عرض كتاب (القومية العربية من التكوين إلى الثورة) الحلقة الأخيرة (4/4)

حسن خليل غريب
hassankgharib@hotmail.com

2023 / 9 / 17

الفصل السادس
الثورة القومية العربية في مواجهة المؤامرة المستمرة
إن مؤامرة الدول الغربية ما زالت مستمرة وما كانت لتنجح وتستمر لو كان الوضع السياسي الرسمي، والشعبي، سليماً ومعافى. ولذلك سنتاول في هذا الفصل أهم العوائق الداخلية.

أولاً: أزمة في البنية الثقافية الشعبية
1-نقد البنية الثقافية الشعبية: منهج المعرفـة الدينيـة، جامد: تستند إلى الثقافة الإسلامية. فالمعرفة الدينية: تسليمية، وتواكلية، وتقليدية. وهذا أدَّى إلى تجميد قدرة العقل وتجميد حركة التاريخ.
2-مقاربة بين أصول الثقافة الشعبية، ومناهج المعرفة الحديثة: لأن المنهج الديني يقوم على تطبيق العقائد التي طبقَّها السلف؛ بينما المنهج الجدلي يقوم على تغييرها، تبدأ إشكالية صعوبة المقاربة بين منهج المعرفة التقليدية ومناهج المعرفة الجديدة.
وهكذا جاءت الثورة في المفاهيم الاجتماعية الحديثة لتقوِّض أسس مفاهيم الثقافة الشعبية التقليدية. وكما تنطبق الثقافة التقليدية في العلاقة مع الأنظمة الحاكمة بمنظار طاعة أولياء الأمر، فإنها ستقف سلباً من مفاهيم العلمانية والديموقراطية.
3-موقف الثقافة الدينية من مفاهيم الديموقراطية والعلمانية. مواقف رافضة لها. فعن الديموقراطية تعتبر الحركات الإسلامية أنها مفهوم كفر. وكذلك تقوم بتكفير الأنظمة العلمانية.
4-طحين علاقة المواطن بالنظام السياسي الحديث: علاقة تسليم وتبعية وتقليد.
أ-علاقة المواطن مع الدولة: إن الثقافة الدينية التقليدية تصب في مصلحة الحاكم، ولذلك استفاد الحكام المسلمون من فتاوى رجال الدين، واستغلوا ثقافة التسليم والتقليد لمصالحهم الخاصة.
بـ-علاقة المسلم مع الطبقة الغنية، تقوم على قاعدة الآية القرآنية ﴿اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ويحض الفقراء على انتظار الصدقات من الأغنياء. وهذا تعتيم على واجبات الدولة. بينما ثقافة بناء الدولة المدنية، تلزم الحاكم وحده بضمان حقوق المواطنين كافة.

ثانياً:أزمة هوية قومية وثقافية
إذا كنا نعترف بحق الاختلاف، إلاَّ أننا لا نجد في الاختلاف الدائر بين التيارات الثقافية العربية، اختلافاً داخل الوحدة، بل هو اختلاف يقودها إلى خارج الوحدة. وهذا ما يشير إليه المؤلف:
-الثقافة القطرية تسويغ بناء أمم قطرية داخل الأمة الواحدة.
-والثقافة الدينية السياسية تعمل على بناء دولة دينية لا تعترف بالقومية. بل تعمل على تكفيرها.
-والثقافة الماركسية ترتبط بمرجعيات تتجاوز الحدود القومية.
-الثقافة الليبرالية المرتبطة بعجلة النزعة الإمبراطورية الرأسمالية.
وبفعل تعدد الثقافات نشأت أزمة تحديد الهوية الثقافية العربية. فكيف يراها المؤلف؟
2-تعريف هوية الثقافة العربية:
إن كل ثقافة لا تهدف إلى خدمة المجتمع العربي، فهي لا تنتسب إلى ثقافة هذا المجتمع. وهو يتساءل: هل تمثل ثقافة الحركات الإسلامية التي تعادي القومية العربية ثقافة عربية؟ وهل الثقافة الماركسية باتهام القومية بالشوفينية، لها علاقة سليمة مع الثقافة العربية؟
وبالنتيجة، فإن كل مشروع ثقافي يحمل مضموناً سياسياً أممياً، دينياً كان أم علمانياً، يقع خارج تعريف الهوية الثقافية العربية لأنه لا يعبِّر عن خصوصياتها القومية. ولأن الثقافة القومية نتاج لكل المراحل، نعتبر أن التواصل المعرفي يأخذ مما قبله ويؤثر فيما بعده. لذلك اعتبر الكاتب أن ثقافة التي تهتم بقضايا العرب ثقافة عربية؛ وغير ذلك، ليست بثقافة عربية حتى لو كتبها عرب بلغة غربية.

2-هل هوية ثقافتنا هوية دينية؟
إذا فرضنا أن الدين يشكل قاعدة صالحة لثقافة واحدة في المجتمع العربي، سوف تنشأ إشكاليات أي الأديان السماوية تشكل ثقافة لمجتمعنا؟ وأي تشريع مذهبي يمكن تطبيقه؟ وكيف نعالج إشكالية التكفير المتبادل بين الأديان والمذاهب الدينية؟ وكيف نقارب بين التشريعات الأممية وبين التشريعات الدينية والمذهبية الدينية؟
3-هل هوية ثقافتنا أممية تستند إلى الفكر الماركسي؟
دعت الماركسية إلى بناء دولة أممية تحمي حقوق العمال في العالم، وهي من القيم العليا. لكن أن يتحوَّل حلم الماركسية الجميل إلى بناء دولة تحكم العالم، فهذا غير ميسور بمقاييس الموضوعية العلمية. فهي لن تربح العالم، ولكنها سوف تخسر قضاياها القومية. إلاَّ أنه، على الرغم من ذلك، فلا شيء يمنع الثقافة العربية من الاستفادة من مقولاتها وقوانينها الاقتصادية والسياسية.

ثالثاً: أزمة ثقة بين الأنظمة الرسمية
تكاثرت الأزمات بين الأنظمة الرسمية العربية، فانعدمت الثقة بينها، وغاب عنها الوعي بالخطر الأمني. وقد أكدت التجارب، أنه بعد احتلال العراق، انكشف الأمن القومي العربي أمام التدخل الخارجي، وتحولت معظم الأنظمة الرسمية العربية إلى متلقين للأوامر الخارجية. ومن أهم المخاطر التي تعاني الأمة منها في هذه المرحلة:
1-الأمن القومي العربي: باحتلال العراق انكشف أمن كل الأقطار العربية لأن أي تدخل خارجي في قطر عربي يستهدف الوطن العربي برمته من دون تمييز بين قطر وآخر.
2-الفراغ العربي في حماية الأمن القومي مدخل لملئه إقليمياً ودولياً: كان من المخطط لإحداث هذا الفراغ منذ بداية الخمسينيات، واكتمل باحتلال العراق. وبه شُرِّعت الأبواب أمام كل من سيملأونه من أنظمة دولية وإقليمية. ولهذا أصبح واضحاً أن حماية الأمن القومي العربي مهمة عربية، أنظمة وشعباً. وإذا حصل الاعتداء على أي قطر فعلى كل الطبقات أن تشارك بمواجهته، جنباً إلى جنب مع الأنظمة الرسمية.
وهذا ما ينطبق على الأمن القومي العربي، فمن واجب كل الأنظمة الرسمية أن تشكل كتلة واحدة من أجل القيام بهذه المهمة كواجب لا يحتمل الاجتهاد. وهذا ما حصل بعد احتلال العراق، وبعد هزيمة الاحتلال الأميركي، وتسليمه للنظام الإيراني، انكشف الأمن الخليجي أمام جحافل الغزو الإيراني. فأدركت فداحة المخاطر التي تحيط بها. وإذا كانت صحوتها متأخرة، فهي خير من غفوة دائمة. ولأن رأس أفعى الإرهاب الإيراني يقبع في العراق، فهي لن ترتدع إذا لم تقطع رأسها أولاً.

5-في مستقبل الاستراتيجية القومية مع دول العالم، يحدد المؤلف رؤيتين:
أ-في رؤية للعلاقات مع دول الجوار الجغرافي:
في المفهوم الاستراتيجي، يُعتبر أمن الأقطار العربية أمناً متكاملاً، وهذا ما ينطبق على أمن الدول المتجاورة جغرافياً، فاختراق أمن دول الجوار هو اختراق لأمن أقطار الوطن العربي. وأمن الوطن العربي مرتبط بأمن الدول المجاورة. وفي الحال التي تتعمق الثقة بين الطرفين، تنعكس إيجابياً على تبادل المصالح، سواءٌ أكانت العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، أم كانت عمليات التبادل التجاري والاستفادة من الثروات الطبيعية، كمصادر المياه، وغيرها من المرافق الطبيعية المشتركة.
بـ-في رؤيتنا لمبادئ النظام الدولي، والعلاقات مع أطرافه الأقوياء:
إذا كان النظام الدولي محكوم بقوانين تبادل المصالح. وإذا كانت علاقات المصالح بين الدول واقعاً من المستحيل تغييره. وبحكم التصارع الدولي على المنطقة العربية، من الأفضل للدول العربية أن يُحكم العالم بنظام دولي متعدد الأقطاب يستند إلى ضوابط الشرائع الإنسانية والدولية المتمثلة بـ(هيئة الأمم المتحدة).

رابعاً: أزمة ثقة بين الجماهير العربية والأنظمة السياسية:
على قوى الثورة العربية أن تستفيد من قوة الاحتقان الشعبي، بأن تنخرط في قلب تلك الجماهير من جديد لأنها ستجد بيئة شعبية حاضنة، ترشدها وتنظم حركتها. ولأن الجماهير جاهزة دائماً للنزول إلى ميادين النضال، فهي بحاجة إلى وجود عاملين متلازمين، وهما: إحلال الثقافة الجديدة مكان الثقافة القديمة، ووجود أحزاب تحمل هموم الجماهير الشعبية من جهة، وقيادة الجماهير من أجل المطالبة بحقوقها من جهة أخرى.
ومن أجل الإسهام في تعزيز الثقافة الشعبية وتعميقها، يتساءل المؤلف وفي ظل العلاقة بين الدين والدولة، عن هوية الدولة والنظام السياسي الذي نريد؟
وكي لا يبقى الصراع بوضع الإسلام في مواجهة العروبة أو العكس، كان لا بدَّ من حركة حوارية لتحديد المسافات بين طرفيْ هذه القضية الحيوية. على الأحزاب أن تحدد طبيعة العلاقة بين الدين والدولة. لأن الدولة أصبحت ثابتاً لا تنتظم حياة البشر من دونها. ووجود دول تنتمي مجتمعاتها إلى أديان متعددة ومتناقضة، يقتضي الأمر أن تكون هوية النظام السياسي هو الذي يوفر العدالة والمساواة لشتى أطياف المجتمع القومي. وذلك لأن الدولة الدينية تتجاوز إرادة الشعب. أما الدولة المدنية فهي التي تستمد شرعيتها من الشعب ويملك حق محاسبة الحكام وعزلهم.
وعن هوية الدولة القومية المدنية في منظور حزب البعث يرى المؤلف أن: حزب البعث العربي الاشتراكي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها. (المادة 5 من المبادئ العامة).
ونظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري، والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة (المادة 14 من الدستور). ومن أجل ذلك يعمل الحزب على تعميم مفهوم (حكم الشعب)، ويضع دستوراً للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً (المادة 17 من الدستور). ولضمان ذلك يوضع بملء الحرية تشريع موحد للدولة العربية (المادة 18 من الدستور). تمنح فيه الحقوق كاملة لكل مواطن عربي (المادة 20 من الدستور).
ويستكمل المؤلف معالجته للإشكالية السائدة في تفسير العلاقة بين العروبة والإسلام، فيجده في غياب التمييز بين تاريخية الإسلام وأيديولوجيته. ويعمل المؤلف على التفسير التالي:
أ-تاريخية الإسلام: شكَّل الإسلام محطة تاريخية أساسية في تحرير العرب من الشرذمة القبلية والعشائرية أولاً. وثانياً، تحريرهم من الاحتلال الخارجي المتمثل بإمبراطوريتيْ الفرس والروم. وكانت نظرة البعث إلى الإسلام من زاويته التاريخية، بمعنى أنه كان حلقة ثورية من حلقات التكوين القومي، ولا يعيب هذه الثورة أنها كانت تحت غطاء ديني إسلامي.
بـ-إيديولوجيا الإسلام: يتساءل المؤلف: هل الإيديولوجيا الإسلامية لا تزال صالحة لتوحيد العرب؟ فيجد أنه بعد أن كانت الأيديولوجيا الإسلامية عامل توحيد للعرب، فإنها بعد أن تشرذمت إلى مئات الفرق والمذاهب، أصبحت عامل تفتيت وشرذمة واقتتال بين أبناء الأمة العربية، ففقدت قيمتها، وأصبحت الحاجة ملحَّة للتفتيش عن أيديولوجيا تعيد للمجتمع العربي وحدته. فكان اللجوء إلى الأيديولوجيا القومية هو الحل، وذلك ببناء دولة مدنية علمانية تساوي بين أبناء المجتمع الواحد من جهة، وتحمي عقائدهم الدينية من جهة أخرى.

الخاتمة
ويعرض المؤلف أخيراً رؤيته في خاتمة الكتاب، بالبحث عن العلاقة الجدلية بين عوامل المؤامرة الخارجية وعوامل التخلف الداخلي.
1-إن حصل، وما يحصل، وما سوف يحصل، من أحداث مأساوية في شتى أرجاء الوطن العربي، يتضافر فيها عاملان: داخلي وخارجي. وإنه استناداً إلى قراءة التاريخ أوجز المؤلف أسباب تخلف الأمة إلى عاملين، وهما:
-الأول: أطماع الدول الخارجية بالوطن العربي، الذي استخدم فيه عوامل التفوق العسكري.
-الثاني: عوامل الضعف والتفكك التي يعاني منها الشعب العربي.
بين المؤامرة الآتية من الخارج، وبين حقوق الشعب على الأنظمة، رأى المؤلف أن الطائفية ليست هي الدين: ولأن الأرض العربية، كانت مهداً للأديان السماوية. ولأن الظاهرة الدينية، وعوامل الخلاف بين المنتسبين إليها، تعمَّقت نسيج الثقافة الدينية، فقد أصبح من الصعب معالجتها بطرفة عين. ولأن معالجة هذه القضية يتطلب خطة عمل طويلة ومتشعِّبة ومتداخلة، ذكَّر المؤلف بعناوينها الرئيسة.
أ-إبعاد رجال الدين عن فريق العلاج، لأن من يعرف أن يحقن المرض الطائفي لا يتقن وسائل العلاج منه.
بـ-على النظام الرسمي أن يلعب هذا الدور، بتعميم ثقافة النظام المدني.
جـ-على الأحزاب العلمانية أن تلعب دورها في وضع الدراسات الوطنية والمدنية، ووضع أسس لثقافة وطنية جامعة، وتفعيل دورها في التنشئة الثقافية الوطنية، ودراسات تعنى بوضع دراسات إرشادية حول مخاطر الطائفية، وإلى خطورة مضامينها الأيديولوجية.
د-الكشف عن وسائل القوى الخارجية في الدفع إلى تعزيز الثقافة الطائفية أولاً. وإلى كل ما يتعلق بالمخططات التآمرية في تعزيز عوامل الفرقة والتفتيت لتفكيك عرى العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي ثانياً. وفي الكشف عن إسنادها للحركات الدينية السياسية والتحالف معها ودعمها في سبيل الوصول إلى الحكم في الأقطار العربية ثالثاً.
2-التمييز بين الاختراق الأمني من الخارج، وبين الحراك السياسي المطلبي:
إن قوى التآمر الخارجي وظَّفت متكئات لها داخل الأنظمة الرسمية وبعض المؤسسات الاقتصادية أوالدينية، فتكون قد اخترقت النظام العربي الرسمي، والوسط الجماهيري معاً. واستطاعت أن توظفهما لإدارة مشاريعها المشبوهة. وبناء عليه على المجتمع العربي، والقوى الثورية فيه بشكل خاص، أن يميِّز خيط المؤامرة الأسود عن خيط حراكات التغيير الأبيض.
وإننا نحسب أنه ما لم تع الأنظمة الرسمية خطورة ردم الفراغات في علاقاتها مع الجماهير لإحداث ثغرات تتسلل منها القوى الخارجية. وإذا لم تعِ الحركات الثورية أن الجماهير قد تقع ضحية وسائل الخداع والتمويه أمام شعارات الخارج. فساعتئذٍ، وإذا لم تُردم تلك الثغرات، ستبقى الجماهير الشعبية الغاضبة كتلة يتم توظيفها لمصلحة هذا المشروع الخارجي أو ذاك.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن