الإرهاب الشعري: حكيم باي

محمد علي الطوزي
otaku.shaymatsu.rengoku@gmail.com

2023 / 9 / 17

الإرهاب الشعري*

تأليف: حكيم باي**
ترجمة: محمد علي الطوزي

رقص غريب طيلة اللّيل في حجرات الصّراف الآلي. عروض الألعاب النّارية المحظورة. فنّ الأرض(1)، أعمال الحفر(2) كأنّما هي تشكلات لأدوات فضائيّة غريبة تتناثر في المنتزهات العامّة.
اقتحمْ المنازل لكن عوضا عن نهبها دَع في أركانها متعلّقات الإرهاب الشّعري. اختطفْ أحدا ما واجعله مُبتَهِجا.
تَخَيَّر، كَيْفَمَا اتّفَق، شخصا ما وأقنعه بأنّه ورث للتوِّ ثروة ضخمة، عديمة الجدوى ومذهلة- مثل 5000 ميلا مربعا من القارة القطبية الجنوبية أو فيل سرك هرم أو دارا للأيتام في بومباي أو مجموعة مخطوطات خيمائيّة. لاحقا سيدرك، للحظات قليلة، أنه قد آمن بشيء استثنائي، وربمّا قد تدفعه بالنّتيجة إلى البحث عن بعض صيغ الوجود الأشدَّ كثافة.
قم بنصب لوحات نحاسيّة تذكاريّة في الأماكن (العامّة أو الخاصّة) أين تملكتك الرّؤى أو اختبرت في جنباتها تجربة جنسية مُرضية بشكل خاص…
انطلق عاريا كي تصل العلامة(3).
قم بتنظيم إضراب في مدرستك أو مكان عملك بدعوى أنّها لا تستجيب لمتطلبات الخمول والجمال الرّوحي.
فنّ الكتابة على الجدران(4) يضفي بعض الجمال على مترو الأنفاق القبيح والمعالم العموميّة الجامدة- يمكن أيضا إنشاء فنّ الإرهاب الشّعري في الأماكن العامّة: قصائد منقوشة في مراحيض المحكمة، أوثان صغيرة مهجورة في المنتزهات والمطاعم، النّسخ الفنّي(5) تحت ماسحات زجاج السّيارات المركونة، شعارات بحروف ضخمة ملصَّقة بجدران الملاعب، رسائل مجهولة تُرسل إلى متسلمين عشوائيين أو محدَّدين (احتيال بريدي)، قراصنة تردّدات البثّ اللّاسلكي، خرسانة مبتلة…
ردّة فعل الجمهور أو الصّدمة الجماليّة التي يخلِّفها الإرهاب الشّعري يتوجّب أن تكون على الأقل بنفس حدَّة الشّعور بالهول- الاشمئزاز الشّديد والتحفيز الجنسي والفزع الخرافي والاختراق الحدسي المفاجئ والقلق الدّادئي- لا يهم إن كان الإرهاب الشّعري موجّها لشخص واحد أو جماعة، ولايهمّ إن كان "علماً" أو مجهولا، فما لم يحدِث تحوُّلاً في حياة شخص ما (باستثناء حياة الفنان)، فإنه يعدُّ فشلاً.
الإرهاب الشّعري هو فصل في مسرح القسوة، حيث ينعدم الركح، بلا صفوف المقاعد، بلا تذاكر وجدران. كي يتحقق الإرهاب الشعري يجب أن ينفصل بشكل قطعي عن الهياكل التقليديّة للاستهلاك الفني (صالات العرض والمنشورات ووسائل الإعلام). حتّى تقنيّات حرب العصابات الموقفية(6) مثل مسرح الشارع(7) ربما تكون معروفة جيدا في الوقت الرّاهن ومتوقّعة.
لا يتمّ تحقيق الإغواء الجارف فقط بغرض تبادل الرضّا وإنما أيضا كفعل واع بتبصُّر في جمال الحياة- ربما هو ذاك جوهر الإرهاب الشّعري.
يمارس الشّاعر الإرهابي حيلة الائتمان لكن ليس بغرض تحصيل المال بل طلبا للتّغيير.
لا تقترف الإرهاب الشّعري مع الفنانين الآخرين، بل اعتمده مع الأشخاص الذين لن يدركوا (ولو لبضع لحظات) أنك قد شكّلت عملا فنيا. تفادى الأصناف الفنيّة المعتادة، تجنب السّياسة، تحاشَ ذلك وتحلَّ بالجّدل، لا تكن وجدانيّا؛ كن قاسيّا، خطرا، خرِّبْ فقط ما يجب تشويهه، قم بشيء يستذكره الأطفال بقيّة حياتهم- لكن لا تكن عفويّا إلّا إذا تملّكك إلهام الإرهاب الشّعري.
ارتد لباسك واعتمد اسما مستعارا وكن أسطوريا. أفضل الإرهاب الشّعري ما كان انتهاكا للقانون، مع ذلك لا تسمح للشّرطة بإيقافك، الفن جريمة؛ الجريمة فن.


هوامش المترجم:

* هذا النّص صدر بالإنجليزيّة تحت عنوان:
Title: Poetic Terrorism
Author: Hakim Bey
Source: T. A. Z. The Temporary Autonomous Zone, Ontological Anarchy, Poetic Terrorism —Hakim Bey published by Autonomedia, 2003, pages 4-6
** حكيم باي: بيتر لامبورن ويلسون (20 أكتوبر، 1954- 22 ماي، 2022) الملقب باسم حكيم باي. شاعر أمريكي، كاتب سياسي، ومؤلف مقالات. يُعدُّ مفكرا لاسلطويا تجمع أفكاره بين لاسلطوية ما بعد اليسار واللّاسلطويّة الفرديّة. يتميز بطرحه لمفهوم "نطاق الحكم الذاتي المؤقت" وهو عنوان مؤلفه المنشور في طبعته الأولى سنة 1991 حيث تطرق إلى التقنية الاجتماعية والسياسية التي تفضي إلى خلق مساحات مؤقتة بعيدة عن الهياكل الرسمية المسيطرة.
(1) فن الأرض (Land-art): حركة فنية نشأت في الستينات والسبعينات، وهي أحد اتجاهات الفن المعاصر والفن المفاهيمي تعتمد الإطار ومواد الطبيعة (الخشب، الأرض، الحجر، الرمل، الماء، الصخور... إلخ). في أغلب الأحيان، تكون الأعمال في الهواء الطلق.
(2) أعمال الحفر (earthworks): يعتمد على تشكيل الأرض نفسها أو عن طريق عمل أشكال في الأرض باستخدام مواد طبيعية مثل الصخور أو أغصان الأشجار. تتراوح أعمال الحفر بين التدخلات الدقيقة والمؤقتة في المناظر الطبيعية وبين التعديلات المهمة والنحتية والدائمة التي يتم إجراؤها باستخدام آلات ثقيلة لتحريك التربة. بعض الفنانين عملوا على إحضار الأرض إلى صالات العرض والمتاحف، وإنشاء منشآت من التراب والرمال وغيرها من المواد المأخوذة من الطبيعة.
(3) شعار "Go naked for a sign": في خمسينيات القرن السابع عشر، كانت إنجلترا مسرحًا لسلسلة طويلة من الحركات الاحتجاجية لرجال ونساء عراة في الأماكن العامة (الشوارع والكنائس والجامعات وما إلى ذلك)، مما تسبب في فضيحة وسوء فهم من لدن غالبية العامة. خرج هؤلاء النساء والرجال تحت شعار عراة "كعلامة"، إشارة منهم لأحد نصوص العهد القديم (إشعياء 20: 2-3). وكان القصد من هذه الممارسة إظهار ما كان الله على وشك أن ينزله بهم: التجرد الكامل من جميع ممتلكاتهم وسلطاتهم وامتيازاتهم الاجتماعية.
(4) فن الكتابة على الجدران (Grafitti-art): نوع من التواصل البصري، غالبا ما يتم بشكل غير قانوني، عبر رسم مشاهد وشعارات غير مباحة على ملكيات عامة من قبل فرد أو مجموعة. يُستخدم في العادة من قبل المحتجين في سياق التوتر السياسي أو في أعقاب الأحداث الاجتماعية التي لها تأثير كبير على الجماهير، وقد تطورت خلال الثورات والحروب (الجزائر، الحربين العالميتين الأولى والثانية، الاحتلال... إلخ) ولاحقًا، اصطبغت بروح جمالية من خلال استخدام تقنيات جديدة مثل الطلاء بالرش، واستخدام الملصقات، والنقش والرسم بفرشاة أو بكرة، على سبيل المثال لا الحصر.
(5) النسخ الفني (xerox-art): بدأ فن النسخ، والذي يمكن أن يسمى فن زيروكس، أو الفن الكهروستاتيكي، أو التصوير الجاف، أو النسخ أو الفن الكهربائي، عالميًا في ستينيات القرن العشرين، بعد اختراع أول ناسخة زيروكسية، سنة 1959. وبسرعة كبيرة، يستفيد الفنانون البَصَريون من هذه الوسيلة الجديدة لإنشاء نسخ ليس فقط على الورق، ولكن أيضًا على الخشب أو الألواح أو الأقمشة. يمكن أن تتطور الأعمال من حيث الحجم في شكل مجمعة أو تندرج ضمن فئة ما يُسمى فن البريد أو فن الكتاب…
(6) الموقفية (Situationism): هي فلسفة فنيّة-سياسيّة تبلورت في السّبعينات من قبل أعضاء حركة "الأمميّة الموقفيّة". وتستمد أسسها الفكريّة في المقام الأوّل من الماركسية التّحررية والحركات الفنيّة الطليعيّة في أوائل القرن العشرين، وخاصة الدّادائيّة والسّرياليّة. وصلت الأممية الموقفية إلى قمة إنتاجها وتأثيرها الإبداعي في عامي 1967 و1968، بعد نشر أهم نصين للحركة الموقفية، مجتمع المشهد بقلم جاي ديبور وثورة الحياة اليومية بقلم راؤول فانيجيم. أثبتت تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الأفكار الكامنة وراء تمردات مايو 1968 في فرنسا؛ كانت الاقتباسات والعبارات والشعارات من النصوص والمنشورات الوضعية موجودة في كل مكان على الملصقات والكتابة على الجدران في جميع أنحاء فرنسا خلال الانتفاضات.
(7) مسرح الشارع (street theater): إنتاج مسرحي للهواة يتم عرضه في الشارع أو في أي مكان، بما في ذلك مراكز التسوق ومواقف السيارات والمحميات الترفيهية وحرم الكليات والجامعات وزوايا الشوارع. عادةً يقدم العرض للجمهور بشكل مجاني، مع نص مرتجل بشكل عام حول موضوع اجتماعي أو سياسي…



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن