التشخيص في الأدب

محسين الوميكي
loumikimouhssine@yahoo.fr

2023 / 9 / 17

في لغتنا العربية نجد أن المهتمين والمتخصصين يؤكدون على أن العلوم التي تعتني بتركيب الكلام هي أربعة علوم وتأتي كالتالي:
1 -علم النحو: يبحث في أحوال أواخر الكلمات من إعراب أو بناء في وضعية تركيب الجمل. ويعرفه العلماء كما جاء في كتاب المختصر في النحو لكاتبه خالد بن محمود الجهني: {هو العلم بالقواعد التي يُعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية في حال تركيبها إعرابا وبناء.} (ص 14)
2 -علم الصرف: ينظر في بنية الكلمة المفردة بعيدا عن تركيبها في جمل.
3 -علم البلاغة: يعتني بتركيب الكلام على أحسن الوجوه وأفصحها ولا يكون ذلك إلا بعد أن يكون الكلام سالما من مخالفة قواعد النحو ومفرداته سالمة من مخالفة قواعد الصرف وهذا العلم ينقسم إلى ثلاثة علوم كل علم منها يختص بزاوية معينة تتعلق بالكلام بطريقة تجعله فصيحا مفهوما مقبولا لدى المتلقي.
يرجع الفضل ليوسف أبا يعقوب السكاكي، المتوفي عام 626 هجرية في تقسيم البلاغة العربية إلى: علم المعاني، علم البيان، والمحسنات التي سيسميها الخطيب القزويني بعده بعلم البديع. ورغم أن البلاغيون المحدثون تجاوزوا هذه العلوم واعتبروا البلاغة فنا للقول، أو الكتابة إلا أن هذه العلوم لازالت تفرض نفسها على الإبداع الأدبي من جهة والنقد الأدبي من جهة ثانية. إذن هذه العلوم تأتي كالتالي:
أ -علم البيان: ويراد به المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه وتدخل فيه مباحث التشبيه المجازي، الاستعارة والكناية وما التحق بها.
ب –المعاني: ويراد به إيراد المعنى بالصورة الموافقة لمقتضى حال المخاطبين ويضم مباحث الخبر، الانشاء، الاسناد، الحصر، الايجاز، الأطناب وما أشبه ذلك.
ت –البديع: ويراد به طرق تحسين الكلام باستعمال المحسنات اللفظية والمعنوية (من الجناس والطباق وغيرهما).
4 – علم الإملاء: جاء في مقدمة كتاب الشامل في قواعد الكتابة والإملاء لصاحبه العلامة الشيخ حسين الوادي ـ المقدمة التي وضعها حامد آل بالرجل ـ في تعريف علم الإملاء: {>، أو ما كان يعرف عند الأقدمين ب (الخط القياسي)، علم عظيم القدر، واسع النفع، له باع طويل في إتقان الكتابة وتحقيق الغاية منها، وله أهمية وفضل في إحكام أصول الكتابة؛ كي يصل بالقارئ إلى إصابة القصد من التعبير والكلام.} (ص 5) وفي نفس الصفحة يسوق حامد تعريفا لابن خلدون يقول فيه: {هو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس، فهو ثاني رتبة عن الدلالة اللغوية، وهو صناعة شريفة؛ إذ الكتابة من خواص الإنسان... وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر... وخروجها من القوة إلى الضعف إنما يكون بالتعليم...أ.ه}.
سقت هذا كله فقط لأبين أن اللغة أي لغة لها علوم تضبطها، وتسهل من خلال استعمالها التواصل بين الناس بشكل عام وكذلك بين الكاتب والمتلقي بشكل خاص. واستعمال اللغة خارج هذه الآليات لا يمنحها قوة بل يصيبها بانتقاص حاد سواء تعلق الأمر بالمبنى أو المعنى، لذا فلازم على الكاتب أن يلتجأ إلى هذه الأدوات لتقديم منتوج فني وجمالي يتجاوب مع الذوق العام والقواعد المعمول بها والمتفق عليها.
من بين هذا الركام من الأدوات استعملت الاستعارة المكنية التي تدخل ضمن علم البلاغة وتحديدا علم البيان. المقطع الذي سأقترحه هنا مأخوذ من قصيدة "على مصطبة"
في حديقة
على مصطبة
جلست تراجع الذكريات
بيدها اليمنى وردة حمراء
وباليسرى منديل حزين
والسطر المقصود هنا هو الذي يقول:
وباليسرى منديل حزين
والقصد من هذا السطر أن المنديل كتلك المرأة حزين أي " المنديل مثل المرأة حزين" ففي هذا تشبيه أركانه حاضرة: المنديل مشبه، مثل أداة تشبيه، المرأة مشبه به، وحزين علاقة المشابهة وهو تشبيه مجازي ليس واقعيا لأنه مستحيل. لكن بحذف أحد طرفي التشبيه الذي هو المرأة والتي هي في الواقع المستعار منه (استعارة الحزن) إذا تمت استعارة الحزن للمنديل والحزن هنا هو القرينة أو ما يفيد امتناع إرادة المعنى الحقيقي كما يقول أهل البلاغة. إذن استعرت من المرأة الحزن وحذفتها وتركت المنديل / المشبه ومنحته الحزن الذي استعرته له من المرأة المستعار منه وبالتالي أكون هنا قد استعملت استعارة حذف أحد طرفيها وهنا المستعار منه وذكرت المستعار له مع القرينة أو الصفة أو لازما من لوازمه والحزن لازم من لوازم الإنسان / المرأة الذي استعرته للمنديل لذا فالاستعارة هنا استعارة مكنية (الاستعارة المكنية تشبيه بليغ حذف منه المشبه به بعد استعارة صفة من صفاته أو لازم من لوازمه، نحذف المشبه به ونعوضه بصفة من صفاته أي نستعير صفة من صفات المشبه به لذلك هي استعارة، نكني عن المشبه به دون تصريح لذلك هي مكنية.) وسر جمالها في التشخيص بحيث عَمَلت على شخصنة المنديل الذي هو جماد وجعلت منه شخصا يستطيع أن يحزن وهذا طبعا من ضرب الخيال لكن بفضل الاستعارة المكنية ممكن وهذا بالطبع يعطي للخاطرة الشعرية والشعر بصفة عامة رونقا وجمالية.
أقترح فيما يلي بعض الأمثلة من الشعر تأكيدا على إمكانية استعمال هذه الأداة المسماة الاستعارة المكنية:
المثال الأول:
من قصيدة " تقرير عن هدم بيت" الصفحة 29 من ديوان "أن تكون شاعرا" للشاعر التشيكي يا روسلاف سيفرت ترجمة اسكندر حبش

لِوَهْلَة، بَدا الْبَيْتُ كَأَنَّهُ يَرْغَبُ فِي الرُّكُوعِ
لِيَطْلبَ الرَّحْمَةَ، لَكِنَّ الْأَدْرَاجَ الْبَيْضَاءَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى السَّقِيفَةِ
الَّتِي قَادَتْنِي، فِيمَا مَضَى، بِدَرَابزِينِهَا
إِلَى الْبَابِ الْمُفَضَّلِ
اِنْهَارَتْ لِتَوِّهَا
كَلَوْحِ الْوَصَايَا الْمُهَشَّمِ.
تساءل معي هل البيت يرغب حقا في الركوع؟ هل يركع لطلب الرحمة؛ نحن نعرف أن الإنسان هو الذي يركع ابتغاء مرضاة خالقه؛ لكن الشاعر هنا شخص البيت وجعل منه إنسانا على أهبة للسقوط أرضا.

المثال الثاني:

حلم قديم
سيد قطب الأعمال الكاملة الشعرية صفحة 35/36
شَدَّ يَا حُلمِي مَا أنْكَرْتُ نَفْسِي!
أتُرَى ذَاكَ الَّذِي نَعْرِفُهُ؟
قَالَ: مَا تُبْصِرُ عَيْنِي غَيْرَ رَمْسَ!
وَمَضَى عَنِّي فِي يَأْسٍ عَقِيمْ
الرمس: هو القبر الذي يكون مستويا مع وجه الأرض.
في هذا المقطع من قصيدة سيد قطب نجد الشاعر يحاور حلمه وكأنه يحاور صديقا له، يسأله هل يشاهد من أو ما يعرفانه، ليجيبه حلمه بأن عينيه لا تبصر سوى قبر؛ ثم ينصرف الحلم ويبتعد عن الشاعر و هو في حالة يأس شديد.
المثال الثالث:
مظفر النواب الأعمال الكاملة من قصيدة بحار البحارين الصفحة 86
وَجَاءَ ظَلَامٌ أَطْفَأَ كُلَّ قَنَادِيلي حَتَّى الْمَوْرُوثَةِ مِنْهَا
إذ ذاك تَلَمَّسْتُ طَرِيقِي
يأتي ظلام ليطفأ قناديل الشاعر. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف للظلام أن يطفأ القناديل؟ هذا طبعا غير منطقي. لكن اللغة تسمح بهذا.
المثال الرابع:
حُزْنٌ
من ديوان حيَّ على الشعر لسليمان الحسن الصفحة 180
أَنَا أَحْزَن
لِأَنَّ الْعُمرَ يَشْطُرُنِي بِسِكِّينٍ ..
وَقَدْ فَرَطَا الدمَا أيْضًا
وَقَطَّعَنِي بَتِشْرِينِ ..
في هذه السطور يعبر الشاعر عن حزنه الذي مرده لما يفعل به عمره؛ والعمر هنا يشطر الشاعر بسكين وكأنه قصاب يعمل في مجزرة لذبح الشعراء.

المثال الخامس:
موسيقى مرئية لمحمود درويش من ديوان أثر الفراشة الصفحة 139

وَأنَا أَسْتَمِعُ إِلَى الْمُوسِيقَى، تَنْفَتِحُ حَوْلِي
حَدَائِق، فَتَصِيرُ النَّغْمَةُ زَهْرَة أسْمَعُهَا بِعَيْني.
لِلصَّوْتِ صُورَةٌ، وَلِلصُّورَةِ صَوْتٌ مُتَدَرِّجٌ
مُتَمَوِّجٌ... أَبْعَد مِنْ مَجَازٍ أدَبِي. يَخْرُجُ
الْقُرُنْفُلُ مِنْ أحْوَاضِهِ، وَيَنْتَشِرُ عَلَى طَاوِلَاتِ
الْمَطَاعِمِ الرَّاقِيَةِ لِتَعْوِيضِ الغَرِيب عَنْ خَسَارَةٍ
مَنْسِيَّةٍ أوْ لِلْإمعَان فِي تَدْرِيبِ الْمُنْتَظَرِ عَلَى
مُفَاجَآتِ الْقَادِم.
محمود درويش تنفتح أمامه الحدائق، والنغمة تحدث صوتا يسمع بالعين، وللصورة كما للإنسان صوت متدرج ومتموج. يخرج القرنفل من أحواضه كما يخرج الإنسان من بيته وينتشر على طاولات المطاعم كما تنتشر الجنود في ساحة الوغى .. هذه الصور التي تأتي من خزائن خيالات الشاعر لا تسمح بها إلا لغة شاعرية تنبثق وتتفجر من يراع شاعر بارع كمحمود درويش.

المثال السادس:
من قصيده ثلاثة أمنيات على بوابة السنة الجديدة من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر مظفر النواب الصفحة 9
يَا إِلَهِي رَغْبَةٌ أُخْرَى إِذَا وَافَقَتَ
أنْ تَغْفِرَ لِي بَعْدَ أمْسِي
وَالشُّجَيْرَات الَّتِي لَمْ أسْقهَا مُنْذُ سِنِين
وثِيابي فَلَقَدْ غَيَّرتُهَا أمْسِ .. بثَوب دُونَ أزْرَار حَزِينَة
هل الأزرار تحزن؟ نعم تحزن عندما يريد لها ذلك الشاعر وتسمح به اللغة.
في المحصلة يمكن القول إن البلاغة وغيرها من العلوم السالفة الذكر تعطينا إمكانية الهروب من الواقع غير المرغوب فيه إلى الخيال الذي نتمنى تحقيقه أو نلتجأ إليه لنتفادى آلام الواقع أو لأسباب أخرى تصنعها الظروف.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن