبلاً من لدُن طبيبه. ولو أنّ الوالدين إغتمّا في قرارة نفسيهما، لما قال الإبن ببساطة أنه موجود في المنزل لساعةٍ، حَسْب، ريثما ينتقي بعضَ الكتب ومن ثم يحملها معه إلى المنزل الآخر. كذلك رفضَ الفتى بلطف أن يرافقه والده إلى ذلك المنزل، بحجّة أنه يبغي التجوّل قليلاً في دروب الحي بعد طول رقاد في الفراش. عقبَ خروجه، إلتفتَ السيد جرجي إلى إمرأته، ليقول: " أغلب الظنّ أنه سيذهب ليلقي نظرةً على منزل تلك المرأة، ما قد ينجم عن ذلك وقوعه ثانية بين براثن المرض النفسانيّ "
" لِمَ لا تلحق به، فتراقبه عن بُعد دونَ أن ينتبه؟ "، تساءلت الأم وقد إنتقل شعورُ القلق إليها. ردّ رَجُلها، فيما كانَ يتناول قبعته المستديرة من العلّاقة المعدنية: " فكّرتُ بذلك أيضاً، وها أنا ذا أمضي حالاً وراءه ". كانَ الوقتُ مساءً، يمر النسيمُ الربيعيّ على أطياف البيوت وأشباح البشر، يحملُ الأنفاس العذبة والأقاويل النمّامة على الدرجة نفسها من الأمانة. لقد خرجَ الأبُ خلفَ إبنه الوحيد، الذي يخشى عليه، ولا غرو، من كلّ غائلة سوء. كون الفتى قد سار في ذلك الدرب، المؤدي إلى بيت معلّمه، فإن الأب قفل راجعاً أدراجه. حينما سألته إمرأته عن سبب عودته سريعاً، أجابها وهوَ يتنهّد بشيءٍ من الإرتياح: " تأكّدتُ من ذهابه إلى منزل معلّمه، والشكر لله "
" لعل ما كانَ يحمله من كتب ثقيلة، منعه من الإطلالة على بيت تلك المرأة؟ "
" وربما أطل على بيتها قبل مجيئه إلينا، من يعلم؟ "، قال الرجلُ الملول ثم أضافَ بالنبرة المتفائلة السابقة: " على أيّ حال، المهم أنه آبَ إلى عادة القراءة، ما يعني إنشغاله بشيءٍ مفيد للصحّة العقلية "
" وماذا عن فكرتك في إرساله إلى الإمارة اللبنانية، لكي يواصل نهل علوم الطب من أحد أديرتها؟ "
" حانَ وقتُ تنفيذ الفكرة، وسأمضي معه ريثما يتحسّن الطقس أكثر وتذوب ثلوج تلك الأنحاء الجبلية "، أجابها فيما نظره غائمٌ وكأنما بدأ بإستعادة ذكرياته ـ ككاتبٍ عند حاكم الإمارة اللبنانية.
كانَ من المُستغرب بعض الشيء، أن يتفق هوى السيد جرجي مع إمرأته في شأن فكرة إرسال الإبن إلى ولايةٍ أخرى، وهوَ وحيدهم؛ بالأخص، أن هذا قد أبلَ من مضاعفات عشقه المُحبَط. إلا أنّ الوالدين لا بدّ وكانا يشعران بعدم الإطمئنان لوجوده في رعاية المعلّم، الذي إمتلأت مكتبته بمؤلّفاتٍ ومخطوطاتٍ وضعها مسلمون من أبناء مهنته أو ممن يُعرفون بالفلاسفة والحكماء. لم يشفع للنطاسيّ حقيقة، أنّ أولئك المؤلّفين قد عاشوا في عصور سحيقة القِدَم، فأشاعَ البعضُ في الحيّ عن تصنّعه بديانته. هذا، بالرغم من أنّ الرجلَ يجهرُ تقريباً بإلحاده، ويقول أن الثورة الفرنسوية عملت حسناً بشنق رجال الدين وتركهم أياماً معلّقين ـ كما أجراس الكنائس.
ثمة سبب آخر، يُجيز التفكير فيه بالمسألة نفسها، ويتعلّق بأحوال الولاية الشامية. خطرُ إجتياح الأعراب للولاية قد زالَ، وذلك بهزيمتهم في معركة مزيريب في حوران، على يد " شمّو آغا "، زعيم كرد المدينة. ولكنّ الوالي كانَ قد أبقى التدابيرَ، المُستهدفة التضييق على النصارى بشكلٍ خاص. ثم أذنَ عهده في الزوال بدَوره، وربما لتأخره عن ردّ أولئك الوهّابيين المتزمّتين، الذين تشبّه بهم أو شاءَ مصانعتهم بتلك التدابير. ما أن تسلّم الكنجُ فرمانَ إعفائه من منصبه، إلا وقررَ العصيانَ، مَدعوماً من قبل الوجاقات والأورطات على حدّ سواء. فالأولون، كانوا من الإنكشارية، الناقمين على الباب العالي لتفكيره في إستحداث جيش جديد. أما بخصوص الآخرين، فإنّ الكنج نفسه كانَ في السابق من قادة إحدى فرقهم، المعروفة بالدالاتية. لاحقاً، مع إنكسار قواته في موقعة جرت في برّ الشام، أضطر إلى التحصّن في القلعة. ثم بدأت قنابل مدافع الخصمين في السقوط هنا وهناك، لتعيش المدينة في كابوسٍ لما يزيد عن الشهر. أخيراً، تسللَ الكنجُ من القلعة كي ينتقل من ثم إلى الإمارة اللبنانية، ليركبَ البحرَ بعدئذٍ إلى عزيز مصر، ملتجئاً لحماه.
كل تلك الدواهي، التي ألمّت بالحاضرة مؤخراً، أصدى وقعها في ذهن والد ميخائيل، فعززَ من فكرته حول إنتقال الإبن إلى جبل لبنان، ليحظى هوَ أيضاً بعطف وحماية حاكمه؛ الأمير بشير الكبير. دونَ أن نسلوا، ما علمناه عن رغبة الأب في إبعاد الفتى عن تأثير المعلّم. في واقع الحال، أنه وإمرأته شُحنا ببغض النطاسيّ، كونه عجزَ عن شفاء إبنتهما البكر ذات الأعوام الثلاثة، وكانت تعاني من اليرقان. إذ إتبع الوالدان الطريقة المألوفة، بوضع المريضة في حجرة خالية من الأثاث، مصبوغة باللون الأصفر، وذلك لإمتصاص هذا اللون من جسمها. فلما لم يُجدِ هذا العلاج نفعاً، إستنجدا بالنطاسيّ. وإذا هوَ يعمد لطريقةٍ شبيهة، وذلك بتعريض الطفلة المريضة لأشعة الشمس هذه المرة. كانَ الوقتُ صيفاً، وقد أوصى الرجلُ بوقاية رأس الطفلة من أشعة الشمس. لكن الأم سهت في أحد الأيام عن الوصية، ما أدى لإصابة إبنتها بضربة شمس توفيت على أثرها.
حينما مرضَ ميخائيل، وطلبت من أبيه الإتيان بالنطاسيّ، فإنه ذكّرها بفشله في إنقاذ حياة إبنتهما البكر. عند ذلك، إعترفت لأول مرة أنها هيَ مَن تسببت بموت الطفلة حينَ لم تلتزم بوصية الطبيب.

2
منزل النطاسي، الذي علمنا أنه كائنٌ في حارة الزيتون، كانَ أيضاً من دورَيْن. وقد أعطيَ المساعدُ في أثناء فترة نقاهته حجرةً في الدور العلويّ، لها باب داخليّ يُفتح على المكتبة. منذ برئه من خيالات الحبيبة الراحلة، إعتادَ ميخائيل على قضاء ساعاتٍ في تلك الحجرة، ممسكاً بأحد المجلدات أو متأملاً نسخاً من رسوم الرحالة، المنذورة لمدن مشهورة في المشرق ـ كدمشق والقاهرة والقدس. جدران حجرة المكتبة، كانت مزيّنة بأسلحة بيضاء وجلود حيوانات وحشية وقرون غزلان، مثلما أنّ إحدى الزوايا تحتلها كرة كبيرة من خشب العرعر، نقش عليها خريطة للعالم، تضمنت القارة الأمريكية، التي سمع عنها ميخائيل قصصاً شبيهة بخرافات الجدّة حينَ كانت تساعد حفيدها على الإغفاء ليلاً. إلا أنّ قصصَ المعلّم، كان يجدها واقعية تماماً، بالرغم من طريقة روايتها الممتعة، المذكّرة بالجدّة. هنا في هذه العليّة، تناقشا في أمور تخصّ أحوال الحاضرة، وذلك على خلفية الصراع بين الكنج والوالي الجديد، المدعوم بقواتٍ من الولايات المجاورة. مع أن قنابل مدفعية الخصوم كانت تتساقط على المدينة الإسلامية، إلا أن المنزلَ كانَ يهتزّ كل مرةٍ بدويّ قويّ أو أقل وطأة بحَسَب قرب مصدر النيران من الحي المسيحيّ أو بعده.
كعادته، كانَ المعلّم يُسهب في تحليل أسباب الصراع وخلفياته، وصولاً أحياناً لحقبٍ قديمة. وهوَ ذا يتكلمُ مع مساعده عن نتيجة الصراع، المنتهية بهزيمة الكنج وهروبه إلى مصر: " على خلاف الولاة، الذين تسنّموا حكم الشام غبّ خدمتهم الدولة في وظائف سامية، فإنّ الكنج لم يكن بالأساس سوى حارساً عند متسلّم حماة، المدعو سمو آغا. وقد إنتبه الآغا إلى ما حظيَ به خادمه من فطنة وتبصّر وشجاعة، فأخذ يوكلُ إليه تنفيذ مهماتٍ على شيءٍ من الصعوبة والخطورة. كانت عينُ الآغا على ولاية طرابلس، المجاورة، المعروفة بغناها بسبب ما يصبّ في مرساها من خيرات جبل لبنان، التي تنقل بالسفن إلى أوروبا، أو القادمة من تلك القارة وهيَ تذخر بالمصنوعات من كل صنف. الصلة القوية للمتسلّم بحاكم جبل لبنان، الأمير بشير، جعلته يهرع لتأديب خصومه حتى في أماكن بعيدة ـ كالشوف وجبل عامل. لم يكن يخفى على أحد، بما قي ذلك الباب العالي، توق الأمير بشير للإستقلال بعدما عانى الكثير من تدخل حكّام الولايات الأخرى؛ وبالأخص، والي عكا الغاشم، المدعو بالجزّار. هذا التوق للإستقلال، كانَ بالأحرى أكثر شدّة لدى والي بلدٍ، ناءٍ عن الأستانة، وأعني محمد علي باشا، حاكم مصر. أكثر من سفارة إلى كلا الحاكمين، تعهّدها الكنجُ بأمر من سيّده، وكانت في غاية الكتمان. ثم إنتقل مع الملّا سمو إلى الشام على رأس فرقته، المعروفة بالدالاتية، وذلك بهدف التصدّي للغازي الفرنسويّ، بونابرته. مع تراجع الغازي أمام أسوار عكا وعودته لمصر، فإن الملّا سمو لم يبرح الشامَ، فدخل في صراعاتٍ متعددة إلى أن لقيَ مصرعه. الكنج، لم يخلف سيّده، حَسْب، وإنما أيضاً ضمّ حريمه؛ بما في ذلك الزوجة المفضّلة، غوليزار، التي ضربَ الشوامُ مثلاً بجمالها وذكائها وميلها للخير والإحسان. لكن رَجُلها، حينما أضحى والياً على الشام، بدلاً عن الإستئناس برأيها السديد، فإنه إتخذَ شيخاً من ملّته، متزمّتاً وجاهلاً وجشعاً. وما تلك التدابير بحق ملّتنا والملّة اليهودية، المتأثر بها أيضاً المسلمون أنفسهم، إلا من تصاريف العقل السفيه لذلك الشيخ ".
سكتَ المعلّم، ليبل ريقه بقدح الماء، فسأله المساعدُ الفتيّ وقد إنتعشَ فضوله: " وماذا بشأن خزين أموال الكنج، وهوَ المُحتكر أكثر من صناعة وتجارة؛ ولا شك أنها أموالٌ طائلة، والحالة تلك؟ ". ردّ المعلّم بنبرة يكتنفها الغموضُ، متوافقة وما كانَ يُشاع من أخبار بهذه المادّة: " ثمة أكثر من رأي، ولو أنّ المرجّح نقله لأمواله إلى مصر، وذلك حينَ قررَ عصيان فرمان الباب العالي، القاضي بعزله عن الولاية "
" إذاً كانَ يُدرك، سلفاً، أنّ الهزيمة ستلحقه؟ "
" لا أعتقدُ ذلك، على الأقل في بداية العصيان. لأنه كانَ يأمل بنجدةٍ، تصله من جهة الأمير بشير أو حتى من لدُن حاكم مصر "
" حريمه وأولاده، هل بقوا معه في القلعة أم سيّرهم أيضاً إلى القاهرة؟ "
" إنه لم يرزق بأولاد، فتبنّى الطفل الوحيد، الذي أنجبته غوليزار من ملّا سمو. وأظن أنهم الآنَ تحت جناح محمد علي باشا، ولعل الكنج قد إنضمّ إليهم أيضاً "
" أمن المُمكن أن يعود الكنج لحكم الشام، بوساطة من محمد علي باشا مع الباب العالي؟ "
" هذا أمرٌ مستبعدٌ. لكنني أعتقدُ أنّ محمد علي باشا هوَ مَن سيفيد من معلومات ضيفه، لو فكّرَ يوماً بإنتزاع بلاد الشام من يد الباب العالي "
" أظنك كلمتني مرّة عن سميّه، علي بك الكبير، الذي كاد في القرن المنصرم يضمّ بلاد الشام لمصر لولا خيانة مملوكه، المدعو بأبي الذهب "
" أحسنت، يا بنيّ! إنك تتمتّع بذاكرة قوية في موضوع التاريخ، بالرغم من ميلك للعلوم الطبيعية "، قال المعلّم فيما يربت بيده على كتف مساعده. ذاكرة ميخائيل، كانت متّقدة بالفعل حتى أنه يذكر مدى رعبه في أوان الطفولة حينما كانت والدته، رداً على هفوةٍ إرتكبها، تنذره بأنه لو كررها ستوعز للأب بتسليمه لآمر الإنكشارية كي يُربّى في القشلة كصبيّ مسلم، مقاتل، بعدما يتم ختانه.

3
ذات يوم، وكانت شمس الربيع من السخونة أن أضفت لوناً بنفسجياً على أوراق عريشة " المجنونة "، المتسلّقة حتى الدور الثاني، أتى ميخائيل كالعادة إلى الدار كي يأخذ كتباً جديدة ويعيد الكتبَ، التي قرأها في خلوته بمنزل المعلّم. تلقاه والده بالتنحنح، فيما كانَ يرمقُ الأم بنظرةٍ مواربة وحذرة. أدرك الإبن عندئذٍ أن ثمة موضوعاً مهماً، يتعلّق ربما بمستقبله، إتفق عليه الوالدن. لم تطل النحنحات، على أية حال، وهوَ ذا ربّ الأسرة يُفاجئ إبنه الوحيد بفكرة إرساله إلى الإمارة اللبنانية كي يصقل دِرْبته في مجال الطب على يد أساتذة أحد الأديرة. تفطّن ميخائيل إلى أن الأم تفرك يديها بحركة معبّرة عن التوتر، ما دلّ على أنها على علم مسبق بالفكرة وربما تشعر الآنَ بالندم.
في المقابل، فاجأ الإبنُ أباه بالسؤال عن موعد السفر. إنه لم يكد حتى قد أعطى لنفسه وهلة تفكير، وكما لو كانَ بدَوره على علمٍ بخطّة الأب. هذا الأخير، إندفع في حركةٍ، مُضحكة ومؤثرةٍ في آنٍ معاً، ليعانق إبنه: " كنتُ أدرك أنك من التعقّل وسداد الفكر، ألا تعارض رغبتنا في تحديد مستقبلك "، قالها مُشدداً على صيغة الجمع فيما يتطلّع إلى إمرأته. هزّت هذه رأسَها كدلالة على الموافقة، دونما أن تتمكّن من منع دموعها عن الإفصاح عن إنقلاب رأيها في شأن السفر. مع ذلك، لم تجُز لنفسها الحق في الإعتراض على مشيئة الزوج. ولعل ضميرها إرتاحَ، طالما أنّ الإبنَ الحبيب أبدى حالاً موافقته على الفكرة. من ناحيته، فإنّ الأب الفخور بما حظيَ به من طاعة، ردّ على السؤال بالقول: " كنتُ أنتظرُ ذوبانَ الثلوج، لكي لا تعيق سيرَ عربتنا في تلك الأنحاء. بهذه الحالة، سنسافرُ في غضون أسبوع واحد ". ثم أضافت الأم على كلام زوجها، مبتسمة ومن خلال الدموع: " سأبادر من فوري لتجهيز المؤونة، اللازمة للسفر، فضلاً عما تحتاجه أنتَ منها "
" نعم، للخوارنة معدة مُتطلّبة وسيكون حسناً أن يصيبوا شيئاً من طعامنا، على الأقل في الأيام الأولى من حلول ميخائيل تحت سقف ديرهم "، علّق الأبُ ضاحكاً كي يُشيع المرح في موضوع السفر والفراق. إلا أنّ ميخائيل بقيَ بهيئةٍ متحفّظة، ما جعل شعور القلق يحلق فوق رأسي الوالدين. ربما إنتابتهما فكرة واحدة، عما لو كانَ الإبن ما إنفكّ تحت تأثير المرض النفسانيّ. وعلى ذلك، فمن المحتمل أنهما رجّحا قبوله بفكرة السفر لكي يبتعد عن موئل ذكرياته الأليمة. ثم ما لبثَ أن أكّد تلك الظنون، حينما نظرَ إلى كتبه، التي كانَ من المفترض أن يأخذها معه إلى منزل المعلّم: " سأقرأ هذه الكتب هنا، في حجرتي "، قالها بنبرةٍ غائمة. عند ذلك، سأله الأبُ مدهوشاً: " ألا تودّ وداع النطاسيّ؟ ". هزّ الإبنُ رأسَه بإشارة نفي، وما عتمَ أن حملَ كتبه لإعادتها إلى حجرة الدور العلويّ.
ولكن المعلّم حضرَ في أصيل اليوم التالي إلى متجر الأب، بغيَة الإطمئنان على وضع مساعده. فإنّ هذا الأخير، إعتاد منذ زهاء شهرين على العودة إلى منزل راعيه عقبَ كلّ زيارةٍ لمنزل أسرته. برغم جفاء الباطن، إستقبل السيد جرجي الرجلَ بإحتفاء وكرم. فيما كانَ يحتسي معه شرابَ تمر الهند، البارد، حدّثه عن موضوع سفر ميخائيل إلى الإمارة اللبنانية. لكنه إمتنع عن ذكر الدراسة على أيدي رهبان الدير، وذلك مراعاة لشعور الرجل، الذي كانَ له الفضل في إنقاذ الإبن من التوهان في حلقة الكآبة، المُهلكة. عقّبَ النطاسيّ بكلمة مقتضبة، تمنى فيها التوفيق لمساعده الفتيّ. لاحَ مُتأثراً بالخبر، وطفقَ شارداً يتأمّل حركة السوق لحين أن أستأذنَ بالإنصراف. لدى عودة السيد جرجي إلى المنزل، تكلم عن زيارة النطاسيّ بحضور ميخائيل ووالدته. غمغمت الأم بنبرة إشفاق: " ليتَ أنّ سيّدنا أوجدَ في السماء مساحة بين الفردوس والجحيم، مُخصصة لأمثال النطاسيّ من ناكري الإيمان ".
روزنامة المنزل، إنتزع منها في نهار السفر ورقة تفيد بأنّ اليومَ هوَ السابع من أيار/ مايو عام 1815. تمتمَ الأبُ فيما كانَ يدسّ الورقة في جيبه، وكأنها رقية مُباركة: " لقد بلغ إبني منذ بعض الوقت السادسة عشرة، وإنها ذات السنّ التي ظهرت فيه الرؤيا لبولس الرسول على طريق دمشق ". لقد كانَ يأملُ في حلول الإبن بالدير، أن يتطهّر قلبه وذهنه من آثار أفكار النطاسيّ، المعلومة. وكما توقّعَ، فلم يأتِ الرجل لوداع تلميذه، الذي عدّ بمثابة ربيبه وذراعه الأيمن. إنطلقت العربة المشدودة بالخيل ( الكرّوسة ) من أمام المنزل، وكان الوقتُ في الصباح الباكر، ومن المؤمل أن تصل إلى دير القمر في مساء اليوم نفسه. الحوذيّ، الذي تم إستئجاره مع عربته من سوق الخيل، كانَ رجلاً متوسّط العُمر، يميل إلى الصمت ـ كمعظم أبناء مهنته. لكنه لم يخلُ من طرافة الطبع، مثلما تبيّن من تعليقه على تحيات مَن يعرفهم في السوق. إذاك، كانت أم ميخائيل ترسم علامة الصليب، تعبيراً عن جزعها من تجديف الحوذيّ، المنتمي للملّة المحمدية. لكنها، في المقابل، شكرت ربّها لأن منع النصارى من ركوب الخيل لا يشمل عربات السفر. من ناحيته، أخذ السيد جرجي بالثرثرة، طالما أنه يتذكّر بشكل جيد معالمَ الطريق. فلو إستعصى عليه معرفة مكانٍ ما، كانَ يستعين بالحوذيّ. فما أن ينطق هذا الأخير بجملةٍ، إلا وتعاود المرأة المُتطيّرة رسم شارة الصليب على صدرها. بينما إلتزمَ ميخائيل بالصمت غالباً، مع أنّ روحَ الدعابة لم تكن تعوزه لو خاطبه رجلُ الكرّوسة في بعض الأحيان. ثم توقفت العربة في خان على الطريق، ليتم تبديل زوج الخيل، فتناولوا عندئذٍ طعام الغداء. في أثناء الأكل، ذكر ميخائيل معلومة إستمدّها من معلّمه: " يُقال أنهم في أوروبا يتنقلون بقاطرة، تمشي على سكّة حديدية ومدفوعة بمرجل بخاريّ، وفي وسعها حمل خمسين شخصاً دفعةً واحدة ". أبدى الحوذيّ ذهوله من المعلومة، وطلبَ توضيحاً بخصوص المرجل البخاريّ. لم يكن الفتى نفسه يُحيط بتفاصيل هذا الإبتكار العجيب، فأكتفى بالقول في إقتضاب: " هوَ المحرّك، الذي يستخدم بخار الماء للضغط على عجلات القاطرة، فتندفع إلى الأمام بقوّة مع ما تحمله "
" وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حيّ "، تمتم الحوذيّ في ورع بهذه الآية القرآنية. ثم أستطرد بالقول: " هكذا قاطرة، ضرورية لطريق سفرنا، بالأخص في إجتياز منطقة صوفر، شديدة الوعورة ".

4
دير القمر، عُرفت بهذا الإسم، على الأغلب، كون العمل على إشادة دير البلدة ـ كمقر للأسرة المعنية الحاكمة، فوق ذلك ـ قد تم ليلاً تحت ضوء القمر. مجازاً أيضاً، يُمكن القول بأنها غدت " قمر " الإمارة اللبنانية فيما كانت بقية الإمارات والولايات بمثابة النجوم. إنّ حاكم الإمارة الشهابية، " حيدر "، قد توفي عام 1754 دونَ أن يخلفَ ولداً كي يرث عرشه. ومن غرائب الأقدار، أنه أضحى حاكماً كونه إبن أخت آخر أمراء بني معن، الذي كان بدَوره بلا أولاد. على فراش الموت، أوصى الأمير حيدر بأن يؤول الحكم لإبن أخيه، " قاسم "، لما توسّم فيه من الحكمة والرحمة. بيد أنّ الإمارة اللبنانية، المُحاطة بالوحوش المنتظرة فرصة سانحة لإلتهامها بسبب غناها، كانت بحاجةٍ إلى حاكم شديد البأس وليسَ عادلاً حَسْب. كذلك فكّر شقيقا الأمير الراحل، حينما أبعدا ببساطة قاسماً، إبنَ أخيهما، وتقاسما حكمَ الإمارة. هذا الأخير، غادر دير القمر بصورةٍ مهينة وزريّة، ليستقر عند أقاربه في بلدة غزير بمقاطعة كسروان. الهموم وفقر الحال، عجّلا بموته، تاركاً إمرأة شابّة ووليداً عٌمره بضعة أشهر. لم يكن الوليدُ سوى من سيُضحي أرفع وأشهر حكّام لبنان، وبالطبع بعد الأمير " فخر الدين "؛ المُكنّى بالمعني الثاني. " بشير " هذا، ورثَ فقرَ أبيه، ولما غدا شاباً علمَ أنه كانَ من المفترض أن يرث حكم الإمارة لولا غدر ذينك العمّين. عدا عن مرارة اليتم والفقر، فإن الفتى فقدَ حنانَ الأم، التي سرعان ما تزوجت تاركة إياه في كنف خادمة، سبقَ ولزمت الأب بإخلاص ووفاء، نادرين.
في تلك الأونة، كانت الإمارة الشهابية قد آلت إلى " يوسف "، الذي كانَ من سوء الفأل أنّ خادمه السابق لم يكن بذلك الإخلاص والوفاء. هذا الأخير، كانَ قد إستحقَ حديثاً لقبَ " الجزّار "، وذلك على أثر قيامه بدم بارد بسلق جميع نساء حريمه في قدور ضخمة. دافع المجزرة، أن الجزّار وكانَ قد عُهد إليه ولاية الشام فضلاً عن حكمه لعكا، قد سار بالمحمل الشريف إلى الحج. لما عادَ، نمى إليه أن قائد حامية قلعة عكا، ملا سمو آغا، قد قضى ليال رائعة في الحريم بصُحبة رجاله من فرقة الدالاتية. وقيل أيضاً، أنه على أثر المجزرة ثار أولئك الفاسقون وكادوا يخلعون الحاكم عن عرش الولاية لو أنه لم يقم بإسترضائهم. المرأة الوحيدة، الناجية من المجزرة، وكانت صغيرة السنّ، طلبها ملا سمو زوجةً له؛ وهذا كانَ من شروط إتفاق الصلح مع الحاكم.
قلعة عكا، كانت أعظم قلاع بلاد الشام منعةً، وإنها هيَ من أعجزت الغازي الفرنسويّ، بونابرته، وجعلته يعود مخذولاً إلى مصر. ولكنه في أثناء الحصار، توصّل إلى مراسلة الأمير يوسف الشهابي، فأخذ منه وعداً بالتعاون معاً ضد الجزّار. فإنّ هذا الأخير، لم يكن يقنع بالمبلغ الجسيم، المقدّر بنصف مليون غرش، كضريبة على الإمارة اللبنانية، بل إستمر بإبتزاز حاكمها طالباً منه المزيد من المال. الرعية، الذين أثقلت ظهورهم الضرائب، ما لبث أن ثاروا وحصلوا على مباركة وتأييد رجال الإقطاع والإكليروس. كانَ الأمير يوسف لا يكاد ينتهي من القضاء على تمرد هنا، إلا ويرى نفسه بمواجهة تمرد في مكان آخر. على ذلك، نفهم حقيقة دافع تأييده غير المُعلن للفرنسويين، أملاً في الخلاص من جور الجزّار وجشعه. بمجرد تقهقهر بونابرته، فإنّ حاكم عكا المنتصر، إلتفتَ إلى ناحية الأمير يوسف كي يعاقبه على تعاونه مع الفرنسويين. يُقال في هذا الشأن، أن رسالة حملها حمام الزاجل ووقعت بيده، هيَ مَن أطلعته على ما عدّه خيانة حاكم الإمارة اللبنانية. حتى وقيل أيضاً، أن الجزّار إتهم الأمير يوسف بدعم تمرد زعيم الدالاتية، ملا سمو آغا.
من ناحية أخرى، كانَ ثمة أسرة عريقة، تمتّ بالنسب لآل شهاب. إنّ " علي "، الجد الأول لأولئك الأقارب، كان سليلاً لأحد الحكّام الأيوبيين في ولاية كلّس، التي كانت من القوة والإتساع أن شملت مدناً كبرى ـ كحلب وعينتاب وأنطاكيا. أساساً، كان الرجلُ يُدعى إبن عربو، لكن السلطان العثماني، " سليم الأول "، قدّر بسالته في معركة جالديران ضد الصفويين، فأطلق عليه اسم " جان بولاد: الروح الفولاذية ". كون آل معن، يرجعون أيضاً بنسبهم لإحدى الأسر الأيوبية الحاكمة في بلاد الشام، فإنهم سرعان ما أحتضنوا سليلاً من تلك الأسرة الجنبلاطية، كان محتجزاً في قصر الباب العالي في الأستانة ـ كرهينة، على عادة سلاطين بني عثمان مع من يثور ضدهم من حكّام الولايات. وقد إقترن ذلك الجنبلاطيّ بإبنة شيخ الدروز، فلما إحتضر حموه دونَ أن يخلف ولداً، أوصى بأن تنتقل الزعامة إليه. إنّ شيخ الدروز الجديد هذا، " بشير "، هوَ سليل ذلك الجنبلاطيّ الأول، وسيكون له شأنٌ عظيم في وصول البشير الآخر، الشهابيّ، إلى سدّة حكم الإمارة اللبنانية.
في الأثناء، كان من سوء حظ الأمير يوسف أنّ أحد أقاربه الشهابيين، وكانَ حاكماً لبلاد المتاولة، قد توفيَ مؤخراً. إذ إنُتدبَ مساعدُهُ، بشير، للذهاب إلى تلك الناحية كي يجرد أموال وأملاك الحاكم الراحل. عندئذٍ، وقع نظرُ إمرأة هذا الأخير على الشاب المنتدب، فأحدث أثراً طيباً في قلبها ومشاعرها. الخلاصة، أنّ بشيراً آبَ من تلك المهمة وهوَ زوج الأميرة " شمس "، التي عدّت من أكثر الناس ثراءً. بفضل المال، المتوفّر لديه، فإنه إشترى ثقة والي عكا، الناقم أصلاً على الأمير يوسف. ولأن الأمير كان يدعم المشايخ النكدية، المنافسين التقليديين للأسرة الجنبلاطية، فإن الشيخ بشير دعمَ سميّه في سعيه لإنتزاع الحكم من الأمير يوسف. منذئذٍ، وإعتماداً على قواتٍ غالبيتها من المرتزقة، جرى تتبع الأمير يوسف من مكان لآخر حتى وقع أخيراً بيَد مَن أضحى حاكمَ الإمارة باسم " بشير الثاني ". وقد أرسلَ الأميرُ يوسف مغلولاً بالحديد إلى عكا، أين نفذ فيه حكم الإعدام شنقاً. ثم إلتفت الأمير بشير إلى ناحية أقاربه الآخرين المنافسين، ومنهم أولاد الأمير يوسف، فسمل عيونهم وصادر أملاكهم. بثروته الكبيرة، المنتفع بها من إقترانه بالأميرة شمس، وبما عاد إليه من ثروات وأملاك أولئك الأقارب المبخوسي الفأل، كانَ في وسع الأمير بشير إشباع نهم والي عكا، الجزّار، الذي كان قد توفيَ قبلَ وصول بطل قصتنا إلى دير القمر بنحو عشرة أعوام.

5
كانت الأمور على تلك الحال من الهدوء، وربما الرغد أيضا، لما حط الرحال بالأسرة الدمشقية في بلدة دير القمر، التي صارت منذ بعض الوقت تٌعرف بأنها العاصمة السابقة للإمارة اللبنانية. ذلك أنه في هذا العام تحديداً، إنتهى بناء قصر الأمير بشير في بلدة بيت الدين، المجاورة، وإنتقل للعيش فيه؛ وأيضاً، بالطبع، لتداول الأحكام من ديوانه. سابقاً، على زمن خدمة السيد جرجي، كانَ يلازم الأميرَ في قصر بلدة دير القمر، المُشاد من قبل الأمير فخر الدين المعني. وفي أثناء وصوله إلى البلدة، بعد غياب طويل، فاجأ الحوذيّ حينَ دلّه على الطريق، المؤدي للقصر. قال له الرجل: " أتود رؤية ذلك القصر، وقد حل الظلام؟ "
" بل سأزورُ الأمير بشير، المقيم في هذا القصر "، ردّ عليه السيد جرجي ببساطة. بقيَ الحوذيّ برهة يتأمل مُخاطبه في كثير من الدهشة، ثم ما لبثَ أن ساط الخيل في الطريق المشار إليه. راكبو العربة، كانوا قد شعروا بالبرودة مذ بدأت بتسلق الجبل، وسرت فيهم القشعريرة لمرأى الثلوج على القمم، التي بدأت شمسُ النهار بإذابتها لتنحدر مياهً عذبة عبرَ الوديان أو لتتفجّر على شكل ينابيع من قلب الصخور. فيما بعد، سيلمّ ميخائيل بمأثرة المهندسين المحليين في جر مياه أحد تلك الينابيع إلى قصر الإمارة في بيت الدين.
عربتهم كانت قد تناهت إلى القصر القديم في البلدة، الذي كانت واجهته بارزة إلى الأمام، وقد إنفتحَ فيها زوجٌ من القناطر مع عدد من النوافذ. شعورُ الدهشة، تلبّسَ السيد جرجي هذه المرة وهوَ يرى خمود أنوار القصر وإنعدام وجود حراس على مدخله وفي محيطه. إلى أن مرّ عابر سبيل، فعلم منه بقصة القصر الجديد في بيت الدين. فيما كانَ والد ميخائيل يتفكّر في حيرة، إذا بشبحٍ يتراءى من القسم الأيسر من القصر، وما أسرع أن قدم كي يؤكّد أيضاً تلك المعلومة، بصفته من حراس المقر المهجور. بدوره، عرّفَ السيد جرجي عن نفسه بصفة الكاتب السابق للأمير، مستعملاً إسمه الحقيقيّ؛ جرجس. عند ذلك، إقترحَ الحارسُ عليه أن ينزل ومن معه في القصر، ليبيتوا هذه الليلة: " وغداً صباحاً، أرسلُ خبراً للأمير بوجودكم هنا ". لاقت الفكرة إستحسان الضيف، الذي لم يرَ من الحكمة أن يمضي مع العربة ليلاً إلى القصر الجديد، الكائن في البلدة الأخرى. هكذا تعاون الرجال الأربعة في إنزال سلال المؤن والحاجيات من الكرّوسة، ومن ثم حملها إلى إحدى حجرات القصر في الدور الأرضيّ. عقبَ مضيّ العربة مع الحوذيّ إلى خان البلدة، هُرع الحارسُ لتأمين ما يلزم منامة الأسرة من فراش وأغطية ووسائد. وقد قبلَ الرجلُ بسرور دعوتهم إلى العشاء، فأتى وهوَ يحملُ دمجانة من النبيذ، الذي خمّره بنفسه ـ كما قال بزهو. كانَ إسمه " مخول "، وقد إلتحقَ بخدمة القصر بعد عودة الأمير من منفاه في حوران. بسبب ما عانوه من إرهاق في خلال الرحلة، وأيضاً بتأثير النبيذ، فإنّ الضيوفَ هجعوا إلى الرقاد مباشرةً بعد العشاء.
في صباح اليوم التالي، كانَ السيد جرجي أول من أفاق من النوم، مع أنه أفرط قليلاً بشرب النبيذ مساءً لشدّة بهجته بوجوده في قصر الذكريات. غبّ خروجه من الحمّام وتجرعه قدحاً من ماء الجرّة، المجلوب من النبع، راحَ يطوفُ في مماشي الدور الأرضيّ. كأنما كانت ذكرياته دليلاً، يقوده من مكانٍ إلى آخر. حتى صادفَ الحارسُ في طريقه، وكانَ ما إنفكّ يترنّحُ بعضَ الشيء من أثر السكر. خرجَ معه إلى مدخل القصر، المحاط بمناظر طبيعية خلّابة. سأله الحارس بنبرة تتبطّن الحذر: " هل حظيتم بنومٍ هانئ، يا سيّدي؟ "
" نعم، مع أنني أفقت ليلاً أكثر من مرة كي أشدّ الغطاء على جسدي "
" أكان البردُ، حَسْب، هوَ سبب بلبلة نومك؟ "
" وماذا سيكون غيره، يا صديقي؟ "، تساءل السيد جرجي ضاحكاً. هنا، أضفى الآخرُ على سحنته علامة غامضة قبل أن يرد بالقول: " أرجو ألا تهزأ بعقلي، أنا الشيخ المسنّ، لو أكّدت لك أنّ طيف الأمير المظلوم، يوسف، يتجول ليلاً في جنبات القصر ويتردد صدى شكواه "
" ولكن قصر الأمير يوسف، قائمٌ في الجانب الآخر من البلدة؟ "، قاطعه السيد جرجي. هزّ الحارسُ رأسَهُ، وردّ بالقول: " بلى، أعلم ذلك بالطبع. لكنه هنا، في هذا القصر، حُبس ولاقى الذل والهوان، وذلك قبل سوقه إلى عكا كي يُشنق. وأظن أنّ تشييد الأمير بشير لقصر جديد في بيت الدين، عائدٌ إلى توقه في الإنعتاق من طيف سلفه "
" على أية حال، سأجتمعُ اليوم مع الأمير وأتمنى أن أراه بصحة جيدة ومزاج ممتاز "
" ولكنك يا سيّدي لن تذكر له شيئاً بشأن الرؤيا، أليسَ كذلك؟ "
" إطمئن بالاً، أيها الشيخ الطيّب "، أجابَ السيد جرجي وهوَ يربت بيده على كتف الرجل. لاحقاً، حينَ أبدى الحارسُ إستعداده للذهاب إلى بيت الدين، فإنّ الضيفَ شكره وقال: " بل سامضي بنفسي، وما عليك إلا إستدعاء ذلك الحوذيّ وعربته من الخان ". بنفس التواضع، دعا الرجلَ إلى تناول الفطور بمعيّة الأسرة. فما لبث الجميع أن تحلقوا من جديد حول الطاولة المستديرة، الموضوعة في منتصف صالة تفصل حجرة النوم عن حجرة الإستقبال. بفراغهم من تناول الفطور، ركب السيد جرجي مع إمرأته وإبنه في الكرّوسة، وما عتمَ الحوذيّ أن وجّه للخيل لسعةَ سوطه، المؤذنة بالمسير. مشاهد الطريق كانت في غاية الروعة، وكانت قد حجبتها العتمة عن أعينهم في مساء البارحة. شميمُ أشجار الصنوبر العطريّ، رافقت الركبَ مع أصوات الطيور، المستقبلة هذا الصباح الربيعيّ الدافئ بموجةٍ من التغريد وهيَ تتقافز على الأغصان الندية. لم يطل الأمرُ، إلا وظهرَ قصرُ بيت الدين خِلَل الأشجار، وقد إنبسطت ثمة ساحة فسيحة، إمتلأت بأهل البلدة وأيضاً بمن يسعون لمقابلة الأمير أو إيصال شكواهم له.

6
قصر بيت الدين، كانت واجهته على شكل الإيوان الدمشقيّ. بل وعمارة القصر، كانت تشبه بمقدار وافر عمارة قصر العظم بدمشق. كانَ جلياً، تأثر الأمير بشير بمشاهداته في الشام، التي بقيَ فيها لبعض الوقت متخفٍ عن عيون الجزّار، وذلك قبل إلتجائه إلى حمى دروز حوران. لقد بقيت أجيال من أسرة ميخائيل، تتداول أسطورة عن إختباء الأمير في منزلهم بدمشق؛ ولو أنّ الأب، على أية حال، قد إمتنعَ عن تأكيد ذلك في حياته. وهوَ ذا يلجُ وحده لمقابلة الأمير، تاركاً إبنه مع الأم في إنتظاره بالكرّوسة. لم يشأ إصطحاب ميخائيل، بالرغم من أن داعي وجوده في الإمارة اللبنانية هو تأمين مستقبل الابن من خلال مواصلة دراسة الطب. في خلال الطريق، كانَ قد خاطبه مبرراً ذلك: " لن أسعى مباشرةً لوساطة الأمير، لكنني سأخبره بالطبع عن سبب مجيئي إلى الإمارة. فلو طلب حضورك للمثول بين يديه كان حسناً، وفي حالة كونه مشغولاً نكتفي بالحصول على رضاه في شأن مستقبلك ".
في أثناء إنتظار الأب، تبادل ميخائيل الحديث مع الحارس، فوجه إليه عدة أسئلة عن التعليم في بلدة دير القمر. كان واضحا أن البلدة أعجبته ويتمنى لو يحظى بالعيش في ربوعها الساحرة، مع علمه بأنه قد يحبس داخل أسوار أحد الأديرة شأن الرهبان. طبيعة ميخائيل، المائلة إلى الوحدة والشغف بالقراءة، ستهون عليه هكذا خيار. إنه بكل الأحوال لن يترهبن، وإنما سيمضي فترة معينة، يُحصّل فيها العلوم ثم يعود إلى دمشق ليضع معارفه وخبرته في خدمة الناس ـ كما حال معلمه الأول، النطاسي. فيما كان الحارس قد بدأ يهذي عن طيف الأمير يوسف، كان فكر الشاب يستعيد بعض المعلومات، التي ذخر بها رأس معلمه. كان الرجل بالرغم من كراهيته لرجال الإكليروس قد أشاد بفضلهم في شأن النهضة بالمعارف في ظلام العهد العثماني: " على خلفية العلاقة الوثيقة بين الكنيسة الكاثوليكية ( وبضمنها المارونية بالطبع ) والفاتيكان، جرى حث البابا على الإهتمام برعيته في المشرق. هكذا وصلت أول مطبعة إلى بيروت من روما، وبحروفها السريانية المقدسة خرجت نسخ الإنجيل. ومن ثم إستقبل الفاتيكان بعثات من سورية، لشبان يتوقون لتحصيل مختلف أنواع العلوم بما في ذلك الطب. معظم هؤلاء المتعلمين، رجعوا إلى البلد كي يسهموا في رقي وتهذيب ساكنيه والإهتمام بصحتهم الجسمية والعقلية ".
صدفة سعيدة، حكمت أن يتكررَ معلّمه النطاسيّ، نوعاً ما، في معلّم آخر؛ وكما لو أن الأمرَ " تناسخٌ "، بحسب عقيدة دروز هذه الأنحاء. بل إن هؤلاء الأخيرين، يؤمنون بدَورهم في قدرة السيّدة مريم على شفاء مرضاهم، فيأتون بمناسبات معيّنة إلى دير سيّدة التلّة، الذي سيدرس فيه ميخائيل العلومَ الطبية على يد ذلك المعلّم. " الأب سمعان " هذا، كانَ رجلاً كهلاً، لكنه ما زال يحتفظ بحيوية الرجولة. وإنه هوَ مَن تسلّمَ رسالة كاتب الأمير بشير، التي توصي بتقديم كل التسهيلات للشاب القادم من دمشق. وكان ميخائيل قد ودّع والديه، ثمة في القصر القديم في بلدة دير القمر، وذلك عقب تناولهم الغداء. وكان من المفترض أن يسافر الزوجان أوباً إلى الشام في صباح اليوم التالي، لكي تصل عربتهم قبل حلول الليل. كان وداعاً مؤثراً، سالت فيه حتى عبرات السيد جرجي، المعروف بالتحفّظ في هكذا مناسبات: " مَن يدري، يا بني، لو قيّضَ لنا أن نراك مرةً أخرى "، قالها بنبرة مرتعشة. كانت نبوءة مشئومة، تلك التي فاه بها الأب. لكن إمرأته، هيَ مَن ستغادر أولاً الدنيا بعد نحو أربع سنين، متأثرة بالحمّى. رَجُلها الملول والمنكوب، لم يعش بعدها سوى بضعة أشهر. إنه خال ميخائيل، من أنبأه أولاً بأول بأخبار والديه. وهوَ بصفته شريكاً للأب الراحل في المتجر، أخذ منذئذٍ يرسلُ المالَ لإبن أخته. وزادت نفحات الخال، لما قام بتأجير الدور الأرضيّ في منزل شقيقته الراحلة ـ كمتاجر ودكاكين.

7
بين أبنية بلدة دير القمر، المرصّعة سقوفها بالقرميد النبيذيّ اللون، الزاهي، كانت كاتدرائية سيّدة التلّة هيَ الأكثر بروزاً وضخامة، فغدت مثل كنيسة القديس بطرس بالنسبة لمدينة روما. الأب سمعان، كانَ قد درسَ معاً، اللاهوت والطب، في تلك المدينة. ذكرها ذات مرةٍ بنعت، " سدوم "، وأنها لم تتخل عن الفجور والتهتّك إلا بوصول أول الحواريين إلى شبه الجزيرة الإيطالية ومن ثم تنصّر أغلب ساكنيها. الجملة الأخيرة، جعلت ميخائيل عندئذٍ يتوقف عندها: " وإذاً، أفهم من كلامك أنه لم يعتنق كل سكان روما المسيحية؛ وهيَ أم كنيستنا؟ "
" لا، بقيت عبادة إله الشمس الإيرانيّ، ميترا، متشبّثة في عناد وربما حتى القرون المتأخرة. ليسَ في إيطاليا، حَسْب، وإنما أيضاً في فرنسا وإسبانيا. من واردات تلك العبادة الوثنية، تأثرنا بطقس العمادة وتناول القربان "، أجاب الأب. من جديد، علق الشاب على الجملة المختتم بها معلمه كلامه. فتساءل بدهشة: " كيف تتأثر المسيحية بعبادة وثنية، تجهر بتقديس الشمس؟ ". ألقى المعلم نظرة باسمة على تلميذه، ورد ببساطة: " هكذا يحدثنا تاريخ الأديان، وهو علمٌ لا علاقة له بالغيبيات. وأزيدك علماً، بأنّ هالة النور المحيطة برأس سيدنا المسيح، والتي تراها على الإيقونات والتماثيل واللوحات الفنية، إنما هي مستوحات من إله الشمس. بل إحتفالنا في عشية الرابع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر، بميلاد السيد المسيح، كان بالأساس إحتفال الوثنيين بميترا؛ ومنه إنتحل بالعربية مفردة ‘ مهرجان ‘؛ المخففة من الكلمة الإيرانية: ميترا ـ جَجْن؛ أي عيد ميترا "
" ذكرتني يا سيدي بمعلمي الأول، ثمة في دمشق، وكان قد تكلم عن قربان اليهود، بحسب قصة إبراهيم وإبنه في العهد القديم، قائلا أنها أستوحيت من قصة وثنية عن الإله السوري، أدونيس "
" وأيضا نفس القصة، تعزى إلى الإله تموز في أساطير بلاد ما بين النهرين. أيضا عند الفراعنة، ثمة قصة مشابهة تدعى إيزيس وأوزوريس "
" لكن المسيحية، كما هو معروف، جاءت لتنهي العقائد الوثنية لا للتأثر بها "
" بالنسبة لأولئك الوثنيين، إن كان في الحوض الجنوبي للمتوسط أو شماله، كانت مجتمعاتهم الزراعية قد فرضت عليهم الإيمان بالتضحية والقربان. وإننا كمسيحيين، أساس عقيدتنا هو تضحية السيد المسيح بنفسه قرباناً لخلاص الإنسان "، قال المعلم ذلك. ثم سكت قليلاً، قبل أن يستطرد وهو يضع يده على خصر الشاب: " لقد أصبحنا في العشيّة، وسيقدم الطعامُ بعد قليل ". كانا شأن بقية المعلمين والتلامذة، يشاركون رهبان الكاتدرائية في وجبات الأكل اليومية، وذلك في قاعة كبيرة تقع في الدور الأرضيّ. الوجبات، تحمل من المطبخ، الكائن في القبو.
دراسة الطب، كانت تتقدّم ببطء شديد، بالنظر إلى أنّ التعليم الدينيّ، مع ما يرافقه من طقوس، كان يأخذ وقتاً كبيراً من النهار. أكثر من مرة، شكا ميخائيل بأنه عرفَ مسبقاً الكثير من المعلومات، التي تقطّر في سمعه أثناء الدروس. لم يكن الأب سمعان بالتأكيد يود ثبط عزيمته، حينما ردّ مرةً على شكواه بالقول: " لو شاءَ أمرؤ أن يصبح طبيباً متمكّناً، لتوجّب عليه السفر إلى مصر. ثمة، في القصر العيني في القاهرة، إستقدموا أمهر الأطباء الفرنسويين، الذين يقومون يومياً بعشرات العمليات الجراحية في شتى العلل ". ولأننا أشرنا في سياق القصة إلى أكثر من مصادفة سعيدة، فإنّ الشابَ الملول سيُمنح مجدداً بفرصةٍ تحقق أمانيه في أن يغدو طبيباً مُعتبراً لا يقل مهارة عن أولئك الفرنسويين.
كانَ قد مضى زهاء ستة أعوام على وجوده في البلدة، وأخذ يُمارس مهنته كطبيب متدرّب. كانَ في وسعه العودة إلى الشام، مُجازاً بالشهادة المطلوبة، لولا أنه صرفَ النظر عن ذلك كونه قد أضحى يتيم الأبوين. الخال، وكانت صحته ما تنفكّ جيّدة، لم ينقطع عن واجب إرسال المال لميخائيل. بما حبيَ به من مهارة في عمله، طُلب الطبيبُ الشاب أكثر من مرة إلى قصر بيت الدين، لكي يكشف على أحد المرضى من حاشية الأمير وحتى أقاربه. في إحدى تلك الزيارات، حظيَ ذات يوم بلقاء الأمير بشير، الذي أظهرَ تأثّره بخبر وفاة السيد جرجي.
ذات يوم، مشرقٍ بشمسٍ ربيعية، كانَ ميخائيل يتجوّل مع المعلم في وقت فسحة بين وجبتيّ الغداء والعشاء، حيث تتوقّف الدروسُ. وراء الدير، أينَ الصخور الطبيعية التي تلتحم بالعمارة المقدّسة، كانَ ثمة نبعٌ يترقرق منه الماء العذب، مشكلاً جدولاً نحيلاً ينساب من ثم عبر البساتين، المستثمرة ـ كوقف للكاتدرائية مع غيرها من الممتلكات العينية. كانا في ذلك المكان العالي، تحتهما تنبسط ساحة البلدة، المليئة بالمتسكّعين في هذا الوقت من النهار. لاحظا أنّ الناس ثمة يتجمهورن رويداً حول رجلٍ، يتكلم فيما يلوّح بيديه بصورة خرقاء على عادة الريفيين. حينما عاد المعلّم وتلميذه إلى مقر الكاتدرائية، المحاذي للساحة، سمعا في الطريق نتفاً من أحاديثٍ عن عزل الأمير بشير، بسبب غضب الباب العالي من تدخّله في صراعٍ قام بين والي الشام ووالي عكا، بدعمه لهذا الأخير بالرجال والعتاد. علّق الأب سمعان على هذا الخبر، بالقول: " عبد الله باشا، والي عكا، شابٌ متهوّر وتنقصه الخبرة. لكن المستغرب، أن يتورّط حاكمٌ عاقل ومستنير، كالأمير بشير، في هكذا صراع. لأن العادة جرت حتى قبل عهد المقبور، الجزّار، أنه والي عكا مَن يدسّ أنفه في شئون إمارة الجبل ويستنزف خيراتها بجشعه وطمعه "
" أتعتقد أن الأمير بشير، لو صحّ الخبر، يمتثل لأمر السلطان أو يعلن العصيان مع والي عكا، مثلما جرى في القرن المنصرم بتحالف إبن معن مع الشيخ ضاهر العُمر؟ "
" يصعبُ تقدير الأمور الآنَ، أو مقارنتها بما جرى في القرن المنصرم. ففي ذلك الحين، كان والي مصر، علي بك الكبير، قد أعلنَ هوَ الآخرُ الثورة على الباب العالي، ومن ثم دعمهم أسطولُ قيصر المسكوب. ولم تفشل مساعي الثائرين، إلا بخيانة محمد أبي الذهب، قائد جيش مصر، الذي إنقلب على سيّده "، أجابَ المعلّمُ ثم أضاف: " سننتظر إذاً المزيد من الأخبار، قبل أن نعطي الرأيَ بالأمر ". لكنّ الخبرَ تأكّد في اليوم التالي، حينما أستدعيَ ميخائيل على وجه السرعة إلى قصر بيت الدين. كانَ في ذهنه أنه سيعود أحد المرضى، وإذا بقيّم القصر يخاطبه فورَ رؤيته: " سعادة الأمير، أمرَ أن تكون في معيّة موكبه، الذي سيركب البحر حالما يأزف الوقت كي يتوجّه إلى الديار المصرية. ستعود إلى دير القمر حالاً، لقضاء شئونك الضرورية. لن يضير أن تحمل مالاً، فضلاً عن عدّة العمل، ويُستحسن ألا تجلب معك أكثر من صرّة واحدة فيها ملابسك. توخّى الحذر في حركاتك، وإياك أن تفضي لمخلوقٍ كائناً من كان بسرّ السفر إلى مصر ".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن