هل ينهار اقتصاد اوربا...؟ و ما هو مستقبل الصناعة الأوروبية

فارس آل سلمان
farisaalsalman@yahoo.com

2023 / 9 / 18

كما هو معلوم للقاريء الكريم ان الولايات المتحدة الامريكية (بعد الحرب العالمية الثانية)، و عبر مشروع مارشال اعادت بناء اوربا صناعيا، وقامت بذات الشيء مع اليابان ثم اعادت الكره (بعد الحرب الكورية) حيث اعادت بناء كوريا الجنوبية.
وجاء قيام الاتحاد الأوروبي كقوة ناشئة (لموازنة الهيمنة الجيوسياسية الامريكية)، تحاول منح أعضاءها استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة الامريكية، و تكريساً لرغبة اوربية لرسم سياسة اقتصادية مستقلة، فتقربت من روسيا ومنحت موانيء للصين و دخلت في حرب اقتصادية عبر الاطلسي مع الولايات المتحدة الامريكية، ثم قامت الحرب الاوكرانية لتكشف حقيقة طالما حاولت اوربا و الولايات المتحدة اخفائها عن شعبيهما. اذ كرست الحرب الاوكرانية حقائق حاول السياسيون الاوربيون اخفائها وهي ان الاقتصاد الاوربي عملاق بارجل خشبية ....فالمانيا قاطرة الاتحاد الاوربي واكبر اقتصاد فيه تعتمد على الطاقة الروسية، و باقي الدول الاوربية تعتمد على القمح الاوكراني بصورة او بأخرى و بنتيجة الحرب في اوكرانيا ظهر أن «التبعية» الأوروبية (وفقاً لتعبير أحد محللي المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية) قد باتت جليةً أكثر من ذي قبل، حيث نجد أن الاتحاد الاوربي لا يحظى باستقلالية فعلية عن واشنطن من الناحيتين السياسية و العسكرية. أما اقتصاديا فباتت اوربا بحاجة للطاقة من الولايات المتحدة و شركائها بدلا من الطاقة الروسية. و هو تكريس للتبعية الاقتصادية التي بدورها تأسر القرار السياسي.

عسكريا اصبحت اوربا الخائفة من روسيا تندفع اكثر فاكثر تحت مظلة الحماية الامريكية التي فرضت تسلحا من مصادر امريكية بعد ان كان الرئيس ترامب يتوسل الاوربيين لتعزيز مساهماتهم المالية في حلف شمال الاطلسي او على الاقل اعتماد التحديث الذاتي لتسلح الدول الاوربية الاعضاء بالحلف.

و للمقارنة ففي عام 2008 كان اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر قليلاً من الاقتصاد الأمريكي ولكن في عام 2023 أصبح الاقتصاد الأمريكي أكبر بمقدار 33% من اقتصاد الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مجتمعين، ويفوق اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 50% إذا استثنينا المملكة المتحدة. ففي غضون ال15 عاما المنصرمة، شهد اقتصاد منطقة اليورو نموا بنسبة 6% مقارنةً بنمو بلغ 82% في الولايات المتحدة، وذلك وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي. 

و نتيجة لسياسة التقشف الصارمة التي اتبعتها أوروبا بعد 2008 والتي أفضت الى تدهور اقتصادي و انهيار في جميع انحاء اوربا، باتت المقارنة تميل لصالح الولايات المتحدة حتى قبل الحرب في اوكرانيا و برزت بشكل واضح خلال جائحة كورونا حيث بانت علامات الركود الاقتصادي و تزايد نسبة الفقراء (الحقيقية) و تدني اعداد مواطني الطبقة المتوسطة و ارتفاع عدد جرائم السرقة على عكس الوضع في الولايات المتحدة.

بلا شك كان للحرب في اوكرانيا انعكاسات اقتصادية كبيرة على العالم كله، لم تميز بين دول متقدمة وأخرى نامية أو فقيرة وإن اختلفت نسب وأوجه التأثير. حيث اجهزت الحرب الاوكرانية على الكثير من الاقتصادات الأوروبية والتي بعضها كان منهكاً اساسا جراء جائحة كورونا وتبعاتها، لتجد نفسها تحت وطأة التضخم وأزمة الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي. اذ جاءت الحرب كضربة قاضية لاوربا حين رد الغرب بعقوبات اقتصادية فرضها على روسيا، لكن في الحقيقة كان الغرب يعاقب نفسه، فقد عانت أوروبا من انتكاسة اقتصادية كبيرة نتيجة الاستغناء عن الغاز الروسي، الذي كان يغطي حوالي 50% من احتياجات الاتحاد الاوربي قبل الحرب الاوكرانية. ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد ادت هذه الخطوة المفصلية إلى إحداث «هزه كبيرة في مجال الطاقة».

و تقول مجلة الإيكونوميست: (ان ارتفاع سعر الطاقة تسبب بمقتل 68 ألفاً من الأوروبيين الأكثر فقراً خلال الشتاء المنصرم، حيث تحولت أوروبا إلى استخدام الغاز الطبيعي المسال باهظ الثمن الذي اشترته من قطر والولايات المتحدة )- انتهى الاقتباس. 

و ادى ارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض الطلب في العام الماضي الى تقليص الانتاج او اغلاق عشرات المصانع التي تستهلك صناعاتها الكثير من الطاقة مثل الفولاذ و الالمنيوم و الزجاج و الزنك و الكيمياويات و الاسمدة وهذا ادى الى تسريح جماعي للعمال.

و قالت صحيفة النيويورك تايمز: ان هناك اثر «خانق» للعقوبات الاوربية على روسيا و انعكاسه على الصناعة والطبقة العاملة في أوروبا، وأشارت إلى أن «الأسعار الباهظة للطاقة قد ضربت الصناعة الأوروبية في مقتل، مما أجبر المصانع على تقليص إنتاجها سريعاً ومنح عمالها أُذونات بالخروج».

و يذكر إن أوروبا أنفقت خلال العام 2022 قرابة ال 800 مليار يورو (بحسب تحليل أجراه مركز أبحاث بروغيل) وذلك بهدف مساعدة شعوبها من أجل التغلب على ارتفاع تكلفة المعيشة ومعدلات التضخم غير المسبوقة ربما منذ عقود.

و سنستعرض الوضع الاقتصادي في دول اوربا الرئيسية، فمثلا تواجه بريطانيا أزمة معقدة ومركبة، بدات مع خروجها من الاتحاد الأوروبي، ثم مواجهة موجات فيروس كورونا ثم انعكاسات الحرب في اوكرانيا، فضلا عن زلزال عدم الاستقرار السياسي وتعدد الحكومات وهذا اخطر عامل انعكس على الوضع الاقتصادي، حيث تواجه بريطانيا الان واحده من أسوأ أزمات ارتفاع تكاليف المعيشة.

كما أن بريطانيا كانت بين الدول التي حظرت تدريجياً واردات النفط والغاز الروسي، ما تسبب في أزمة طاقة كبيرة انعكست على المستويات كافة، و وفق تقرير " هافينغتون بوست" فإن:
أسعار المواد الغذائية تضخمت لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ العام 1977 وكان ذلك في كانون الاول/ديسمبر من العام 2022 بنحو 17.6%. و حتى عندما تراجع معدل التضخم نسبياً قياساً على سلع لا تشمل المواد الغذائية والكحوليات والتبغ، فإن معدل التضخم بقي في المتوسط عند 10.1%.

و بهذا الصدد قال احد اعضاء حزب العمال البريطاني إن أسعار البنزين والكهرباء والغاز لم تعد تُحتمل من قبل الشعب البريطاني، وأصبح المواطنون من الطبقة المتوسطة يضطرون لركوب المواصلات العامة لتجنب دفع فواتير وقود سياراتهم، ويتجنبون حتى المبالغة في التدفئة لتوفير الطاقة. وقال أن أسعار السلع في المحال التجارية تضاعفت "أسعار اللحوم كانت بخمس جنيهات استرليني قبل الحرب، أصبحت ب 12 جنيهاً إسترليني"، كما أصدرت الحكومة بياناً لتحديد كمية الخضروات والفواكه التي يمكن شراؤها من المحال. كما أكد عضو حزب العمال البريطاني أن هذا الوضع يتسبب في كثير من المشاكل الاجتماعية داخل الأسر البريطانية نتيجة الأوضاع المعيشية، فضلاً عن حالة غضب شعبية من إنفاق بريطانيا على الدعم العسكري لأوكرانيا في الوقت الذي يعاني الشعب داخلياً من الوضع الاقتصادي.

ألمانيا بدورها كانت بين أوائل الدول الأوروبية التي تأثرت بشدة بالحرب، خصوصاً وأن قطاع الصناعة الألماني يعتمد بصفة رئيسية على الغاز الروسي، وهو القطاع ذاته الذي يعد المورد الرئيسي للاقتصاد الألماني مقارنة ببقية الدول الأوروبية. وتوقع رئيس اتحاد غرف الصناعة والتجارة الألمانية بيتر أدريان، في تصريح صحافي أن يتكلف الاقتصاد الألماني نحو 160 مليار يورو بنهاية العام الجاري، وهو ما يعادل حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي الألماني.

في حين يرى رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية، دي آي دابليو، أن الحرب في أوكرانيا تنعكس على الاقتصاد الألماني بنحو 100 مليار يورو، وقد يكون ذلك معدل أقل مما ذكره رئيس اتحاد غرفة الصناعة والتجارة في تقديراته السابقة، لكنها تبقى بالتأكيد تكلفة كبيرة. و كشف مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي عن تسجيل ارتفاع جديد بنسبة 13.8% في أعداد الشركات المفلسة في ألمانيا بشهر آب/أغسطس الماضي، مقارنة بالشهر ذاته من عام 2022، غير أنه تجنب وصف هذا الارتفاع الجديد بـ "موجة الإفلاسات".
وعزا المكتب الحكومي في تقرير له من مقره بمدينة فيسبادن، جنوب وسط ألمانيا هذه "الظاهرة المقلقة" لارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع معدلات الاستهلاك المترتب على ارتفاع نسبة التضخم. و بخصوص أعداد الشركات التي اشهرت إفلاسها في مجمل النصف الأول من العام الحالي، قال المكتب إنه تم تسجيل إفلاس 8571 شركة ما يعني ارتفاعا بنسبة 20.5 % مقارنة بالنصف ذاته من عام 2022، مضيفا أن المحاكم الألمانية المختلفة قدرت قيمة الديون التي كانت سببا في الإفلاس بـ 13.9 مليار يورو(حوالي 15.2 مليار دولار). وخص المكتب قطاعات النقل والتخزين بنسبة 54% والخدمات بنسبة 41% بينما ذكر إن شركات الطاقة مثلت القسم الأصغر من الشركات المفلسة بنسبة 2.4%.

وكانت الحكومة الألمانية قد تمكنت العام الماضي من حماية الشركات من الإفلاس بتقديم مساعدات تهدف الى تحصين هذه الشركات من تبعات وباء (كورونا) وارتفاع أسعار الطاقة لكن هذه المساعدات توقفت العام الحالي. وكانت المفوضية الأوروبية قد عدلت توقعاتها لنمو اقتصاد ألمانيا خلال العام الجاري بالتخفيض، لتتوقع انكماش الاقتصاد الألماني بنسبة 0.4% في 2023، مقابل توقعات سابقة بنمو طفيف.

و اود ان اشير الى ان المانيا وجدت نفسها مجبرة على زيادة نفقات التسلح لتعويض ترسانتها التي منحتها لاوكرانيا فضلا عن تحديث جيشها و تطوير تسليحه، لكن اغلب العقود ستكون للشركات الامريكية لان المانيا وباقي دول اوربا الشرقية والغربية اتجهت للتسليح الامريكي بما فيها بريطانيا.

و هناك خوف من حصول تراجع اقتصادي في ألمانيا التي تمثل أكبر اقتصاد أوروبي حيث اشارت توقعات صندوق النقد بأنها الوحيدة التي ستشهد انكماشا في 2023. وسجل الاقتصاد الالماني نمو إجمالي في الناتج المحلي بقيمة صفر بين نيسان/ أبريل و حزيران/يونيو 2023 بعد ربعين متتاليين من التراجع وفقا لأرقام نهائية نشرت مؤخرا. و يعاني قطاعي الصادرات والصناعة عموما من مشاكل، وهذا يؤثر سلبا على الاقتصاد الألماني برمته. فهما القطاعان الأساسيان في الاقتصاد الألماني و يتأثران بارتفاع الأسعار ونسب الفائدة، فضلا عن المصاعب التي تواجه الاقتصاد الصيني والتي بدورها تنعكس على الاقتصاد الالماني. وكان وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك قد صرح لصحيفة "دي تسايت"، أن "50% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي الألماني يأتي من الصادرات، فهي مصدر ثروتنا. و عندما يضعف الاقتصاد العالمي تتضرر ألمانيا أكثر من غيرها".

ان ارتفاع اسعار الطاقة ادى الى دخول المانيا في نفق التضخم حيث يستمر ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم في ألمانيا بنسب لم تعرفها خلال العقود الأربعة الماضية. وحسب مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني وصل معدل التضخم في آذار/ مارس الماضي إلى 7.3%. وارتفعت  أسعار المسهلك في شهر أبريل/ نيسان والتي تشمل احتساب معدل أسعار 650 سلعة، بنسبة قاربت 7.5% مقارنة بمستواها في نفس الشهر من العام الماضي. في حين ان أسعار مواد البناء والسلع الغذائية كالحليب والخضار وزيوت الطعام النباتية والخبز والحديد والخشب قفزت فوق ذلك بعدة اضعاف. و هذا مؤشر خطر لاحظه صناع القرار لانه يؤثر على المستوى المعيشي للافراد الحاصلين على دعم اجتماعي بحدود 400 يورو شهريا ولأصحاب الدخل المحدود الذين يكسبون ما بين 1000 إلى 1500 يورو شهريا.

و يقترح وزير الاقتصاد الالماني روبرت هابيك تثبيت اسعار الكهرباء حتى عام 2030 لأكثر الصناعات استهلاكا للطاقة من خلال دعم نفقاتها. ويقدر الوزير كلفة هذا الإجراء ب20 مليار يورو، وهو يهدف إلى المحافظة على قدرة قطاعات معينة على المنافسة مثل الكيماويات والتعدين، بانتظار تطوير قطاعي إنتاج الطاقة من الشمس والرياح. واصبح واضحا ان القرارات السياسية الاوربية خلال ال 18 شهر المنصرمة قد أغرقت أوروبا في أزمة أعمق مما كان متوقعا. حيث أظهرت أحدث البيانات بأن الإنتاج الصناعي في كافة أنحاء أوروبا مستمر بالتدهور السريع نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ عجلة الطلب المحلي (والعالمي)، فضلاً عن إلى تضييق شروط الائتمان.
وحسب تقرير البنك المركزي الأوروبي الذي صدر موخراً فقد تقلص الطلب على قروض الشركات بنسبة 42% في الربع الثاني من العام الحالي، بعد انخفاض بلغ 38% في الربع الأول من العام، ليبلغ بذلك أدنى مستوياته على الإطلاق منذ بدء المسح عام 2003. 
و اصبح واضحا ان الضحية هي شركات المتوسطة والصغيرة، التي انخفض طلبها للقروض بصورة تفوق ما كان عليه الحال في اثناء الأزمة الاقتصادية عام 2008. و تُشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن منطقة اليورو ستشهد نمواً هزيلًا بنسبة 0.9% لهذا العام، بالمقارنة مع معدل نمو للولايات المتحدة يقدر ب 1.8%. و يقول صندوق النقد الدولي، ان ألمانيا هي الدولة الوحيدة في مجموعة الدول الصناعية السبع التي ستعاني من انكماش هذا العام. لأن اقتصادها المعتمد على التصدير يرتكز على الصناعات التحويلية المستهلكة كثيرا للطاقة مثل صناعة السيارات، كما يعتمد بصورة كبيرة على التكلفة التنافسية لسلعها، لذا وبسبب ارتفاع كلفة الطاقة فلقد تأثرت المانيا اقتصاديا اكثر من غيرها. 

يلاحظ ان السياسة الاقتصادية في المانيا في تخبط، فحزب الخضر اصر على اغلاق المفاعلات النووية (بينما فرنسا بقيت تحتفظ ب 56 مفاعل وستبني المزيد) و اندفعت المانيا الى الشرق و اصبحت تعتمد على الغاز الروسي دون ان تتحسب انه ورقة ضغط سياسية ممكن ان تقضي عليها. و بعد الحرب الاوكرانية هرولت ألمانيا كما الدول الأوروبية الأخرى، لتوفير الغاز من مصادر أخرى، كشراء الغاز الطبيعي من النرويج وهولندا فضلا عن توسيع بنيتها التحتية بحيث تتمكن من استيراد الغاز الطبيعي المُسال من خلال انشاء محطات استلام في الموانيء من الولايات المتحدة وقطر. ومع توقف امدادات الغاز الروسي ارتفعت أسعار الطاقة، فجاء القرار الالماني القاتل بإغلاق آخر المفاعلات النووية المتبقية و تزامن مع ذلك قرار البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة و كل هذا ادى لتوجيه ضربة قاتلة للصناعة الالمانية.
حيث كان مؤشر مديري المشتريات الصناعي الألماني، وهو مؤشر متعلق بصحة الاقتصاد، يشهد انحدارا ملحوظا (حالة ركود) منذ بداية عام 2022. والطلبيات الجديدة للشركات الهندسية في البلاد (رائدة في صحة اقتصاد الدولة) انخفضت بنسبة 10% خلال شهر أيار/مايس فقط من العام الحالي، ليكون ذلك الانخفاض الثامن على التوالي. وشهدت قطاعات أخرى انخفاظا مماثلًا، مع استمرار الركود في الناتج الصناعي ككل. 

لذلك بدات الشركات الألمانية تفكر بالهجرة لتقليل الكلفة التشغيلية. فمثلا شركة BASF، عملاق الكيماويات الألمانية، تخطط لتقليص حجمها «بصورة دائمة» في أوروبا، إذ افتتحت مصنعا جديدا لها في الصين ووضعت استثمارات كبيرة لتحديث مجمعها الصناعي في شاتانوغا في ولاية تينيسي الامريكية. كما أعلنت الشركة في شباط/فبراير الماضي إغلاق مصنع الأسمدة ومنشآت أخرى في مدينة نشأتها، لودفيغشافن الالمانية حيث فُقِدت حوالي 2600 وظيفة.

و تتجه شركات كبرى مثل فولكسفاغن، وبي أم دبليو، ومرسيدس بينز بتخفيض عدد العمال او اغلاق المصانع والانتقال لدول آخرى.كما أعلنت شركة باير، عملاق الصناعة الدوائية في ألمانيا، بأنها تنوي التوجه الى الولايات المتحدة والصين. اما شركة أودسهايمر راينڤيرك، مالكة أكبر مصنع لصهر الألمنيوم في ألمانيا فقد قررت اغلاق مصنعها بنهاية العام نتيجة ارتفاع اسعار الطاقة. و تقول الإيكونوميست ان 33% من الشركات الألمانية متوسطة الحجم تفكر بنقل مصانع إنتاجها ووظائفها للخارج؛ وقد فعلت واحدة من كل 6 شركات ذلك فعلا.

و قد اشار تقرير المعهد الاقتصادي الألماني مؤخر الى ما يلي:
تنفق ألمانيا على الاستثمارات الخارجية المباشرة مبلغا وصل إلى 135 مليار يورو (149 مليار دولار)عام 2022، في حين لم تتجاوز قيمة الاستثمار في ألمانيا 10.5مليار يورو. وهذا يعني ان الاستثمارات في المانيا قد انهارت كما انهارت الثقة بالاقتصاد الالماني.

كما ان انهيار الانتاج الصناعي الالماني سينعكس على اغلب دول اوربا لأن اغلب الاقتصادات الأوروبية مندمجة بسلاسل التوريد الألمانية أو تمدها بالمكونات، أو تقوم فعليا بتجميع المنتج النهائي لكبرى الشركات الألمانية. فمثلا فرنسا هي الشريك التجاري لالمانيا بنسبة 50% و هذا سينعكس ايضا على الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني بدوره من عثرات رغم ان فرنسا نجحت بامتصاص ازمة الطاقة من خلال دعم مقبول الاسعار الكهرباء معتمدة على مفاعلاتها النووية عكس بريطانيا التي تعاني من ارتفاع اسعار الطاقة مثل المانيا.


يذكر ان فرنسا أيضا من أبرز الدول الأوروبية التي تأثرت بشدة بالحرب في مختلف القطاعات، وهذا ما تظهره بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي الذي كشف عن أن:
معدل التضخم السنوي في فرنسا بلغ 5.2% لعام 2022، بعد ان كان 1.6% في العام 2021
ارتفعت أسعار الطاقة وحدها بنسبة 23.1% سنويا، فضلاً عن 6.8 % ارتفاعاً بأسعار الأغذية و3% ارتفعت اسعار السلع والخدمات المصنعة. ووصلت أسعار الطاقة في البلاد إلى مستوى قياسي في العام 2022، بعد أن تم تداول الغاز الطبيعي عند 340 يورو لكل ميغاواط في الساعة في 26 آب/ أغسطس من العام الماضي.

و للتذكير فان فرنسا اصلا تعيش ازمة اجتماعية نتيجة انخفاض القوة الشرائية للمواطن. اذ كانت فرنسا تعاني من ضائقة اقتصادية خانقة في مرحلة ما قبل كورونا وما قبل الحرب في اوكرانيا حيث اندلعت مظاهرات أصحاب السترات الصفراء في 2019 والذين كانوا يطالبون بتعديل الرواتب، ونظام الضرائب الذي يعتبرونه ظالما، ثم جاءت جائحة كورونا التي ادت الى تدهور الوضع الاقتصادي جراء حظر التجوال والإقفال. و جعلت الحرب في اوكرانيا المواطن الفرنسي يشعر بأن الأسعار ارتفعت للغاية قياساً بمستوى الدخل الشهري، إذ ارتفعت الأسعار في النقل والمواد الغذائية وفواتير الكهرباء، في المقابل بقيت سلسلة الرواتب كما هي دون أية إضافات.

تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي إلى أن رغيف الخبز كان سعره شاهداً على عدد من القفزات حتى تجاوز عتبة الواحد يورو، في حين أن الحكومة الفرنسية حاولت في المقابل دعم الأسر عبر المساعدات الاجتماعية، لكن دون جدوى حقيقية، إذ تزداد الأمور سوءاً، للدرجة التي جعلت جميع النقابات تقريباً تشارك في الإضرابات والتظاهرات الأخيرة وتتواصل المطالب برفع الرواتب. يأتي هذا فيما تؤكد الإحصاءات إلى أن سعر القمح في فرنسا تذبذب من 180 يورو إلى 460 يورو للطن في بداية الحرب، مستقراً عند حوالي 360 يورو للطن.


و تندرج إسبانيا ايضا بقائمة الاقتصادات الأوروبية الأكثر تضرراً من الحرب حيث اشار مكتب الإحصاء الوطني الإسباني، على النحو التالي:
8.4% معدل ارتفاع الأسعار في إسبانيا، % 52 معدل الارتفاع في سعر السكر خلال العام 2022. و ارتفع سعر الكهرباء 200 يورو/ ميغاواط/ الساعة خلال 2022 (الأمر الذي تسبب في ارتفاع فواتير الكهرباء). 28.5% معدل ارتفاع أسعار الديزل. 14.9% معدل رتفاع أسعار البترول داخل إسبانيا خلال العام.

بذات الوقت تجد اوربا نفسها ملزمة بنفقات تسلح هائلة فالمانيا رصدت 100 مليار يورو كخطوه اولى و فرنسا رصدت 250 مليار يورو. و هذا بكل تأكيد سيتم تمويله من دافعي الضرائب الذين انخفضت قدراتهم الشرائية و الانتاجية وفقد و سيفقد الكثير فرص عملهم.

و أعلن البنك المركزي الأوروبي مؤخرا رفع سعر الفائدة بواقع 25 نقطة أساس إلى 4.5% في زيادة كانت العاشرة منذ العام الماضي. و أدت السلسلة غير المسبوقة من رفع أسعار الفائدة الآن إلى رفع تسهيلات الودائع لدى البنك المركزي من 0.5% في حزيران/ يونيو 2022 إلى مستوى قياسي بلغ 4%. ويبدو أن السبب الرئيسي لهذا الارتفاع هو المراجعات التصاعدية لتوقعات الاقتصاد الكلي الصادرة حديثا لمنطقة اليورو، والتي تتوقع أن يبلغ متوسط ​​التضخم 5.6% هذا العام، و3.2% العام المقبل 2024، و2.1% في عام 2025.

وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي "يوروستات" أن التضخم الإجمالي في الدول العشرين التي تشترك في العملة الأوروبية الموحدة ظل دون تغيير عند 5.3% في آب/أغسطس، مخالفا توقعات بهبوطه إلى 5.1%. ولا تزال النسبة بعيدة عن النسبة المستهدفة للبنك المركزي الأوروبي عند 2%. وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في خطاب ألقته الشهر الماضي إن المعركة ضد التضخم "لم يتم الانتصار فيها بعد". ومع ذلك، كان البعض يعتقد أن البنك المركزي سيؤجل المزيد من الزيادات حتى تشرين الاول/أكتوبر نظرا لتدهور المؤشرات الاقتصادية، خاصة في ألمانيا.

بالمقابل وعلى الطرف الاخر من الاطلسي هناك من يشجع الشركات الاوربية للانتقال الى الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة ، حيث اصدر الرئيس بايدن قانونا للحد من التضخم، و في واقعه هو تحفيز للشركات الاوربية على نقل استثماراتها من أوروبا إلى الولايات المتحدة.
وبطبيعة الحال من يدفع ثمن اخطاء السياسيين المتعمدة او غير المتعمده هم الشعوب،
فالشارع الاوربي اليوم يلوم القادة الأوروبيون والألمان. حيث اعتمدوا الاستراتيجية الأمريكية في أوكرانيا وانضموا باندفاع اعمى إلى الحرب الأمريكية بالوكالة.
هذه الحرب التي ادت الى تقوية اقتصاد الولايات المتحدة وتكريس نفوذها في اوربا بينما اصبحت اوربا على حافة الانهيار. هذه الحرب التي منحت الولايات المتحدة فرصة لتكريس سيطرتها العسكرية على أوروبا، من خلال حلف الناتو الذي تتحكم به الولايات المتحدة.
كما انتجت هذه الحرب واقعا جديدا وهو ان اوربا واقعه فعلا تحت احتلال عسكري امريكي غير مباشر فضلا عن تبعية اقتصادية للولايات المتحدة. اذ ان تحول الدول الأوروبية من الغاز الروسي الى الغاز الأمريكي جعلها اسيرة للقرار الامريكي والذي بدوره استغل الفرصة وقام بعملية خنق للاقتصاد الالماني من خلال بيع الغاز ب 4 اضعاف سعره. ادت الحرب في اوكرانيا الى ارتفاع اسعار النفط والغاز و هذا بدوره شجع الاميركان على زيادة الاستثمار بالغاز الصخري الامريكي، حيث يعد غازأً وفيراً، قليل التكلفة نسبياً والفضل في ذلك يرجع لما يُسمى بثورة الطاقة الصخرية التي جاءت نتيجة لارتفاع اسعار الطاقة عالميا والتي بدورها زادت من منعّة الولايات المتحدة، وحمتها من التعرض لأسوأ التداعيات الاقتصادية للنزاع الجيوسياسي في اوراسيا.

بلا شك فان هدف الولايات المتحدة الستراتيجي ابعاد اوربا (ألمانيا على وجه التحديد) عن روسيا، ومنع قيام تحالف اقتصادي او سياسي بين اوربا وروسيا (خصوصا المانيا التي تقاربت كثيرا مع روسيا) من خلال خطوط انابيب السيل الشمالي التي عارضتها الولايات المتحدة دون جدوى، لذلك كانت الحرب الاوكرانية ضربة جيوسياسية، حيث ادت الحرب الى قطع العلاقات الأوروبية الروسية نهائيا، و دفعت الولايات المتحدة دول اوربا لتزويد اوكرانيا بالسلاح المتوفر لدى جيوشها، الامر الذي يحقق هدفين؛
الاول ان هذا السلاح سيقتل روس، وبالتالي ستعتبر روسيا ذلك بمثابة اعلان حرب و حتى لو حدث وقف اطلاق نار، فلن تعود العلاقات الروسية الاوربية لسابق عهدها، لان الروس لم و لن يتصالحوا مع السياسيين الاوربيين الذين ساهموا بقتل جنود روس.
الهدف الثاني وهو تعويض الدول الاوربية بسلاح امريكي بهدف الحماية من اجتياح روسي محتمل، وهذا يحقق ارباحا كبيرة للصناعة العسكرية الامريكية، وبذات الوقت يقتل الصناعة العسكرية الاوربية بحرمانها من اسواقها الداخلية.

لقد اكتشفت الولايات المتحدة ان العولمة كانت لصالح الصين و اوربا، لذلك سعت لتفكيك العولمة. و ان اقتصاد الاتحاد الاوربي بدلا من ان يلعب دورا تكاملياً مع اقتصاد الولايات المتحدة اصبح منافساً، بل وتعتبر الولايات المتحده ان اوربا اصبحت ناكره للجميل من خلال تقاربها مع الصين، و اندفاعها نحو ان تكون الشريك التجاري الاول للصين من خلال مشروع طريق الحرير الصيني الجديد، حيث منحت اوربا العديد من الموانيء للصين الامر الذي اصبح يهدد الولايات المتحدة جيوسياسيا.
و اثبتت أوروبا انها ليست حليفاً ستراتيجياً، بل منافس وخصم للولايات المتحدة من خلال المنافسة التجارية والاقتصادية، وخير مثال على ذلك هو حرب الرسوم التي أعلنتها الولايات المتحدة على الفولاذ والألمنيوم المستورد من أوروبا عام 2018 ، والاجراءات الاوربية المضادة.

لذلك وضعت الولايات المتحدة سلسلة اهداف؛ اولها تفكيك العولمة كما قلنا، و ثانيها هو تدمير السوق النهائي لطريق الحرير الصيني، و ثالثها سلب الارادة السياسية من خلال تكريس الهيمنة العسكرية والاقتصادية على اوربا، و رابعها إعادة بناء القدرة التصنيعية واعادة توطين الصناعات في الولايات المتحدة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال سلسلة من المصانع الاستراتيجية.

ومن الواضح ان الولايات المتحده ستعيد اوربا لحظيرتها كتابع ذليل يدور في فلكها اقتصاديا و سياسيا وعسكريا. بالمقابل اصبحت الرؤية واضحة للشعوب الاوربية فيما يخص الحرب الاوكرانية اذ باتت تعتبرها تخادم و مواضعة بين روسيا الطامعة (بمناجم الحديد واليورانيوم شرق اوكرانيا فضلا عن السواحل الاوكرانية المطلة على البحر الاسود، و خوف روسيا من سيطرة الصين على الاقتصاد الاوربي الذي سيشكل تطويقا لها من الشرق والغرب)، و بين الولايات المتحدة التي تروم تدمير الاقتصاد الاوربي واعادة اوربا الى بيت الطاعة الامريكي.

و يبرز التخادم الروسي الامريكي في افريقيا ايضا حيث الهدف هو طرد فرنسا من افريقيا، فمالي و بوركينا فاسو الواقعتين تحت النفوذ الروسي تدعمان النيجر و الغابون التي بات يحكمها انقلابيون موالين للولايات المتحدة.

و كخلاصة نجحت الخطة الامريكية نجاحا باهرا، فالقطاع الصناعي الألماني ينهار، ورأس المال يفر، وكذلك العمال المهرة وشركات التكنولوجيا الفائقة، كلها تهرب إلى الولايات المتحدة. لقد تم تدمير الاقتصاد الألماني ككل، على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة، و"العقوبات" ضد روسيا و"المساعدات" للجيش الاوكراني من خلال واقع فرضته الولايات المتحدة ونفذه السياسيون الاوربيون الذين دعمتهم الولايات المتحدة.

و سخرت صحيفة واشنطن بوست من الأوروبيين بالعبارات التالية: "إن أوروبا تتغلب على أزمة الطاقة التي تعاني منها من خلال تدمير قطاعها الصناعي. ولم تعد المصانع بحاجة إلى الغاز أو الكهرباء...لانها اصبحت مغلقة !!". بالمقابل يقول رجل الشارع الاوربي ان أزمة الطاقة حدثت من لا شيء على يد السياسيون الاوربيون عملاء الولايات المتحدة ، لأن من قطع إمدادات الطاقة الروسية هم الاميركان و السياسيون الأوروبيون. لقد مهد حزب الخُضر الألماني لذلك منذ سنوات طويلة حيث اصر على اغلاق المفاعلات النووية الالمانية بحجة التوجه الى طاقة الرياح والطاقة الشمسية. و هو ما جعل المانيا اسيره للطاقة المستوردة سواءا من روسيا او لاحقا من الولايات المتحدة و غيرها. يُتَهم حزب الخضر بانه يحارب الصناعة الألمانية في المقام الأول لمصلحة أنصار العولمة في الولايات المتحدة، وفي النهاية بعد أن أنجزوا مهمتهم، عادت ألمانيا إلى الفحم!!!. لكن برأيي ان اللعبة قد بدأت للتو.. وستكون هناك تقلبات ومنعطفات اجتماعية وسياسية، و منحدر السقوط لم ينته بعد .. وستعصف بالمانيا واوربا تيارات راديكالية مشابهه لتلك التي ظهرت بالمانيا ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن