عن السبعين من العمر في هذه البلاد الأليفة

عماد عبد اللطيف سالم
emaasalem@gmail.com

2023 / 9 / 17

في هذهِ البلاد اللطيفةِ - الأليفة، يتمُّ التعامُلُ مع من بلَغَ السبعينَ من العُمرِ، كما يتمُّ التعامُلُ مع شخصٍ كان يجبُ عليهِ أن يكونَ ميّتاً منذُ وقتٍ طويل، ولكنّهُ مع ذلك، ما يزالُ إلى الآن.. حيّاً يُرزَق.
يذهبُ إلى طبيبِ الأسنان، وهو يشكو من وجَعٍ شديدٍ في ما تبقّى من أضراسهِ التالفة، فيقولُ لهُ طبيبُ الأسنان: ما شاءَ الله.. كيفَ تمكّنتَ إلى الآنَ من الاحتفاظِ بهذا العددِ كُلّه من الأسنانِ السليمة؟!
يذهبُ إلى طبيبِ العيونِ، ويشكو من ضعفِ بصره، ورؤيتهِ لفراشاتٍ سوداء تطيرُ في عينهِ اليمنى، وغشاوةٍ بيضاء في عينهِ اليسرى، فيقولُ لهُ طبيبُ العيونِ: هذا جيّد.. هذا رائع.. وعندما يسألهُ السبعينيُّ: كيفَ أنّ شُبهَ العَمى هذا جيّدُ ورائع.. يرُدُّ عليهِ طبيبُ العيونِ بغضبٍ ساطع: يعني مو زين حضرتك دتشوف بهذا العمر!!
يذهبُ إلى طبيبِ القلبيّةِ والباطنيّة، وكُلُّ شيءٍ في داخلهِ قد تهدّم، فيقولُ لهُ الطبيب: ماكو شي.. ماكو شي.. هذهِ أشياءَ تحدُثُ لأمثالكَ عادةً.. وعليكَ أن تحمد الله لأنّكَ ما تزالُ تملِكُ إلى الآنَ "بَطْنا" تموءُ، وقلباً ينبُض!!
يذهبون بجثّةِ السبعيني المُتوفّي إلى المُستشفى للحصولِ على شهادةِ وفاته.. فلا يُكلّفُ الطبيبَ نفسهُ عناء النظرِ اليه، ويكتبُ دون فحصٍ، أنّ الوفاةَ طبيعيّة، مع أنّ عشرَ رصاصاتٍ كانت قد استقرّت في رأسهِ الوديع، وكانت "الخراميشُ" العشوائيّةُ تملأُ وجههِ البشوش، كما أنَّ هناكَ ، وبكُلِ وضوح، "فَعْصَةٌ" عميقةٌ في فمهِ المُنفرِّج بضحكةٍ غريبةٍ شاسعة، و "بوريٌّ" مغروسٌ في عينهِ المُغمّضةِ باتّساعٍ هائل.
ليس بإمكانِ من تجاوزَ السبعينَ من العُمر، أن يكفلَ قرضاً في مصرف، ولا أن يقتَرِض من مصرف.. وعندما يسألُ موظّفةَ المصرف العذبة الرقيقة موديل 1998عن أسباب ذلك، تقولُ له: حجّي إنتَ جبير بالعُمر، وهذا اقتصاد، وصيرفة، وجهاز مصرفي، ومعايير ائتمان، ومخاطر قروض طويلة الأجل.. وإنتَ كلشي متعرُف بيهن، لأن حضرتك "مِنتَهي" المفعول، وخارج التغطية.. و "أووي".. شكَد مراح أشرحلك مراح تفتِهِم.. والمفروض تروح تنام بالبيت، إلى أن الله ياخُذ أمانته!!
إضافةً لذلك فإنّ على السبعينيّ أن يُثبِتَ سنويّاً أنّهُ حيّ، لهيئةِ التقاعد الوطنيّة، ولوزارة البطاقة التموينيّة.. حتّى لو كان قد مات قبل عشرِ سنواتٍ على الأقل!!
أخيراً..
سائق التاكسي الذي أوصَلَني إلى الكليّة صباح هذا اليوم، بادَرَني بالسؤال بعد إن نظرَ شَزراً إلى "قاطي ورباطي" التُركيّان، وشمَّ عطر الـ ARMANI code الذي يفوحُ منّي: حجّي بروح أبوك، إنتَ شكَد عُمرك؟ أجبتهُ: 72 سنة وليدي.
جَفَل وقالَ لي بكلِّ برود: أدري حجّي، ولتِزعَل منّي.. إنتو متشبَعون.. متِهجَعون.. متِنجَبّون ببيوتكم.. لا حكَينا وين ما نروح.. بهذا العُمر وتشتغلون "أساتذة".. وتشتغلون بالبسطيات.. وتشتغلون حتّى سواق تكسي.. شوكت راح تِنقَلعون.. والله يخلِّصنا منكم!!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن