رد على ضحال قراءة التاريخ وسفهاء السياسة د. كمال اللبواني مثالاً

محمود عباس
mamokurda@gmail.com

2023 / 9 / 18

ليس غريبا أن يكون الدكتور من بين شريحة المعارضين السوريين المتذبذبين في طروحاتهم الفكرية، والضحل في قراءاتهم لتاريخ سوريا بشكل عام وتاريخ الجزيرة وعفرين والكورد بشكل خاص، ورؤيتهم المعتمة لمستقبلها كوطن. ومن الذين يتناسون أنها دولة لقيطة خلقها الفرنسيون والإنكليز ورسموا حدودها على مقاس مصالحهم.
أحيانا أتعجب كيف انشقت هذه الشريحة عن النظام والبعث وهم ينشرون مفاهيمه ويدافعون عن بشائعه بحق الشعب الكوردي بشكل مباشر.
ومن جهة أخرى يختفي العجب عندما نعود إلى ممارسات النظام مع السجناء السياسيين، وقدرة مربعاته الأمنية على تهشيم مدارك الإنسان، وإطلاق سراحهم بعدما يتأكد بأنه قد تم تدميرهم نفسيا وعقليا، وعليه يتوجب علينا ألا نلوم هؤلاء الوطنيين الذين عانوا الويلات في زنزانات النظام المجرم، بل نعمل على إسقاطه ومن ثم محاولة معالجة هؤلاء الناس الذين يتخبطون ما بين الوطنية والعنصرية البعثية، وهذه بحد ذاتها جزء من الصراع مع النظام المجرم، أي إزالة مخلفاته وأوبئته التي نشرها بين المثقفين والسياسيين المعارضين له، وكنا قد نوهنا في مقال لنا حول هذه الإشكالية التي يعاني منها شريحة من المعارضة السورية ومن بينهم الدكتور، ونشرناها تحت عنوان (د. كمال اللبواني من ضحايا سجون النظام).
لن نعود إلى فتح أبواب الحوار مرة أخرى مع الضحل في معرفة أو قراءة تاريخ سوريا والجزيرة والكورد وكوردستان، والدخول في سجال عقيم مع المدافعين عن بشائع الأنظمة السورية العنصرية، والتي أقدمت على تعريب المنطقة الكوردية على مراحل متتالية وتحت مسميات مختلفة، ومن بينها مسيرة الإصلاح الزراعي، والحزام العربي، ومزارع الدولة، وقانون رقم (49) وبناء مستعمرات الغمر والدعاية الإعلامية المرافقة لتبرئة الذات داخليا وعالميا، فقد بينا الحقائق التاريخية المسنودة على المصادر في سلسلة مقالاتنا المعنونة بـ (مصداقية الباحث العربي) و (مراحل التمدد العربي في جغرافية جنوب غربي كوردستان) و (من غياب المصداقية إلى التحريف الممنهج) و (ماذا فعل المربع الأمني بغربي كوردستان) وغيرها، وهي منشورة في مواقع إلكترونية عدة ومن بينها (الحوار المتمدن) و (ولاتي ما) و (صوت كوردستان) و (إيلاف) وغيرهم. لذلك سنكتفي بالتالي، علا الدكتور كمال يتمعن ويراجع ذاته وما يطرحه من مواضيع، ويعيد تركيبة ذاكرته ولملمة مفاهيمه.
لنفرض جدلا، أن الكورد لم يبنوا حضارة، ولم يؤسسوا دول وممالك، ولم يساهموا في بناء الإمبراطوريات ولم يكن لهم دور في هدم الخلافة الأموية وإقامة الخلافة العباسية، ولم يكونوا يوما شعبا متماسكا في العصور الغابرة، ولم يتألفوا على سوية قومية متماسكة، ولم يسكنوا الجزيرة الكوردستانية، علما أن سجلات التمليك أو ما يسمى بالطابو، لعائلتي آل عباس وعائلات كوردية أخرى كآل مرعي وآل حجي سليمانا وآل يوسف، وأل باشا، مؤرخة بالتاريخ الإسلامي وتقارن بتاريخ 1830م، صادرة من الأستانة وولاية ماردين، وتمتد التمليك إلى جنوب جبل شنكال، ومن جهة العشائر الكوردية المتواجدة في سري كانيه وكري سبي وكوباني وهي أكثر من معروفة، تمتد إلى نهر الفرات والتي كانت الفاصل الطبيعي لأملاك تلك القبائل، حتى ولو كانت خالية من السكان، لقلة الديمغرافية البشرية عامة. وقد نشرنا صور لتلك السندات، وتبين على أن الجزيرة كانت تابعة لولاية ماردين أي لكوردستان، والتي حينها لم تكن هناك شمال وغرب وجنوب أو شرق كوردستان، بل تابعة للإمبراطورية العثمانية أو الصفوية. وسجلات عائلات عفرين كأل ديكو وشيخو ورشوان وغيرهم أقدم من هذه، بعضهم تعود سجلاتهم إلى أكثر من 400 سنة، كانت تابعة لولاية آمد، وأورفه، رغم قلة السكان حينها، لكن الأرض كانت لقبائل هذه العائلات، فعندما نتحدث عن عائلة نعني القبيلة، ففي العرف الكوردي العائلات أي زعماء العشائر لا مركز لهم بدون قبائلهم، هذه الجدلية البسيطة لا يدركها الدكتور لذلك تاه في تحليله عندما تحدث عن أملاك العائلات الكوردية وفصلهم عن عشائرهم.
قبائل وبأسماء مختلفة سقطت من كوكب آخر فجأة على أرض كوردستان، وانتشروا في البقعة الجغرافية ذاتها، وكانت أراضي خالية من البشر، إما على خلفية الفراغ السكاني حينها، أو لصعوبة تضاريسها، وازداد عددهم مع القرون ليتجاوزوا اليوم ستون مليون نسمة، فتشكلت منهم كتلة سكانية متجانسة مع الزمن، إلى أن أصبحوا شعبا سموا ذاتهم بالكورد، وعرفت جغرافيتهم بكوردستان، أي مسكنهم الأصلي منذ مجيئهم من الكوكب الآخر. لا ينتمون إلى الفرس أو الترك القادمون من منغوليا، ولا العرب القادمون من شبه الجزيرة العربية، كما حللها الدكتور الساذج في معرفة مصادر اللغة الكوردية، ولهجاتها، متناسيا أنهم قادمون من عدة كواكب وليس كوكب واحد ربما، لذلك لهم لغات مختلفة، ولا توجد لغة اسمها اللغة الكوردية، كما يدعي الدكتور.
هذه المجموعات الكونية وبعد مراحل زمنية بروز على مسرح التاريخ، التاريخ الذي تم فيها ذكرهم قبل قرابة أربعة ألاف سنة، ضمنها العديد من الأثار الأركيولوجية، ونحن لا نتحدث عن الحضارات والإمبراطوريات التي ظهرت تحت أسماء قبائل معينة كانوا جزء من الكل القادم من الكوكب الآخر أو الكواكب الأخرى، كالميديين أو الساسانيين، أو غيرهم، أو أسماء قادة العشائر أو الجيوش الذين غيروا مجرى التاريخ، كالملك أردشير الأول بن بابك بن ساسان الكوردي عام 224م، وبهرام جوبين، وأبو مسلم الخرساني، وصلاح الدين الأيوبي، أو من الفنانين الذين صقلوا الفن بسوية لم يجاريه أحد في التاريخ، كزرياب، وغيرهم. بل نتحدث عن الكل الكوردي كشعب، أي المجموعات التي تحولت إلى ما يسمونهم اليوم بالكورد، والتي لم تبالي في غابر العصور بواقعها كشعب ولم تعرف معنى القومية، بل بالإنسانية منذ سقوطهم من الكوكب الآخر!
ومع مرور القرون أصبح هؤلاء الكونيون بشراً كسكان الأرض، يتسمون بالنقاء والمصداقية، بعكس شرائح من المعارضة السورية والنظام، وظهر لهم مطلب مشترك، وغاية نهائية؛ استقلالية الذات، فالتفوا حول قضية قومية ووطنية واحدة، حتى قبل ظهور مفهوم القوميات (من يشكك في هذا عليه العودة إلى أشعار أحمدي خاني 1650-1707م) علما إن هذا المفهوم ظهر متأخرا لدى الشعوب الأخرى ومن بينها شعوب المناطق المحاطة بجغرافية المجموعات الكونية والذين سموا لاحقا بالكورد، وطالبوا ويطالبون بتحرير وإقامة دولتهم، وبمنطق القومية الواحدة المتماسكة، ولو كان حراكهم على خلاف داخلي، وهي إشكالية ذاتية لا تعطي الحق للأنظمة المحتلة لكوردستان في إنكار حقهم على أسسها، ولا للمغرضين من الكتاب والسياسيين والإعلاميين بالطعن في القضية من البعد التاريخي المحرف والسياسة الخبيثة، والذي يتراكم قذارتهما منذ ما يقارب القرنين من الزمن، إلى أن أصبح العابثون وأيتام الأنظمة المحتلة يصدقون ذاتهم وسلطاتهم العنصرية.
مختصرا، مجموعات جاؤوا أو سقطوا على الأرض، من كوكب آخر، في غابر العصور، أصبحوا شعبا البارحة، سموا ذاتهم بالكورد، أو هناك من وصفوهم بها، واليوم يناضلون من أجل تحرير أرضهم من المحتلين، ومنطقة عفرين والجزيرة هي جزء من هذه الجغرافية، البقة التي لم يدخلها عربي إلا مع الغزوات الإسلامية الأولى وكانوا حينها غزاة، ولم يسكنوها، كما لم تتجاوز القبائل العربية الهاربة من آل السعود بعد معارك حائل التي بدأت من عام 1890، وحصلت الهجرات الأولى من عام 1910م، نهر الفرات إلا بعد العشرينات من القرن ذاته، أول سكن لهم تم في نهايات أعوام 1930 على خلفية الانتخابات البرلمانية لعام 1936م.
وسوريا تكونت كدولة لقيطة من العدم في بدايات عام 1920 ولم تكن تضم الجزيرة قبلها، ومع الزمن أصبحت تسمى بالوطن اسما دون مضمون، وحاول الكورد وحراكهم السياسي والثقافي، أي حراك المجموعات القادمة من الكوكب الآخر تقبلوا الواقع على أمل أن تتحول سوريا إلى وطن كما روجت، لكن وللأسف بعدما سيطرت على أنظمتها بعد الخمسينات قوى عنصرية أدت بمكوناتها القومية والدينية إلى العيش في صراع داخلي مدمر، كما وخلفت تلك الأنظمة ثقافة غارقة في الأوبئة الفكرية والاجتماعية والعرقية، وهي الثقافة التي ينهل منها الدكتور وأمثاله من المعارضة السورية.
وللتأكد بالإمكان العودة إلى الخرائط العديدة التي رسمت ونشرت حينها، ومن يشك في هذه التواريخ عليه أن يعود إلى أرشيف تاريخ الجزيرة، في سجلات الإمبراطورية العثمانية، وأرشيف القنصليات وسجلات السياسيين، والمستشرقين الأوروبيين، والروس، وغيرهم.
لإيقاف هذا الفجور الفكري، والحد من محاولات تشويه التاريخ المحرف أصلا، وإنقاذ ما تبقى من الوطن المسمى بسوريا والوطنية بين مكوناتها، لا بد من الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي وإيقاف هذه العبث الثقافي-السياسي، ومساعدة الكورد لتحرير كوردستان، للعيش معا بكرامة، إلى أن تحين مرحلة العودة إلى كوكبنا الذي قدمنا منه.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
16/9/2023



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن