المشاركة والسلوك السياسي في المجتمع الفلسطيني / الجزء التاسع: التنشئة السياسية

أسامة خليفة
dflp.c.information@gmail.com

2023 / 9 / 17

المشاركة والسلوك السياسي في المجتمع الفلسطيني
دراسة اجتماعية في أجزاء: الجزء التاسع: التنشئة السياسية
أسامة خليفة
باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»
التنشئة السياسية جزء من التنشئة الاجتماعية تهدف إلى بناء شخصية لها قيم ومعاير وميول وتوجهات ذات أبعاد سياسية، تشير التنشئة الاجتماعية إلى عملية نقل ثقافة المجتمع من جيل إلى آخر، أو بمعنى آخر نقل ثقافة الأجداد وتراثهم إلى الأبناء فتعمل بذلك على الحفاظ على الهوية والسمات الوطنية الخاصة بكل أمة، وتحافظ على تواصل القديم بالحديث وعلى استمرار طابع المجتمع وحضارته، طابع الشخصية الاجتماعي المكتسب هذا يساهم في تكيف الفرد والتوافق مع مجتمعه، ويسهل الاندماج في الحياة الاجتماعية، وما التنشئة إلا عملية مران الفرد على السلوك المقبول اجتماعياً حتى تأصيل هذا السلوك في شخصيته، ذلك أن الطفل تسيطر عليه دوافع غريزية تجعله قابل لمشاركة الآخرين في الحياة الاجتماعية فيتولاه المجتمع بتلقينه تقاليده وعاداته وثقافته ومنها الثقافة السياسية.
التنشئة السياسية الفلسطينية يجب أن تكون تنشئة ديمقراطية تعمل على غرس قيم التسـامح بين أبناء البلد الواحد، وإرسـاء القيم والمفاهيم الديموقراطية، عبر المؤسسات الاجتماعية المعنية بالتنشئة لكي تنعكس إيجابيـاً علـى المجتمـع الفلسطيني وعلى السلوك الفردي والجماعي، لأنها تعـزز مفهـوم المواطنـة الجيدة واحترام الآخر والإقرار بوجوده، والتعاون مع الآخرين، وترفع من نسبة المشاركة المجتمعية والمشاركة السياسـية بما يحقق المصلحة المشتركة.
يلتبس مفهوم التنشئة الاجتماعية مع مفاهيم أخرى تعتبر عوامل مهمة في بناء شخصية الإنسان، مثل: التربية، والتعليم، والتعلم، والتكيف الثقافي، والتنشئة المدنية، يشير التكيف الثقافي إلى الحالة التي يكون فيها الفرد حاملاً لثقافة المجتمع الذي يعيش فيه خبيراً بشؤونه، قابلاً لأن يشارك المجتمع في الحياة الثقافية القائمة، فشخصية الفرد تنمو في وسط ثقافي معين يطبع الشخصية بطابعه، فتختلف الشخصية من ثقافة إلى أخرى لاختلاف أصول السلوك وقواعده، ولاختلاف المعرفة، والتصورات، والحقوق والواجبات.
إن فهم التشابه الموجود بين الأفراد داخل الثقافة الواحدة يعود إلى نمط الشخصية الأساسية التي تعرف بأنها الصورة العامة للشخصية التي يشترك بها المجموع العام من أفراد مجتمع ما نتيجة الخبرات الأولى التي مروا بها. وتعتبر الأسرة أهم المؤسسات الاجتماعية التي تقوم بتنشئة جيل جديد على قيم ومعايير المجتمع. تليها المدرسة والمعهد والجامعة، وفي أماكن السكن من خلال جماعة الرفاق، وبأشكال جماهيرية كالأحاديث والمناقشات والاتصال الشخصي مع الأخرين، أو عبر وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمؤسسات الثقافية من مكتبات ومنتديات...
إن التنشئة السياسية منظومة اجتماعية لها مكوناتها من ( أسرة، مدرسة، حزب، إعلام، منتديات، مؤسسات ..) تقوم بوظيفة حيوية في الإطار الاجتماعي وهي وظيفة ذات مضمون اجتماعي سياسي بالضرورة، بما في ذلك التعليم الذي لا يمكن ان نعده عملية فنية أدائية تقتصر على تعليم القراءة والكتابة أو التعليم المتخصص الذي يعد الإنسان للون معين من النشاط أو العمل، فكري فني حرفي يدوي.. يتعلق التعليم بتحصيل الناس للمعارف والحصول على المعلومات، ومعرفة نظم المجتمع وطرائق حياته فيصبح الفرد قادراً على توجيه سلوكه ليلائمه مع قيم المجتمع ومعاييره ونظمه وأهدافه، فهناك من يرى أن تعليم المواطنة وإكساب قيم الديمقراطية وإثارة حماسهم لها، ابتعاد للمدرسة عن واجبها الأساسي الذي يقتصر على النمو العقلي للتلاميذ، ويرى آخرون أن عملية التعليم ليست مجرد تلقين معلومات بل هي عملية تثقيف سياسي اجتماعي حضاري ووسيلة لبث القيم الوطنية، وربطها بالتعلم أي تعزيز ما يكتسبه الانسان (العادات والأنماط الإدراكية اللغوية والحركية والانفعالية)، عن طريق الممارسة والاحتكاك بالعالم الخارجي نتيجة التكرار.
أما التربية فتتعلق بتنمية الخصال الباطنية للإنسان، القناعات والمبادئ الأخلاقية والاتجاهات والمعايير والسمات الشخصية، وغرس عوامل ضبط داخلية للسلوك، وتشير التربية الوطنية الفلسطينية إلى «عملية تعزيز أخلاق اجتماعية ثورية تدعو للتغيير والعمل والممارسة والتضحية بالمصلحة الفردية لصالح الجماعة وربط القيم الأخلاقية بالسلوك والمواقف اليومية وترجمة الإيمان بتلك القيم إلى مسؤوليات اجتماعية ووطنية محددة وجهود معرفية ومهمات تخدم نضالات الشعب الفلسطيني وتطوره ولا تهدف فقط إلى إشباع إرضاء ذاتي أو المحافظة على التكيف مع العالم الصغير الذي يحيط بالفرد، بل تتجاوز ذلك إلى دفعه للالتزام بقضايا مجتمعه الفلسطيني وهمومه، وألا تكون التربية الأخلاقية قائمة على المحرمات والقمع والعقاب والتهديد والغموض بل تعنى بنقل تلك القيم إلى الطالب من خلال الممارسة والتجربة والترغيب والتشجيع والمبادرة والتصوير الحسي لمدلولاتها الواقعية ونماذجها التاريخية في ماضي أمتنا العربية وأبطالها» (من كتاب الآفاق النظرية والتربوية والشخصية الوطنية الفلسطينية- عدنان عبد الرحيم)
وهذا التعريف للتربية الوطنية يرتبط بوضوح بالتنشئة السياسية التي لا تقتصر على عملية تلقين معلومات حول قضايا سياسة، بل تعمل على إكساب قيم ذات مغزى سياسي، تبدأ من الطفولة بغرس قيم حب الوطن والانتماء والإخلاص له وتستمر مدى الحياة.
في نطاق الأسرة نظر الآباء الفلسطينيون في الشتات البعيدون عن أرض الوطن إلى مهمة التعريف بفلسطين قراها ومدنها وشوارعها وحياتها وتقاليدها وقيمها وتراثها وأبطالها على أنها مهمتهم، فلم يتوقفوا عن وصف قراهم التي هجّروا منها، وقد أعجب سائح زار أحد مخيمات اللجوء بوصف طفلة فلسطينية لقريتها المحتلة التي لم ترها في حياتها، ظن أن الطفلة قد تعلمته في المدرسة، لكن الشاعر الفلسطيني أبو سلمى أجابه: إن الجدات الفلسطينيات يعلمن الجغرافيا الوطنية.
ونظر الآباء إلى التعليم المدرسي أنه يتعلق بقضايا تربوية بعيدة عن الخصوصية الفلسطينية وأنه يرتبط بإعداد جيل المستقبل وتأهيله لأداء مهنة معينة.
إلا أن دور المعلم الفلسطيني المهتم كان فاعلاً، عوّض افتقار المناهج التي يدرسها الطالب للخصوصية الفلسطينية، وإن احتوت كتب التاريخ معلومات عن القضية الفلسطينية، كل دولة حسب رؤيتها السياسية لهذه القضية. يصل د. منير بشور في دراسة لما تحتويه الكتب في الدول العربية إلى استخلاصات منها:
إن خمسة بلدان من أصل ستة كان حجم ما يُدرّس فيها عن القضية الفلسطينية ضعيفاً جداً، وأن هذا الحجم يقارب ما يقدم من موضوعات بعيدة الصلة عن حياة المواطن العربي، مثل فيتنام أو تطور أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وإن ما يعطى يمت بمعظمه إلى فترة الانتداب البريطاني ثم حرب 1948، ويخف تدريجياً حتى يكاد يتلاشى بعد العام 1967. كما أن السرد التاريخي هذا يخلط بين الفلسطيني والعربي والإسلامي كمفردات لا تحوي دلالات ثابتة، الأمر الذي يجعل الطالب يضيع في متاهة الهوية الفلسطينية، ويغلب على السرد الصفة الأخلاقية فيشار إلى خيانة بريطانيا، وخبث اليهود، وانخداع العرب.
وتوصلت الباحثة نجلاء بشور في تحليل المناهج اللبنانية إلى أن الطالب الفلسطيني يتعلم القليل عن فلسطين والحركة الصهيونية فلا يعرف قضيته بالضبط ولا طبيعة الصراع ولا مسؤولية من يكون التحرير، بل يرى اسرائيل كأمر واقع لا مفر منه.
تجاوز معلمون فلسطينيون لا سيما في مدارس الأونروا إطار المنهاج المقرر بأنشطة، منها: تقديم نماذج من نضال الشعب الفلسطيني، دراسة نماذج من المناضلين وكفاحهم ضد الصهيونية والاستعمار، تحفيظ الأغاني الوطنية لتلاميذهم، ترديد نشيد وطني في الطابور الصباحي، موطني، نحن أبناء فلسطين الأباة، عائدون، فدائي، ارتبطت هذه المحاولات بمستوى وعي المدرّس من جهة وبنشاط الأجهزة الأمنية العربية المسؤولة عن الشؤون الفلسطينية من جهة أخرى، بالإضافة أن وظيفة التدريس كانت تمنح للعناصر المحافظة والموالية للأنظمة بما أن التعيين بيد السلطة.
أما في الأرض المحتلة فإن الإجراءات القمعية الصهيونية في مجال التعليم تقوم على خطة مبرمجة وشاملة، تشمل أطراف العملية التعليمية التربوية من طلاب ومدرسين ومناهج ومقررات تعليمية، إجراءات تهدف بالدرجة الأولى إلى تفريغ المؤسسات التعليمية الفلسطينية من مضمونها الوطني، لكن المشكلة في التعليم لا تقتصر فقط على الاحتلال وممارساته بل في مفاهيم وقيم مكتسبة نمارسها بوعي أو بغير وعي، يتحدث د.حامد عمار في كتاب «في بناء البشر» عن شخصية «الفهلوي» باللهجة المصرية، يقول عنه: «هذا كتاب قديم، لكني أزعم بأنه جديد أيضاً»، تحفل هذه الشخصية بقيم ذرائعية، قيم الطبقة المدنية المتوسطة وشعارها الغاية تبرر الوسيلة، والنجاح ولو بالغش في الامتحان، وقد انتشرت القيم الفهلوية في المجتمع المصري، وانتقلت منه إلى المجتمعات العربية، شخصية الفهلوي يقابلها باللهجة السورية «الحربوء»، وفي مجتمعنا الفلسطيني «الذكي جداً أو الشاطر»، يضع أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة بير زيت إحدى عشرة خاصية سائدة في نموذج التعليم والعلوم والأبحاث، منها شخصية الذكي الشاطر، الذي يعطي أهمية قصوى للتغلب على الآخرين والانتصار عليهم مهما كان الثمن، ومما يزيد الأمر سوءاً هو أن تغدق على المنتصر صفة الذكي.. ذلك الانتصار الذي يعطي شعوراً بالراحة والنشوة وكأن الهدف ليس التعليم وإنتاج المعرفة (الأبحاث) إنما البرهنة على أننا أفضل من الآخرين، من الطبيعي أن يواكب هذه الخاصية أموراً مثل السرية والتسلط والتحكم والمواقف المزدوجة، والتشويه والخداع والأساليب الملتوية والتحريف وإخفاء ما في النفس وإبراز مظاهر كاذبة من قبل العاملين بالأبحاث والعلوم والتعليم، وهناك خاصتان في نموذج التعليم والعلوم والأبحاث تتعلقان بالجانب الاجتماعي–السياسي :
- التأكيد على النشاطات التي تمارس في العلوم والأبحاث والتربية والتكنولوجيا هي نشاطات محايدة وعقلانية ومجردة وعامة، وفي كثير من الأحيان مطلقة، وكأنها لا ترتبط بأيديولوجيا معينة أو بمصالح اقتصادية أو سياسية أو شخصية، وكأنها لا ترتبط بمنطلقات حضارية أو اجتماعية أو تاريخية أو طبقية.
- التشديد على الإنجازات أو المصالح الفردية، على حساب الأبعاد الجماعية وروحية ومصلحة الجماعة والأمة والأجيال القادمة وحب الآخرين والاهتمام بهم والتعاون معهم، حيث تكتسب هذه الأبعاد أهمية خاصة في مجتمعنا الفلسطيني، لأنها تزيد من قدرتنا على مواجهة مشاكلنا المشتركة وتزيد من ارتباطنا مع بعض، وخاصة لوجود محاولات لتحويلنا إلى فرديين لا نهتم إلا لصالح ذاتنا.
تتجه فلسفة التربية الفلسطينية إلى مسألتين يفرضهما الواقع الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني حالياً:
أولاً: بناء الدولة الحديثة المنشـودة، ومواكبة التطورات الحضارية الإنسانية، مما يتطلب تدعيم وترسيخ معنى الديموقراطية قيماً وسلوكاً ونظاماً، فالديمقراطية طريقة في الحياة وفق تقاليد أخلاقية معينة، فمعنى الديمقراطية لم يعد يقتصر على الحكم ونوعه، ولكي تصبح الديمقراطية طريقة مفضلة في الحياة، ومجموع صفات يتحلى بها الفرد والمجتمع، ولكي ينجح التحول الديموقراطي في المجتمع الفلسطيني، يمكن هذا أن يتحقق من خـلال تنشـئة اجتماعية وسياسية تتولاها كافـة المؤسسات المجتمعية الرسمية وغير الرسمية، من خلال ترسيخ التقاليد الديمقراطية وغرس قيمها: مبدأ المساواة، صون الحقوق وتلبية الواجبات، احترام حقوق الآخرين، قيم العمل التعاوني من أجل الصالح العام المشترك، حرية المناقشة والحوار، واحترام الرأي الآخر، بهذا يتكون وعي سياسي ملتزم يطالب بالإصلاحات الديمقراطية يدرك أبعاد الحركة المطلبية المتصاعدة، ويدرك أهمية تكوّين رأي عام شعبي ضد التسلط والنظام الأوامري.
ثانياً: الاحتلال وممارساته، وأثارها تنعكس على كل فئات المجتمع وشرائحه، ولاسيما الطفل الفلسطيني، هذه الظروف تدفعه إلى مقاومة الاحتلال عند أول فرصة يصبح فيها قادراً على ذلك، وقد شهدنا في الانتفاضة الأولى شجاعة أطفال الحجارة، وظاهرة اعتقال وسجن الأطفال وفرض غرامات باهظة على ذوي الأطفال الذين يقاومون جيش الاحتلال، ونشهد أيضا في جيل الشباب الحالي مقدار الغضب البادي في ثورتهم على الاحتلال، هؤلاء هم من فتحوا عيونهم أطفالاً قبل سنوات على عسف الجيش والمستوطنين، لقد امتاز أطفال فلسطين عن أطفال العالم بدورهم في مقاومة الاحتلال، فقد عرف عن الأطفال أنهم لا يشكلون قوة ضغط اجتماعي، ولا يثيرون الاضطرابات ولا صوت لهم، لكن أطفال فلسطين أسمعوا صوتهم الرافض للاحتلال بقوة لكل العالم.
في مجال البحث في التنشئة السياسية لا بد من تحديد موقع الطفل في هذا الصراع، في مجتمع يقع تحت الاحتلال، ويعاني من الاستيطان والمستوطنين، وليس أدل على ذلك من حرق عائلة الدوابشة وأطفالها، وخطف الطفل محمد أبو خضير على أيدي مجموعة من المستوطنين وقتله حرقاً.
ولا بد من تحديد موقع الطفل في النضال الوطني فهناك مقولة الإنسان محور الثورة، أي أن الإنسان وسيلة وأداة الثورة وهدفها في ذات الوقت، فأين الطفل من هذه المقولة؟. وكل دول العالم كما هو معروف تربط قضايا إعداد الأجيال وتنشئتهم بأهداف المجتمع بما في ذلك الدول العظمى، وهذا جرى على الصعيد الفلسطيني بتأسيس مؤسسة الأشبال والزهرات عام 1969 فانتشرت معسكرات الأشبال والزهرات في كل الساحات التي تواجدت فيها قوات الثورة الفلسطينية، ونحن نفتخر بأن أشبالنا وزهراتنا شاركوا في معارك الدفاع عن الأرض والشعب في وجه قوات الاحتلال، والحقيقة أن الدور الفاعل للأطفال في النضال الوطني لا تعكس نجاح تلك المؤسسات بتوظيف الأطفال سياسياً واجتماعياً بمقدار ما تعكس واقعاً عاشه الطفل الفلسطيني ووجد نفسه في مواجهته، وليس أدل على ذلك من ظاهرة أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى، الذين لم ترعاهم مؤسسات الأشبال والزهرات، إن هذا يطرح الخروج الذهني من تبرير وتنظير التوظيف السياسي والاجتماعي للأطفال، والخروج من التجريبية باسم هذا التوظيف، هذه الرؤية عكس ما يراد لها كرؤية مستقبلية لجيل الغد، هي رؤية قصيرة المدى تختزل ذات الطفل حسب الأهداف والاحتياجات النفعية، فاحتياجات الطفل العاطفية والفكرية لا تقل أهمية عن الاحتياجات المادية، فسعادة الطفل لا تتحقق إلا إذا انتمى إلى وطن، وأحس بالاعتزاز لهذا الانتماء، من هنا كانت التربية الوطنية تحقق ذات الطفل أولاً، وبدرجة أساسية، وليس لأن التربية الوطنية تخلق من الطفل وسيلة جيدة للثورة حاضراً أو مستقبلاً، فذات الطفل بحاجة لانتماء، وإلا ستنمو شخصيته اغترابية عدمية، لا تستطيع التكيف.
وهكذا عبر تأكيد ذات الطفل من خلال تنمية قابلياته وإمكاناته واستعداداته وتلبية احتياجاته، نوثق العلاقة بين الطفل ومجتمعه برابطة قوية، وتصبح هذه الرابطة دافعاً داخلياً للاهتمام بقضايا وطنه، بل تصبح قضايا النضال حاجة للطفل في مرحلة من مراحل نمو شخصيته، كما حصل في الانتفاضة الأولى ويحصل الآن في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي، قد يدفع الكبار لتلبية هذه الحاجة له أو على الأقل لا يمكنهم منعه من تحقيق هذه الحاجة بنفسه، ومن الخطأ أن يقال: إن الأطفال استجابوا استجابة كبيرة لنداءات القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة وهي لم تتوجه بأي من نداءاتها إلى الأطفال إلا بمتابعة العلم والتعليم الشعبي في الانتفاضة الأولى.
وبنظرة إلى واقع الصراع وموقع الطفل فيه نجد أن العدو يستلب من أطفال فلسطين طفولتهم، وما وفر لهم غير ظروف القتل والقمع والإرهاب والبؤس وعمد إلى اعتقالهم وأعد لهم السجون والمحاكم، فحرمهم من طفولتهم، وسرق منهم البسمة والفرح، ليزرع مكانها الخوف والقلق والرعب، بالمقابل فإن الإرادة الفلسطينية تتمثل بإرادة الفرح والطفولة السعيدة، ولا يمكن عملياً توفير الفرح الحقيقي لأطفال فلسطين إلا بزوال الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن هذا الهدف لا يمنع من طرح أهداف ومطالب وفق ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الطفل: أن يكون الطفل أول من يحصل على الوقاية والحماية والإغاثة في الأوقات التي تحدث فيها النكبات، وأن تتاح له الوقاية من كافة ضروب الإهمال والقسوة والاستغلال، وكذلك من الأعمال التي قد ينجم عنها أي نوع من التمييز، وأن تتاح للطفل فرص وتسهيلات تؤدي إلى تنشئة على نحو يكفل له رعاية طبيعية وصحة كاملة في ظل الحرية والكرامة وأن يكون له اسم وجنسية من وقت ولادته، كما يكون له حق الاستمتاع بمزايا الأمن الاجتماعي، وأن تتاح له الفرصة لكي يتعلم.
إن حاجات الطفل المادية والمعنوية تلبى ضمن المؤسسات الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة، والتكامل الوظيفي بين البيئة الأسرية، والبيئة المجتمعية الأوسع يؤدي دوراً مهماً في تنشئة الطفل وإشباع حاجاته وفي تشكيل شخصية سوية، ولكن في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال تسيطر إجراءات القمع الإسرائيلية التي تهدف إلى تعطيل دور المؤسسات الوطنية في تأدية واجباتها تجاه أعضائها، وخاصة التربوية منها بادعاء غرس قيم الكراهية، فهل المطلوب من المؤسسات الوطنية أن تعلم الطفل الفلسطيني أن يحب المحتل والمستوطن؟!!. إن روح العداء للصهيونية وإسرائيل هي سمة مشروعة ناجمة عن اعتداء المعتدي على المعتدى عليه، ونقمة هذا الأخير على إجراءات الاحتلال العدوانية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن